أربع ليالٍ من التيه في الجبال/ أحمد حمزة أحمد

12 اغسطس 2025
“لو التقينا في ساراييفو عام 1980 برجل وطلبنا تحديد هويته، لأجاب بفخر “أنا يوغسلافي”، ولو تحدّد السؤال، لأوضح أنه يعيش في البوسنة والهرسك، وينتمي عرضاً لعائلة مسلمة. ولو التقينا بالرجل ذاته بعد 12 عاماً، حين كانت الحرب على أشدها، لأجاب عفوياً: أنا مسلم. ولعله قد أرسل لحيته”. أمين معلوف
ظهيرة السادس من آذار استيقظت من النوم، بعيد إعداد قهوتي وقبل تجهيز طعام الإفطار بدأت أصوات معركة، كانت معركة طويلة مرعبة. ورغم صفرية معلوماتي العسكرية، كان من الواضح أنه تم استخدام الأسلحة الخفيفة والمتوسّطة، بالكاد تجرّأت على السير بضعة عشرات من الأمتار إلى منزل عمّي، لأسال ما هذا؟ أجوبة عن رتل في قرية الدالية تعرّض “لكمين”. المهم أن على كل شخص البقاء في بيته.
دقائق وبدأت حفلة الاتصالات من وإلى… إحداها مع أختي، فجأة دخلت سيارة إلى الحارة، شاهدت عمّي يتجه نحوها، اعتذرتُ من أختي وركضت إلى السيارة مقتنعاً أنها سيارة للأمن العام، غير خائفٍ أبداً، لماذا أخاف؟ هل أنا فلول أو أملك سلاحاً أو شبّيح سابق؟
السيارة ـ غالباً لحسن الحظ لم تكن تابعة للأمن العام، بل سيارة نقل عامة لمسافرين تقطّعت بهم السبل جرّاء المعركة، انتظروا قليلاً ثم غادروا… تلك الليلة 6 ـ 7 آذار رغم استمرار رمي رصاص متقطّع حتى منتصف الليل كانت آخر ليلة أنام نوماً عميقاً من دون خوف. كي لا أكون مفرطاً في التفاؤل منذ حادثة مقتل عنصرين من الأمن العام على دوار الأزهري، توقّعت، بل نشرتُ على “فيسبوك” أن الضرب لم يعد “ضرب أصحاب”، ومن ضرب الحاجز إن كان غير آبه لحياته فليفكّر بحياة أهله وناسه… وقتها توقّعت، على غرار أجهزة الأمن العربية؛ قتلاً عشوائياً من دون أي اهتمام بحياة الأبرياء. صبيحة اليوم التالي، كانت المفاجأة المفجعة؛ صور تقتيل لأطفال ونساء أول ما ظهرت في مدينة بانياس حي القصور، مشاهد تطهير عرقي على أساس طائفي صرف.
عمليات إعدام لعائلات كاملة بدم بارد فقط لأنهم علويون، كانت وما تزال أكبر هزّة نفسيّة فكريّة عرفتها في حياتي غير القصيرة. أتذكّر أخر مرة أجريت إعادة تقييم لقناعاتي؛ كانت 2008 لأمر أقلّ خطورة بكثير والأهم بعيد عن محيطي، وقتها اجتاحت قوات حزب الله اللبناني بيروت، وكنت سعيداً بذلك على مبدأ “دملة ولازم فقؤها” لكن مشهد صبية يقطعون طريق المطار حتى على سيارات الشرطة هزّني بصراحة. تغيير نظرتي إلى الحزب والساحة السياسية اللبنانية كان سهلاً لشابٍّ عشريني، لكن تحطيم نظرتي عن بلدي، والبحث عن مفرّ ولو فكريّ جديد، وأنا جاوزت منتصف العمر أمر عسير جداً.
يحدّثنا التاريخ أنّ أغلب من كتبوا عن تحطّم أمنياتهم وأحلامهم كانوا يافعين. المثال الأقرب بعيد هزيمة 5 حزيران (1967)، طلّاب جامعات أو أكبر بقليل. غالب الظن كهول ذاك الزّمن التحفوا أوهامهم وعضّوا على جرحهم، وكتموا غيظهم، إنّها حكمة الشيوخ، إلى أن أتتهم المنيّة. آه للعنة العمر؛ تجاوزت شجاعة الشّباب ولم أصل بعد لحكمة الشّيوخ. إنها لعنة middle ـ age، أو ما سمّيت تهكّماً “جهلة الأربعين”.
بالعودة إلى الأحداث؛ بدأت الفظائع تتكشّف، فهنالك مناطق أُخليت من الرجال، ومقابر جماعية. المجزرة مستمرّة ومن طرف واحد بعد هزيمة “الفلول” خلال ساعتين أو ثلاث في معارك سهلة سريعة. ما تكشّف أيضاً عدم ارتباط هذا العنف بالسّياسة. لطالما كان العنف الذي مارسته الدّول الاستبداديّة في شرقنا التعيس مقروناً باعتبارات سياسيّة (حزب معارض ـ مجموعة مسلّحة) وكانت حريصة دوماً ألّا تظهر في عداوة صرفة لمكوّن ما. وهذا ما سهّل تحاشي غضبها من خلال تجنّب الخوض في السّياسة عموماً؛ إلا من خلالها وتحت غطائها؛ فهكذا خرجت عبارة “للحيطان آذان” وغيرها ممن تشرح سبل اتقاء شرّها، أما الآن فأنت مُدان لمجرّد ميلادك في مجموعة ما، في نكوص لقرون بعيدة مضت.
شيئاً فشيئاً، مع توالي أخبار المجازر، بدأ الخوف الغريزي يزيد في قلبي، صور وأسماء أصدقاء وزملاء كانوا ضحايا المجزرة، للأسف لم ينالوا حقهم من الحزن، ولا حتّى الجنازات المهيبة والأسوأ مكان الدفن، من كان محظوظاً حظي بقبر خاصّ على عجل.
في اليوم الثّالث أو الرّابع، سرى الحديث عن رتل سيدخل المنطقة، والوعد من دون مشكلات شرط عدم التّعرّض له والابتعاد عن طريقه.
الناس كأنّها في يوم القيامة؛ الهلع على الوجوه. قرّر بعضهم البقاء في البيت، وليحصل ما يحصل، قرّرت الغالبيّة الهرب إلى القفار البعيدة، جاري الذي جاوز الثّمانين، ولم أره منذ عامين، رأيته يُحمل لتجاوز “الرعوش” (جدران حجريّة لمنع انزلاق التربة في الجبال)، وهو يسأل زوجته باستغراب “لوين آخديني؟”… تجيبه: لنرى زهر الزّيتون. … لم يكن الزّيتون قد أزهر، لكنّ الخوف أزهر وأخرج ثماراً مقيتة في قلوبنا.
كانت لي خطّة بديلة؛ اتصلتُ بصديق أعِده بزيارة منذ ثلاثة أعوام وأخلف بوعدي دوماً. قريته بعيدة تبعد عن قريتي حوالي 50 كيلو متر، بالعادة، كنت أسلك طريق الاتوستراد، وقد بات هذا طريقاً للموت. سألته خلال الاتّصال عن الأوضاع لديهم، قال إن هناك اتفاقاً مع الأهالي على وفد من الأمن العام سيُستقبل بالورد والرز. تذكّرت لحظتها المسيرات “العفويّة” والدّبكات الشعبيّة في أكثر بقاع سورية معارضة ودماراً.
الطّريق البديل، وكنت أسلكه أول مرّة، كان في وسط الجبال، يمتد على أكثر من عشر قرى وثلاثة وديان رئيسة سحيقة. كنت اتّفقتُ مع صديقي مسبقاً على خطّ الرحلة، وعلى أرض الواقع، لا بدّ أن تسأل.
كوني وجهاً غريباً والنّاس قلقة؛ سألني الجميع من أين أنت؟ وإلى أين أنت ذاهب؟. بعد الإجابة والكلام عن الرّتل. للأمانة أصرّ الجميع على المبيت عندهم وبصدق. خصوصاً وأن الأنباء من قرية صديقي لم تكن ورديّة. لم يكن الرّتل لم يكن cute أبداً بل شبيه بمرتكبي مجازر بانياس. على المقلب الآخر، بدأت الاتصالات من قريتي، ونصحوني بالعودة السريعة، لأن الأوضاع بدأت بالتحسّن، الرتل دخل ثم عاد دون مشاكل، والنّاس تركت الوديان وعادت إلى بيوتها ـ فكرة أنّ رؤوس الجبال منيعة لم تقنعني؛ علماً أنها أثبتت جدواها.
مع اقترابي من قرية صديقي، باتت الأخبار أكثر سوءاً، كنتُ على بعد حوالي عشرة كيلومترات من قرية صديقي. اتصلتُ به، قال بكثير من الثّقة إن الرتل “المتوحّش” بالكاد وصل إلى تخوم القرية التّي تسبق قريته، وهي قرية كبيرة حتماً. سيبيت هناك، اتّكل على الله، وأكمل، فقط تجنّب الطّريق العام؛ يوجد طريق مختصرة اسأل عنها.
في المقابل، زاد الإلحاح بضرورة المبيت لدى من أسألهم الطّريق…”تفضّل والله تنام عنا بالصالون جنب صوبيا الحطب، أنت متل أخي، لا تخجل”. سمعتها بصيغ مختلفة مرّتين أو ثلاث. الإلحاح قارب الرّجاء.
لأول مرّة أشعر بألفةٍ كهذه مع أهل الجبل؛ لطالما ابتعدتُ مسافة عنهم، خصوصاً بعد الموقف الدّاعم للأسد بداية الثورة، ونفرت من إيمان بعضهم بمعجزات الأولياء خاصّة أمور الاستشفاء؛ مع معرفتي أنّ النّزعة الصوفيّة المولّدة لتلك الخرافات موجودة في كل أصحاب الأديان تنتج بالضّرورة أناساً أقلّ تعصباً لأفكارهم، ومستعدين لسماع النّقد والاختلاف، وحتّى السّخرية، وهذا أكثر ما حبّبني تاريخياً بالعلويّين. “ما أمنت ع راحتك، ستبقى أخي وصديقي لأنك كويس من الداخل” جملة سمعتها وعشتها فعلاً مئات المرّات. عدم ربط الأخلاق بالإيمان، وضعف سلطة الكهنوت. أمورٌ قرّبتني، لكنها لم تشعرني بذاك الانتماء كذلك اليوم، خصوصاً أنّنا جميعنا نشعر بأنّنا تحت حدّ السّكين لمجرّد ميلادنا هنا.
أخيراً، وصلت إلى منزل صديقي، كان النّهار قد مات والجوّ صار بارداً. للأسف، مع وصولي بدأ ما يشبه معركة قريبة، وطبعاً معركة من طرف واحد، حين وصلت، كان صديقي وزوجته وأبناؤه و… و.. يتجهّزون للهرب إلى البراري، يحملون أكياس مؤونة بسيطة والأوراق الرّسميّة الهامّة. ركضنا معاً صوب الغابة، ثم كان القرار الابتعاد إلى الجرف الصخريّ البعيد، فقد يحرق الهمج الغابة، مشينا وكنّا عشرات العائلات. جلسنا وفعلاً كان الجوّ بارداً، كانت تسمع “طلقات ـ قذائف” بعيدة لكن قويّة جداً، سألت ما هذه قالوا الغالب قذائف دبّابة والغاية فيلا في أعلى الجبل لضابط كبير هارب. بعد استراحة قصيرة وشرب الماء لاحظت طفلة جميلة صغيرة جداً بالكاد تعلّمت المشي قريباً، سألتُ صديقي من هذه؟ ضحك وقال هذه حفيدتي. فكرت في نفسي أي روح شيطانية يمكن أن تقتل الأطفال؟
بعد حوالي نصف ساعة، توقف القصف، ودخلنا جوف الليل، أكثر ما أدهشني سباب النساء على بشّار ونظامه أكثر من المهاجمين. شعرتُ لحظتها رغم الرعب بالسعادة؛ أننا نشهد بداية انعتاق وميلاد طائفة من جديد.. أخيراً، بعد عدة اتصالات علمنا أن الرتل توقف قبل القرية المجاورة، وسيبيت على بعد ثلاثة إلى أربعة كيلو متر.
عدنا جميعا إلى القرية، أعتذر صديقي عن الاستقبال الغريب. مزحنا قليلاً وهو يشعل صوبّة (مدفأة) الحطب، وسهرنا إلى الصّباح. حوالي الثالثة صباحاً، اتصلت ابنته وأخبرته أنّها وطفلتها وزوجها سينزلون إلى الوادي الآن. ابنته متزوّجة في القرية المعرّضة للهجوم هذا اليوم… أنهى المكالمة وهو يخفف عن ابنته “شدة وتزول ـ منزلكم بعيد لن يحرق…..” أنهى مكالمته. رغم أنّه رجلٌ جسور؛ كادت تنفجر دمعة في عينه؛ قال لي فوراً: اليوم اتصلت ابنتي وهي باكية تقول: لا يوجد في المنزل قرشٌ واحد ولا طعام. أنا موظف يعني مفلس، ناديت الأولاد كل واحد يؤمّن خمسين ألف من تحت الأرض ونص كيلو من كل مادة تموينية وفوراً إلى بيت أختكم. وللأسف، حين قرّروا الانطلاق سمعنا بأخبار الرتل المرعبة.
كانت ابنته قد حكت لي قصتها. هي مهندسة تعمل في العاصمة، متزوّجة من ضابط برتبة صغيرة، كانوا يسكنون في أحد البيوت العسكرية. طُردوا مع حل الجيش وتوقف راتب زوجها. استدانت مبلغاً يعادل راتبها وسافرت إلى العاصمة ثلاثة أيام كي تداوم، حيث باتت عند أخته (عمتها)، على أمل أن تنقل وظيفتهان وهذا ما لم يحصل. بالنتيجة، تركت وظيفتها لاستحالة المتابعة، هي ليست فقط مهدّدة بالفصل بل محاكمة بجرم ترك العمل. قصص مشابهة وأقسى يومياً تسمع.
حوالي الخامسة صباحاً، كنت قررت العودة، المهم فقط أستطيع السفر من دون أن أشعل إضاءة الدرّاجة النارية؛ خوفاً من وجود قنّاصات.
… خرجنا بعد قليل، وكان الضوء قد تحسّن، قال صديقي ضاحكاً وهو يتجهّز ربما ليوم كامل في البراري: الله يحبنا؛ تخيّل ما نزال في نصف آذار الأول والجو مقبول وليس قارساً. تذكّرتُ حفيدته الأخرى التي تلتحف بنته منذ ساعتين على الأقل في العراء، لم أفتح فمي. أدرتُ الموتور ومشيت.
للأسف، حين وصلت إلى الطريق العام أضعت المفرق، دقائق رعب حقيقيّة وأنا أبحث عن المفرق الصحيح، سرتُ أكثر من كيلومترين من دون جدوى. أخيراً، اتصلتُ بصديقي، أجاب: اتجه شرقاً، اتجهت وجدتُ مفرقاً شككت به. أعدتُ الاتصال: المفرق هيك هيك شكله، رد: غلط، إلى الشّرق فقط خمسين متراً. لا أدري حسابات صديقي خطأ أم فزعي هو السبب؟ّ المهم مشيتُ برأيي خمسمئة متر، أخيراً وصلت إلى المفرق. لحظة دخولي المفرق، سرى فيّ شعور بالأمان كطفل أضاع أمّه ثم وجدها.
سحبتُ كمية كبيرة من الأوكسجين كنت أحتاجها نفسياً وعضوياً، سرتُ حوالي عشرة كيلومترات في عمق الجبال. الجوّ فعلاً لم يكن بارداً لكن يديّ بردتا من الهواء. بعد أن تجاوزتُ أول وادي، وعند بداية أول قرية، ظهر أمامي تنور مشتعل، سيدة في منتصف الخمسينات تخبز. توقّفت، لم يكن هدفي الخبز بل الدفء.
ـ مرحبا أختي
+ هلا خالتي باين بردان
ـ أي والله دياتي مجمدات، ما وقفت مشان الخبز وقفت مشان النار
+ ويلي ميّة هلا تفضّل من وين جايي يا خالتي؟
ـ من عند هديك الضيعة
ـ كيف الطريق؟
+ رعب
كاد الدمع ينفر من عينها بشكل مفاجئ. ثم قالت: ابني طلع من سجون الهيئة من يومين وعالق عند بيت أختي بقرية بعيدة.
توقّعت له أياماً قليلة في السجن، لكن المفاجأة له عشر سنوات. والآن عاد كميّتٍ عاد إلى الحياة.
كانت دموع فرح في واقع أسود. كان هذا الخبر كنقطة صغيرة بيضاء في لوحة سواد كاملة.
شربت الشاي، وبصعوبة دفعت ثمن بضعة أرغفة، وحفظت اسم ابنها على أمل لقاءٍ يحكي لي عن تلك التجربة. لاحقاً، عرفت أنّه فعلاً عاد إلى قريته مع عدد محدود من الشباب.
بعد أكثر من شهرين على المجازر؛ وعلى الرغم من أنه لم يسقط لي قريب أو صديق مقرّب، فإنّ هذه أصعب حادثة في حياتي… كنت أعاني من مرض جلدي مزمن، انفجر بعيد الكارثة، ولم يستجب للأدوية. شعور الخيبة والتّرهيب عامّ وشامل. محور الأحاديث اليوم عن الطرق الفرعيّة التي تخلو من الحواجز، أو عن عناصر هذا الحاجز أو ذاك إن كانوا “cute” أو قساة؟ وكأننا ثلّة من الهاربين. ولو كانت الغاية الوصول إلى مكان العمل. السؤال “شو أنت” بل والإصرار عليه لمعرفة الطّائفة، حتى إن حاولتَ التملّص “أنا أعمل لدى..”؛ جعل حياة طائفة تعدّ بالملايين جحيماً لا يُطاق…هل هذا ينفع في بناء الدول؟
ليست الأسطر السابقة بقصد تقاذف المظلوميات، فتذكّر المظلوميات وتقاذفها لا يبني الأوطان، بل يدمّرها. نسيت البلدان المتطوّرة المظلوميات بعد مكاشفة وعدالة انتقاليّة حقيقيّة. أنا أتحدّث عن ظلم حدث ويحدث الآن ولم يتوقف، وإن خفّت حدّته.
الشيء بالشيء يذكر. الفلول كحالة تزدهر في أجواء الخوف والرّعب والتمييز. لسان حالهم “قضا أريح من قضا، أيام المخلوع كان يسرقنا، لكن لا نقتل ونخطف على الطرقات….” أكثر ما يدمّر فكرة الفلول والتقسيم هو السلم الأهلي الحقيقيّ والمواطنة للجميع.
للأسف بين الثامن من ديسمبر/ كانون الأول والسادس من مارس/ آذار كان السّاحل بكامل طوائفه كخليّة نحل مميّزة، اجتماعات ـ ندوات سياسيّة ـ تشكيل أحزاب وجمعيّات أهليّة. … الآن الحركة للضّرورات القصوى فقط.
العلويون هم أكثر المستفيدين من سقوط نظام الأسد
العلويون هم أكثر المستفيدين من سقوط نظام الأسد، كل عاقل يعرف ذلك. لذلك أناشد جميع السوريين ومن يدّعي محبّة سورية لا تجعلوهم يتحسّرون على أيامه. وسورية كما يعرف الجميع لن تكون في النهاية إلا بجميع مكوّناتها. والمجتمع الذي عاش قروناً طويلة، محافظاً على تعايش الطوائف والأديان والقوميات سيعبر هذه المرحلة بالتأكيد.
… حين نحكي عن ليالي التيه في الجبال وخضات الهوية، فهذا لأن على الذكريات الأليمة أن تخرج إلى العلن، وأن تعبر مرحلة مكاشفة بين أبناء الوطن الواحد، كي لا تبقى مكبوتةً، كما بقيت كل عيوب المجتمع وازماته ومظلوميّاته مطمورة تحت أكوام الخوف والتسلط والديكتاتورية، حتى انفجرت دفعة واحدة، وأسالت في طريقها أنهاراً من الدماء.
لذلك، أفضل من نفعله لمستقبل بلدنا، سورية، اليوم أن نخرج كل شيء إلى العلن، ونروي حكاياتنا كما جرت فعلاً، ونضعها بين يدي إخوتنا في الوطن، لعلنا نشعر بآلام بعضنا، وننتبه إلى أن لدى الجميع مظلوميّته، وحكاية أجداده المظلومين. وأن الأوطان، في النهاية، تُبنى بتجاوز المظلوميات والنظر إلى المستقبل.
العربي الجديد



