من لا يحف شاربه فليستتر؟!/ محمد إيهاب الشبيب

2025.08.11
في أحد أحياء حمص، في حين كان أخي يسير مرتديًا شورتًا -لعند الركبة- تحت شمس آب الحارقة، أوقفه رجل ملتحٍ يرتدي زي الأمن الداخلي، ويضع كمامة تُخفي ملامحه، لم يسأله عن هويته أو أوراقه، بل نظر إليه وقال: “لماذا لا تحف شاربك؟ إذا بُليتم بالمعاصي فاستتروا”.
أجابه أخي بهدوء: “الحف سنة، وعدم الحف ليس معصية”، لكن رجل الأمن قاطعه بحدّة: “ولسانك طويل كمان”. أجابه أخي: “ليس طول لسان، فقط أعطني دليلًا شرعيًا أن ترك حف الشارب معصية”، هنا انتهى الحوار بصوت مرتفع ولغة متوترة.
حقيقة عندما تحدث لي أخي لم أصدقه، وبعد ساعة تأكدت أنّ ماجرى صحيح، تركني الحادثة بتساؤلات أعمق من يمثل هذا الرجل؟ ومن يرسم ملامح دولتنا سوريا الجديدة؟
السنة… ليست سيفًا
من الناحية الشرعية، فإن حفّ الشارب سنة نبوية مؤكدة، لكن تركها لا يُعد معصية. يقول الإمام النووي في “شرح مسلم”: “الأمر في الأحاديث محمول على الاستحباب، لا على الوجوب، باتفاق العلماء”. بل إن النبي ﷺ نفسه لم يكن يفرض السنن بالعنف، بل يدعو إليها بالحكمة، وكان إذا وجد من الناس ترددًا أو جهلًا، علّمهم لا أنهرهم.
قوله تعالى: “لا إكراه في الدين” (البقرة: 256) ليس آية للتأمل، بل قاعدة تأسيسية لكل مجتمع لا يفرض الطاعة الدينية بالقوة. كما قال النبي ﷺ “إنما بعثتم ميسّرين، ولم تبعثوا معسّرين” البخاري ومسلم.
فكيف نُبرر إذًا أن يُحاسب مواطن في الشارع على مظهره، في بلد خرج من نصف قرن من القمع باسم الوطنية، ليجد نفسه اليوم أمام قمع جديد باسم الدين؟
حديث “إذا بليتم فاستتروا”… وسوء الفهم
العبارة التي قالها الرجل لأخي مأخوذة من حديث شريف لكنه لا يعني ما ظنه، ولا يصلح أن يُستخدم سيفًا في يد رجل أمن.
الحديث بلفظه: “كل أمتي معافى إلا المجاهرين”، والمقصود أن من يرتكب ذنبًا ثم يفضح نفسه به في العلن، من دون حياء أو توبة، هو من يُؤاخذ على المجاهرة. أما أن تُعتبر الملابس، أو مظهر الوجه، أو طريقة الحلاقة، معصيةً تستدعي التنبيه والوعظ الأمني؟ فهذا فهم مختل لنص ديني، وانحراف عن مقصد الرحمة.
على الدولة أن تنتبه إلى خطورة أن من يُمثلها في الشارع من لم يتلقَّ التربية الأمنية والقانونية الكافية. فليس كل من ارتدى زيًّا رسميًا مؤهلاً لحمل مسؤولية التوجيه أو الردع. المطلوب اليوم ليس فقط ضبط السلوكيات الفردية، بل بناء وعي مهني لدى كل من ينتسب إلى مؤسسات الدولة
حين أقام النبي ﷺ الدولة في المدينة، لم يبدأ بتفتيش لحى الرجال ولا بثيابهم، بل بدأ بـ”المؤاخاة” بين المهاجرين والأنصار، ووضع وثيقة المدينة التي جمعت اليهود والمشركين والمسلمين على قاعدة المواطنة، لا المظهر.
كانت أولويته العدالة، التعليم، الكرامة، وتنظيم الحقوق. الإسلام جاء ليبني أمة، لا ليحرس الناس في الأسواق.
ومن المؤسف أن تُختزل هذه الرسالة العظيمة، التي حرّرت الإنسان من عبودية الإنسان، في جدل حول الشارب أو البنطال.
لا نريد دولة بلا دين… لكن نرفض أمنًا باسم الدين
لا يطلب السوريون اليوم دولة علمانية تُقصي الدين، ولا دولة دينية تُقصي الناس، بل دولة يحكمها القانون، تفصل بين الوظيفة الأمنية والدعوة، وتفهم أن الدين لا يحتاج إلى وكلاء مسلحين في الشوارع.
ما حدث مع أخي ليس مجرد موقف عابر، بل مؤشر خطير على أن هناك من يحاول أن يختطف الدين كما اختطفه النظام من قبل الوطنية، ويحوّله إلى وسيلة للوصاية والترهيب.
رسالة للحكومة السورية الجديدة
على الدولة أن تنتبه إلى خطورة أن من يُمثلها في الشارع من لم يتلقَّ التربية الأمنية والقانونية الكافية. فليس كل من ارتدى زيًّا رسميًا مؤهلاً لحمل مسؤولية التوجيه أو الردع. المطلوب اليوم ليس فقط ضبط السلوكيات الفردية، بل بناء وعي مهني لدى كل من ينتسب إلى مؤسسات الدولة، وخاصة الأمنية منها، بأن مهمته خدمة الناس لا مراقبتهم، وحمايتهم لا محاسبتهم على مظهرهم.
إن بناء الدولة لا يبدأ من الرقابة على الشوارع، بل من ترسيخ مبدأ أن الدولة تخدم الإنسان، لا تُعيد تشكيله على مقاس رجل الأمن.
الدين لا يحتاج إلى حماية من قبضة الأمن، بل إلى بيئة تُحترم فيها القيم، وتُفهم فيها السنن على ضوء الرحمة، لا الغضب.
سوريا الجديدة يجب أن تكون ملاذًا للكرامة، لا نسخة جديدة من الخوف.
ولا نريد أن نقول بعد الآن: “رحل الخوف… فجاء الخوف الآخر”.
تلفزيون سوريا



