الأحداث التي جرت في الساحل السوريالمقاتلين الأجانب و داعش في سوريةتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

عن الأحداث التي جرت في الساحل السوري أسبابها، تداعياتها ومقالات وتحليلات تناولت الحدث تحديث 03 آب 2025

لمتابعة مكونات الملف اتبع الرابط التالي

الأحداث التي جرت في الساحل السوري

————————————

تحديث 03 آب 2025

———————–

3 أسباب تُشعل الطائفية في سوريا/  محمود علوش

2/8/2025

احفظ المقالات لقراءتها لاحقا وأنشئ قائمة قراءتك

قوات الأمن السورية تنتشر في محيط محافظة السويداء استعدادها لدخولها عقب التوصل إلى اتفاق جديد لوقف إطلاق النار–من وكالة الأنباء السورية

قوات الأمن السورية في محيط محافظة السويداء (وكالة الأنباء السورية)

أحدثت أعمال العنف المأساوية التي شهدتها محافظة السويداء مؤخرا صدعا طائفيا جديدا في سوريا بعد أشهر قليلة على صدع طائفي آخر نتج عن التمرد الذي قاده فلول النظام السابق في الساحل.

ومع أن هذين الصدعين لهما جذور عميقة تمتد إلى ما قبل اندلاع أعمال العنف، إلا أنهما نقلا الاستقطاب الطائفي في سوريا إلى مستويات أكثر خطورة من ذي قبل.

إن التركة الثقيلة للحرب وحقبة دكتاتورية نظام البعث، التي غذّت العلاقة العدائية بين مختلف المكونات السورية طوال العقود الماضية، والتدخلات الخارجية في فترة الصراع وبعده ودورها المؤثر في تعميق الشرخ الطائفي، كلها عوامل موضوعية تفسر سياسة الهويات الطائفية التي تبدو مهيمنة في العلاقة بين مختلف الطوائف في سوريا بعد سقوط نظام الأسد.

يمكن تحديد ثلاثة محركات رئيسية تدفع هذا الاستقطاب الطائفي نحو صراع يتمحور حول منطق الأقليات في مواجهة الأكثرية، أو العكس:

    أول هذه المحركات، هو البيئة التي أنتجتها الحرب والتدخلات الخارجية، والتي أسست لواقع الكيانات الطائفية والعرقية.

في شمال سوريا، ساهم تدخل التحالف الدولي في الحرب على الإرهاب في ظهور مشروع الحكم الذاتي الكردي بقيادة قوات سوريا الديمقراطية “قسَد”.

وفي الجنوب، سعى نظام الأسد إلى تحييد الدروز عن الانخراط في الثورة من خلال منحهم نوعا من الإدارة اللامركزية. وعليه، فإن أطروحات اللامركزية التي تتبناها قوات سوريا الديمقراطية، والشيخ حكمت الهجري تستمد قوتها بدرجة أساسية من واقع هذه اللامركزية الذي تأسس في حقبة الصراع.

في السويداء، ازداد الوضع تعقيدا مع التدخل الإسرائيلي في الاشتباكات الأخيرة، حيث دعمت إسرائيل الجماعات المسلحة التي يقودها الشيخ الهجري في مواجهة الدولة السورية، التي حاولت تعزيز وجودها في المدينة ونزع السلاح غير الخاضع لسلطتها.

هذا التدخل يثير تساؤلات حول أهداف الهجري، وما إذا كان صراعه ضد الدولة يهدف إلى تأسيس خصوصية إدارية للسويداء على غرار النموذج الكردي في الشمال.

فإسرائيل لا تخفي طموحها في تقسيم سوريا إلى كيانات طائفية، مستفيدة من تقديم نفسها داعمة للدروز كجزء من إستراتيجية طويلة الأمد للتأثير في استقرار البنية الطائفية في سوريا.

    المحرك الثاني، يكمن في الهواجس التي تعبر عنها بعض المكونات تجاه الحكم الجديد، سواء بسبب تمثيله الأكثرية، أو بسبب خلفيته الأيديولوجية.

هذه الهواجس قد تكون مفهومة جزئيا، لكنها تبدو هامشية مقارنة بالدوافع الحقيقية التي تشكل سلوك هذه المكونات.

فأطروحات “قسَد”، التي تراجعت من الفدرالية إلى اللامركزية، ستبقى حاضرة بغض النظر عن هوية السلطة في دمشق. والأمر نفسه ينطبق على حالة الشيخ الهجري، الذي طالب منذ بداية التحول بأطروحات الفدرالية واللامركزية.

وبالنسبة للساحل، فإن التمرد الذي قام به فلول النظام السابق في مارس/ آذار الماضي كان مصمما لإسقاط الدولة في الساحل، والتأسيس لواقع مشابه لما يبدو الوضع عليه في الجنوب ومناطق سيطرة “قسد” من حيث الخصوصية الطائفية والعرقية.

    المحرك الثالث، يتمثل في تقاطع مصالح الأطراف الداخلية المعادية للحكم الجديد في تقويضه، وفرض تصوراتها لمستقبل النظام السياسي في سوريا.

هذا التقاطع يُبرز بوضوح منطق الصراع بين الأقليات والأكثرية، التي يمثلها الحكم الجديد بقيادة الرئيس أحمد الشرع. على الرغم من النهج الوطني الذي يتبناه الشرع، فإن ذلك لا يبدو كافيا لتبديد هواجس هذه المكونات، مما شكل حافزا إضافيا للتمسك بسياسات الهوية الطائفية والعرقية.

ومع أن رفض الشرع نظام المحاصصة الطائفية يستند إلى تجارب فاشلة في دول مثل لبنان والعراق، فإن البنية الطائفية للمجتمع السوري تفرض ضرورة إشراك مختلف المكونات في السلطة كمدخل لتحقيق الاستقرار الطائفي، وهو التحدي الأبرز الذي تواجهه سوريا في هذه المرحلة.

ليست أحداث السويداء والساحل مجرد اضطرابات طائفية عابرة، بل تعبر عن عمق الشرخ الطائفي الذي يهدد تماسك المجتمع السوري ويضغط على الحفاظ على بلد موحد.

ففي السويداء، ساهمت أعمال العنف الأخيرة في التأسيس لبيئة عداء دائمة بين المكون الدرزي والدولة، وأضعف التيارات الدرزية التي ترفض الاستثمار الإسرائيلي في حالة الدروز، والاندماج في مشروع وطني شامل.

والأمر نفسه ينطبق على الساحل، حيث أدت أحداث مارس/ آذار الماضي إلى تعميق الشرخ الطائفي الذي كان قائما أصلا في فترة الحرب.

هذه البيئة العدائية بين مختلف المكونات يراد لها أن تصبح جزءا أساسيا من هوية سوريا الجديدة، مما يعيق بناء دولة متماسكة، ويؤسس لحقبة طويلة الأمد من سياسة الهويات.

تقف سوريا اليوم على مفترق طرق حاسم. فخ منطق الأقليات والأكثرية يهدد بتقويض جهود بناء دولة موحدة، ويعزز من احتمالات دوامة لا تنتهي من الاضطرابات الطائفية والعرقية.

إن نجاح الحكم الجديد في تجاوز هذه التحديات يتطلب رؤية إستراتيجية شاملة تركز بصورة رئيسية على إعادة ترميم النسيج الوطني المفكك، وبناء علاقة ثقة مع المكونات المختلفة من خلال إشراكها في عملية بناء الدولة الجديدة، وتدشين حقبة المصالحة الوطنية الشاملة التي تشكل مدخلا حاسما للحد من حالة الاضطراب الطائفي.

ومثل هذه الخطوات ليست مجرد عناوين، بل تترجم إلى مسارات سياسية واضحة وممكنة تحقق هذا الهدف. وبقدر ما إن مثل هذه الاضطرابات تجلب مزيدا من الضغط على عملية التحول في سوريا، فإنها تجلب أيضا فرصا لتشخيص مكامن الضعف والخلل في هذه العملية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

باحث في العلاقات الدولية

الجزيرة

—————————–

ديلفري الجريمة: القتل في زمن الإنستغرام/ رامة حيدر

01-08-2025

        يُخرج القاتل هاتفه، يفتح الكاميرا، يُثبّت اللقطة، ثم ينفّذ. طلقة واحدة أو عدة طلقات. صراخ ربما. صورة مشوشة لجسد يسقط، ومن بعدها تبداً مشاركة الفيديو على واتساب أو (ستوري) على إنستغرام. بهذه البساطة يُصبح دم الإنسان محتوىً سريع الهضم، يُقدَّم بلا سياق، بلا خجل.

        ما صار وتكرر منذ مجازر الساحل السوري إلى مجزرة مدينة السويداء منذ شهر آذار (مارس) الماضي وحتى اللحظة، عنف يصل إلى شاشاتنا كما تصلنا الوجبات الجاهزة. لا نحتاج إلى أن نبحث أو نتحقّق أو نفكر، الجريمة تُسلَّم إلينا جاهزة، مختومة بصوت الضحية ودمائها وبصمت الجلاد. بلا محكمة ولا شرطة ولا سؤال. ونحن «المتلقّون» نلعب دور القضاة، نُدين، نؤيد، نحزن، نُلقي بالشتائم ومن ثم نعود لحياتنا.

        عادةً ما كانت الجريمة تُرتكب في الخفاء، تُدفن في الظلال، ثم تُكشف بالتحقيق، بالأدلة، بالاعترافات أو لاحقاً بالصدف. أمّا اليوم وفي سياق النزاع المعاصر، وفي زمن وسائل التواصل الاجتماعي انقلب كل شيء رأساً على عقب، لا تنتظر الجريمة حتى تُكشف، بل تُعلن عن نفسها بنفسها.

        ما نشهده اليوم في سوريا لا يُختصر بمنطق الجريمة وحسب، بل يظهر وكأنه أحد تمثّلات ما وصفه ميشيل فوكو بـ«العقاب الاستعراضي»، حيث لا تمارس السلطة العقوبة، بل تُصبح الجريمة نفسها عرضاً سلطوياً، رسالة عنف موجهة للمجتمع بأسره. أي: حين تغيب الدولة أو تتواطأ، يعود البشر إلى حالة «الطبيعة الوحشية»، فقد صار القتل مُباحاً، وبدأت الانتقامات والانقسامات السياسية والدينية تطفو على السطح، عندما أصبحت السلطة في يد أولئك المتعطشين للدماء. تلك الدماء التي تحولت إلى مادّة للتجاذبات السياسية وتصنيف الأفراد حسب عرقهم أو دينهم وطائفتهم. يغيب القانون ويغدو الإعلام (الإنستغرامي) منصّة للعقوبة والتفاخر دون أن يترك هامشاً للتحقيق والمساءلة. ففي لحظةٍ كهذه، لا يُرتكب العنف فقط، بل يُبثّ ويُكرّس ويُستهلك علناً. يقتل بدوره العدالة ويُوصل المنظومة الأخلاقية للمجتمع إلى الحضيض.

        سقوط الدولة وصعود العالم الافتراضي

        حين تختفي الدولة أو تفشل في حمايتها للأفراد يتمدّد «الهاتف الذكي» كأداة لسلطة موازية. في مناطق مثل السويداء، الساحل السوري وحتى دمشق، ليس الجيش أو المحكمة هو من يصوغ صورة السلطة، بل الميليشيات والمجرمون الذين يرفعون كاميراتهم إلى جانب أسلحتهم، ويصوّرون وجهوههم الفخورة والمنتصرة مُطلقين تعليقات طائفية وعنصرية. ناهيك عن الأسلحة التي حصلوا عليها من الدولة نفسها أو غنموها عبر الحرب. فبعد 7 أشهر من سقوط نظام الأسد واستلام الحكومة الجديدة للسلطة ما نشهده فعلياً هو انقلابٌ على السردية التقليدية لمفهوم «توثيق الجريمة». فبدلاً من أن تُسجَّل الجريمة بعد التحقيق فيها أو العمل على طمس معالمها، بات القاتل هو من يوثّق فعله بدم بارد، ثم يروّجه عبر وسائل التواصل الاجتماعي دون خوف من محاسبة قانونية أو مساءلة مجتمعية.

        هذا الواقع يذكّر بمشهدية القتل التي مارسها جنود الاحتلال الأميركي خلال غزو العراق عام 2003، حين وثق عدد من الجنود الأميركيين جرائم القتل عبر فيديوهات تم تداولها علناً، تحمل رسائل احتفالية واستعراضية. الفيديوهات أظهرت إطلاق النار على مدنيين، وهتافات مليئة بالشتائم، كما وثّقها العديد من المعنيين بحقوق الإنسان من هيومن رايتس ووتش والصحافة التي اعتبرت في حينها هذه الممارسات صادمة وقامت بإدانتها، لكنها لم تَتّخذ الإجراءات اللازمة كي تمنعها وتعتبرها بالضرورة انتهاكاً للقانون الدولي.

        من الناحية التاريخية، حضر توثيق الجرائم عبر الصورة كفعل موجّه ضد الجناة غالباً، يوظَّف كأداة إثبات قانوني أو احتجاج أخلاقي، كما حدث في توثيق المجازر النازية أو الإبادات الجماعية. تمت محاكاتها أيضاً في الفن التشكيلي وفي السينما والمسرح. لكن منذ بداية الألفية الثالثة، ومع التطور الهائل في تقنيات الهواتف المحمولة والمنصات الرقمية، بدأنا نشهد تحوّلاً جوهرياً: أصبح التوثيق بحدّ ذاته جزءاً من الجريمة، بل أحد أركانها. ترافق هذا الانزياح مع تصاعد ثقافة «اللاعب القاتل» في ألعاب الفيديو، حيث تتحول الكاميرا إلى عدسة مميتة، منظور بصري يمكّن اللاعب من القتل بدم بارد دون أن يرى عيون ضحاياه. لم تعد الكاميرا مجرد وسيط، بل أصبحت قاتلاً مشاركاً، أداة تنفيذ وليست أداة نقل فحسب، حيث أن هذا التشابك بين الصورة والقتل أعاد تعريف وظيفة الكاميرا، وجعل من عدسة التصوير نفسها موقعاً للعنف، لا مجرد راصد له.

        تتحوّل العلاقة بين الصورة والعنف من البُعد الترفيهي الذي اتخذته الجريمة إلى اعتماد الكاميرا كأداة قتل أساسية، لا تختلف كثيراً عن نظيرتها الحقيقية في ميادين الحرب. في عدد من ألعاب الفيديو القتالية، لا يُعطى اللاعب تحكّماً بالبطل بقدر ما يُعطى منظوراً قاتلاً من خلال عدسة الكاميرا، فتتحوّل الصورة إلى آلة موت، والعنف إلى متعة بصرية.

        تاريخ الجريمة في سوريا من الخفاء إلى العلن، ومن الإنكار إلى البث المباشر

        قبل قيام الثورة السورية في عام 2011، كان نظام الأسد (الأب والابن) يمارس العنف بسرّية منهجية. فقد قامت سياسة الدولة على الإنكار الكامل لجميع الاتهامات التي يُمكن أن توجّه ضدها إن حدث وتجرّأ أحدٌ على مساءلة السلطة عما ارتكبته من قمع وجرائم ومكائد. فالمجازر التي ارتكبها النظام في حماة عام 1982 والتجاوزات والقتل الذي قام به في سجن تدمر، مرّ دون توثيق أو تصوير، نسمع الحكايا ممّن نجوا أو عائلاتهم، تاركين هامشاً للخيال بأن يتجاوز تجاوزاته وحده. أمّا الإعلام، فقد كان موجهاً بالكامل، ولم تكن هناك وسائل تواصل اجتماعي، ولم يكن النظام يسمح بأي تسريب يوثّق القمع. الجريمة كانت تُرتكب في الظل، في غرف التحقيق وتحت الأرض، ويتمّ طمس آثارها بالكامل. هذا ما تغيّر طبعاً بعد أن بدأت الثورة، وخصوصاً بعد ظهور نشاط واضح لتطبيق فيسبوك في سوريا، فقد بدأت صفحات التنسيقيات والتوثيق، والصفحات المضادة التي تؤيد الأسد وإجرامه، توثّق مجازر الضباط وكيفية قمعهم للثوار من خلال تقييد أيديهم، وطرحهم أرضاً، والبدء بضربهم وركلهم، طالبين من المصوّر أن يُصور، ناهيك عن فيديو «مجزرة التضامن» الشهير الذي أثار صدمة واسعة وشكل نقطة تحول وحجر أساس لتجميع الأدلة التي تُدين الديكتاتور من بينها ملفات صور «قيصر» ذات العيون المفقوءة، والتي ساهمت كثيراً في إثبات تهم القمع والإجرام على نظام بشار الأسد. ومن بعدها اكتشاف سراديب وحكايا الرعب والتعذيب في المعتقلات السورية.

        في سوريا اليوم، تُقدّم حياة الإنسان كقرابين مجانية في مذابح العار السياسي والطائفي. لا تحقيق، لا محاسبة، لا أسى. فقط كاميرا مرفوعة، ويد تضغط على الزناد، ومنشور يحصد الإعجابات. خدمةً لشياطين لا تختبئ في الظلام، بل تصنع منه مسرحاً مفتوحاً، يُصوّر فيه فعل القتل بدم بارد، ثم يُشاركه القاتل بفخر على مواقع التواصل الاجتماعي، كما لو كان يدوّن إنجازاً شخصياً لا يخجل منه بل يتباهى به.

        القاتل لم يعد يرتدي قناعاً. بل يرتدي زيه الكامل، ويضع توقيعه أسفل المنشور، لا يخاف القانون، لأنه يعلم أنه لا قانون. يُخاطبنا جميعاً، نحن المتفرجون المربَكون، نحن الذين نضع «لايك» أو نمرّر المقطع أو نلعنه بلا حول، والأسوأ من القاتل هو الجمهور الصامت، العاجز عن الفعل، أو الذي يتعايش مع الجريمة وكأنها واقع لا مفر منه، والأخطر من كليهما هو الجمهور المؤيد والداعم للقتل والتحريض. هكذا يُصبح الدم رخيصاً، وتُقدَّم الأرواح قرباناً لنظام مريض، يوصل الجريمة إلى الباب ساخنة، جاهزة، معبّأة بإتقان، لخدمة الشياطين.

        تفكك الدولة ومركزية القرار

        بعد سقوط نظام الأسد الوحشيّ، وبعد 13 عاماً من الحرب، لم تعد «الدولة» موجودة كوحدة متماسكة، بل باتت (ميليشيات، فصائل، وأمراء حرب) ولم تعد هناك جهة واحدة تخشى الفضيحة، بل كل جهة تحاول إثبات «تفوقها الوحشي» عبر التصوير والبث، كما لو أن الجريمة أصبحت وسيلة لإثبات الولاء أو القوة. تصوير الجريمة أصبح وسيلة لإثبات السيطرة في زمن فقدان السيطرة. والنظام الجديد كغيره من الأنظمة القمعية التي تُستنزف داخلياً، لم يمضِ سبعة شهور على استلامه الحكم حتى بدأ باللجوء إلى التصفية العلنية كأداة ردع رمزية لكل أشكال الاختلاف أو المطالبة بالحرية والديمقراطية. يُوصل رسالة واضحة – عبر هذه الفيديوهات التي تنشرها الجهات التابعة للدولة – إلى المجتمع السوري أيّاً كان، لا ليُفزع الناس فحسب، بل ليقول لهم: «نحن لا نُخفي شيئاً، نحن لا نُحاسِب ولا نبذل جهوداً لردع أي شيء، ولن يُحاسَب أحد، أنتم وحدكم في ماكينة القتل الجديدة ولكم أعداءٌ جُدد، الشعب نفسه».

        بعد ثلاثة عشر عاماً على الحرب التي أنهكت سوريا على جميع المستويات، وبعد الانهيار المؤسساتي والتجاذبات والأطماع السياسية الواضحة والفجّة، لم تعد الدولة موجودة ككيان ضابط للجريمة، بل باتت الجريمة وسيلتها لإثبات القوة وفرضها. ورسالة تعويضية عن غياب السيطرة السياسية والقانونية، فالسلطة في دمشق لم تعد هي من يتحكم بالمشهد، فقد تفكك المركز وباتت القوى المحلية (أمنية، طائفية، ميليشياوية) والقوى الخارجية (إسرائيل، أميركا والغرب) تصنع سردياتها وتُقدّم عروضها كما تشاء. وباتت ثقافة العنف العلني تتمدد بلا هوادة، وكل مجرم يُدلي بجريمته كشهادة فوق القانون! هكذا أصبح القتل فعلاً مكرراً، والعين فقدت حساسيتها، الهواتف في يد الجميع والسلطة في يد من يجرؤ فقط.

        وهكذا أصبحنا نعيش عصراً جديداً، لم يعد العنف فيه مجرد حدث، بل مشهداً قابلاً للمشاركة والتكرار والاستهلاك الجماعي. وتصوير الجريمة لم يعد وسيلة إثبات، بل لغة سيطرة، وعلامة تفوّق، ومادة تسويقية في سوق مفتوح اسمه «الفراغ القانوني» الذي يُمارس تطبيعه العلني مع العنف.

        عندما يتحوّل التوثيق إلى سلاح، من السويداء إلى غزة

        سوريا ليست حالة معزولة عما نراه اليوم من جرائم؛ فهي جزءٌ من ظاهرة عالمية قاسية يتجلّى شكلها الأكثر سفوراً في الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين. ففي غزة، كما في السويداء، لم تعد الجريمة ترتكب فقط، بل تُعرض، وتُدوَّن، وتُزيَّن بعبارات تهكمية واحتفالية، فحين يُوثّق القاتل جريمته، لا يفعل ذلك بدافع الغرور فقط، بل لأنه يعتبر الكاميرا جزءاً من الفعل.

        جنود إسرائيليون يصوّرون أنفسهم يقصفون منازل المدنيين، يضحكون ويحتفلون بعد كل ضربة ناجحة، كما في فيديوهات سربها جنود على تيك توك في إحدى مدارس الأونروا التي اقتُحمت في خان يونس ودُمرت بالكامل عام 2024. كتب الجنود على السبورة: «درسنا اليوم، قتلهم جميعاً». أمّا في مجزرة الشجاعية، صوّر الجنود أكوام الركام وقالوا: «هكذا نعلّمهم الأدب».

        تم تداول هذه الفيديوهات وغيرها عبر صفحات ومنصات التواصل الاجتماعي الإسرائيلية كمحتوى للهزل والضحك والتسلية مما أثار عند المتضامنين مع فلسطين الكثير من النفور والاستنكار لهذه السايكوباثية المُعلنة.

        القاتل الصامت: حين يُترك التوثيق للضحية

        ما يفعله الاحتلال الإسرائيلي في غزة لا يتوقف عند القصف أو التجويع كأفعال اعتدنا عليها منذ اندلاع الانتفاضة الثانية، بل يمتد إلى التحكم في السردية. أحياناً يوثّق الجريمة بنفسه ويحتفي بها، وأحياناً يترك توثيق الجريمة للضحية نفسها، لكنه يتحكم في كيف تُرى، ومتى تُعرض، ولمن تُسوَّق.

        المشهد أكثر خبثاً وظلاماً في حالة الاحتلال الإسرائيلي وعدوانه على غزة، فالقاتل لا يصور بنفسه، بل يترك عدسة الضحية تتولى المهمة. حيث يمسك الغزاوي تحت القصف هاتفه ليوثّق الركام، الجثث، الجوع، الطفلة التي تموت من الاختناق، الأم التي تحفر بيدها تحت الأنقاض بحثاً عن أطفالها، والاحتلال يُبقي المشهد مفتوحاً، وكأنّه يقول: «دعهم يُصورون، فليصرخوا، فليعرضوا كل شيء، لن نتوقف عن قتلهم».

        والمفارقة العميقة تكمن في أن القاتل يتركك تصوّر نفسك تموت، بينما العالم يُمرر الفيديو ومن ثم يُكمل حياته وكأن شيئاً لم يكن. يتمّ تفويض القتيل بمهمة التوثيق، ليس احتفالاً بالقتل، بل تبريد له، عبر الاعتياد البصري، فالحرب ليست فقط على الأجساد، بل هي حربٌ على القيمة الأخلاقية للمشهد. والكاميرا في يد الفلسطيني الذي يُصور موت أهله وخراب مدينته بعد أن كانت أداة مقاومة تحولت شيئاً فشيئاً إلى فخ أخلاقي عميق، لأن هذا الموتتحول إلى بضاعة يتداولها العالم ليشعر بالشفقة العابرة ثم يصمت. والاحتلال يعرف هذا جيداً، يعرف أن العالم لم يتحرك حين شاهد مجازر الفوسفور الأبيض، ولم يتغير الأمر بعد صور المجاعة في مخيمات الشمال، فهو يواصل جريمته، صامتاً، منهجياً، واثقاً من أن عدسة الضحية لن تُدين، بل ستُنسى بين الآلاف من الفيديوهات المنشورة والمتداولة هنا وهناك. والدليل هو إبادة أكثر من 70 ألف شخص في غزة خلال سنتين، والعالم ما زال عاجزاً عن إيقاف المجزرة.

        ما الرابط بين الحالات جميعها؟

        تكرر النمط نفسه في نظام الأسد بعد الحرب وخلالها، أو جيش الاحتلال في فلسطين، أو السلطة الجديدة في سوريا على السواء. الكاميرا تمسك بالمشهد كأداة هيمنة وتهديد وسخرية من المقتول ومن الموت نفسه، والتوثيق لم يعد في غايته دفاعاً عن الحقيقة بل سلاحاً نفسياً يُشهر في وجه من يعترض. في هذا السياق، فإن تصوير القتل ونشره أصبح «نصاً عنيفاً» يُخاطب الجمهور أياً كان، بلغة واضحة وفجة تقولها مثلاً السلطات المسؤولة عن الجيش الإسرائيلي ونتنياهو نفسه دون رادع: «نحن نملك الحق الكامل في الإبادة، ولسنا مضطرين لإخفائها» إن كان في قصفه لغزة أو لدمشق أو لسوريا ولبنان بشكل عام.

        القاتل هنا لا يبرر لا يخجل، بل يصنع محتوى يختفي بعد يومين بالكثير، محتوى لا تحتاج الديب ويب إلى ضمه إلى قوائمها الشاذة، فقد أصبح شيئاً عادياً. هناك من يبكي عليه وهناك من يضحك معه أو يشعر بالقرف منه، وهناك من يشجع على المزيد. وكأن رؤية الموت والمجازر لم تعد كافية، يجب التعليق على الخراب والسخرية منه وتمرير العنف الممنهج على شكل (رييل) إنستغرام رخيص. وفي جميع الحالات، من الساحل السوري إلى غزة لم يعد القتل فعلاً مرفوضاً، بل محتوىً منتَجاً يوزّع كأنه إعلان لقوّة خارقة وقتل واضح وصريح للعدالة أيّاً كانت. هي ديناميكية جديدة لرمي جميع ما قام القانون بإدانته عبر التاريخ في القمامة. ولا ينفع في شيء سوى تأجيج الشعور بالعجز أو الغضب أو التحريض.

        السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل ما نعيشه من كوارث أخلاقية وإنسانية في منطقتنا وفي العالم قد تجاوز قدرة الصورة على الإحاطة والتأثير والإنقاذ؟ ماذا عن السينما كأداة تأثير ومصدر غني بالصورة والسرد العميق في النفس البشرية؟ ففي أفلام الحرب، وفي وثائقيات الإبادة، وفي مشاهد الإعدام والتعذيب كانت الكاميرا تروي ما لا يُقال، وتكشف ما يُخفى.

        لكن ماذا يحدث حين تتجاوز الجريمة السينما؟ حين لا يحتاج القاتل إلى مُخرج ولا مونتاج، بل يفتح كاميرته ويصوّر الدم لحظة نزفه؟ أوحين تتحوّل الحياة نفسها إلى فيلم بلا مؤلف، بلا موسيقى، بلا نهاية سعيدة؟ هل يموت الفن في حضرة الواقع الذي أصبح أكثر قسوة من الخيال؟ فما جدواها هي والفن في مواجهة هذا الطقس اليومي من الموت؟

        لربما تواجه السينما منافساً وحشياً أمام الواقع الذي لا يحترم بناء القصة ولا يمنح الأبطال فرصةً للبقاء. «ديليفري الجريمة» في عصرنا ليس فقط وصفاً لزمن يُوثَّق فيه القتل على الهواء مباشرةً، بل هو نهاية للمعنى، حين يصير العنف والموت مُتاحاً ومبتذلاً ومصوّراً ومُعاداً آلاف المرات. هي مقبرة يموت الفن فيها أيضاً، وتُصبح الصورة عبئاً لا عزاء فيه، مشهداً دون روح، تكراراً دون توثيق. هكذا نموت كل يوم أمام الشاشات نحن أيضاً، وهناك من لا يهتزّ له وجدان، فكل ما هنالك أن الواقع والخيال معاً أصبحا أضعف من اللحظة، وأسرع من الرصاصة والفن صار أقلّ تأثيراً من فيديو عشوائي التُقط بيد مرتجفة.

موقع الجمهورية

—————————

 عن الاستقطاب الطائفي في سوريا ومخاطره/ محمود علوش

2025.08.01

شهدت محافظة السويداء مؤخرًا أحداثَ عنفٍ أثارت القلق، مُسلِّطةً الضوء على تصاعد الاستقطاب الطائفي في سوريا، وهو ما تجلّى أيضًا في أحداث الساحل السوري في مارس/آذار الماضي.

تُظهر هذه الأحداث أن الاستقطاب الطائفي يتحول تدريجيًا إلى تهديد خطير للسلم الأهلي وللاستقرار الهشّ الذي سعت السلطة الانتقالية إلى تثبيته بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد. يجد هذا الاستقطاب جذوره في تاريخ الصراع الطويل، بل يمتد إلى ما قبل ذلك، ويُغذّيه اليوم انعدام الثقة بين الحكم الجديد وأطراف داخلية معارضة له، فضلًا عن تدخلات خارجية، كتلك التي تقوم بها إسرائيل، والتي تسعى لتعميق الانقسامات. ومع ذلك، فإن الاستسلام لفكرة أن هذا الاستقطاب حتمي، أو تغذيته عبر سياسات الهوية الطائفية، يُعدّ الخيار الأسوأ الذي يمكن أن تسلكه سوريا.

تُبرز أحداث السويداء والساحل أن التحدي الأبرز الذي يواجه سوريا في مرحلة التحول هو إعادة بناء النسيج الوطني المتصدّع، وتهدئة التوترات الطائفية الموروثة من الحرب وعقود الاستبداد التي غذّت هذه الانقسامات. هذا التحدي لا يقتصر على تهديد السلم الأهلي، بل يُفاقم تحديات أخرى أو يُولِّد تحديات جديدة. فمن ناحية، يُشتّت الاستقطاب الطائفي أولويات سوريا في بناء دولة وطنية وتحقيق التعافي من آثار الحرب، مُخلّفًا المزيد من الندوب في نسيجها الاجتماعي. ومن ناحية أخرى، تُضعِف هذه الاضطراباتُ ثقةَ المجتمع الدولي في قدرة الحكم الجديد على تحقيق الاستقرار. علاوة على ذلك، يُشكّل الاستقطاب مدخلًا لدولٍ تسعى لزعزعة استقرار سوريا لتحقيق أهدافها الخاصة. فإسرائيل، على سبيل المثال، تستغل العلاقة بين بعض التيارات الدرزية والدولة لتعميق الانقسامات، ولا تُخفي رغبتها في تقسيم سوريا إلى كيانات طائفية وعرقية. وينطبق الأمر ذاته على دول أخرى تجد في التوترات الطائفية فرصةً للتدخل في استقرار سوريا.

تتعدد العوامل التي تُغذّي هذا الاستقطاب، ومعالجتها تتطلب وقتًا طويلًا، لكن سوء إدارتها يُضاعف من تأثيرها السلبي. أبدى الرئيس أحمد الشرع التزامًا واضحًا بتبنّي نهج وطني في إدارة التحول السياسي، وسعى لتبديد مخاوف مختلف المكونات من خلال تشجيعها على المشاركة في بناء سوريا الجديدة. لكن هذا النهج لم ينجح بعد في القضاء على هذه المخاوف أو الحد من سعي بعض المكونات إلى تأمين خصوصيات طائفية. وبغضّ النظر عن الدوافع العميقة لسياسات الهوية الطائفية والعرقية، فإن الحكم الجديد لم يتمكن حتى الآن من الحدّ من تأثيرها على العلاقة مع مختلف المكونات. فتركة الحرب الثقيلة والتدخلات الخارجية التي تُغذّي الانقسامات، تبدو أكبر من قدرة الشرع على تفكيكها في وقت قصير. ومع ذلك، يُسلّط تصاعد الاستقطاب الطائفي الضوء على ضرورة تبنّي نهج جديد يُركّز على تفكيك هذه الانقسامات كأولوية قصوى.

هناك نماذج إقليمية يمكن الاستفادة منها لمعالجة الاستقطاب الطائفي ونقل العلاقات بين المكونات من مرحلة الصراع إلى مرحلة الاستقرار. من بينها لبنان، الذي لا يُعدّ نموذجًا مثاليًا نظرًا لفشله في تجاوز سياسات الهوية الطائفية وبناء دولة وطنية متكاملة. لكن الأخطاء في لبنان لا تعود بالأساس إلى اتفاق الطائف، الذي أرسى استقرارًا طائفيًا نسبيًا، بل إلى استغلال هذا الاتفاق لتعزيز نفوذ الزعامات الطائفية على حساب مشروع الدولة. وهذا ما يُفسّر حساسية الرئيس الشرع تجاه نظام المحاصصة الطائفية. ومع ذلك، فإن البنية الطائفية للمجتمع السوري تفرض نوعًا من المحاصصة كوسيلة لتحقيق الاستقرار الطائفي والمجتمعي، لا كهدف نهائي.

في الواقع، يمكن لمثل هذا النهج أن يُسهم في الحدّ من التأثيرات السلبية للاستقطاب الطائفي على عملية التحول، شريطة ألّا يتعارض مع مشروع الدولة الوطنية، بل يدعمه. إن إشراك مختلف المكونات بشكل فعّال وشفاف في السلطة قد يكون خطوة أولى لتفكيك هذا الاستقطاب. لكن هذه المسؤولية لا تقع على عاتق السلطة الانتقالية وحدها، بل تتطلب من جميع المكونات إظهار التزام واضح بمشروع الدولة الوطنية، بعيدًا عن السعي لإقامة نظام سياسي قائم على المحاصصة الطائفية.

ففي لبنان، نجح نظام المحاصصة في نقل العلاقات بين الطوائف من الصراع إلى السلام، لكنه فشل في إطلاق مشروع الدولة الوطنية أو معالجة الاستقطاب الطائفي، الذي أصبح سمة دائمة في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية.

إلى جانب المشاركة الوطنية الشاملة في بناء سوريا الجديدة، يُعدّ التأخير في إطلاق مشروع العدالة الانتقالية محرّكًا رئيسيًا لتصاعد الاستقطاب الطائفي. فالعدالة الانتقالية ليست مجرد وسيلة لمحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة خلال الصراع، بل هي ضرورة لإطلاق عملية مصالحة وطنية شاملة. يتعيّن على السوريين إدراك أن التنوع الطائفي يُشكّل ميزة لسوريا، لا نقمة، وأن منطق الصراع بين الأقليات والأكثرية مكلف للغاية، ليس فقط للنسيج الوطني، بل لمشروع الدولة الوطنية برمّته. لم تعد سوريا تمتلك رفاهية التأخير في وضع أولويات إعادة ترميم النسيج الوطني وتحقيق الاستقرار في العلاقات بين مختلف المكونات. فأحداث العنف، التي تأخذ طابعًا طائفيًا واضحًا، وإن لم يكن المُحرّك الرئيسي لها، يمكن أن تتحول إلى صدعٍ مزمن يُقوّض مشروع العبور إلى الدولة، ويُرسّخ هوامش إضافية للخارج للعبث في بنية المجتمع السوري.

تلفزيون سوريا

—————————

حسام القطلبي: السلطة الحالية نجحت بدفع السوريين إلى هويتهم الطائفية

انقسام كبير تعيشه سوريا حالياً، في مقابلة مع “درج” يشرح الحقوقي السوري حسام القطلبي الواقع الحالي مشيراً الى تركة الأسد القمعية ومسؤولية السلطة الحالية عن الانتهاكات التي تشهدها سوريا، ناهيك بأسلوب السلطة الحالية في الحرص على صورة خارجية نظيفة، في تجاهل مقصود لما تشهده البلاد وتعطيل الحياة السياسية وترسيخ الانقسامات الطائفيّة.

———————–

الازدواجية وتعصب الصدفة/ عالية منصور

آخر تحديث 02 أغسطس 2025

من ينظر إلى المشهد في سوريا قد يظن لوهلة أن هذا الاحتقان الطائفي هو وليد الأحداث الأخيرة، ولكنه في الواقع من صلب المشهد السوري، الفارق أن ما كان يُحكى في المجالس المغلقة سرا بات اليوم يُحكى علنا بل ويتم التفاخر به، ومن لا ينضم إلى معسكر الطائفيين لأي جهة انتموا تنهال عليه شتى أنواع الاتهامات والأوصاف الشنيعة.

في السابق كنت أتساءل كيف لإنسان أن يتعصب لشيء لم يكن له أساسا رأي به، فأنت لم تختر لون بشرتك أو عرقك أو جنسك أو مذهبك، ومع ذلك نرى الكثيرين ينساقون وراء هذا النوع من التعصب الأعمى بحيث يصبح أي “آخر” لا ينتمي لنفس المجموعة خصما أو عدوا.

ما حصل في محافظة السويداء جريمة بكل ما لكلمة جريمة من معنى، وما حصل في الساحل السوري قبلها بأشهر، وكل الانتهاكات شبه اليومية التي نسمع عنها في سوريا كلها جرائم مستنكرة ومدانة، ومحاسبة الفاعلين واجب، ليس فقط لأن العدالة حق للضحايا، بل أيضا واجب من أجل سوريا الوطن والدولة.

قبل أسابيع- وكنت حينها في طرطوس في الساحل السوري- اتصل بي صديق يعيش في أوروبا وهو ابن الساحل ومعارض سابق لحكم الأسدين، الرجل لم يزر سوريا بعد التحرير، أخبرني أن الوضع في الساحل لا يطاق، على عكس ما قاله لي الكثير من أبناء الطائفة العلوية الذين لم يغادروا سوريا يوما، والذين قالوا حرفيا: “الوضع اليوم أفضل بالنسبة لنا بكثير من قبل شهرين”، ومع ذلك قلت لنفسي الرجل تصله معلومات مضخمة أو غير صحيحة من خلال ما ينشر على صفحات التواصل الاجتماعي، ولكن دهشتي- أو لأقل صدمتي- كانت حين قال لي حرفيا: “صرنا نترحم على أيام حافظ وبشار”. هالتني هذه العبارة، هالتني لأنها خرجت من شخص لطالما كان معارضا للأسدين وأمضى بعض سنين عمره في معتقلات الأب، أخافني أن يصدر هذا القول، وكأن المرء لا يستطيع أن يرفض ما يحصل اليوم دون أن يتمنى عودة من قتل أكثر من مليون سوري.

في السويداء جرائم شنيعة راح ضحيتها المئات من أبناء طائفة الموحدين الدروز ومن البدو من أهالي السويداء، إضافة إلى المئات من عناصر الأمن، ولا أفهم كيف لإنسان يدعي الثقافة ويقول إنه يؤمن ويطالب بدولة مواطنة أن يختار أحد الضحايا ليتعاطف معه ويبرر سقوط ضحايا آخرين، لا أفهم كيف أن من يدعي أنه “علماني” يعود بنا إلى عقود مضت ليقول إن تهجير البدو من أرضهم مسموح فهؤلاء معتادون على “الجلوة” (شخصيا لم أكن أعرف ما هي “الجلوة” قبل التصريح).

لا أفهم خطاب البعض بالقول: “تعاطفنا معكم طيلة 14 عاما عندما كان الأسد يقتلكم”، وكأن التعاطف مع ضحايا الأسد هو موقف بحد ذاته مبني على أسس طائفية.

في اليومين الماضيين قُتل شاب في سوريا– يوسف اللباد- تحت التعذيب على يد القوى الأمنية، بعدها بساعات قُتل شاب سوري أيضا- سليمان أحمد قرقماس- تحت التعذيب، ولكن على يد قوى الأمن اللبنانية بعد ساعات على توقيفه، الأول ضجت باسمه صفحات التواصل الاجتماعي، وهو أمر ضروري، فالموت تحت التعذيب كان في عهد بشار الأسد من أكثر أساليب القتل وحشية، والمفترض أن سوريا طوت صفحة “قُتل تحت التعذيب” إلى الأبد، لكن اللافت أن الشاب الذي قُتل بنفس الأسلوب ولكن في لبنان لم يحظ بأي تعاطف يُذكر، في مشهد كان أقرب للقول إن البعض لا يرفض القتل تحت التعذيب إلا إن كان الحادث يخدم سرديته السياسية.

معارضة الحكومة اليوم في سوريا حق بل وقد تكون واجبا، فسوريا اليوم بحاجة لجميع السوريين للتصويب والبناء، ولكن تجاهل ملايين الضحايا السوريين الذين سقطوا بين قتلى وجرحى ومهجرين على يد نظام الأسد وكأن شيئا لم يكن طيلة الـ54 عاما الماضية، وكأن جريمة لم ترتكب على مدى الـ14 سنة الأخيرة، ليس إلا إشارة إلى أن ما نعيشه اليوم في سوريا بحاجة إلى مصارحة قبل المصالحة.

سوريا الأسد انتهت للأبد ولا نريد أيا من “إرث” الأسدين في الحكم، سوريا التي نريدها لجميع السوريين، وعلى جميع السوريين المساهمة في إعادة بنائها على أسس صحيحة، دولة المواطنة حيث كل جريمة مدانة بغض النظر عن الجاني والضحية، لا دولة يتعاطف بعض مواطنيها مع بعضهم الآخر بناء على مذاهبهم أو ما سيحققه هذا التعاطف من “إعجابات” على صفحات التواصل الاجتماعي.

المجلة

——————————

=================

حديث 30 تموز 2025

=====================

إبادة جوّالة من الساحل إلى السويداء: هل هذا القتل الجماعي حدث أم نمط؟

ياسين الحاج صالح

31-07-2025

        1

        المجازر بحق الدروز في السويداء على يد قوات الحكم الانتقالي أسوأ بكثير من نظيراتها بحق العلويين في آذار الماضي. هذا، أولاً، لمجرد أنه كرر المسالك الإجرامية التي سقط ضحيتها ما لا يقل عن 1500 من العلويين خلال خمسة أيام. التكرار شبه الحرفي ضد الدروز هذه المرة يُشكك بأنه جرى أخذ عبر أو استخلاص دروس مما أقرت السلطة نفسها بأنها مجازر، وظاهر أنه في أوساط تشكيلاتها المسلحة والقوات المرتبطة بها لم يخشَ أحد من اللوم، ولا يبدو أن أحداً عوقب، أو حتى عوتب، على دوره في القتل الجماعي الأول كيلا يشارك في قتل جماعي ثانٍ. وثانياً، لأن الهجوم على السويداء لم يكن مسبوقاً باعتداء على قوات حكومية ومقتل العديد من عناصرها، ولا ببلاغات تدعو إلى تمرد عام، كي يقال إن ما حدث هو تجاوزات في عملية أمنية لم تبادر إليها السلطة. ثم أنه ليس هناك ذاكرة مسمومة حيال السويداء والبيئات الدرزية في عمومها، فهي لم تكن على ولاء خاص للحكم الأسدي، بل إنها منذ سنوات مقاطعة لجيشه وحربه، وجسدت «ساحة الكرامة» في المدينة استمراراً للجذع الوطني الشعبي للثورة السورية واسترجاعاً لمنزعها السلمي الأصلي. مشاركة دروز في حرب الحكم الأسدي أو موالاة بعضهم له ليست أكبر من مشاركة سنيين أو موالاتهم للنظام الذي فتك ببيئات سنية أكثر من غيرها. وبينما أضعف البيئات العلوية العبء السياسي والأخلاقي المديد للأسدية، وحقيقة أن صاعق المجازر جاء من طرف مجموعات محسوبة على الحكم الأسدي، فإنه ليس هناك ما يماثل ذلك في السويداء. لم تتعرض أي قوات حكومية لهجوم من السويداء، وليس هناك عبء أخلاقي أو سياسي يُثقل كاهل الدروز السوريين.

        2

        يجمع بين مجموعتي المجازر صفتها الإبادية: أن علويين استُهدفوا لأنهم علويون، على نحو تجاوز كلياً الرد على هجمات فلول مسلحين على قوات حكومية. الإبادة هي استهداف جماعة أهلية أو مجموعات فرعية منها لما تكون وليس لما فعلت، أياً يكن عدد الضحايا. ومعلوم أن الممارسات الإبادية في الساحل اقترنت بقتل أسر بأكملها، بحرق منازل ونهب ممتلكات، بعمليات حيونة وإذلال (سبق غير قليل من هذه العمليات مسلسل المجازر، ولا ريب أنها أسهمت في دفع بعض العلويين إلى التسلح أو التراجع عن «التسويات»)، وبعض ممارسات الحيونة والإذلال مستمر إلى اليوم. وفي مجملها، كانت تلك معالجة أسوأ بكثير من المشكلة، على ما أقر الحكم الانتقالي نفسه حين شكل «لجنة تحقيق في أحداث الساحل».

        في السويداء كانت الصفة الإبادية ظاهرة بالقدر نفسه إن لم يكن أكثر: لقد استُهدِف دروز لأنهم دروز وليس لأي شيء قام بعضهم به، فقُتِلت أسر بأكملها، ونُهِبت ممتلكات، ودمرت منازل، وأُهين الناس في عقيدتهم وفي مظهرهم وفي هويتهم. كان قص الشوارب التي يعتز بها كثير من الدروز (وكثير من غير الدروز) بمثابة قتل معنوي للمستهدفين به، لا يقل سفاهة وطائفية عن نزع الحجب من رؤوس نساء محجبات. وفي المحصلة، كان ذلك استهدافاً وجودياً، غير مسبوق بدم أو استفزاز، تسبب برضة جماعية للدروز السوريين، نعرف جيداً أنها لا يمكن أن تزول من الذاكرة.

        يُمكن أن يقول أنصار الحكم الانتقالي إن هناك سلاحاً خارج سلطة الدولة، وهناك رفض لشرعية هذه السلطة من قبل فريق معلوم في السويداء. هذا صحيح، لكن هذه القضايا الخلافية كانت موضوع أخذ وعطاء سياسيَّين، ويُفترض أن لدينا مرحلة انتقالية طويلة للوصول إلى أنسب المعالجات لها. ما حدث هو العكس هنا أيضاً: كانت المعالجة أسوأ من المشكلة بما لا يقاس. لقد ظهر أن سلاح الدولة المزعوم هو السلاح الأشد انفلاتاً والأقل وطنية والأكثر إبادية. وأن أول نزع للسلاح يجب أن يكون من جميع تلك الأيدي النظامية والرديفة الملطخة بدماء مدنيين مسالمين، لأنها غير أمينة لا على الأرواح ولا على البلد. من شأن تسليم السلاح لتشكيلات من صنف تلك التي هاجمت السويداء، وقبلها مناطق في الساحل، أن يكون بمثابة تسليم العنق للسكين. وثناء الرئيس الانتقالي نفسه على دور مسلحي العشائر في ما يفترض أنها عملية نزع سلاح فصائلي واحتكاره من قبل الدولة هو بمثابة تكذيب لمنطق بسط سيادة الدولة، ومسلك خادع من نوع: أما أنا فلا أخلع صاحبي! أمّا بخصوص عدم الاعتراف بشرعية السلطة، فالأمر رهن بالتمثيل العادل في مراتبها، وأكثر السوريين ليسوا ممثلين، لا كجماعات أهلية ولا كمواطنين ومنظمات مدنية وأحزاب سياسية. وليس من الحق أن يكون للدولة ولاية عامة على الجميع دون تمثيل عام للجميع في الدولة. في مجتمع متعدد أهلياً وعلى نحو مركب مثل المجتمع السوري، يعادل هذا المبدأ، مبدأ أن لا ولاية عامة بلا تمثيل عام، المبدأ الذي تكرّس في سنوات حرب الاستقلال الأميركية: لا ضرائب بلا تمثيل، أي في الحالين دون مشاركة في السلطة. الأساس المشترك للمبدئين هو أن السلطة تقوم على التعاقد، على عقد ضمني يقايض السيادة بالسياسة: الدولة مقر السيادة، نعم، لكن الحقوق السياسية والمشاركة في السلطة معترف بها ومصانة. لماذا يجب على أي كان أن يقبل بسلطة لا يُشارك فيها ولا تعتبره نداً وشريكاً، بينما هي تقدم أناساً لهم أيديولوجيا فئوية فاقعة، يجاهرون بعدم احترام غيرهم، بعدم احترام أي كان غير أشباههم، والتصرف كأنهم وحدهم أهل البيت وغيرهم غرباء بلا حقوق، عبيد سياسياً؟

        3

        كنتُ في السويداء مرتين في الشهر الأول من هذه السنة. وكان المزاج العام لمن التقيتهم إيجابياً ومتطلعاً إلى المستقبل. لم يكن أحد غافلاً عن المشكلات الكبيرة في البلد، وعن ضعف القدرات والأدوات، لكن الابتهاج بطي صفحة سابقة، وإرادة السير المشترك إلى الأمام، كانت ظاهرة عند قطاع وازن من مجتمع المدينة وما حولها، من ساحة الكرامة إلى المضافات الكريمة لأسرٍ في السويداء نفسها وفي شهبا. أولئك الأصدقاء والشركاء اليوم مثل المضروبين على رأسهم بفعل ما ارتُكب من قتل وإذلال جماعيين بحق أهليهم. وهم من أضعفتهم وأهانتهم تلك المجازر والإذلالات الشنيعة، وليس من يخالفونهم التوجه والرأي في السويداء. وأكثر ما يهينهم أن إسرائيل بدت قوة منقذة، أوقف تدخلها المجزرة.

        وكنت في اللاذقية (وحمص) مرتين في الشهر الأول من هذا العام، ثم في الشهر السادس، وأكثر من التقيت بهم علويو المنبت. هنا أيضاً كان الجو العام إيجابياً يتطلع إلى أوضاع جديدة أكثر عدالة، دون أن يكون غافلاً لا عن التركة الموروثة والتحديات الناشئة، ولا بطبيعة الحال عن تكوين السلطة الجديدة. لكن أحداً لم يجعل من ذلك بحد ذاته مشكلة، بخاصة بعد ما اقترن به إسقاط الحكم الأسدي من انتهاكات محدودة قياساً للتوقعات السيئة التي سبقته عند الجميع. وهؤلاء، وليس الأسديين والموالين لهم، هم من أضعفتهم سياسياً ومعنوياً المجازر بحق أهليهم.

        وبقدر ما أمكنني تبيّنه خلال زيارتين، دامتا معاً نحو شهرين، والتقيت فيهما بأناس متنوعين دينياً وإثنياً، لم يجعل أحد من أصول وعقيدة المسيطرين الجدد مشكلة، بل لقد رأى البعض في «حكم سني» تخفيفاً لاحتقان وفرصة لاسترخاء عام في الأنفس وفي الأوضاع السياسية. كان النظر منصباً على المسالك والتصرفات، وليس على المنابت والأصول. 

        هذا للقول إنه ليس صحيحاً أن الحكم الحالي لم يُعطَ فرصة. لقد أعطي، لكن سوء تكوينه أهدرها مرتين. كانت المسالك والتصرفات شحيحة النفس، ضيقة العين، واستبعادية بجلاء تام. الواقع أنها تستأنف دينامية التقليل الأسدية المصممة كي لا تنشأ أكثرية سورية من أي نوع. لكنها هذه المرة دينامية تقليل ذاتية، تتمثل في قلة المعنى العام، القابل للمشاركة من آخرين، أي القابل للهيمنة وصُنع أكثرية. من شأن جماعة صغيرة نشطة، تخلق معان عامة تجمعها بغيرها، أن تطلق بذلك ديناميكية تكثير فتصير أكثرية سياسية، هذا بينما تتحول جماعة كبرى تعتمل في أوسطها ديناميكية تقليل، أي ضعف خلق المعاني الجامعة، أن تتحول إلى أقلية، طائفة بالمعنى المعجمي للكلمة. الأقلية والأكثرية مسألة معان، أي أفكار وقيم وبرامج، وليس حصراً معطى ديمغرافياً. ولذلك لا تتكون أكثريات حول الماضي، فقط حول الحاضر وتحدياته والمستقبل ووعوده يمكن أن تتشكل أكثرية.

        والجذر الأعمق لديناميكية التقليل النشطة في البيئات الإسلامية السنية هو أن الملأ من نخبها السياسية الدينية لم «يوقوا شح أنفسهم» بفعل استسلامهم لفكرة المظلومية (معززة بغرور التفوق)، وإرادتهم أخذ كل شيء لأنفسهم. لسان الحال يقول: نحن مظلومون، إذن نحن على حق في كل ما نفعل! ثم أننا متفوقون، فلا حاجة بنا لمعان وقيم جديدة تجمعنا بغيرنا. لكن هذا باطل ومنبع شرور كثيرة. وإذا أردنا أن نعرف إلى أين يؤدي تعريف النفس بالمظلوميات (والتفوق) فلننظر إلى إسرائيل، الكيان الأكثر أنانية في العالم، الذي لا يفعل خيراً لأحد، ولم يفعل غير الشر في هذه المنطقة التي نكبت به.

        4

        حين وقعت «أحداث الساحل»، لم يكن من غير المعقول التفكير فيها كحدث فرد، وقع بفعل تقاطع سلاسل أحداث وتقديرات متعددة، دون أن يكون مبيتاً سلفاً أو «مكتوباً» في نمط سابق له. لكن حين وقعت مجاز الدروز في السويداء، لم يعد صحيحاً التفكير في الأمر كحدث فرد وابن لحظته. صار أقرب إلى نمط، شيء يُحيل إلى بنية فكرية سياسية مؤسسية خلفه، ينبع منها ويُعززها. وقد وقع في الآونة الأخيرة حدثان يرجحان فكرة النمط المتكرر. أولهما ما تعرض له من اعتداء سفيه اعتصامٌ صامت عقدته مجموعة من المشتغلات والمشتغلين بالشأن العام أمام مقر مجلس الشعب السوري، كان شعاره الوحيد: دم السوري على السوري حرام! هاجم المعتصمين شبان موالون، جمعوا بين الجهل والبذاءة وانعدام الأخلاق، وطبعاً قلة الاحترام، ونال الزميلة زينة شهلة ضربة بعصا على العضد وصفعة على الوجه من أحد المهاجمين. وهذا بينما كان عناصر الأمن العام يقفون على مقربة دون أن يتدخلوا. في ذاكرتي الشخصية تجربة مماثلة في آذار 2005، تفيد بأن ما تغير هو من يحمل العصا ومن يصفع، ليس نظام الضرب بالعصي والصفع على الوجوه.

        ويثير التفكيرَ شعورُ المهاجمين بخطورة شعار تحريم الدم السوري، وما يضمره هذا الشعور من وعي بخطورة تجريد الحكم الذي يوالونه من القدرة على القتل الجماعي، كأنما لا يبقى دون ذلك. وما يدرج هذا الحدث ضمن نمط الإبادة هو الاعتداء على معتصمين مسالمين من قبل «متطوعين» فاشيين، يحللون الدم أو يحرمون تحريمه، بينما «الدولة» تتفرج.

        هل هم متطوعون أم مدفوعون؟ ليس الأمر أقل سوءاً إن كانوا متطوعين. وجود قوى قمعية رديفة مميز للتجارب الفاشية التي لا تطيق استقلال الدولة أو التمييز الصارم بين الدولة والمجتمع. هذا يمحو الفرق بين التطوع والتوجيه عبر تغلغل متفلت لقوى الدولة في المجتمع، وعدم انضباطها بالمؤسسات والأجهزة المعروفة. في مثل هذا الوضع، يكون الانفلات بنيوياً، ليس خروجاً على الانضباط المؤسسي، بل انضباط بمنطق آخر، مكمل: منطق الدين أو الطائفة أو العشيرة، المنظمات الرديفة للدولة. الردفاء الذين هاجموا الاعتصام المسالم شبيحة بكل معنى الكلمة، مثل من هاجموا اعتصامات وتجمعات المحتجين السوريين في بداية الثورة: قوى طائفية، بذيئة، عنيفة، غير نظامية، لكن مرجعها «الدولة الباطنة» (المقر الطائفي للسلطة الحقيقية). وهذه دولة مشرشرة، بلا حدود واضحة ولا قواعد عمل مطردة، كثيرة المجسات، لكنها غير عاقلة.

        بعد أيام من الاعتصام، وفي بيان مصور بادر طلاب من كلية الهندسة في جامعة دمشق إلى حظر دخول الطلاب الدروز إلى الجامعة، لأن «جامعاتنا لا تتسع لهويتين»، فـ«إما نحن وأما نحن»، في تعبير فاشي هو الآخر عن مبدأ نقاء، نعرف أن كل تنويعاته، سواءً كانت باسم العرق أو الدين أو الطبقة، اقترنت بمسالك إبادية. والـ«نحن» التي يُشهرها بيان مهندسي المستقبل هي كما يظهر من زي المجموعة إسلامية سنية سلفية، ليس مستغرباً ممن لهم تكوين مثل تكوينها في أن يتصرفوا كمُطوِّعة طائفيين، أو كقوة قمعية متطوعة، تعرف أن الدولة دولتها. يفترض المرء أن الجامعة مكان اختلاط وتعدد وحرية تفكير وتعبير وميدان للمعرفة والنقاش المفتوح، مكان تعدد وتفاعل هويات، وأن الجامع هو المساحة التي لا تتسع لهويتين (الواقع أن الجوامع في مراحل من تاريخنا اتسعت لهويات فقهية وكلامية متعددة). ولا يحتاج إلى تأكيد خاص أن شعار إما نحن أو نحن ذو مضمون إبادي، لا يختلف في شيء عن: الأسد أو لا أحد! في تنويعاته العدمية المتعددة. من كان يجب محاسبتهم والضرب على أيديهم علناً هم هؤلاء المحرضون الطائفيون الذين يمزقون مجتمعهم وبلدهم، وليس صحفية تحرض طائفياً على وسائل التواصل الاجتماعي، ولا طلاب علويون ودروز اعتقلوا بذريعة حمايتهم أحياناً، وانقطع أثر بعضهم. 

        الجامعة التي لا تتسع لهويتين لن تلبث أن تضيق بكل غير المسلمين، ثم بكل غير المسلمين السنيين، ثم بكل المسلمين غير النمطيين، ثم بكل المسلمين المؤمنين من غير السلفيين. الانطلاق من الهوية لا يؤدي إلا إلى التفكك الكامل لكل معنى عام، لكل هوية جامعة، ولو جزئياً. هذا في واقع الأمر خطاب سلطة ومحو، وليس خطاب تأكيد لهوية. خطاب قتل جماعي، إبادة.

        5

        يثير النمط الإبادي انفعالات حادة محقة، لكن حقّيتها لا تضمن أن تفضي إلى مسالك صائبة. هذان شيئان مختلفان. الحق في الغضب لا يعني الحق في المسلك المبني على الغضب، وبخصوص السويداء يبدو أن غضبة الحق يمكن أن تُسخّر للتسبب بغير قليل من الباطل. الفترة الراهنة في السويداء هي الأخطر في تاريخ المدينة والجماعة الدرزية خلال أجيال لأنها تجمع بين الغضب والحق، وبين تدخل لاعب قوي له تاريخ إبادي نشط: إسرائيل. ويخشى المرء أنه إلى حين تهدأ النفوس قد يكون الوقت فات لإصلاح المسالك التي ألهمها الغضب. لدينا مثال قريب جداً على ذلك إلى درجة أننا قد لا نراه: الغضب المحق الذي تملك جماعات سنية واسعة أثناء سنوات الصراع السوري الطويلة يكمن بصورة مباشرة وراء كارثة الساحل، وبصورة ما وراء كارثة السويداء. هناك فيديو قصير للشهيد عبد الباسط الساروت يعبّر عما تتركه المعاناة القاسية من غضب يسهل توجيهه نحو الانتقام والإبادة. أن تكون مظلوماً، لا يضمن أنك محق فيما تفعل، لا إذا كنت سنياً ولا درزياً ولا علوياً. ولا يهودياً. 

        تهجير البدو من السويداء هو من تلك المسالك الخاطئة، وهو عملية تطهير عرقي لن تزول بدورها من ذاكرة الضحايا، والبلد. والتعاون مع إسرائيل هو قفزة واسعة في المجهول، في مجهول معلوم في واقع الأمر، يُرجح أن يؤول بالمتعاونين إلى رهائن لا إلى أحرار مالكين لقرارهم.

        الانفعالات الحادة تقطع روابط الناس بغيرهم، وتقطع روابطهم بأنفسهم وتاريخهم. تُصَغِّر وتُقلِّل. لسان حالنا حين نكون في أشد الانفعال هو: يا وحدنا! وفي وحدتنا نرتد إلى أنفس جزعة ناقمة، تقطع مع غيرها ومع ماضيها. وقد تهتف بهستريا: بدنا إسرائيل! في الشتات السوري، يظهر بوضوح اقتران الانفعالات الأشد مع الهوياتية المطلقة، آخذة أشكالاً نقائية و«تفاصلية»، تسوِّر نفسها بـ«عزلة شعورية» عن الغير من الشركاء المحتملين. التفاصل والعزلة الشعورية هي من عبارات غاضب سابق، كتب قبل أكثر من ستين عاماً: سيد قطب.

        6

        الدعوة الجماهيرية إلى «مسيرات جماهيرية حاشدة» يوم الجمعة، «تأكيداً على الوقوف خلف القيادة السورية، وتعبيراً عن الولاء للوطن ووحدته، ورفضاً لكل أشكال التدخل الخارجي»، تشبه في لغتها تماماً لغة الحكم الأسدي ومسيراته الجماهيرية دعماً لـ«القيادة التاريخية الحكيمة» في عامي 2011 و2012. ليس واضحاً من يدعو إلى المسيرات، لكن عليها عبارة «الجمهورية العربية السورية» و«الهوية البصرية» التي اعتمدت قبل أسابيع. وهي إن لم تكن دعوة رسمية، فعلاقتها بالسلطة مثل علاقة الشبيحة الذين هاجموا اعتصام تحريم الدم السوري، ومثل طلاب الهندسة السلفيين.  

        هذا مؤشر جزع في أوساط السلطة، يصدر على الأرجح عن إدراك لفقد ثقة واسع بها وتراجع في شعبيتها بعد مجازر الدروز. إنها محاولة للرد على ديناميكية التقليل الذاتية التي ذكرت فوق. لكن في هذه الدعوة تغذية غير عاقلة للاستقطاب الحاد المتفاقم في البلد، واستعراض قوة طائش. يقال إنه إذا وقعت في الحفرة، فأول ما يجب أن تفعله هو ألا تحاول الحفر مجدداً، لكن هذا ما تفعله السلطة اليوم، معمقة الوقعة على نفسها وعلى البلد.

        هذا هروب إلى الأمام، كأنما أخذت الجماعة العزة بالأثم. الصحيح هو الاعتراف بالخطأ ووقفة مسؤولة تُعيد هيكلة أجهزة الحكم باتجاه وطني تشاركي. كل يوم يمضي دون ذلك يجعله أكثر صعوبة ويُقربنا من كارثة أكبر من كل ما عرفنا.        

        7

        بنظرة عريضة، لا يبدو أن التاريخ الذي ابتدأ عقب نهاية الأبد الأسدي سيكون انتقالاً نحو أوضاع جديدة أوسع قاعدة وأكثر استقراراً. الأوضاع الحالية اتجهت لأن تكون أضيق قاعدة مما كانت قبل هذه البداية الكبيرة في تاريخ البلد، وأضيق أي بداية أخرى عرفها تاريخ سورية، خلافاً لما يبدو أن الطيف المسيطر الجديد والموالين له يعتقدون. هذا وضع لن يستقر ولا يمكن أن يستقر. وبينما يُفتَرض أن المرحلة الانتقالية، الطويلة، هي الأمد الزمني الأنسب بمعالجة مشكلات الانقسام الوطني والاجتماعي، الموروثة والمحتملة النشوء، على نحو يُمهد لأوضاع دائمة ذاتية الإصلاح، فإن مسالك السلطة القائمة تبدو ترسيخاً متعجلاً لدوام سلطتها، وهو ما يُبقي البلد في حالة استثناء مستمرة، أي في انتقال أبدي إلى لا شيء، مثل الأبد الأسدي.

        بصورة ما، يشبه الوضع اليوم وضع سورية بعد الاستقلال، لكن مكبراً عدة مرات: مشكلات كبيرة تكسر الظهر، وقدرات وموارد محدودة، وكفاءات متواضعة، واندراج غير حذر في بيئة إقليمية متقلبة تتغير استقطاباتها كل حين، وميول نابذة مبعدة عن المركز وأوضاع لا تستقر. وفوق ذلك طيش مأساوي في التعامل مع هذه المشكلات. الانقلابات تلوح في الأفق سلفاً. الفارق أنه يُستَبعد للانقلابات المحتملة اليوم ألا تكون دموية خلافاً لمعظم انقلاباتنا بعد الاستقلال، والأرجح أن تأخذ شكل انفجارات اجتماعية مكلفة كيانياً، وليس بشرياً ومادياً فقط.

        ثم بنظرة أطول أمداً، تبدو سورية بلداً تراجيدياً، كان غير مستقر لكنه غير دموي كذلك (بين 1946 و1963، وبصورة ما حتى 1970)، ثم صار مستقراً لكن بكثير من الدم (1970-2024). اليوم نبدو مقبلين على أوضاع عديمة الاستقرار وكثيرة الدم. إلا أننا حيال تراجيديا دون وعي تراجيدي، دون وعي بالتناقضات والصراعات بين الحقوق (وليس بين حق وباطل) والذاكرات المتنافسة (وليس المنفتحة على بعضها).

        الوعي السائد بين المتخاصمين اليوم مفعم بالهوياتية والكراهية.

        وباليقين. واليقين مميت، وهو في العربية اسم آخر للموت.

موقع الجمهورية

————————–

 “موتٌ هامشّي”.. حساسين ملوّنة وفراريج بيضاء/ مالك داغستاني

2025.07.31

هذه المادة ليست ردّاً على صديق، كما ستراودكم الشكوك بعد قليل. هي، بعيداً عن السياسة بمعناها المباشر، محاولةٌ لإعادة ترتيب شعورٍ شخصي، ومساهمة، أعتقد لن تنجح، في وقفِ إعادة إنتاج التمييز، ليس بين القاتل والضحية هذه المرّة، بل بين الضحايا أنفسهم.

نعم، مجرد تجربة ذاتية لشرح الشعور حين يُصبح موتك أمراً عادياً ومألوفاً، بينما موت آخرين فاجعة تنال “شهادةً” تُثبت أنها من النوع القابل للتضامن. تضامنٌ يتوجب عليك تكرار الإعلان عنه في كل لحظة، حتى لو كنت مشغولاً بالسير في جنازتك الخاصة. ما يجعل الأمر برمته يبدو نوعاً من التمييز في الحكاية، إضافة إلى أنه يمثل حالة إرهاب تحاصرك أخلاقياً.

في رسالةٍ صوتيةٍ، عاتبني صديقٌ، كيف أنّي لم أُظهِر موقفاً قويّاً من مجازر الساحل، ولم أتّصل به لأسأل عن سلامة أهله. آلمني كثيراً أن صوته كان حزيناً صادقاً ومملوءاً بالمرارة. لصديقي سيرة ناصعة البياض خلال الثورة وما قبلها في سجون الأسد الأب، ما جعلني أرسل له على الفور، روابط موادّ، تظهر موقفي الإنسانيّ والسياسيّ واضحاً من كلّ ما جرى. وتابعتُ برسالة تبيّن ما فاته، وبالتأكيد اعتذرت منه لعدم الاتصال والسؤال.

ما أحزنني أكثر من رسالته، هو أنّه لم يردّ. انتابني إحساس أنّ صمته ينمّ عن موقف بالغ القسوة، وكأنه كان يطالبني ببيانٍ سياسي شخصيّ! أو بكتابة منشوراتٍ على مدار الساعة، كما يفعل كثيرون. خلال كل ذلك، كانت تتناوبني مشاعر مختلطة بأن ثمة خللاً، فيما جرى بيننا، من النوع الذي يمكن وصفه، مجازاً، بأنه “مغالطة منطقية”.

خلال سنواتٍ طويلة، كان من الطبيعيّ، على ما وصلت إليه، ألا يسألني الصديق ولا مرّة واحدة عن أهلي، وهم يتلقّون كلَّ أنواع القذائف والبراميل. كان اسم قريتنا الصغيرة (عدّة مئات)، يتردّد في عواجل الفضائيات العربية مراراً وتكراراً. نعم، قريتنا “ديرفول” التي لا يظهر  اسمها على الخرائط المطبوعة، كانت خبراً عاجلاً لسنوات. خلال تلك الهجمات، كان أخي يقضي وقته في كهفٍ جهّزه تحت الأرض داخل حديقة بيته.

إضافة إلى أخي وعائلته، هناك يعيش أبناء وبنات عمومتي، وأقارب وأصدقاء. كانوا يومياً ينتظرون كلّ أنواع الموت. في يومٍ واحد، تلقّت القرية أكثر من تسعين قذيفة مدفعية. نعم، قذائف مدفعية ثقيلة، وليست قذائف هاون، فالأخيرة بمختلف عياراتها كانت من طبيعة أيامهم. هبطت فوق بيوتها البراميل المتفجرة، وكثير من المرّات قصفها الطيران المروحي والحربي بالصواريخ العادية والفراغية. أشياء يصعب تصديق أنها حدثت فوق رؤوس ساكني تلك البقعة متناهية الصغر، لكنها حدثت بالفعل.

في يومٍ من أيام عام 2017، بعد ضغوط التحقيق، خرج أخي وزوجته “مريضة قلب” من فرع “أمن الدولة” إلى المستشفى مباشرةً. كانوا أُوقفوا بسبب تقا رير المخبرين، فقريتنا ليست مُجمّعاً للملائكة، كما يمكن أن تبدو لكم في كتابتي هنا. صباح اليوم التالي، وبدلاً من خروجها من المستشفى إلى بيتها، خرجت معلّمة مدرسة القرية إلى مثواها الأخير. لليوم، أحتفظ بصورةٍ فوتوغرافية لأخي، أعاينها كلّ فترة وتغلبني دموعي.

لا أدري كيف خطر لابنه أن يلتقط له الصورة في تلك اللحظة. في منتصف الكادر، رجلٌ حزين يمشي وحيداً في البعيد، عائداً من المدينة بعد أن دفن زوجته، حيث لم تسمح قوى أمن الأسد بنقل جثمانها إلى القرية. يحمل بيده كيساً صغيراً من النايلون فيه بقايا أشياءها. بينما كان الابن عند المعبر الفاصل بين مدينة حمص والريف الشمالي. ينتظر أباه ليعيده وحيداً دون أمّه، وكان أوصلهما كلاهما إلى نفس المكان قبل أيّام.

كلّ ذلك كان يحدث، ولم يخطر لصديقي يوماً أن يسألني: هل أخاك بخير؟

أخجل أحياناً من فكرةٍ، أخمّنُ اليوم أنها تسود في الطبقات السفلى من اللا شعور لدى كثيرين (كان بودّي كتابة “البعض” بدل “كثيرين”). أنّ هناك في سوريا فئة موجودة بكثرة فائضة، تشبه فراريج المداجن البيضاء (بلا آباء ولا أمهات). هي بطبيعة الحال معدّةٌ للذبح، أو على الأقل من المألوف ذبحها. وفئاتٌ أقل عدداً، هي بمثابة عصافير الزينة (حساسين، ببغاءات وطيور كناري)، يجب ملاحقتها بالرعاية، والحفاظ على حياتها، وأحياناً تثبيت أجهزة تتبّعٍ عليها لمراقبة تحركاتها والتأكّد أنها بأمان، وأعتذر هنا للمبالغة الكاريكاتيرية. أعتذر لأني في حقيقة الأمر، بلا أية مجاملات كاذبة، حريصٌ على كل الفئات، لكن كباقي السوريين تماماً، لا أكثر ولا أقلّ. وأشعر أن أية حالة تمييزية للأقليات، تُستخدم بطرق مشوّهة، هي لوثةٌ شاذّة استمرأها بعض أصحابها.

 تعرَّضَ مصطلح “حماية الأقليات” (Minority Protection) وما زال للتشويه في سوريا. قبل وبعد سقوط الأسد، ما ولّدَ ليس فقط عَوَراً سياسياً، وإنما خللاً على صعيد المشاعر أيضاً لدى كثيرين. تشويهٌ سببته عقودٌ من الحكم القمعي الذي مارس تمييزاً ممنهجاً على الجميع، وتمادى خلال العقد الأخير ضد الأكثرية بمستوىً أشدّ. للمفارقة، باسم تلك الحماية جرى غالباً التمييز بدلاً من الحدِّ منه.

اليوم يبدو من الخطورة بمكان، ليس فقط أن تتعامل الإدارة الجديدة بمنطق الغلبة والقهر ضد الأقليات، وهذا مقتلٌ وطني. لكن الأخطر أن ذلك سيؤدي إلى أن ترى الدول المؤثرة الأقليات كشركاء ضعفاء يحتاجون الحماية المباشرة، ما يعيد إنتاج منطق الوصاية، ويُجهض أيّ إمكانية لمواطنة متساوية.

بالتأكيد حماية الأقليات من أي تغوّل ضرورة إنسانية وأخلاقية، لكن لا يجب أن تكون على حساب العدالة ولا على حساب الأكثرية المضطهدة بدورها. المعادلة السليمة تبدأ من الاعتراف المتبادل بالمعاناة، وتأسيس دولة لا تحتاج فيها أي جماعة إلى حماية خاصة. طبعاً من البديهي، في كل بلاد الأرض، أن إنجاز هذه الخطوة هو أولاً مسؤولية الدولة (التي لم نحُزها بعد للأسف)، لأن الجميع يجب أن يعيشوا في ظل الدستور والقانون، لا في ظلال الطوائف والأعراق.

بالعودة إلى قريتنا. فقد حدث ما حدث فيها قبل سنوات. مع ذلك، في ظلّ السعار الطائفي والعرقي الحالي من الجميع، الذي ساهمت (النخب) في تأجيجه، خصوصاً بعد أحداث السويداء المريعة والكارثيّة، عادت لي فكرة أنّ أخي وأهلي هناك ارتضوا أن يكونوا مع ذاك الفروج الأبيض، الذي يذهب للذبح يومياً، في دورة حياةٍ دمويةٍ بدت طبيعيةً لصديقي. هم لم يقدّموا أنفسهم كأقلية، أو بصفتهم طيوراً نادرة بريشٍ ملوّن، بل ضاعوا مع الفراريج البيضاء، وشاركوا معها في كلّ شيء: التظاهر السلمي والاعتقال والاختفاء القسري. القتال وتلقّي الموت يومياً في بيوتهم. الحصار والجوع ومن ثمَّ التهجير بالباصات الخضراء، واللجوء.

حدث كلّ ذلك، ولم أكتب أي بيان شخصي، بل ولم أتحدّث عن الأمر إلا لماماً. كان الأمر بالنسبة لي قضية خاصة تستنزف المشاعر في الكثير من الأيام والليالي. أما كقضية عامة، فهي كباقي الجغرافيا السورية التي عانت من جرائم مماثلة، ومقتل كل سوري مهما كان انتماءه جريمة موصوفة بالنسبة لي، وأنا أعلم أن هناك في كل مدينة وقرية من كان يدفن قلبه مع أحبائه. طبعاً هذا كله لا يعني أنني ألوم من يدافع ضد موت أهله، فهذه فطرة بشرية.

اليوم، بينما أكتب هذه المادة، خطر لي، أكثر من مرّة، أن أجعل حكايتها رمزيةً دون تسميات، فأحوّلها إلى قصة قصيرة على لسان الفراريج والحساسين وطيور الكناري، متكئاً على ابن المقفّع في كتابه “كليلة ودمنة”، كي لا أخدش مشاعر أحد.

طبعاً فشلتُ في مجاراة ابن المقفع، أدبياً على الأقل. وعلى سيرة الأدب، ومن أجل بعض الإنصاف، ردّاً على تعميمات تمييزية وسطحية بدأت تظهر في الفضاء العام هذه الفترة، واضحة حيناً أو مع بعض المواربة في أحيان كثيرة، يلزم أن أقول، أنه في قريتنا الصغيرة، قرية الفراريج البيضاء، يوجد سبعة كتّاب لديهم كتباً مطبوعة ومنشورة، وأكثر من هذا العدد فنّانون تشكيليون أعضاء في نقابة الفنون الجميلة. نعم، فراريج بيضاء لكن تصادف أيضاً أنهم يجيدون الأدب والفنون والأخلاق، وتشييع الجنازات. تماماً مثل أهلك الطيبين يا صديقي.

تلفزيون سوريا

———————–

 المثقف السوري وسؤال الضمير: جدل الانتماء والحياد في مراحل التحول السياسي/ طالب الدغيم

2025.07.31

عبّر المفكر إدوارد سعيد عن دور المثقف بوصفه «منفيّاً دائماً، ومضادّاً للسلطة، ومُعبّراً عن المقموعين»، واستقرت الفكرة الجوهرية لرسالة المثقف حول التزامٍ أخلاقي ومعرفي حيال الحقيقة؛ فدوره يتمثل في ممارسة مقاومة معرفية، والاضطلاع بمسؤولية ضميرٍ يُعيد وصل ما انقطع بين الإنسان وقضاياه.

إلّا أنّ هذه الفرضية، في السياق السوري، تهاوت تحت ضغط الطائفة والمصلحة والاصطفاف، فتحوّل عددٌ من المثقفين إلى وكلاء سرديات لا تُعبّر عن الضمير الجمعي بقدر ما تحاكي سيكولوجيا الخوف أو نزعات الهيمنة. ولم يعد السؤال عن موقع المثقف من الصراع، بل عن طبيعة العلاقة التي تربطه بمنظومة العنف: هل هو شاهد؟ أم محرّض؟ أم مبرّر؟

لقد وضع الانفجار الداخلي السوري، بطابعه الاجتماعي والطائفي والسياسي، المثقفَ أمام لحظة اختبار كاشفة. وهو اختبار يمكن فهمه من خلال مفهوم “الذنب الوجودي” لدى الفيلسوف الألماني كارل ياسبرز، الذي يرى أن الصمت في مواجهة الجريمة لا يُنتج حيادًا، بل يُشكّل تورطًا أخلاقيًا لا يُغتفر.

وهذه المقالة محاولةٌ تفكيكية لقراءة خيانة المثقف السوري، من منظورٍ غرامشياني يربط المثقف بالبنية، وماكيافيلياني يرصد توظيف الأخلاق في خدمة المصالح والقوة، وذلك في سبيل إعادة الاعتبار لدور المثقف العضوي، بوصفه شاهداً على الحقيقة، وفاعلًا في إنتاج المعنى، ومؤمنًا بوظيفته المعرفية في مقاومة الباطل.

المثقف السوري واغتراب الضمير

يُقدّم المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي في كراسات السجن تصوراً بنيوياً للمثقف، يرفض فيه عزله عن البنية الطبقية والسياسية للمجتمع الذين نشأ فيه، ويصنّفه بوصفه “مثقفاً عضوياً”، فاعلًا في إعادة إنتاج النظام الرمزي، ومهيمِناً على أدوات الوعي الجماعي. وضمن هذا الإطار، لا يمكن فهم المثقف السوري الذي اصطفّ إلى جانب نظام الأسد البائد أو انخرط في الخطاب الطائفي في مرحلة ما بعد سقوطه، كحالة فردية معزولة، بل ينبغي قراءته كجزء من بنية ثقافية وظيفية، شاركت في شرعنة العنف، وإعادة تدوير آليات الهيمنة في لحظة تفكك سياسي واجتماعي عميقة.

وعلى الضفة المقابلة، تكشف ماكيافيلية بعض المثقفين عن انقطاع حادّ بين المبدأ الأخلاقي ووظيفة الخطاب؛ إذ لم تعد مقولة “الغاية تبرر الوسيلة” قاعدة سياسية، وإنما تحولت إلى استراتيجية بلاغية تُنتج تواطؤاً ناعماً مع الانتهاك أو الخروج عن القانون، وتُخضع المعايير الإنسانية لمنطق المصلحة والتحالفات، وتبرر العنف لغايات مرحلية. ومن هنا يغدو المثقف شريكاً في بناء ما يمكن تسميته بـ”البنية التبريرية للعنف”، حيث يُختزل الإنسان إلى معطى وظيفي في معادلات الاصطفاف والنجاة، ويصبح دور الضمير التعامي أو الإنكار.

إنّ هذا التحوُّل من النقد إلى التبرير، ومن الانحياز إلى الحقيقة إلى التطبيع مع الخطأ، يُمثل انحرافاً جوهرياً عن الوظيفة التاريخية للمثقف الناقد والعضوي. فالمثقف الذي يبرّر الاستبداد والظلم، أو يصمت عن الجريمة، بحجة الواقعية أو تجنّب الفوضى، إنما يُنكر إنسانيته قبل أن يُنكر مسؤوليته الأخلاقية. ولذا، يُحذّر القرآن الكريم من التورط في كتمان الشهادة، بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (البقرة: 283)، فالمسألة تتعدى الموقف السياسي إلى الامتحان الأخلاقي، والذي يمس جوهر إنسانية الإنسان، ودوره في إنتاج الوعي ومساءلته، وقد نبّه المفكر مالك بن نبي إلى خطورة هذا الانفصال بين الثقافة والضمير، حين قال: “القضية ليست في أن نكون مثقفين، بل في أن يكون لنا ضمير ثقافي”.

وفي هذا السياق، تحوّل بعض المثقفين السوريين إلى “فنيّي سرديات”، يوظفون أدوات التفكيك لتعويم الألم، أو تطويعه ضمن سردية النظام الأسدي أو خطاب الهيمنة والاستقطاب من الأطراف المتنازعة في المرحلة الانتقالية. فيما لجأ آخرون إلى التذرع بـ”الحياد الإيجابي” أو “الاستقلال المهني”، متجاهلين أن الصمت، كما يصفه الروائي والفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر: “هو في ذاته موقف سياسي، وأن الحياد في لحظة المجازر لا يعني إلا الانخراط الرمزي في الجريمة”.

إن أخطر أشكال انحراف المثقف هو التورط اللا واعي أو التحيز المضمر، حين يتخفّى خلف خطاب المواربة والتجريد أو يرتدي ثوب الحكمة والتوازن العقلاني. فما معنى أن يُنتج مثقف نصاً مطوّلاً عن “أزمة العقل التنويري” أو “أزمة الحداثة”، بينما تُرتكب مذابح في مسقط رأسه دون أن يُسجّل موقفاً عادلاً يثبت أنه مثقف الضمير الجمعي وليس فئه اجتماعية أو منطقة بعينها؟

الطائفية كنموذج فوق ثقافي: انكفاء المثقف إلى جماعته الأصلية

إذا كانت الطائفية، كما يعرّفها عزمي بشارة، “مقولة هوياتية ما دون وطنية تُمارس الفعل السياسي على أساس الانتماء الأولي لا على أساس العقد الاجتماعي”، فإن تغلغلها في البنية الثقافية لا يعكس فقط أزمة الانتماء، بل يكشف عن تصدّع عميق في المشروع الوطني وانهيار مرتكزاته لصالح البنى التقليدية والولاءات ما قبل الدولة.

وقد شكّل السياق السوري المأزوم نموذجاً صارخاً لهذا الانزياح، حيث انكفأ عددٌ ملحوظ من المثقفين إلى “قبائلهم الرمزية”، سواء من خلال خطابهم الضمني، أو انحيازاتهم المضمرة، أو صمتهم الانتقائي تجاه العنف والانتهاكات الصادرة عن جماعاتهم الأصلية. وهو ما يُمثّل تخلّياً واضحاً عن دور المثقف بوصفه حاملًا لمشروع الدولة الوطنية والهوية الجامعة، وتحولاً خطيراً من فاعلٍ في إنتاج الوعي العام إلى ناطق باسم الجماعة، ومساهم مباشر في تكريس الانقسام الهوياتي.

إن انحياز المثقف إلى طائفته أو قبيلته أو جماعته المصلحية هو خيانة للرسالة الأخلاقية والإصلاحية التي يفترض أن ينهض بها، وتفريط بمنطق المواطنة لصالح منطق الولاء البدائي. وقد عبّر القرآن الكريم عن معيار الالتزام الأخلاقي الذي لا يستثني أحداً، بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (النساء: 135).

لقد برزت في المشهد السوري، ولا سيما في بعض الأقليات الطائفية أو التيارات الإيديولوجية، فئة من “المثقفين الطائفيين والإيديولوجيين المقنّعين” الذين استخدموا خطاباً مدنياً من الخارج، لكنه كان مؤسَّساً على خوف دفين من الآخر، أو على حرص مصلحي على حماية مكتسبات جماعتهم الأصلية. فبعضهم برّر استمرارية النظام الأسدي بذريعة “حماية الأقليات”، وآخرون اعتبروا انهيار الدولة خطراً على “مشروعهم الثقافي”.

وبعد سقوط النظام الأسدي، أعادت أزمة الهوية الطائفية إنتاج نفسها بوضوح في أحداث الساحل السوري، وكذلك في التطورات الأخيرة في السويداء؛ حيث برزت أصوات مثقفين تتحدث عن “الخصوصية الثقافية” أو “الاستثناء التاريخي” للطائفة العلوية أو الدرزية، متجاهلة بصراحة أو عبر التورية، الانتهاكات التي رافقت هذه الأحداث. ففي الحالة الأولى، تم التغاضي عن جرائم القتل المروعة التي ارتكبتها فلول النظام بحق عناصر الأمن والمدنيين الأبرياء، وفي الحالة الثانية، تمّ تجاهل عمليات تهجير البدو السُّنة، وتورط بعض الفصائل المسلحة وفلول النظام البائد في شبكات الكبتاغون، إلى جانب استغلال الرمزية الدينية الدرزية لتبرير استقلالية القرار الأمني والإداري في السويداء خارج إطار الدولة، والارتهان لعدو يقصف المدن السورية لأجل جماعة محددة داخل سوريا.

وحين يصمت المثقف أمام هذه الانتهاكات والخيانة العلنية، اتقاءً لفقدان موقعه داخل الجماعة، بل ويتحدث علناً بلغة تُحمّل المسؤولية لطرف واحد وتبرّئ الطرف الآخر إلى حد كبير، فإنه لا يفرّط بوظيفته العضوية فحسب، بل ينقضُّ على جوهر مهمته الكونية بوصفه شاهداً على الحقيقة. وإن الانحياز العلني في لحظة تستوجب أعلى درجات النزاهة، لا يُفضي إلا إلى سقوط أخلاقي مدوٍّ، يعكس تصدع البنية القيمية لهذا المثقف، وانتهاء دوره التوعوي والتوجيهي لكل الناس.

من النقد إلى التموضع: المثقف بين سلطة السوق الثقافي والشرعنة الرمزية للعنف

في عالم ما بعد الحداثة، كما يُشير عالم الاجتماع زيجمونت باومان Zygmunt Bauman، فإن “المثقف لم يعد نبيّاً اجتماعياً، بل صار مستشاراً عند الطلب”. هذا التحول من الموقع الأخلاقي إلى الوظيفة الأداتية، جعل كثيراً من المثقفين السوريين يُبدّلون مواقفهم بحسب الممول، والمنبر، والجمهور المستهدف. ولم يعد الانتماء للقيم، بل للفرصة المتاحة.

وفي مرحلة “إعادة تدوير الصراع”، جرى استيعاب شرائح واسعة من المثقفين السوريين في مشاريع دولية وورش عمل تحت عناوين مثل “السلم الأهلي” و”العيش المشترك”، دون مساءلة حقيقية لجذور العنف، أو لهياكل الإقصاء، أو لمفهوم العدالة الانتقالية. اختُزلت الثقافة إلى أداة بروباغندا ناعمة، والمثقف إلى “عامل تمكين” يخدم أجندات منظمات غير حكومية وسفارات، تبحث عن واجهات ناطقة بلغة حقوق الإنسان، ولكنها معزولة عن أي عمق نقدي أو بعد تحرري حقيقي.

وفي الفضاء الإعلامي، اِتخذ المثقف دور “الخبير المحايد”، يشرح دون أن يدين، ويُحلّل دون أن يشتبك، كمن يصف المجزرة بصيغة الجملة الاسمية. وهو ما حذّر منه بول ريكور بقوله: “الحياد المعرفي في القضايا الأخلاقية هو شكل من أشكال الشراكة الرمزية في الجريمة.”

وإذا كانت الغرامشية تدعو إلى بناء “هيمنة ثقافية بديلة” من خلال تحالف المثقف العضوي مع القوى الاجتماعية المهمشة، فإن ما نراه في سوريا اليوم هو العكس تماماً: إعادة إنتاج الهيمنة لصالح رأس المال، والطائفة، وبُنى السلطة المهترئة. فالمثقف الذي يفتقر إلى شجاعة الانحياز للعدالة، يجد نفسه، عاجلًا أم آجلًا، جزءاً من ماكينة التبرير، وأداة لتجميل الواقع وإدامة بنيته القمعية.

خلاصة

نحتاج اليوم إلى “مثقف مقاوم” كما وصفه إدوارد سعيد، يواجه السرديات المهيمنة لا يجملها، ويتحدث من خارج المنظومة السياسية والاجتماعية لا من داخلها، وينحاز للحق والحقيقة. وهذا لا يتحقق إلا بمراجعة جذرية لأسس التشكل الثقافي والمعرفي، وبفك الارتباط بين الثقافة والسلطة، وبإحياء فلسفة الالتزام الأخلاقي وتمثيل الضمير الجمعي.

لا سبيل للخروج من الكارثة السورية دون استعادة المعنى، وإعادة الاعتبار للكرامة، وللثقافة كفعل مقاوم. فالكلمة، كما يقول الشاعر محمود درويش، “قد تنقذ من الموت”، ولكنها أيضًا قد تبرّر الموت، إن خرجت من فم مثقف فقد بوصلته، أو باع ضميره، أو قايض الحقيقة ببقائه.

تلفزيون سوريا

——————————

 الأقليات المخطوفة وخطاب تمثيلها/ أحمد الشمام

2025.07.30

إن أحد أهم أركان الدولة في الدستور الألماني بعد الأرض والشعب هو الإرادة؛ أي إرادةُ الشعبِ ونُخَبه تشكيلَ الدولة أو تمكينها، وتقترن بمفهوم مواز هو السيادة أي تحقيق السيادة وإرادة الاستقلال للدولة بما فيها من أرض وشعب قبالة أي دولة أخرى، وسيادة جهازها الإداري – السلطة- كذلك.

يأتي الدستور بعد ذلك ليشكل إطارا مرجعيا قانونيا ينظم الحياة السياسية والاجتماعية، وأرضية تؤثث للعمل المشترك؛ بما في ذلك الضوابط العامة للعلاقات في المجتمع وبين السلطة والمجتمع. كما تقونن العمل السياسي، وتُعيِّنه بحدود ناظمة للتمييز بين ما هو حق أو واجب، وبين ما هو محظور من شتى أنماط العمل السياسي مما ينتهك السيادة والاستقلالية، و تم تضمينه في كل قوانين ودساتير الدول وثقافاتها بمفهوم الوطنية. بطبيعة الحال تضم أغلب الشعوب بنى اجتماعية ما دون دولتية، وتعتبر الدولة بما هي بنية فوقية متعالية على الانتماءات الجماعاتية، وصراع القوى والطبقات؛ نظاما يحقق قوة تتركز في جهاز إداري يحتكر العنف ويضبط اختلاف المصالح. وفي قلب هذا التنظيم يكمن مفهوم الوطنية، الذي وُضِع لضمان تماسك الشعب /الجماعة السياسية؛ رغم تعدد الانتماءات والتباينات الثقافية والاجتماعية. فالدولة الحديثة، في الغالب، تتكون من بنيات اجتماعية معقدة تتجاوز الانتماءات التقليدية (القبلية، الطائفية، الإثنية)، لكنها في الوقت ذاته تُعلي من شأن الانتماء إلى الكل الوطني. وهكذا تُبنى الدولة بوصفها كيانًا فوقيًا، لا يُعبِّر عن القوى ما دون الدولة، بل يُعيد تشكيلها ضمن منظومة قانونية ومؤسسية، تحتكر العنف المشروع وفقا لماكس فيبر، وتعمل على تنظيم تضارب مصالح الجماعات في الدولة، بما يضمن استقرار النظام العام، ويحفظ توازن الحريات والسيادة، وتحقيق تلك الإرادة.

بالنظر إلى الواقع السوري بعد سقوط الأسد؛ نجد بلادا مدمرة على مستوى المؤسسات و المجتمع، هتكها الأسد عبر خمسين عاما، ويظهر مطلب الحقوق والحريات قبل ضرورة رفع الأنقاض وبناء الدولة؛ من حيث ضمان السيادة وترسيخ إرادة تحقيق وتمكين الدولة؛ خصوصا وأن سيادتها منقوصة لوقوع جزء من رقعتها تحت سلطات أمر واقع تفرض وجودها، وتحاول تمكين نفوذها باتفاقات فوق الدولة وخارج الوطنية السورية، وتقوم بتحشيد ماقبل دولتي؛ تظهر الاستعصاءات التي تطال الدولة والسلطة كتعبيرات عن مناطق نفوذ واستحواذ من جماعات ما دون دولتية متلبسة بإطار سياسي وخطاب سياسي.

يقول د. مضر الدبس معلنا نفسه كسوري يتعالى على انتمائه المذهبي كدرزي أن “السويداء ليست رأس حربة للمطالبة بالديمقراطية؛ فالأخيرة مجالها العمومية السورية والساحة السياسية السورية عموما”، ومنه فلا يمكن لجماعة ماقبل دولتية استخدام حالة عصيان مسلح؛ لتحقيق مطلب سياسي دولتي كما في الهجرية السياسية وفقا لمصطلح الباحث الدبس، ولا يحق لحزب أو مليشيا تستأثر بالقوة على رقعة اغتصبتها من الدولة مثل مليشيات حزب العمال الكردي فعل ذلك أيضا.

يمثل الخطاب في الفقه السياسي أداة لإنتاج السلطة والمعرفة؛ متمثلا بجملة المفاهيم والقيم والمبادئ (عدالة، سيادة، حرية)، وتمثيل الواقع أو تصوره، الجماعة السياسية، الشرعية، الآخر، الهدف السياسي. بعد سقوط النظام يمكن قياس الجماعات ماقبل الدولة في كونها جماعات اجتماعية ذات خصائص ثقافية ودينية تميزها ويجب احترامها؛ وبين جماعات تنشط سياسيا محاولة تلبس دور ليس مناطا بها، بل بالعمومية السورية، ولتعيين ذلك نتساءل: هل حملت أو ارتجلت كل الأقليات في سوريا خطابا سياسيا يميزها كجماعات ماقبل دولتية؟ للإجابة على ذلك نجد:

لم تطرح الطائفة العلوية خطابًا خارج الوطنية السورية، بل انخرطت في مشروع الدولة مع مطالب محدودة تتعلق برفع المظالم السابقة التي حصلت إبان مكافحة الفلول، رغم محاولات مشيخة موالية للنظام، كغزال غزال، احتكار تمثيل الطائفة من دون شرعية حقيقية، خاصة مع توسع قاعدة المؤيدين للدولة. وفي مواجهة شبكات النظام الطائفية الساعية لصرف الأنظار عن المحاسبة، برز المثقف اليساري “نصر داهو سعيد” مثالًا على دور الفاعلية الثقافية العابرة للطوائف، حين شارك في استقبال الشيخ العرعور، داعيًا لبناء دولة تتجاوز الانقسامات الأيديولوجية والدينية، ما يؤكد تفوق دور المثقف على المرجعيات الطائفية.

في الطائفة الإسماعيلية والمكون المسيحي عموما والتي تمتلك شبكة علاقات واسعة خارج الدولة نجد أن كلا منها عمل كشريك وطني، ورفضت إلا أن تكون جزءا من مشروع الدولة؛ رغم وقوع بعض التجاوزات على بعض من أفرادها من عناصر منفلتة، ولا تحمل أي منهما خطابا خاصا بها يخرج عن خطاب الدولة الحديثة؛ سوى مطالب العدل وتوسيع دائرة الثقة وبناء أواصر الشراكة.

في الخطابين الهجري والقسدي نجد أن جملة ما يطرح، لا يعدو كونه يمثل اختطافا للجماعة وافتعالا لأي صدام يستدرج السلطة للقتال، ما يرفع من طاقة تحشيد الجماعة بناء على دوافع الخوف والدفاع عن الجماعة؛ واعتبار ذلك خطا دفاعيا فاعلا للدفاع عن النفس، هنا يغيب الفرد وتحضر الجماعة وتحضر لغة الحشد والقطيع بالمفهوم النفسي، وبتحليل ما يمكن تسميته خطابا نجد غيابا أو تلفيقا لكثير من أركانه؛ غياب للمبادئ والمعرفة وحضور للسلطة المراد ترسيخها لدى قادة الجماعة؛ وممثليها الراغبين باحتكار تمثيلها إكمالا لمفهوم الخطف الذي تم تطبيقه، ولا تحضر القيم والمبادئ التي يتطلبها الخطاب بل تحضر السرديات والمظلوميات، وتحضر المطالب – ما دون دولتية في إطار سياسي، وتقام تحالفات ومطالبات فوق الدولة وخارجها.

أما الآخر وتعريفاته ضمن الخطاب فتحول إلى رؤى متبادلة بين قواعد هائجة تأثرا بنزعة القتال والتحشيد، وظهر صوت المقاتل المدجج نسخة عن خطاب المشيخة التي تعلن قيادتها للمشروع، وإذا سلمنا جدلا بتساوي الانتهاكات بين قوى الأمن وقوى الحشد المقابلة نجد خطاب السلطة مختلفا عما بدر من الجماعات المنفلتة؛ بل ومتوعدا بالمحاسبة والمحاكمة. يحضر الآخر كداعشي أو سني إرهابي لدى المشيخة ولدى المقاتل، بل ويتم التبرؤ ممن لا يتعاضد ولايخدم “فورة” الجماعة، ووضع كل من لا يتبنى خطابها من بقية الطوائف في خانة العدو الداعشي كذلك.

يقول المعارض حبيب صالح “من هي داعش بعرف الهجري وقطيعه؟ كل سني هو داعشي، العشائر دواعش، المحافظات، الحكومة بكل موظفيها ووزرائها حتى غير المسلمين هم دواعش، كل علوي أو قومي لا يؤيد مشروع الهجري الانفصالي هو داعشي، كل مسيحي لم ينسق للفتنه هو داعشي”. هذا الركن من الخطاب إن جاز تسميته خطابا يتفق تماما وسردية النظام ضد الثورة، فالأعداء إرهابيون ودواعش ولا غرابة في غياب تهمة العمالة للخارج عن لغة الخطاب باعتبارهم متورطون بها.

أما في ركن مبادئ الخطاب تُطرح شعارات مثل العلمانية والعدالة وحقوق المرأة؛ إما من مشيخات دينية تبرأت من المثقفين الوطنيين المعارضين لها، وأقصتهم وهددت بتصفية من يطرح نفسه كممثل للجماعة خارج احتكارها، أو من مليشيات عابرة للحدود رفعت شعارات “أخوة الشعوب” قبل أن تُحوّل مطالبها إلى مصالح كردية خالصة، متجاهلة تاريخها الإقصائي. كلا المشروعين احتكر تمثيل جماعته، وأقصى الأصوات الرافضة، بينما تناقض خطابهما حول الحريات مع ممارسات قمعية، كعسكرة النساء وخطف القاصرات وتجنيدهن، وطلب الدعم من قوى أجنبية، بما فيها إسرائيل، في تجاهل تام لقضية فلسطين ومعاناة غزة.

في ظل الاصطفاف العصبوي، تفتقر الأطراف المتنازعة إلى الشفافية والقدرة على مواجهة قواعدها بحرية، مما يدفعها إلى التمترس خلف القتال والتعنت كوسيلة للتحشيد والخوف. بالتوازي، نشأ نمط من المثقفين يمارس دور “جيش موازٍ”، مدفوعًا بهاجس سلطة الكونتونات، ومتصورًا ذاته ضمن هويات أقلوية متضخمة، ما أفقدهم التوازن النقدي. أما المثقف المحايد، فيبدو رهانه على هذه الجماعات نفعيا، ورهان تلك الجماعات عليه أداتيًا، يخدم مصلحة آنية من دون رؤية سياسية متماسكة، وغالبًا ما يتجاهل عمدًا الأصوات الوطنية المستقلة، كصوت ليث البلعوس وقيادات كردية أخرى غُيّبت من قبل القوى المسيطرة

تلفزيون سوريا

——————————-

 “التمثيل المفقود”.. من يملأ الفراغ السياسي في الساحل السوري بعد سقوط الأسد؟/ سامر القطريب

2025.07.31

يشهد الساحل السوري فراغا سياسيا غير مسبوق بعد عقود من الهيمنة الأمنية للنظام المخلوع، الذي عمل على تفكيك البنى التقليدية للمجتمع وتجفيف أي تمثيل حقيقي خارج إطاره. فقد قضى النظام على الزعامات العشائرية والدينية المستقلة، وحوَّل المؤسسات المدنية والحزبية إلى أدوات تابعة له، مما خلق حالة من “الفراغ السياسي” بعد سقوطه. واليوم، يُطرح سؤال جوهري: من يمكنه ملء هذا الفراغ؟

غياب التمثيل السياسي والاجتماعي الشرعي يفتح الباب أمام احتمالات متعددة، بعضها خطر، كتعيينات سلطوية أو صعود شخصيات “انتهازية” تستغل الانقسامات الطائفية أو الأزمات الاقتصادية. في المقابل، يرى بعض من الأكاديميين والناشطين السياسيين والمثقفين، أن الحل الوحيد يكمن في تفعيل “المجتمع المدني” بوصفه آليةً لبناء تمثيل ديمقراطي تدريجي، يعتمد على الانتخابات المحلية والمبادرات التي تتجاوز الانتماءات الأهلية والطائفية الضيقة. إلا أن هذا المسار يواجه تحديات جسيمة، أبرزها غياب البيئة القانونية الحاضنة، وضعف الثقة بين مكونات المجتمع بعد سنوات من الحرب والاستقطاب في سوريا.

تتضارب الرؤى حول طبيعة القيادات القادرة على قيادة المرحلة المقبلة في الساحل السوري. فبينما يُستبعد رموز النظام المخلوع وأثرياء الحرب لافتقادهم الشرعية، تبرز محاولات من بعض النخب الأكاديمية والناشطين المدنيين لملء الفراغ، رغم محدودية تأثيرهم حاليًا. كما يظل دور رجال الدين — خاصة المعتدلين منهم — محل جدل، بين رفضٍ لتدخلهم في السياسة وأملٍ في مساعدتهم لاحتواء الانقسام.

في هذا السياق وبعد أحداث الساحل السوري الدموية وما أفرزته من انقسامات ومخاطر، يبقى الساحل أمام خيارين: إما الاستمرار في الفراغ الذي يهدد باستقطابات جديدة، أو الشروع في عملية طويلة الأمد لبناء تمثيل ديمقراطي حقيقي، ينطلق من القاعدة المجتمعية ويُعيد صياغة العلاقة بين السلطة والمواطن.

من سملأ الفراغ في الساحل السوري؟

يقول د.منير شحود (أستاذ جامعي سابق وكاتب وباحث) لموقع تلفزيون سوريا، إنه لا أحد يدعي تمثيل الناس في الساحل السوري، وأن الأمر يحتاج لفترة غير معروفة لتبلور تمثيل معقول، ويضيف “فالسلطة البائدة كانت شمولية ومهيمنة وتعتمد على المؤسسة الأمنية أساسًا، وسقطت مع مؤسساتها دفعة واحدة، وبالطبع كانت هيمنتها في الساحل السوري أكثر من باقي المناطق ولذلك كان الفراغ أكبر. لقد تركت السلطة الساحل السوري “عاريًا” من كل تمثيل، والسؤال محق ومهم وجدي: من سيملأ الفراغ؟”.

لم تكن القيادات المدنية في ظل النظام السابق مختارة بصورة ديمقراطية، وكانت تستخدم المحسوبيات والدعم الأمني للوصول إلى المناصب الحكومية، إلا في حالات نادرة، وكان أي منها يجب أن يمر في المصفاتين الأمنية والحزبية (البعثية)، لذلك لم تكن تحوز على التقدير الشعبي وانتفى دورها بسقوط النظام.

ويوضح شحود “من يمثل الناس يجب أن يحوز على شرعية ما نتيجة لدور ما، والأفضل أن يكون نتيجة عملية انتخاب ديمقراطية يمكن أن تصحح نفسها مرة بعد مرة. وهذه مسيرة طويلة ولكن لا بديل لها برأيي. والأفضل أن يتم ذلك من خلال إعادة صياغة العلاقات الاجتماعية عبر تفعيل المجتمع المدني، كمنظمات أو مجالس تحوز على تمثيل يتجاوز العلاقات الأهلية ما قبل الدولة، فتشكل إضافة وطنية للفعاليات الأهلية الأخرى”.

ويرى أن جمع الناس نحو أهداف تتجاوز دور المجتمع الأهلي (يقوم على علاقات الانتماء بالولادة، العشائري أو الطائفي أو الإثني) إلى المجتمع المدني (يقوم على الانتماء الوطني) سيشكل تحولًا نوعيًا ويخلق تمثيلًا جديدًا يتم بناؤه من الأدنى إلى الأعلى، من القرى والأحياء باتجاه المدن، ومن ثم التمثيل على مستوى البلد ككل. وحتى يحدث ذلك ستملأ الفراغ إما تعيينات تقوم بها السلطة من فوق لمن يتعاونون معها، وهو “من أسوأ أنواع التمثيل”، وإما من أشخاص انتهازيين يقدمون أنفسهم بصورة ما، مستغلين عصبية الانتماءات الأهلية.

ويوضح أن النظام المخلوع “ابتلع الوجهاء” في سوريا كلها، ومنذ عام 1970 على الأقل، أما في الساحل فقد قضى عليهم تمامًا لصالح نخب جديدة عسكرية وأمنية. “فالعشائر العلوية باتت مقطوعة الرؤوس منذ عام 1963، ولم يكن دورها بالإيجابية التي تجعل الناس يحنون إليها، فقد طواها التاريخ ببساطة. ويميل مجتمع الساحل (العلوي بشكل خاص) إلى تفعيل دور المجتمع المدني، نظرا لضعف هيمنة الدين المحدود على حياة الناس، وما الدور الحالي لرجال الدين إلا بسبب الفراغ السياسي والضغوط غير المسبوقة التي تُمارس على المجتمعات المحلية”.

ويشير د.شحود إلى أنه “لا توجد شخصيات مدنية محلية، وكانت مستقلة عن النظام السابق، فقد كان مصيرها خلال عقود هو الانكفاء أو السجن أو الموت السياسي في الزوايا المعتمة. ومن الصعب قيامها بدور فاعل الآن، نظرا لوجود هوة عميقة بينها وبين الشعب بسبب منعها من التواصل السياسي مع الناس. لكن سقوط النظام فسح وسيفسح المجال لعناصر وفعاليات جديدة بالنهوض، ويتوقف ذلك على قدرتها على ملامسة حاجات الناس ومخاوفهم في هذه المرحلة، وعلى الدرجة التي يمكن أن تسمح بها السلطات الجديدة، ويبدو أنها تنشط في الخارج بصورة أساسية”.

ومن صفات القيادة الجديدة التي يأمل الناس ظهورها يقول: “لا شك أن لنظافة اليد دور مهم في تقبل الناس لقيادات جديدة، ولكن الشعور بالتهديد والوضع الاقتصادي البائس يسمح أيضا لأي شخص أن يستغل هذه المخاوف الوجودية من أجل ادعاء التمثيل وتقديم الوعود، وتكرار مثل هذه المحاولات لن يفضي إلا إلى كوارث جديدة”.

ويختم قائلا: “لا تمثيل حقيقي سوى بتفعيل الدور المدني وثقافته بإصرار، وهو وصفة سورية ناجعة، ولو أن ذلك سيكون بطيئا ويعتمد على التوعية والقبول الشعبي، شرط أن يتم ذلك من قبل نخبة تؤمن بهذا المسار، وهو ضمان لبناء تمثيل ديمقراطي وسد الفجوة بين الشعب والسلطة، أي سلطة، لمنع تغولها مرة أخرى”.

هل يحظى”المشايخ” بالقبول في الساحل؟

يقول د.إياس الحسن (معنيّ بالتاريخ الثقافي للعلويين) لموقع تلفزيون سوريا، إن هم الأسدين الأب منذ السبعينيات ولاحقا الابن، كان عدم السماح بتشكيل أي مرجعية في الساحل تحت أي شكل كان. حيث عمل حافظ الأسد في عقد السبعينيات على التخلص من الكوادر القيادية، ومنذ ذلك الوقت لم يسمح بتشكيل كوادر بديلة، بل جعل المناصب القيادية الحزبية والإدارية كلها مجرد وظائف في الدولة، يعين صاحبها بقرار، ويعود إلى بيته بقرار.

أما دور الزعامات العشائرية فقد انتهى برأيه منذ الستينيات، ومن غير المعروف مدى رغبة أبنائهم باستعادة دور سياسي، ومدى قدرتهم على استقطاب أبناء عشيرتهم وغيرهم من أبناء الساحل. يقول الحسن.

وبخصوص الذين احتلوا مناصب قيادية أو إدارية مدنية أو عسكرية، لم يبرز في الساحل أي مسؤول منهم أراد أن يكمل عمله بالشأن العام بعد أن انتهت مهمته في الوظيفة، أو لم يتمكن من ذلك. “في حين لم يبق للشيوخ دور خارج المهمات الدينية اليومية. وقد برز أخيرا عدد منهم يتكلم باسم الطائفة، ولا يبدو حتى الآن من منهم سيحظى بالقبول”.

برز في سنوات الحرب الأخيرة أصحاب رؤوس الأموال، ومعظم هؤلاء من أثرياء الحرب “الطفيليين” الذين ليس لهم بالشأن العام، ولا ثقة للناس بهم؛ يمكن استثناء قلة قليلة عملت في القطاع الإنتاجي، وربما سيكون لهؤلاء دور في المستقبل، يؤكد الحسن.

ويتساءل د. الحسن “أخيرا، مَن مِن المذكورين سوف يدخل الحياة السياسية في سوريا، بعد اعتماد قانون العمل الحزبي؟”.

“المؤهلون في الظل”

تقول الكاتبة والشاعرة رماح بوبو لموقع تلفزيون سوريا، إن القبضة الأمنية الشديدة للنظام المخلوع في الساحل، ساوت بين العسكري والمدني في مواقع المسؤولية، وظلت نفس أسماء المسؤولين تتكرر طيلة فترة حكم الأسد إلى أن يبعدها الموت أو السفر، “وفي أحسن الأحوال كانت تحدث مبادلة مواقع مسؤولية (مبادلة طرابيش كما يقال) وعليه أكاد أجزم لم يحدث إلا نادراً في عهد الأسد أن وصل شخص وطني نظيف إلى موقع المسؤولية، مما ترك الناس الوطنية المؤهلة فكرياً وأكاديميا وإنسانياً في الظل بالكاد يتبادل المعارف أسماءهم همسا أو يومض اسمهم لحظة اعتقالهم ليعود بعد فترة وجيزة للانطفاء” .

لم يكن الساحل بحسب الشاعرة رماح بوبو، يوما بهذا الخوف والجفاف قبل نظام الأسد: “أعرف من أحاديث أهلي عن أهاليهم الدور الذي لعبه بداية كل من الشيخ صالح العلي وسليمان المرشد ومحمد سليمان الأحمد والشيخ عبد الرزاق قزق.. هؤلاء بحق كان لهم التأثير الأكبر على مجتمعاتهم بحكم الدور الوطني الذي تنطحوا له بكل مصداقية وغيرية إضافة إلى معارف أكثرهم المتميزة على الصعيد الفكري، كما حفر الكثير من الشخصيات كوهيب الغانم وميشيل عفلق وإبراهيم ماخوس وأسعد هارون  في وجدان الناس صورة الشخص الذي يجمع العوام على أهليته لتمثيلهم”.

وتضيف “لم تخل حقبة الأسدين من المعارضين الوطنيين الشرفاء الكثر، ولكن شدة القبضة الأمنية لم تسمح لهم من التمكن من التجذر في وعي ووجدان الناس إذ كان سرعان ما يتم التضييق عليهم بالاعتقال أو النفي أو دفعهم للهجرة”.

وتعتبر أنه “كان أغلب رجال الدين ومن كل الطوائف في تلك الفترة جوقة مطبلين للحاكم وفي أحسن الأحوال صامتين يكتفون بواجباتهم الدينية.. في حين حاول بعض المدنيين كالمدرس المرحوم أحمد سليمان وأطباء ومهندسين (أعتذر عن ذكر الأسماء) وأغلبهم تعرضوا للتحقيق واعتقالات متفاوتة المدد رفع الصوت أعلى قليلا مما مكّن العامة من الانتباه إليهم وتداول نشاطهم على تواضعه فيما بينهم.. في حين بقيت الحركة الثقافية المدنية تحاول الصمود ضد التيار وبعيدا عن المؤسسات الرسمية، أذكر مثلا مهرجان الخوابي السنوي الذي الذي أنشأه الشاعر علي الجندي في قرية الخوابي وجمعية العاديات في طرطوس وبعض الجلسات الثقافية في مرسم الشاعر منذر المصري والتي كانت تضم وجوهاً رافضة لحكم الأسد وطغمته وإن لم تنتهج العمل السياسي المباشر”.

البحث عن شخصيات “لا طائفية”

اليوم وبعد سقوط الأسد وعودة القيادات السابقة ذات المناصب في المجالس المحلية والنقابات إلى منازلهم، فقد انتهى دورهم بالتأكيد بسبب إجماع الأغلبية على اعتبارهم شركاء في نظام تمادى في تقييد حرياتهم وسرقتهم، وأنهم طالما كانوا يده الطولى في تحصيل الإتاوات غير المعلنة منهم.

تحاول “بوبو” الإجابة عن السؤال: من هي النخب القابلة الآن لتمثيل الناس في الساحل؟ “بالتأكيد الساحل غني بكوادر مؤهلة أكاديميا وحرصت على العمل المجتمعي والوطني طيلة العقود السابقة رغم التضييق وقلة الموارد بالإضافة إلى الحرص على عدم تورطها في أي فعالية تقيمها دولة الأسد لتتحصل من خلالها على بعض القبول الذي يساهم في ذر الرماد بالعيون.. وأيضاً أتحفظ على ذكر الأسماء وإن كان من بينهم عدد لا بأس به من المعتقلين السابقين ومن الناشطين في المنظمات الإنسانية والبيئية والنسوية”.

وتشير إلى دور النساء في الفترة السابقة وخصوصا في الحفاظ على ساقية الثقافة من الجفاف حيث حرصن على حيازة ترخيص ملتقيات ثقافية “كملتقى بانياس الثقافي وجمعية ارسم وألون وصالون بكسا الأدبي ونادي الأطفال بإدارة نساء مثقفات واعيات لم يحابين النظام السابق بأي شكل من الأشكال والعديد من نوادي القراءة والسينما والتي كان جلّ حضورها من النساء “.

أما مواصفات القيادة المقبولة مجتمعياً  فالشرط الأول برأي “بوبو” والأهم “بعدها عن الشرخ الطائفي الذي أصاب المجتمع هو أن تكون الشخصية غير موسومة بالطائفية لا سابقاً ولا حاليا وإن كانت من رجال الدين..بل أتمنى أن نوفق بشخصيات دينية متنورة ومعتدلة هذه الفترة لأنه للأسف بات هو الخطاب الأكثر استماعاً له حالياً، طبعا بالإضافة إلى صفات أخلاقية جامعة.. كأن تكون الشخصيات بعيدة عن سمة النفاق والتطبيل وتمتلك ماضيا نزيها لم تتورط بالفساد والمحسوبيات بالإضافة إلى صفات فردية مميزة كالجرأة والحزم والوعي  فليبحث الشعب عن هؤلاء عسانا ننجو”.

“المشيخة المرتبطة بالسلطة”

اعتمد النظام السوري، بقيادة عائلة الأسد، نمطا استبداديا استمر لأكثر من نصف قرن، عمل خلاله على تفكيك البنية الاجتماعية والسياسية والدينية في عموم سوريا، بما في ذلك مناطق الساحل. استخدم النظام أدوات الترغيب، عبر منح المناصب بناءً على الولاء بدلاً من الكفاءة، وأدوات الترهيب، عبر الاعتقالات والتشهير وأعمال العنف، بما في ذلك القتل والإخفاء القسري.

ويقول نبيه النبهان (مهندس ومهتم بقضايا الحريات والمجتمع المدني ـ ومعتقل رأي عام 2019) لموقع تلفزيون سوريا، إنه في الساحل، كما في باقي المناطق، همّش النظام البيوت الوطنية التقليدية، ودمج أبناء رجال الدين العلويين في المؤسسات الحكومية والأمنية، ما أدى إلى إضعاف المرجعيات الدينية التقليدية. ونظرًا لغياب مؤسسة دينية مركزية لدى الطائفة العلوية، برزت شخصيات أمنية وعسكرية سابقة لتلعب دور المرجعية الدينية والاجتماعية، فيما بات يُعرف بـ “المشيخة المرتبطة بالسلطة”، والتي ساهمت في ترسيخ رمزية الأسد الأب والابن ضمن الطقوس والممارسات الاجتماعية.

في الطوائف الأخرى، أضعف النظام العائلات المؤثرة في الاقتصاد والمجتمع، واستبدلها بأفراد مقربين من السلطة. كذلك، أخضع القيادات الروحية لمؤسسات دينية متعددة، عبر الترغيب أو الضغوط، وصولًا إلى التدخل في تعييناتها.

تزامن ذلك مع تضييق واسع على المجتمع المدني، ومنع تراخيص الجمعيات الثقافية والمستقلة، في حين تم تشجيع الجمعيات الأهلية ذات الطابع الخيري والديني. وبرزت ظواهر تنظيمية مثل “القبيسيات”، لضبط شرائح معينة من المجتمع. أدت هذه السياسات إلى تجفيف الحياة المدنية وخنق المبادرات المستقلة، وتكريس نمط من الانتماء القائم على التبعية وليس الشراكة.

ويوضح أنه خلال العقود الماضية، استُخدمت المنظمات النقابية والمطلبية كأذرع تنظيمية لحزب البعث، وتحولت إلى مؤسسات حزبية تفتقر إلى الاستقلال. وأصبح الحزب خزانا للموارد البشرية التي تُرفد الأجهزة الأمنية، ما أدى إلى تداخل بين سلطتي الحزب والأمن، ووُجدت حالات تنافس وصراع بين الفرق الحزبية والفروع الأمنية.

لكن هذا التنافس بحسب النبهان، بقي مضبوطا تحت سقف الولاء للنظام. وعند أي تجاوز أو محاولة تواصل خارجي دون علم السلطات، كان يتم تفكيك تلك الكوادر أو ملاحقتها قضائيا بتهم فساد أو ارتباطات خارجية. بهذا الشكل، تم إنشاء شبكة حماية متعددة المستويات، رسخت بقاء النظام ومنحت الأسد الابن وهم السيطرة الصلبة والمناعة السياسية والأمنية.

فراغ سياسي ومجتمعي في الساحل

مع تفكك مؤسسات الدولة المركزية، دخلت مناطق عدة، بما في ذلك الساحل، في مرحلة فراغ سياسي ومجتمعي. وترافق مع انسحاب مؤسسات الدولة مع تفكك الجيش وتدهور البنية الاقتصادية والاجتماعية، في حين تصاعدت التوترات والانقسامات داخل المجتمع السوري نتيجة عقود من العنف والانتهاكات.

ويرى النبهان أنه “في هذا السياق، ظهرت قوى عسكرية وتنظيمات إسلامية، التي فرضت نماذج حكم محلية لا تتوافق مع مبادئ الدولة المدنية. ولاحقا بدلاً من العمل على تأسيس عدالة انتقالية، تفاقمت حالة الاستقطاب، ما فسح المجال لخطابات الكراهية والانقسام، ووقعت انتهاكات متبادلة بحق مجموعات سكانية على أسس طائفية أو مناطقية، منها ما وثق في مناطق الساحل، ومحافظة السويداء”.

في ظل هذه الظروف، تراجعت أدوار القوى المدنية، واقتصرت مشاركتها على مبادرات إغاثية محدودة، بينما أصبح تمثيل المجتمعات المحلية “رهينا لقوى مدعومة خارجيا أو انتهازية تبحث عن نفوذ سياسي”. ومع تراجع البنية المدنية، باتت بعض المشاريع الطائفية أو الانفصالية تكتسب قبولا نسبيا بعد أن كانت مرفوضة تاريخيا، وفق النبهان.

الدور التاريخي لوجهاء الساحل وتراجعهم وإمكانية عودتهم

كان للوجهاء المحليين في الساحل دور تاريخي في تمثيل مجتمعاتهم، خاصة في إدارة الشؤون العامة والمصالحة الاجتماعية. لكن خلال العقود الماضية، أضعفت السياسات الأمنية المركزية من مكانتهم لصالح قيادات حزبية وأمنية مدعومة من السلطة البائدة.

ترافق ذلك مع استنزاف اقتصادي ومعنوي، ما أضعف من قدرة هؤلاء الوجهاء على لعب أدوار فاعلة في الوقت الراهن. في المقابل، ظهرت مجموعات جديدة، منها شخصيات “علوية ودرزية” تسعى للعب أدوار سياسية بديلة، من خلال التحالف مع جهات إقليمية أو دولية، في محاولة “لحماية مجتمعاتها” أو توسيع نفوذها.

ويضيف النبهان “في ظل استمرار الاعتماد على الولاء الفردي بدلًا من المؤسسات، إضافة إلى قمع التحركات المدنية، تبقى احتمالات استعادة الوجهاء لدورهم رهينة بتغير بنية السلطة وظهور مشروع وطني جامع”.

ويوضح أنه في بعض المناطق مثل طرطوس، لم تعد هناك مجالس بلدية فاعلة، وتم استبدالها فعليا بهياكل أمنية أو حزبية. أما النقابات، فاستمرت كواجهات شكلية دون فاعلية حقيقية. الأحزاب التقليدية، بما فيها حزب البعث وتحالف الجبهة الوطنية، تراجعت أو اختفت بعد انهيار المركز السياسي. وبسبب ارتباط معظم هذه الشخصيات بالنظام السابق، لم تعد تحظى بثقة المجتمع. كما أن العنف والانقسامات التي عصفت بسوريا، لا سيما ما شهده الساحل والسويداء وريف دمشق، ساهمت في تقويض المكانة الاجتماعية لهؤلاء القادة المحليين. حيث يعيش العديد من أبناء “الطائفة العلوية في حالة عزلة وخوف من الانتقام، ما يضعف من قدرتهم على المبادرة السياسية أو التنظيم الاجتماعي”.

ويرى النبهان أن “النخب المستقلة من أكاديميين وحقوقيين وكتاب وناشطين تعرّضت للتهميش بعد فرض أنماط حكم غير مدنية، أقصت الكفاءات، فباتت المؤسسات تُدار من قبل أفراد غير مؤهلين، بعضهم يفتقر للحد الأدنى من الخبرة، هذا الواقع حدّ من قدرة النخب على التأثير، رغم استمرار تمتع بعضهم باحترام مجتمعي. ومع ذلك، يمكن أن تعود هذه النخب للعب أدوار محورية إذا توفرت بيئة قانونية حاضنة، ومسارات سياسية تضمن المشاركة والحريات”.

——————————-

 السلم الأهلي في الساحل السوري.. محاولات للإصلاح بعد “تصدع خطير”/ حسام جبلاوي

2025.07.30

شهد الساحل السوري، خلال الأشهر الماضية، أحداثاً أمنية دامية خلفت مئات الضحايا، وطرحت تساؤلات جدية حول مستقبل السلم الأهلي في منطقة لطالما عُرفت بتماسكها الاجتماعي. وبعد تزايد وتيرة العنف على خلفيات طائفية وانتقامية، تحاول الحكومة السورية ترميم الثقة بين مكونات المجتمع عبر لجان مصالحة وتدخلات رسمية.

وبدأت التوترات بالتصاعد في شهر شباط فبراير 2025، عندما وقعت سلسلة هجمات مسلحة استهدفت قرى ومناطق ريفية في ريف اللاذقية الجنوبي، أسفرت عن مقتل عناصر من الأمن الداخلي ومدنيين، نفذتها مجموعات مسلحة مرتبطة بالنظام المخلوع، وتبعها جرائم قتل ارتكبتها مجموعات قيل إنها تعمل خارج سيطرة الدولة.

وفي التاسع من آذار 2025، وبعد تصاعد الضغوط الشعبية والإعلامية، أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع عن تشكيل لجنة عليا للحفاظ على السلم الأهلي في الساحل السوري، بعضوية شخصيات من خلفيات سياسية ودينية واجتماعية، أبرزهم:حسن صوفان، وأنس عيروط، وخالد الأحمد.

وتمثلت مهمة اللجنة في التحقيق في الأحداث، والتواصل مع الأهالي، وتهدئة التوترات الطائفية، إلى جانب صياغة خطة متكاملة لاستعادة السلم الأهلي ومعالجة الجراح الاجتماعية.

وقال الشيخ أنس عيروط لموقع تلفزيون سوريا إنه بعد أربعة أشهر على تشكيل اللجنة وبفضل الجهود الكبيرة التي بذلتها من لقاءات تتجه الأمور في الساحل نحو التعافي بشكل كلي. واستدرك بالقول: “الأمور جيدة على الرغم من أنه ما زال هناك بعض الحذر من أعمال بعض الفلول المختبئة والهاربة من العدالة”.

وكانت اللجنة عقدت لقاءات في اللاذقية وجبلة وطرطوس، والتقت وجهاء من مختلف الطوائف والمجتمعات. كما شُكّلت خلايا مصالحة محلية لإعادة المهجرين ومتابعة ملفات المعتقلين والمفقودين.

“مخاوف وثقة ضعيفة”

رغم ذلك، يرى هيثم كنجو وهو من سكان ريف مدينة جبلة أن الكثير من الأهالي لا يزالون يشعرون بالخوف والتردد، خصوصاً في القرى التي تعرضت لهجمات طائفية.

وأشار كنجو في حديث لموقع تلفزيون سوريا إلى أن بعض أعضاء اللجنة لا يحظون بثقة الجمهور، نتيجة خلفياتهم السياسية.

وأكد كنجو أنه بعد أشهر من أحداث الساحل لا يزال انعدام الثقة بين المكونات هو المشهد السائد، والتي تتجلى بشكل أكبر على مواقع التواصل الاجتماعي من خلال الكراهية والعنف المتبادل.

ورأى كنجو أن ضعف الخطاب الوطني الشامل، وغياب مبادرات ثقافية أو دينية فاعلة تعزز التعايش ساهمت في زيادة الانشقاق في المجتمع والتحزب الطائفي، على حد قوله.

من جانبه قال المدرس مازن صالح (48 عاما) وهو من أهالي ريف اللاذقية لموقع تلفزيون سوريا إن ما جرى في الساحل السوري خلال الأشهر الماضية لم يكن مجرد اضطرابات أمنية، بل “زلزالا اجتماعيا وأخلاقيا لا يمكن تجاوزه دون إجراءات استثنائية”.

ورأى أنه رغم أن تشكيل اللجنة العليا، إلا أن السلم الأهلي لا يُبنى بقرارات هرمية فقط، بل يحتاج إلى عدالة حقيقية واستماع لصوت الضحايا وتفكيك خطاب الكراهية وبناء عقد اجتماعي جديد.

وشدد على أن نتائج عمل لجنة التحقيق في أحداث الساحل التي سلمت مؤخرا للرئيس أحمد الشرع يجب أن تكون علنية وأن تشهد محاسبة للجناة حتى يستعيد الناس هنا ثقتهم بالحكومة وفق قوله.

وكان الرئيس أحمد الشرع أكد أن حكومته “تعتبر حماية السلم الأهلي أولوية قصوى”، وإنها “لن تتهاون في ملاحقة أي جهة تتورط في انتهاك حقوق المواطنين أو التحريض على العنف”.

ودعا في تصريحات سابقة إلى “طيّ صفحة الماضي بإنصاف الضحايا، ومحاسبة الجناة، وإطلاق عملية عدالة انتقالية شاملة”.

ضرورة تعزيز السلم الأهلي في اللاذقية

ويرى الطبيب زين مهنا وهو من وجهاء مدينة جبلة وأحد المبادرين في مجال السلم الأهلي في حديث لموقع تلفزيون سوريا أن السلم الأهلي هو حالة مصالحة مجتمعية، وأشار إلى أن الحكومة السورية حتى الآن اتخذت خطوات أمنية ولو كانت بحاجة لتعزيز أفضل من خلال نشر عناصر أكثر انضباطا في المناطق الحساسة لكن “ما زالت تطل علينا حوادث تعكر الموضوع”.

وأضاف مهنا :”السلم الأهلي من ناحية أخرى حالة مجتمعية، بحاجة تعزيز  وزيارات المسؤولين للمناطق و بث التطمينات هي أمر مرتبط بعلاقة الدولة مع المجتمع وليس مكونات المجتمع مع بعضها”. وأردف:” علاقة الدولة كإدارة مع المجتمع برأيي تسير على خطوات جيدة، لكن الوضع الاجتماعي حرج ومواقع التواصل الاجتماعي تظهر أسوأ ما في نفوس الناس وإن كانت لا تعكس حقيقة الحياة الواقعية”.

وأكد مهنا أن أسوأ نتائج حالة “الاحتقان” على مواقع التواصل الاجتماعي هو لجوء بعض الناس لجهات معادية للدولة طلبا للحماية، وأشار إلى أن الذباب الإلكتروني يعزز حالة الاحتداد بشكل كبير.

وحول الحلول المقترحة قال مهنا إن المطلوب هو عناصر أكثر انضباطا تجنبا “للجرائم الطائفية” ودوران العجلة الاقتصادية، وتعزيز العلاقات والمصالح المشتركة التي تفرض واقعا قويا لتعزيز السلم الأهلي.

وأكد أن استمرار الشلل الاقتصادي يعزز شتى أنواع الجرائم، بالإضافة للعطالة، وشدد في حديثه على ضرورة وجود محاسبة حقيقية للمجرمين.

سلم أهلي أم “تعايش قسري”؟

من جانبه رأى الناشط في مجال السلم الأهلي مهيار بدرة في حديث لموقع تلفزيون سوريا أن السلم الأهلي في الساحل يتجه نحو “النفاق الاجتماعي المعاكس بحكم انقلاب معادلة القوة بين المكونين السني والعلوي”.

وأضاف بدرة المشرف على مبادرة “ابن البلد” حاليا أن ما يحدث حاليا في الساحل السوري هو “سلم أهلي يقوم على استسلام لإرادة المنتصر” على حد تعبيره.

ورأى أن السلم الأهلي يتجه إلى “التعايش الجبري بحكم وجود الطوائف مع بعضها منذ مئات السنين، ولذلك لابد أن يحدث السلم الأهلي ولو كان ظاهريا خلال الأشهر الستة القادمة عند الإحساس بالأمان واستقرار الدولة”.

وأشار إلى أن ما تقوم به الحكومة السورية يدعم حاليا السلم الأهلي والعيش المشترك من خلال تبنيها العديد من المبادرات الاجتماعية ومن خلال تعامل أمني وتعامل خدمي مختلف.

وختم بالقول:” ما يهم حقيقة هو تعامل الحكومة حاليا مع الأمور وهو بعيد جدا عن التعامل الطائفي وهذا له أثر إيجابي في استقرار المجتمع خلال الفترة القادمة مع وجوب محاسبة الصفحات على وسائل التواصل الاجتماعي التي تدار بطريقة طائفية” وفق قوله.

——————-

عن سورية… الحوار أولاً ودائماً/ أحمد مظهر سعدو

30 يوليو 2025

تنتاب الحالة المتحرّكة في سورية منذ أشهر قليلة تجاذبات وتصادمات كثيرة تذهب، في بعض الأحيان، إلى ما هو دراماتيكي دموي غير مسبوق، ضمن عديد من أنساق المجتمع السوري، من تعدّيات وانتهاكات فاقعة لأرواح الناس، من دون الارتكان إلى أيّ مسارات في العقلانية السياسية، وهي التي لطالما حلم بها الشعب السوري على مدى حكم آل الأسد 54 عاماً، قبل أن يُكنَس وأدواته التشبيحية كلّها على أيدي السوريين المنتفضين والثائرين 14 عاماً.

ولعلّ الأوضاع في الجنوب السوري، وما جرى أخيراً من صدامات أودت بأرواح مئات من السوريين، لا تتحمّل مسؤوليتها حكومة دمشق وحدها، بل لعلّ المجموعات العسكرية التابعة للشيخ حكمت الهجري، وارتداداتها وعلاقاتها الإقليمية، ثمّ استدعاؤها الفاجر المحتلّ الإسرائيلي، ليكون شريكاً لها، وحامياً لتحرّكاتها، وهيمنتها على الجنوب السوري، وخصوصاً جبل العرب ومحافظة السويداء، ضدّ حكومة دمشق، وصولاً إلى إعلان “الحكم الذاتي” المرفوض شعبياً في السويداء… هو ما ساهم في تأجيج المسألة برمّتها، وأودى بها إلى مهاوٍ لا يريدها السوريون، لا في محافظة السويداء ولا خارجها، لأن انتماء جبل العرب (والسويداء) كان على الدوام وطنياً بامتياز، وكلّ منعرجات التاريخ تشهد بذلك.

لكنّ بعضهم أبى إلا أن يقوم بمواصلاته وتشبيكه النفعي البراغماتي مع الخارج، المتربّص بسورية والمنطقة العربية، فكانت إسرائيل الأكثر جاهزيةً واستعداداً على طول الخطّ، وعبر استراتيجياتها للمنطقة العربية، وسورية خصوصاً بعد فرار بشّار الأسد، لتلعب (كما دأبت مراتٍ) على الوتر الطائفي، ولتكون السويداء ورقةً مهمّةً كي تفاوض عليها السوريين، وهو ما لوحظ عبر اللقاء التفاوضي بين وزير الخارجية السوري ومسؤول إسرائيلي، واجتماعهما في باريس برعاية أميركية، وقبله كانت لقاءات تفاوضية أخرى في أذربيجان، وغير مكان آخر.

أمام هذا الواقع المتفجّر والتدخّل الدولي والإقليمي ضمن الحالة السورية وتفاعلاتها ومتغيراتها، كيف يمكن الخروج جدّياً من عنق الزجاجة؟ وبالتالي يمكن أن يمنع انقساماً في سورية، ويحدّ من قيام فيدراليات، أو ما يسمّيه بعضهم (اللامركزية السياسية) وليس (الإدارية)، وهي التي من الممكن أن تكون بوابة ولوج نحو الانقسام والتقسيم والتفتت للدولة السورية، أو ما يشبه ذلك، بينما تنتظر قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في الضفة الأخرى تهيئةً وتوطئةً نحو إنفاذ تلك الأحلام، في قيام كيانات انفصالية، واللعب على ذلك ضمن سياقات حالة الاستقواء بالخارج، التي يشتغل عليها بعضهم في الجنوب السوري أو في شمال شرقي سورية.

وفي أتون مسارات هذا الواقع المرّ والمنغّص في سورية، يتمظهر أمامنا، ولدى المتابع للشأن السوري والمشهد المتغيّر، المعطى التالي عقلانياً سياساً ووطنياً، أن لا حلّ في سورية بعد كلّ ما حصل وجرى إلا بالحوار الوطني الواسع، تحت راية مهمّة وضرورية، هي وحدة كلّ السوريين ديمغرافياً وسياسياً، لبناء الوطن الذي حلموا به، وعملوا من أجله عقوداً مضت، وإلا تذهب المآلات حتماً نحو مزيد من الانقسام والتشظّي، وهو ما تريده إسرائيل عيانياً، كي تكون سورية أكثر ضعفاً، ومن ثمّ تساهم في إراحة إسرائيل من القلق الإقليمي عقوداً طويلةً مقبلة، ويبقى ما يسمّى “الأمن القومي الإسرائيلي” الأهم والأجدر بالبقاء والاستدامة، ليس لدى الإسرائيليين فحسب، بل أيضاً لدى الإدارات الأميركية المتعاقبة، مهما اختلفت الإدارات من جمهورية إلى ديمقراطية.

في سورية اليوم وبعد كلّ المياه التي جرت تحت الجسر، وكلّ الأحداث الدراماتيكية الحاصلة في السويداء وجبل العرب، وقبلها في الساحل السوري، لا يمكن أن تمرّ الأمور بالحلّ الأمني أو العسكري فقط، الحلّ لا بدّ أن يكون عقلانياً سياسياً واعياً ومدركاً طبيعة المسائل الحساسة في تلافيف وأنساق الوضع السوري ومتغيّراته التي لا تتوقّف عن الحدوث، عبر سياسات جديدة وعاقلة، تقوم على نهج المشاركة، أي مشاركة الجميع من كلّ الطوائف والإثنيات والأيديولوجيات السورية المتعددة والمتنوعة، في كامل الجغرافيا السورية، نحو سورية واحدة موحّدة لا تقبل القسمة أبداً، وهو ما ليس له من بدّ، أي تحريك عجلة الحوار السوري الجَدّي، الذي يمكن أن ينتج سلماً أهلياً سورياً، ويساهم فعلياً في عملية المشاركة السياسية والاجتماعية والمؤسّساتية، وعلى هذا الأساس يمكن أن تسير الأمور نحو صياغة متمكّنة ورصينة للعقد الاجتماعي الوطني الجامع الذي لا يستثني أحداً من السوريين، ويطمح إليه كلّ السوريين (وما زالوا)، رغم كلّ المنغّصات والمعوقات، وهم يصرّون على أن لا يتنازلوا عنه، وهو بالضرورة سوف يؤسّس واقعياً لقيام دولة المواطنة في سورية، بعد عقود خمسة من القحط، وغيابها كلّياً وليس جزئياً، دولة المواطنة الحقّة التي يكون فيها السوريون جميعاً سواسية أمام القانون وتحت سقفه، ومن ثمّ بناء الدستور الوطني الجامع والدائم والمعبّر عن كلّ أطياف الشعب السوري، المنهمك سابقاً ولاحقاً في سياقات بناء دولته التي يحلم بها على طول المدى، دولة المؤسّسات، وليس المحسوبيات، دولة العلم والمعرفة والديمقراطية، وليس دولة التشبيح والقمع وكم الأفواه، وكَنس (وإزاحة) كلّ سياسات النظام الأسدي الاستبدادي الكيماوي إلى غير رجعة.

ضمن هذه المعطيات، وفي أتون تلك المتغيرات والدماء التي سالت (ويمكن أن تسيل) خارج إطار العقلانية السياسية، ذلك كلّه، ومن خلاله، لا مناص من العمل الفاعل من الجميع، حكومة ومجموعات وأحزاباً وقوى فاعلة، للمضي في محدّدات ومسارات عدالة انتقالية سورية تقطع مع الماضي، لكنّها لا تتجاوز حقوق الناس، وتجبر الضرر لديهم، وبالتالي، تعمل على إعادة الحقوق إلى أهلها، ومن ثمّ تعيد إنتاج الواقع السوري على أسس جديدة لا تقبل إلا بالمحاسبة لكلّ من ارتكب فعلاً يعاقب عليه القانون، أو تعدّى فيه على الناس الأبرياء، وقبل ذلك كلّه (معه وبعده) يكون الحوار الوطني السوري سيّد المرحلة وحاميها بين ألوان الطيف كلّها.

العربي الجديد

——————————

هل لزيارة الشيباني المفاجئة لموسكو علاقة بتطورات الوضع في الجنوب السوري؟

أول زيارة لمسؤول سوري منذ إطاحة الأسد وبدعوة سابقة من لافروف

موسكو: رائد جبر

30 يوليو 2025 م

نقلت وسائل إعلام سورية وروسية متطابقة أن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، توجه، مساء الأربعاء، إلى موسكو في زيارة لم يعلن عنها مسبقاً. وينتظر أن يعقد الخميس جولات من المحادثات مع عدد من المسؤولين الروس وفقاً لتأكيد مصادر تحدثت إلى قناة «روسيا اليوم» الحكومية.

وتعد هذه أول زيارة يقوم بها مسؤول سوري إلى العاصمة الروسية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

ورغم أنه كان متوقعاً أن يقوم الشيباني بزيارة إلى العاصمة الروسية، منذ أن وجه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف دعوة رسمية له لزيارة موسكو نهاية مايو (أيار) الماضي، لكن الإعلان المفاجئ عن الزيارة قبلها بساعات فقط ومن دون الكشف عن ترتيبات مسبقة، عكس كما قال مصدر روسي لـ«الشرق الأوسط»، إن الاتفاق النهائي على موعدها «قد يكون جرى بسرعة وربما كان مرتبطاً بتطورات الوضع في الجنوب السوري، والاتصال الذي أجراه يوم الاثنين، الرئيس فلاديمير بوتين مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو».

وكان لافروف قد أعلن أن توجيه الدعوة إلى الشيباني لزيارة موسكو، جاء استجابة لنصيحة تركية، وقال في حينها: «بدعوة طيبة من صديقي (وزير الخارجية التركي) هاكان فيدان، وجهنا الدعوة للسيد الشيباني لزيارة روسيا». وسبق أن التقى الوزيران لافروف والشيباني في العاصمة التركية في فبراير (شباط) الماضي.

عموماً، تُعد الزيارة التطور الأبرز في العلاقة بين القيادة السورية الجديدة وروسيا، الداعم الأبرز لرئيس النظام المخلوع. لكن الطرفين كانا قد أعربا عن استعداد لتطبيع العلاقات وتبادلا عدداً من الرسائل التي وصفت بأنها «إيجابية». وقال الرئيس السوري أحمد الشرع في وقت سابق، إن روسيا «دولة مهمة وهي ثاني أقوى دولة في العالم، وتربطنا بها مصالح استراتيجية عميقة».

بدوره أكد الرئيس فلاديمير بوتين في رسالة وجهها إلى الشرع، في مارس (آذار) الماضي، استعداد بلاده لـ«تطوير التعاون العملي مع السلطات السورية في كل المجالات».

وقال الناطق الرئاسي الروسي، ديمتري بيسكوف، إن الرسالة حملت تأييداً لجهود القيادة السورية الموجهة نحو «تحقيق الاستقرار السريع للوضع في البلاد بما يخدم ضمان سيادتها ووحدتها وسلامة أراضيها».

وكانت موسكو قد أعلنت أنها أطلقت سلسلة من الاتصالات الروسية مع دمشق، تهدف إلى ترتيب العلاقة الجديدة بين البلدين. وأكدت أنها تضع ضمن أولوياتها ضمان المصالح الروسية وخصوصا ما يتعلق بالوجود العسكري الروسي في قاعدتي «حميميم و«طرطوس» فضلاً عن استئناف التعاون في المجالات المختلفة.

وتبادل الطرفان عبر قنوات الاتصال مطالب محددة، بينها من الجانب السوري ضرورة أن تسهم موسكو في إرساء مبادئ العدالة الانتقالية، في إشارة إلى فرار مسؤولين سابقين بينهم الأسد إلى موسكو ومعطيات عن تهريب مبالغ ضخمة من الأموال إلى روسيا.

من جانبها أكدت موسكو استعدادها لتقديم العون في ملفات عدة بينها إعادة إعمار بعض منشآت البنى التحتية، خصوصاً تلك التي أسهمت روسيا والاتحاد السوفياتي السابق بتشييدها، وتحدث مسؤولون روس عن احتمال أن تذهب موسكو لتخفيف أعباء السلطات السورية الجديدة عبر إعفاء سوريا من الديون المستحقة لموسكو.

وفي 20 يوليو (تموز)، أعلن نائب وزير الخارجية الروسي، ميخائيل بوغدانوف، الذي أعفي لاحقاً من منصبه، أن بلاده تواصل اتصالاتها مع الحكومة السورية بشأن مستقبل القواعد العسكرية الروسية في البلاد، معرباً عن أمله في التوصل إلى تفاهم يحفظ مصالح الطرفين. وأضاف بوغدانوف، في تصريح خلال مشاركته في منتدى سان بطرسبرغ الاقتصادي الدولي: «نحن على تواصل بالطبع، وكل شيء يسير جيداً حتى الآن، وآمل أن نتوصل إلى تفاهم مع السلطات الجديدة. لقد جرت فعلياً محادثات بهذا الشأن».

وأشار بوغدانوف في حينها إلى أنه يتوقع أن يلبي الشيباني الدعوة الموجهة له لزيارة موسكو قريباً، وأوضح أن الزيارة المرتقبة تهدف إلى مناقشة العلاقات بين البلدين، بما في ذلك التعاون العسكري والسياسي والاقتصادي، مؤكداً أن بلاده ترى أهمية كبرى في الحفاظ على علاقات وثيقة ومستقرة مع سوريا في المرحلة المقبلة. ولفت المسؤول الروسي إلى أن الحوار مع الجانب السوري بشأن مستقبل القواعد الروسية في سوريا، أي قاعدة حميميم الجوية في اللاذقية وقاعدة طرطوس البحرية، مستمرة، وأن الحوار يجري «بروح من التفاهم المتبادل».

ورغم أن الدعوة الروسية طُرحت ضمن ما يوصف بتعزيز التعاون الثنائي، إلا أن هناك تفسيرات ترى أن زيارة الشيباني تأتي في إطار أوسع على خلفية محاولات موسكو تثبيت تموضعها الاستراتيجي في سوريا في مرحلة ما بعد بشار الأسد.

ووفقاً لتحليل نشره مجلس الشرق الأوسط بمعهد «كارنيغي» في يونيو (حزيران) الماضي، تسعى موسكو إلى تجديد حضورها في مواقع حيوية، من بينها ميناء طرطوس، وقواعد عسكرية في الساحل السوري، من خلال اتفاقات بعيدة المدى تضمن لها منفذاً دائماً إلى شرق المتوسط.

وبدا أن العنصر الجديد الذي قاد إلى تسريع ترتيب الزيارة مرتبط بتطورات الوضع في الجنوب السوري والتصعيد الإسرائيلي المتواصل ضد سوريا. خصوصاً أن بوتين أجرى قبل يومين اتصالاً هاتفياً مع نتنياهو بحث خلاله الطرفان التطورات المحيطة بالوضع في الجنوب السوري، وأكد خلاله الرئيس الروسي التزام بلاده بمبدأ وحدة وسلامة الأراضي السورية.

——————————-

ما لـ”قيصر” هو للإرهاب… سوريا ومعضلة العقوبات/ مصطفى رستم

مراقبون: إبقاؤها سارية المفعول يعجل بعودة “داعش” ويعرقل الإعمار لكنه أيضاً سيدرأ احتمال الحرب الطائفية

الخميس 31 يوليو 2025

برزت أحداث الساحل في مارس (آذار) من العام الحالي، التي أدت إلى صدام بين قوى الأمن وفلول النظام السابق، وما تبعها من حوادث غلب عليها الطابع الطائفي، مع حوادث مشابهة لمصادمات بين العشائر العربية في السويداء وأهالي المدينة ذات الغالبية الدرزية، كل ذلك أدى إلى موجة احتجاجات وضعت السلطات السورية الجديدة في الامتحان.

يتجه الانفراج الاقتصادي المأمول في سوريا بعد عزم الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلغاء قانون العقوبات نحو التضاؤل، إثر مخاوف من عرقلة الأمر التنفيذي من الكونغرس، إذ يشير اجتماع بين لجان متخصصة داخل المجلس النيابي الأميركي إلى مناقشة مشروع قانون يدخل تعديلات على قانون “قيصر”، بهدف وضع شروط لرفع العقوبات.

مشروع القانون الجديد يتضمن تمديد فترة الإعفاء من العقوبات من 180 يوماً إلى عامين، إضافة إلى إنهاء العمل بالقانون كاملاً إذا تأكدت الإدارة الأميركية من امتثال الحكومة السورية للشروط المحددة مدة عامين متتاليين.

ومررت اللجنة الاقتصادية في الكونغرس مشروع قانون لتمديد قانون “قيصر”، وفق ما قدمه النائب الجمهوري مايكل مولر رئيس اللجنة الفرعية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يستهدف تمديد رفع العقوبات، ومراجعة القيود المصرفية، ويتضمن بنداً يلزم الإدارة الأميركية بتقديم إحاطة إلى الكونغرس عن التسهيلات التنظيمية والتنفيذية التي منحت لمصرف سوريا المركزي.

عقوبات وعواقب

في غضون ذلك لم يخف عضو الكونغرس الأميركي عن الحزب الجمهوري جو ويلسون مخاوفه من إبقاء قانون “قيصر” ساري المفعول، مما يؤدي إلى إعاقة إعمار سوريا على المدى الطويل، ويسهم أيضاً في عودة تنظيم “داعش”.

وجاء في حديث ويلسون عبر منصة “إكس”، “أقدر نوايا زملائي في لجنة الخدمات المالية في الكونغرس لإثارة مسألة تبسيط العقوبات على سوريا في الوقت المناسب، وأعتقد أن إلغاء قانون قيصر بالكامل يتماشى تماماً مع أجندة الرئيس دونالد ترمب في منح سوريا فرصة”، وكان ويلسون قدم تشريعاً في الـ12 من يونيو (حزيران) الماضي لإلغاء قانون “قيصر” بصورة كاملة عن سوريا.

يفسر المستشار السابق في وزارة الخارجية الأميركية حازم غبرة لـ”اندبندنت عربية” هذا التوجس بخبرة الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب، وبأن واشنطن تعي أن الواقع الاقتصادي الجيد هو جزء أساس من محاربة الإرهاب، بينما المتأزم يساعد المنظمات الإرهابية في تجنيد الأفراد الذين قد لا تكون لديهم خلفية متطرفة، وفق رأيه.

وأضاف “أيضاً الموضوع الاقتصادي يؤثر في التعليم، الذي يشكل غيابه رافداً لهذه المجموعات الإرهابية في ما يخص التجنيد وانتشار التطرف، وهناك صلة واضحة بين الوضع الاقتصادي وانتشار الإرهاب في أية دولة أو منطقة”.

“داعش” إلى الواجهة

وكان قانون “قيصر” صدر في منتصف ديسمبر (كانون الأول) عام 2019، ويستهدف الأفراد والشركات الذين يقدمون التمويل أو المساعدة للنظام السوري السابق ورئيسه بشار الأسد، الذي هرب في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) عام 2024 إلى موسكو.

ويحاول الرئيس السوري الحالي أحمد الشرع منذ توليه الحكم إزالة المخاوف من وصول التيار الإسلامي للسلطة عبر حل الفصائل المسلحة ودمجها في جيش واحد، مؤكداً سعيه إلى استقرار سوريا ودعم علاقتها الجيدة مع جيرانها ومحيطها العربي، وصولاً إلى حضوره قمة الرياض التي التقى فيها مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي وعد بإعطاء فرصة لدمشق عبر إلغاء العقوبات الأميركية.

في المقابل برزت أحداث الساحل في مارس (آذار) من العام الحالي، التي أدت إلى صدام بين قوى الأمن وفلول النظام السابق، وما تبعها من حوادث غلب عليها الطابع الطائفي، مع حوادث مشابهة لمصادمات بين العشائر العربية في السويداء وأهالي المدينة ذات الغالبية الدرزية، كل ذلك أدى إلى موجة احتجاجات وضعت السلطات السورية الجديدة في امتحان الاستقرار والأمان لكل السوريين على اختلاف مشاربهم وطوائفهم.

مع هذا يحذر متخصصون في الشأن السوري من معضلة التباطؤ في رفع العقوبات، لما لها من أثر سلبي في الحياة الاقتصادية والمعيشية، خصوصاً أن نسبة 90 في المئة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر.

يتفق الباحث في القانون الدولي فراس حاج يحيى مع ما جاء في تصريحات النائب الأميركي ويلسون، ويرى أن لها منطقاً واقعياً، مؤكداً أن استمرار قانون “قيصر” يعني استمرار تعطيل الاقتصاد وتعقيد جهود إعادة الإعمار.

ويضيف “هذا المناخ من الفقر واليأس يشكل أرضية مثالية لعودة التنظيمات المتطرفة مثل ’داعش‘ مجدداً، مستغلة حال عدم الاستقرار في سوريا، وعدم اكتمال مراحل بناء المرحلة الانتقالية، حيث الأجهزة والوزارات في طور البناء، وهذه بيئة خصبة لانتعاشها من جديد في حال عدم تعافي سوريا والتعاون مع حكومتها الانتقالية”.

وعلى رغم سقوط أكثر التنظيمات المتطرفة في سوريا عام 2019  في آخر حصونها بدير الزور شرق البلاد، فإن فلول “داعش” وخلاياه ما زالت تنشط على امتداد البادية، إذ اتخذت المخادع الصحراوية والجبلية مرتعاً لها ولعملياتها الخاطفة، وتنتظر الفرصة للانقضاض على السجون والمعتقلات ومخيمات الاحتجاز لإطلاق نحو 50 ألف شخص ممن يتبعون التنظيم.

بالتوازي مع ذلك تمدد “داعش” وبات يخطط لعمليات انتحارية بعدما استخدم أسلوب حرب العصابات في أطراف البادية، وأكثر العمليات دموية كانت تفجير كنيسة مار إلياس في منطقة الدويلعة بريف العاصمة دمشق في الـ22 من يونيو (حزيران) الماضي، الذي لقي خلاله 25 شخصاً مصرعهم وأصيب 60 آخرون أثناء تأدية صلاتهم داخل الكنيسة التي هاجمها انتحاري، ولعل الإمساك بأحد قادة التنظيم في مدينة الباب بريف حلب عبر عملية إنزال جوي من التحالف الدولي لمكافحة تنظيم “داعش” يعطي إشارة عن تحرك قادته وأفراده واقترابهم من المدن.

جدولة رفع العقوبات

وتتابين الآراء حول فكرة التريث برفع العقوبات كاملة، فثمة من يرى ضرورة الإبقاء عليها، لا سيما من المعارضين لحكومة الشرع إثر الحوادث الدموية في مدينة السويداء، ويعتقد هذا الفريق أن العمل على تكريس العقوبات وجعلها صارمة سيحد من اندلاع حرب طائفية ويدفع بالحكومة إلى محاسبة مرتكبي المذابح. بينما يقول طرف آخر إن الرفع المباشر سيكافح الإرهاب، وطرف ثالث يرى أن جدولة الرفع ستؤدي إلى نجاح أفضل للحكومة السورية الجديدة على المدى الطويل، ونجاح مستدام أكثر على مستوى مكافحة الإرهاب، بعد تحسن الوضع الاجتماعي والسياسي الأفضل للبلد.

لكن المستشار السابق في وزارة الخارجية الأميركية حازم غبرة يسأل عن كيفية الرفع وتأثيره، “هل يكون له تأثير واسع أم محدود؟ فالوضع الاقتصادي ليس مرتبطاً بصورة كاملة برفع العقوبات. على سبيل المثال المستثمر الأميركي من جهة يرى العقوبات عائقاً، ولكن مستثمراً آخر قد يقول إن الوضع الاجتماعي والسياسي الداخلي المتأزم هو العقبة الحقيقية أمام الاستثمار”.

ويتفق الباحث في القانون الدولي فراس حاج يحيى مع المستشار السابق في الخارجية الأميركية، في كون استمرار العقوبات قد يفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، مما يزيد من هشاشة المجتمع ويخلق فراغاً تستغله الجماعات المتطرفة، وهذا قد يؤدي إلى زيادة انتشار الإرهاب بصورة عامة، وظهور بؤر جديدة غير متوقعة. لكنه يضيف “كذلك استمرار العقوبات سيعوق أي استثمارات قادمة لسوريا، ويشكل عامل طرد للاتفاقات الموقعة خلال المرحلة السابقة، إضافة إلى تضرر المدنيين من كل مكونات الشعب السوري الذين سيبقون تحت وطأة الفقر، وأقل المتضررين هي الحكومة الانتقالية لأن استمرار العقوبات سيمنحها قدرة على الاستمرار في الحكم من دون تقديم تنازلات محلية أو إقليمية، وسيخفف عنها عبء ومسؤولية عدم قدرتها على النهوض بسوريا بسبب تلك العقوبات. إذاً المتضرر الحقيقي هو سوريا والسوريون، وليس الحكومة الانتقالية”.

يرجح الباحث القانوني تحول العقوبات الأميركية إلى أداة ضغط سياسية واضحة لترويض السلطة في سوريا لخدمة ما تريده واشنطن ومن خلفها إسرائيل، ويتوقع في الوقت ذاته “استمرار الأوروبيين في تبني موقف قريب من واشنطن مع بعض المرونة، بمعنى فرض عقوبات فردية على أية شخصية في الحكومة السورية تتهم بارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، بالتالي لن تستهدف مجدداً الدولة السورية وإنما أشخاص محددين فيها، لكن الموقف الأميركي سيبقى الأكثر حدة في المدى المنظور”.

مع كل الجدل الحاصل في شأن العقوبات وتأثيرها، وما يسود البلاد من وضع اجتماعي وسياسي هش يترك تأثيره في الوضع الداخلي والسلم الأهلي، يركز المستشار غبرة على ضرورة اتخاذ الحكومة السورية إجراءات وخطوات تكون مطمئنة للمجتمع السياسي الأميركي، وبحسب تصوره فإن ثمة خطوات ملموسة أو جاهزة عملياً تستطيع الحكومة اتخاذها، مما يعطي الفرصة لإنهاء هذا الجدل في الكونغرس الأميركي، كذلك يمكن التوصل إلى اتفاق برفع العقوبات كاملة.

———————–

 إلى الأقلّويّات: أحمد الشّرع باقٍ/ رضوان السيد

2025-07-29

تثير أحداث السويداء أسئلة كثيرة. صحيح أنّ التدخّل الإسرائيلي كان الأبرز في المشهد، لكنّ في المشهد أيضاً قضايا كثيرة أخرى، ومنها العلائق بين الدروز والبدو،…

ماذا يعني تصريح المبعوث الأميركي عن عودة لبنان إلى بلاد الشام؟ ما هي حيثيّاته التاريخية ووقائعه السياسية ودلالاته العميقة؟ وهل هو اجتهاد أم زلّة لسان…

ماذا يعني تصريح المبعوث الأميركي عن عودة لبنان إلى بلاد الشام؟ ما هي حيثيّاته التاريخيّة ووقائعه السياسيّة ودلالاته العميقة؟ وهل هو اجتهاد أو زلّة لسان…

أحدثت أحداث السويداء ردود أفعال في سورية ولبنان. وهي ردود أفعال إعلامية وسياسية تعلن التخوّف من الحكم الجديد في سورية، مرّةً بداعي تطرّف النظام، ومرّة بالدعوة إلى تحالف الأقليّات. نظام أحمد الشرع باقٍ بدعم عربي ودولي. ولا داعي للهواجس والمخاوف والعودة لتجارب ثبت فشلها وضررها على الوطن والدولة.

عندما سقط نظام الأسد أواخر عام 2024، ما حسبتُ أنّ أحداً في المنطقة أسِف لسقوطه، ربّما باستثناء جماعات المحور الإيراني وأنصاره. وتردّد الطائفيون في العراق ولبنان لأنّهم صاروا يخشون فكرة حكم الأكثريّة، وهم يفضّلون عليها الذلّ والتذلّل واستمطار فضائل آل الأسد. وهم بهذا السلوك يفضّلون نظام المذابح على فكرة الدولتين المستقلّتين والمتعاونتين. كانوا يشكون مُرَّ الشكوى من عدم ترسيم الحدود ومن أساطير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا ومن كثرة اللاجئين السوريين، لكنّهم يتسابقون لزيارة الأسد ومعاونيه ولا يطلبون منه غير الرضا وتبويس اللحى!

بدلاً من التطلّع لما أنزلته الميليشيات التي ذهبت من لبنان لمساعدة الأسد ضدّ شعبه بالسوريّين وبسورية، راحوا يتبادلون الهمسات التي أطلقها بصوتٍ عالٍ الراحل حسن نصرالله بقوله إنّما ذهب إلى سورية لحماية المراقد والمزارات ولكي يمنع الإرهابيين من دخول لبنان(!).

متاعب النّظام الجديد

كنت أرى من زمان أنّه عندما يختلف “عقائديّو” الموارنة والشيعة تحدث الحرب الأهليّة، وعندما يتّفقون تنتهي الدولة وينهار النظام لأنّهم ينصرفون إلى تقاسُم الغنائم على حساب الوطن والدولة. وهذا الذي حصل بين 2006 و2024 عندما تحالف الجنرال عون مع حسن نصرالله.

راحوا بالآلاف إلى سورية لمقاتلة الشعب السوري واستولوا على مناطق شاسعة من سورية بعدما أجلوا عنها أهلها من ضاحية السيّدة زينب إلى القلمون وحمص وحلب ومدن الحدود العراقية في البوكمال والميادين.

حتّى الآن من بين 1,400 سجين سوري في لبنان ثلاثمئة محبوسون بتهمة معارضة النظام السوري، وكان الأمن العامّ وغيره قد سلّم المئات من السوريين إلى نظام الأسد بناءً على طلب النظام الساقط. وفجأةً عندما شاع أنّ نظام الشرع يطلب تسلُّم السجناء برزت فذلكات قانونية والحاجة إلى اتّفاقات للتسليم، بينما كانت الأجهزة الحريصة تعمل عند النظام السوري لخدمته بدون شورٍ ولا دستور.

بدلاً من التطلّع لما أنزلته الميليشيات التي ذهبت من لبنان لمساعدة الأسد ضدّ شعبه بالسوريّين وبسورية، راحوا يتبادلون الهمسات التي أطلقها بصوتٍ عالٍ حسن نصرالله

منذ عام 2013 وبعد غزو “الحزب” لبيروت عام 2008 أعلنت إيران أنّ “محور المقاومة” سيطر في أربع عواصم عربية هي: بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء، فيا أيّها الغيارى على السيادة من “الحزب” ومن الإعلاميين أين كنتم وما هو موقفكم تجاه إعلانات السيادة والاستيلاء؟

نحن من جهتنا رأينا بعد أسبوع من هروب الأسد أنّ النظام الجديد حقّق إنجازين كبيرين: إرغام الأسد على الهروب وإزالة نظامه، وإرغام إيران وكلّ ميليشياتها على مغادرة سورية! وما منّا مَن لم يتوقّع أنّه ستحدث للنظام الجديد متاعب ما دامت شعاراته: استعادة وحدة سورية، واستعادة استقرارها، وإعادة الإعمار ونظام العيش والحياة الطبيعية. وكان الواضح أنّ النظام الجديد لا يريد الاصطدام بعشرات الآلاف من الضبّاط العلويّين الذين كانوا عماد جيش الأسد ونظامه، فانتشرت فكرة المصالحات. لكنّ من لم يستطِع الهرب من كبار العسكر والميليشيات (الوطنية!) حاولوا التمرّد فصارت فتنة الساحل التي جرت فيها مظالم على المدنيين، ينبغي المحاسبة بشأنها. وهذا الذي قرّره الشرع بتشكيل لجنة متابعة وتحقيق قدّمت تقريرها أخيراً والمطلوب إنفاذ الوعود.

ثمّ حدثت حادثة الكنيسة التي قام بها الدواعش. وكان المقصود التعبير عن عداء “داعش” للشّرع وحكمه، وأنّه غير قادرٍ على نشر الهدوء والانضباط. فكيف تتصاعد صرخات الاحتجاج في لبنان وسورية واتّهامات النظام بالداعشيّة؟ ويومها بدأت الأصوات التي تقول بطائفيّة النظام وإنّه لا بدّ من النظر في إمكان عودة التحالف مع “الحزب” لحماية المسيحيين في وجه الأكثرية السنّية الطائفية.

تحالف الأقلّيات (ضدّ السنّة) فكرة يحملها الرئيس اللبناني السابق ميشال عون منذ التسعينيّات، وكان يعني بها نظام الأسد (العلويّ) و”الحزب” (الشيعي) مع المسيحيين

بين الوحدة والتّقسيم

تحالف الأقلّيات (ضدّ السنّة) فكرة يحملها الرئيس اللبناني السابق ميشال عون منذ التسعينيّات، وكان يعني بها نظام الأسد (العلويّ) و”الحزب” (الشيعي) مع المسيحيين. وما كانت الفكرة غائبة حتّى تحضر. لكنّني أعترف أنّ عمق الإحساس الأقلّوي بالتوجّس والخوف واللجوء من أجل الحماية إلى أيّ جهة، هو إدراكٌ لا أستطيع متابعته إلى الآخِر. وأنا أقارنه بالإحساس بالظلم لدى السنّة من النظام واستيلاء الشيعة والعونيّين عليه وتخليد أبنائهم في السجون بحجّة الإرهاب، والآن المظالم اللاحقة بهم في التعيينات! بصراحة كلّ ذلك لا أستطيع فهمه أو التضامن الكبير معه. فالذي يصبر على نظام الأسدين وإدارة التوحّش في سورية ولبنان ليس من حقّه التظلّم نتيجة تعيين أو عدم تعيين هذا او ذاك أيّها الناس!

إنّ حدث السويداء مختلفٌ عن كلّ الأحداث السابقة في عهد الشرع. ففي السنوات الثلاث الأخيرة برز حكمت الهجري وشكّل ميليشيا وعاونه بعض الدروز في إسرائيل بمعرفةٍ من النظام هناك. ولأنّ مخابرات الأسد تعرف بذلك ما تدخّل جيشه لضرب التمرّد خشية التدخّل الإسرائيلي، وقد كان الإسرائيليون يغيرون في كلّ مكان بسورية بحجّة مكافحة الوجود الإيراني.

مع قيام حكم الشرع ازدادت الغارات الإسرائيلية على كلّ مكان في سورية وتجاوزت في عمليّاتها حدود فصل القوّات القائمة منذ عام 1974. لقد احتلّت قمّة جبل الشيخ واقتربت من دمشق. كان الخلاف واضحاً بين أميركا وإسرائيل لهذه الجهة. فالأميركيون تواصلوا مع حكومة الشرع، والرئيس ترامب التقى به في المملكة بتوسّط وليّ العهد السعودي، ورفع العقوبات عن سورية. ومن رأيهم أنّ بقاء سورية موحّدة يخدم الاستقرار بالمنطقة، بينما يريد الأوروبيون والدول المحيطة بسورية إنهاء مشكلة التهجير. في حين يريد الإسرائيليون تصعيد الضغط لتقسيم سورية. لقد حرّضوا الأكراد وحثّوا الهجري على التمرّد فعمد إلى الاصطدام بالبدو داخل السويداء وهبّ البدو في المحيط القريب والبعيد لنجدة إخوانهم وأعلنوا بشكلٍ استفزازيٍّ النفير العامّ. وسط الاشتباكات المتصاعدة كان على الشرع أن يتدخّل فاستغاث الدروز وأجابت إسرائيل بالتدخّلات الصاعقة المعروفة في السويداء وفي دمشق. أعلنت إسرائيل أنّها حامية الدروز، وقد تعلن عن قريب حماية الأكراد!

.. وما تغيّر الموقفان السعودي والأميركي من الحكم الجديد في سورية وكذلك تركيا. السعوديون أتوا إلى دمشق لاستثمارات هائلة، وتوم بارّاك جمع مسؤولين سوريّين وإسرائيليّين بباريس. وهكذا العرب والأميركيون والأوروبيون يراهنون على الاستقرار في سورية.

لن يصحّ غير الصحيح. حكم سورية الجديد باقٍ ويتمتّع بدعمٍ عربي ودولي. وتردّدات النظام الأسدي والعدوانية الإسرائيلية تتسبّب في عقبات وحوائل واضطرابات

دعم عربيّ ودوليّ

المزاج اللبناني متقلّب تحت وطأة الإعلام وهواجس ووساوس الأقليّات، وتخاذل السنّة اللبنانيين. إذاً عادت أوساط مسيحية بلبنان للتقرّب من “الحزب” وحتّى إعلان التضامن مع الدروز المتمرّدين على النظام السوري الجديد. تهدأ الاضطرابات في سورية، لكنّ الإعلام اللبناني يتفلسف في نشر الخطط الإسرائيلية لإسقاط النظام. لا أحد يقبل الحكم السوري الجديد في لبنان، تارةً لأنّه ذو أصول متطرّفة، وطوراً لأنّه سنّي أكثريّ.

إنّ الطريف أنّ رئيس الجمهورية جوزف عون كان هو الذي وجد نفسه مضطرّاً إلى التدخّل. ففي استقباله لمفتي الجمهورية عبداللطيف دريان يوم الخميس في 24/7/2025 قال الرئيس: لكلّ جماعةٍ لبنانيّةٍ قيمة مضافة تقدّمها للبنان، خصوصاً جماعة السنّة التي تعطيه قيمتين كبيرتين: الاعتدال في الداخل، وتأكيد انتماء لبنان إلى محيطه العربي! المطلوب من سنّة لبنان الثقة بأنفسهم ودورهم وعدم الاختفاء وراء أصابعهم الكليلة.

لن يصحّ غير الصحيح. حكم سورية الجديد باقٍ ويتمتّع بدعمٍ عربي ودولي. وتردّدات النظام الأسدي والعدوانية الإسرائيلية تتسبّب في عقبات وحوائل واضطرابات. والانقسامات التي حدثت أيّام بشّار الأسد لم تنتهِ ذيولها، لكنّها لا تغيّر من إمكانات الاستقرار والتقدّم، فلا يمكن أن تظلذ سورية عالقة تحت سيطرة القلّة الأوليغارشيّة خوفاً من “الوقوع” تحت تأثير حكم الأكثريّة.  فلا بدّ من الانتهاء من حواديت أهل القلّة اللبنانية التي لا يعجبها العجب، وبخاصّة وهي مملوءة بالتذمّر الآن من تأمّلات توماس بارّاك ومبادرات الرئيس الفرنسي ماكرون.

أيّها المتوجّسون من سورية الجديدة، الذين قتلوكم وقتلونا طوال عقود هم الأسديون و”الحزب” المسلَّح. وعندكم تجارب مع حكومات الأقليّات ليس في سورية فقط، فلماذا هذه الطلعات الإعلامية والسياسية التي تبدأ ولا تنتهي. لا يمكن لسورية أن تخضع بعد اليوم لحكمٍ دمّرها، ومعظم الشعب السوري مع النظام الجديد. وأنا واثق أنّ علاقاته بلبنان ومسيحيّيه ومسيحيّي سورية ستكون أفضل بكثير من علاقات التبعية والرعب والموت التي كان الأسديون يمارسونها. فتحيّةً للدكتور سمير جعجع وتحيّةً للزعيم وليد جنبلاط اللذين أصغيا للمصالح العليا للبنان وسورية في هذه اللحظات الحاسمة في تاريخ البلدين، ولا بُدَّ دون الشَهد من إبَر النحلِ!

 ——————————-

إلى د. رَضوان السيّد: ديمقراطية سوريا.. واستقلال لبنان!/ بيار عقل

on 29 يوليو 2025

لعلّه كان أفضل للدكتور رضوان السيّد لو اقتصر على موضوع اختصاصه وهو « الدراسات الإسلامية »، أو  حتى « فقه القرون الوسطى »، بدل « الخوض »، الآن فقط، في الموضوع السوري الذي لم يُعرَف عنه « تعاطيه » فيه حينما كان مئات « المعارضين » في السجون، وحينما كان النظام الحقير يزهق أنفاس مئات الألوف من السوريين.

مقال الدكتور رضوان السيد، وعنوانه « إلى الأقلويات: أحمد الشرع باقٍ »، ينضحُ بتهديدٍ صريح لجماعاتٍ تُعبَّرُ عن تنوّع سوري جميل، ويُذكّر بـ « نظام المِلَل » العثماني.. البائد، أكثر مما يشير إلى مستقبل سوريا كما يتمناه، ربما، معظم السوريين.

وصراحةً، لا نعتقد أن المقال يعبّر فعلاً عن موقف المملكة العربية السعودية التي لم تستخدم يوماً مثل هذه النبرة التهديدية إزاء مواطنين عرب أياً كان انتماؤهم الطائفي!

بدايةً، « نظام الشرع باقٍ ». صحيح. والحقيقة أن « أحداً» لا يسعى، الآن، لإسقاطه.

جاء نظام أحمد الشرع نتيجة تفاهم أميركي مع جماعة من الأصوليين السوريين يقودها السيد أحمد الشرع الذي تخلّى عن حلفاؤه السابقين من « القاعدة » و« داعش ».

وهذا يُحسَب له وليس عليه.  

ليس واضحاً حتى الآن ما هو الدور الذي لعبته روسيا، ولكن من الواضح أن الأميركيين أدخلوا تركيا على الخط السوري بعد تفاهمهم مع الشرع. ومن الواضح أيضاً أنه لولا تدخل السعودية الباهر لكانت سوريا المثخنة والمُنهكة ستظل خاضعة للعقوبات الأميركية إلى زمن بعيد (مثل كوبا). وهذا يُحسب للسعودية التي دعمت نظاماً يقطع طريق طهران ـ بيروت، كما يخفّف من نفوذ روسيا وحتى الصين (كما يرغب الأميركيون أيضاً).

إذا، لا أحد يسعى لإسقاط نظام السيد أحمد الشرع!  حتى إسرائيل!

ولكن ذلك كله ليس « القصة كلها »!

،عبثاً، بحثنا  في مقال المفكر والاستاذ الجامعي الدكتور رضوان السيد عن مفاهيم مثل « الدستور » و« الديمقراطية » و « البرلمان »، أو حتى « الإخاء » و« المساواة » التي راجت حتى في عهد « السلطان عبد الحميد » العثماني، فلم نجدها! بحثنا عن كلمة « الحرية »، لم نجدها!

وبالمناسبة، أنا نشرت في « الشفاف » أول « مسودة دستور سوري » لفترة ما بعد الأسد، أعدّها المحامي أنور البني، في العام 2005. أي قبل 20 عاماً. ثم نشرنا نسخة أكثر تطوّراً في العام 2024. لا يبدو أن الدكتور رضوان السيد يعرف ذلك لانشغاله بـ »المِلَل والنِحَل »!

هل يعتقد الدكتور رضوان السيد أن « إعلان دمشق » وكل إعلانات المعارضين السوريين كان موضوعها الوحيد استبدال « الأسد » بمستبدّ آخر؟ او استبدال طائفة بأخرى؟ وهل وجد في أي من أدبيات المعارضين السوريين مطلباً من نوع « دين الدولة الإسلام » ورئيس الدولة « سنُي ».

هل تذكّر د. رضوان السيّد”رزان زيتونة“، وعلي العبدالله، وميشال كيلو، ورياض الترك، ورياض سيف، وأنور البني، وجورج كتن، والدكتور منير شحّود،  واللبناني سمير قصير، ومئات غيرهم (وليعذروني.. لكثرتهم!) ممن عاشوا أو ماتوا من أجل سوريا ديمقراطية وتعددية؟

ماذا بعدَ بقاء احمد الشرع، الذي لا يطالب أحد بإسقاطه حتى الان؟

أي نظام سيحكم سوريا؟ أية أحزاب؟  هل ستعود سوريا إلى ما يشبه النظام   البرلماني والديمقراطي، أم هل ستغدو « إمارة إسلامية » نكايةً بالعلويين والدروز؟ هل يقتصر موضوع « الاكثرية » و « الأقلية » على الطوائف، أم أنه يمكن أن يعني الأكثريات والأقليات السياسية؟ واستطراداً، هل سيكون في سوريا صحف وتلفزيونات حرة؟ أم هل ستبقى في « نظام الحزب الواحد »؟

هذه أسئلة كنا نتمنى أن نسمعها من « مفكر » و »أستاذ جامعي » بمرتبة الدكتور رضوان السيد!

 نظام أحمد الشرع باقٍ الآن، وهو يحظى بدعم أميركي وسعودي وتركي وأوروبي واضح. وربما يعتبره معظم السوريين أفضل الموجود للحؤول دون تشرذم البلاد ومسلسل حروب أهلية.

لكن من يسميهم الدكتور رضوان « أقليات » هم مواطنون سوريون، وليسوا « أضراراً عرضية »، يتم ذبحها في « الساحل » وفي « السويداء ». وهم يطمحون لأن يكونوا « مواطنين » وليس « رعايا »!

كنا نتمنى على “المفكر الاسلامي” ان يبشر السوريين والشرع بنظام مدني في عصر العولمة والانفتاح العالمي، وليس بنظام يستلهم الشريعة الاسلامية ليتم استبدال الاستبداد العلوي باستبداد سني، بدولة طلب رئيسها مهلة خمس سنوات لانجاز دستورها! هل سيخترع البارود لكتابة دستور لسوريا علما ان هناك محاولتين سابقتين كان بامكانه الاستعانة بهما!

هل الذين أسقطوا نظام الاسد هم الشرع واعوانه؟

لقد بدأت الثورة السورية « سلمية سلمية » وانخرط فيها عامة الشعب السوري، فكان الاجدى بالدكتور رضوان، ان يلفت نظر الشرع الى ان جميع السوريين شركاء في الانتصار، قبل الايغور والشيشان والآذريين وشذاذ الآفاق من “الاسلامويين”، الذين وان نزعت عنهم اميركا صفة الارهابيين لا يغير في طبيعتهم اي شيء.

كلمة اخيرة: لا تعوَضوا « عِقدكم » اللبنانية في سوريا لفترة ما بعد الأسد!

————————-

======================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى