سوريا في قبضة الجفاف.. ضرورة إدارة مستدامة للموارد المائية/ كفاح حسيان

2025.08.06
تواجه سوريا موجة جفاف قاسية لم تمر عليها منذ أكثر من ستة عقود. ومع أنها ليست الأولى ولكنها الأشد بسبب الوضع الصعب لكل الخدمات بعد فترة حرب دامت 14 سنة وتدمير أو تهالك البنى التحتية لشبكات الري والمياه في عدد كبير من المناطق والمدن مما زاد من معاناة المواطنين في الحصول على حقهم في مياه نظيفة وكافية وبتكلفة مقبولة. فقد تسبب التغير المناخي في جعل موجات الجفاف أكثر تقارباً كل 8-10 سنوات. ولم تقتصر معاناة سوريا على شح المياه فقط، فسوء إدارة هذا المورد الحيوي زادت الطين بلة.
تعتبر سوريا من المناطق الجافة وشبه الجافة لمحدودية موادها المائية. و بحسب مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة فإن متوسط نصيب الفرد لعام 2022 في سوريا انخفض إلى مايقارب 600 م3 وهو ما دون حد الفقر المائي الذي حدده البنك الدولي بــ 1000 م3 للفرد سنوياً. وفي ظل نقص وشح الهطولات خلال هذه السنة فإن نصيب الفرد من المياه انخفض إلى ما دون هذا الرقم. وهذا يدق ناقوس الخطر معلناً شح الموارد المائية في سوريا وعطش المواطنين وجفاف الكثير من الأراضي الزراعية، وبالتالي تراجع كمية المحاصيل الزراعية وخاصة البعلية مما ينذر بأزمة غذائية أيضاً في البلاد.
تعاني حالياً معظم المدن السورية من شح المياه وعدم القدرة على تلبية الاحتياجات اليومية الضرورية. فمدينة دمشق على سبيل المثال التي تتغذى بمياه الشرب من نبع عين الفيجة تراجع تدفقه للنصف، نحو 3 م3 في الثانية. ونهر بردى أصبح ينازع وكأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة بعد أن كان يتغنى بمائه الشعراء والأدباء. أما في المنطقة الشرقية والجزيرة التي كانت تسمى سلة غذاء سوريا ويعتبر نهر الفرات شرياناً رئيسياً فقد تراجع منسوبه في السنوات الماضية وجفت الكثير من الأراضي الزراعية وزادت نسبة التصحر حوله بسبب التغير المناخي وقلة الهطولات المطرية بالإضافة إلى انخفاض حصة سوريا من الفرات.
في ظل نقص الهطولات المطرية وتراجع حجم الموارد السطحية وجفاف الكثير من الينابيع لجأ المستهلكون إلى المياه الجوفية لتصبح المصدر الأساسي دون الأخذ بعين الاعتبار محدودية هذا المصدر، وأهمية الحفاظ عليه لنا وللأجيال القادمة. وفي ظل عدم أخذ الجهات المختصة بالمياه دروها الكامل انتشر منذ سنوات حفر الآبار عشوائياً وبلا رقابة وأصبحت أعدادها لا حصر لها، فارتفعت نسبة سحب المياه، مما أدى إلى جفاف الكثير من الآبار الضحلة أو السطحية التي يتراوح عمقها بين 70 و120 متراً لأن طبقات المياه الجوفية تتغذى من الهطولات المطرية والثلوج، ومع موجات الجفاف تراجع مستواها. فأصبح لازماً زيادة عمق الآبار للوصول إلى المياه، وزادت معها تكلفة الحصول على المياه بسبب ارتفاع كلفة الحفر وتجهيز البئر والضخ.
الوضع المائي في سوريا بات ينذر بأزمة مائية خطيرة على المدى القريب والبعيد خاصةً مع استنزاف المياه الجوفية غير المتجددة في ظل موجات الجفاف على تلك الوتيرة المتقاربة، مما يؤثر على الأمن المائي والغذائي، وقد يتسبب باضطرابات اجتماعية، خاصة مع هشاشة الأوضاع المعيشية والقطاعات الاقتصادية عقب الـ 14 عاماً من الحرب. بالإضافة إلى عودة اللاجئين السوريين التي تزيد الضغط على الموارد المائية المتاحة.
لا يمكن أن تُشكل المياه بشكل عام والجوفية بشكل خاص مصدرًا مستدامًا للمياه إلا إذا كانت هناك عمليات رصد لكمية المياه الداخلة والخارجة وتخزين هذه المعطيات لمعرفة قدرة هذا المصدر على تلبية الاحتياجات وفترات الوفرة والعجز لإدارته بشكل مستدام.
وتشير جمعية المياه الدولية (IWA) إلى أن الاستخدام غير المستدام للمياه الجوفية يؤدي إلى انخفاض منسوب المياه، وانخفاض تدفق المجاري المائية، وانخفاض جودة المياه، مما يؤثر بشكل مباشر على المجتمعات المحلية. ومن أهم المشكلات في قطاع المياه السوري هو عدم توافر بيانات كافية وإن وُجدت فهنالك فجوات وبعض الأحيان هنالك تضارب في البيانات من مصدر لآخر وخاصة خلال الحقبة السابقة. لذلك نرى ضعف الاستجابة والحلول أمام موجة الجفاف الحالية في سوريا، فالحلول الناجعة لا تكون آنية بل نتاج عمل سنوات سابقة ضمن خطة مدروسة ومنظمة لمواجهة هكذا حالة وتوفير المياه.
فاستراتيجيات استخدام المياه بطريقة مستدامة تضمن إمدادات المياه على المدى الطويل، وتحديد التهديدات التي تواجه المياه المتاحة وجودتها. كما تتضمن سياسات وإجراءات لتحسين إدارة هذه التهديدات والاستجابة لها، مما يساعد: مستخدمي المياه ومؤسسات المياه والري بالإضافة إلى السلطات المسؤولة على مواجهة أي تغيرات في وفرة المياه. ومن أهم أدوات استخدام المياه بطريقة مستدامة هو تحسين إدارة الموارد المائية من خلال توافر بيانات تظهر كل مايتعلق بالمياه سواء سطحية أو جوفية أو مصادر غير تقليدية للمياه، وكل هذا ممكن أن يكون ضمن منظومة متكاملة ومضبوطة وهنا يأتي دور وزارة الطاقة والموارد المائية. بالإضافة إلى تلافي أهم المشكلات التي تزيد من حدة المشكلة، وأهمها العمل على إعادة تأهيل شبكات مياه الشرب والري وتخفيض نسبة الهدر التي تزيد عن 45% في شبكات مياه الشرب وتصل لأكثر من 50% حسب دراسات من جامعة دمشق.
وباعتبار القطاع الزراعي هو المستهلك الأكبر للمياه فلا بد من تحسين أساليب الري واعتماد أساليب حديثة تخفض نسبة استهلاك المياه وترفع كفاءة الري. بالإضافة إلى تجديد وصيانة العدادات المنزلية التي تعطي القراءات الصحيحة.
وعلى الرغم من الظروف الاستثنائية والصعبة على مختلف القطاعات التي تمر بها سوريا لا مناص من العمل على اعتماد إدراة مستدامة للمياه من خلال نهج شامل متعدد التخصصات، يُعالج القضايا التقنية والبيئية والزراعية والاقتصادية والجمالية والاجتماعية. بالإضافة إلى تثقيف الجمهور وتوعيته بقيمة هذا المصدر الحيوي واستخدامه بحذر ووعي، وفي هذا السياق لا بد من التعاون بين الجهات المسؤولة والمستهلكين وإلا سنبقى ندور في حلقة مفرغة وننتقل من أزمة إلى أخرى. أي لا بد من الانتقال من المعالجات الطارئة إلى الدائمة مع الأخذ بعين الاعتبار نقاط القوة والضعف المائي في سوريا مع البحث عن مصادر وحلول جديدة.
ومن الحلول العلمية البديلة الممكنة، هناك: حصاد مياه الأمطار في خزانات في المناطق ذات نسبة الهطولات العالية كمنطقة الساحل السوري. وتقنية إعادة تغذية طبقات المياه الجوفية في مواسم وفرة الهطولات لتغطية النقص في مناسيب هذه المياه. وهناك عملية الاستمطار التي بدأت فعلياً بسوريا سابقاً ولكن بشكل خجول. بالإضافة إلى تحلية مياه البحر المستخدمة في عدة بلدان عربية إلا أن مشكلتها بكلفتها العالية.
بالإضافة إلى تغيير في السياسات الزراعية واستبدال بعض المحاصيل ذات الاستهلاك المائي الكبير بالأقل استهلاكاً. وعند تصميم منشآت التخزين المائية وخاصة البحيرات الاصطناعية وخزانات تجميع مياه الأمطار لا بد من الأخذ بعين الاعتبار نسبة التبخر العالية من المسطحات المائية في سوريا والتصميم بحيث تكون نسبة الفاقد المائي بالتبخر في أدنى مستوياته. وهذه الحلول يمكن الأخذ بها بالتوازي مع الاستجابة الطارئة لأن نتائجها على المدى البعيد.
المياه مصدر حيوي ذو قيمة جوهرية للتطور والتنمية والنهوض بالدولة، وعند استخدامه بطريقة مستدامة فإننا نحافظ على التوازن البيئي رغم تغير المناخ، ونعزز القدرة على مواجهة موجات الجفاف أو الفيضانات والسيطرة عليها واستخدام الطاقات المتجددة في إمداد المياه، وبالتالي الربط بين كل تقنيات وآليات الاستدامة البيئية.
تلفزيون سوريا



