إشتباكات السويداء والتدخل الاسرائيلي السافر تحديث 09-12 آب 2025

لمتابعة مكونات الملف اتبع الرابط التالي
التدخل الاسرائيلي السافر في سورية الجديدة
لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي
لمتابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي
=================
تحديث 12 آب 2025
—————————-
من يحقن دماء عناصر الأمن العام في سوريا؟/ عمر قدور
الثلاثاء 2025/08/12
ضجت وسائل التواصل الاجتماعي السورية يوم الأحد الفائت بالتسجيل الذي نُشر، وفيه يظهر اقتياد الكادر الطبي للمستشفى الوطني في السويداء من قبل عناصر وزارتي الدفاع والداخلية بتاريخ 16 تموز، ثم حدوث احتكاك بين شخص قيل إنه من المتطوّعين في الكادر الطبي على خلفية الهجوم على السويداء آنذاك. في نهاية الشجار، أُلقي بالمتطوّع أرضاً ورفع يديه، إلا أن مسلّحاً من الهاجمين أطلق عليه الرصاص من بندقية، وبعد مضي ثوانٍ أطلق عليه مسلّح آخر الرصاص من مسدس.
لهول ما ظهر في التسجيل، نشرت وزارة الداخلية على صفحتها في فيسبوك، بعد منتصف الليل بتوقيت دمشق، منشوراً تستنكر فيه فعل القتل الظاهر في التسجيل، وتؤكد على محاسبة الفاعلين وتحويلهم إلى القضاء. إلا أن منشور الداخلية لم يصل إلى كتلة واسعة من موالي السلطة، دأب أفرادها بعد الصدمة، الذي أثارها التسجيل على محاولة النيل من صدقيته بمختلف الذرائع. بل وصل البعض منهم إلى التلميح بأن عناصر من الفصائل المسلحة في السويداء، تنكّروا ببزات تعود لوزارتي الدفاع والداخلية وقتلوا ذلك المتطوع، ما يعيد إلى الأذهان روايات موالي الأسد إثر كل جريمة كان يرتكبها شبيحته.
ولعل التبرير الأكثر رواجاً، من بين التبريرات المتداولة، نصَّ على أن عنصر الأمن العام كان في خطر، ما اضطره إلى القتل دفاعاً عن النفس. أيضاً، راجت بسرعة روايات مفادها مقتل العنصر نفسه على يد الفصائل المحلية في السويداء التي صار يُشار إليهم بميليشيات الهجري. ثم راح أصحاب التبرير ينادون بالكشف عما يرونها مجازر أودت بحياة أولئك العناصر، وكالمعتاد راح ينتشر التساؤل والتظلّم من التركيز على ضحية بمفرده مع تجاهل العشرات وربما المئات من قتلى الأمن، وهو التظلّم الذي شاع أيضاً عندما راحت تنتشر أخبار مجازر الساحل.
في التوقف عند التبرير الأخير؛ لن نخوض هنا في وجوب التفريق بين المدنيين والمقاتلين، ولا في قواعد معاملة الأسرى، إذا كانوا مقاتلين خصوماً في حالة استسلام. بل سنتحاشى العوامل الأخلاقية المتعلقة بالحروب، وسنتحاشى معها قدر الإمكان القيَمَ الوطنية، غير الحاضرة أصلاً في مناخ الاستقطاب الحادّ في سوريا. وعلى ذلك نضع النقاش، كما هو بلا تجميل، فيما يخص أولئك العناصر الذي ينتمون إلى “الأكثرية العربية السنّية”.
يكذب مَن يتجاهل ذلك الجو المشحون، منذ حدثت مجازر الساحل وأعقبها مباشرة توقيع الإعلان الدستوري، وحينها خرج الشيخ الهجري بخطاب يعترض فيه على ما ورد في الإعلان لجهة تمركز الصلاحيات التي أُوكِل معظمها للرئيس الانتقالي. منذ ذلك الوقت بدأ التحريض على الحسم العسكري في السويداء، وراح الموالون ينادون بإخضاع السويداء بالقوة، ولم يقصِّر (مؤثِّرون) مقرَّبون جداً من السلطة في تأجيج الاحتقان والأحقاد حتى على مستوى متدنٍّ جداً من أدوات الخصومة، كاستخدام الشتائم أو لهجة أهالي السويداء على سبيل السخرية.
أثمر جو الاحتقان هذا على أحداث العنف في جرمانا وأشرفية صحنايا، وإذا تجاوزنا أيضاً التفاصيل كلها بما فيها عدد الضحايا، فقد شهد السوريون التسجيلات التي نشرها المهاجمون وهم يهينون الأهالي الدروز، خصوصاً بقص شواربهم. ولم يكن من المصادفة لاحقاً أن ينتشر التوعّد بالمقصّات، عندما هاجمت قوات وزاتَي الداخلية والدفاع السويداء منتصف الشهر الماضي، بذرائع لن نخوض فيها أيضاً، ثم عندما هاجمت العشائر السويداء، ونالت على هجومها ثناءً من أعلى مستويات السلطة.
في المحصّلة، انكفأت القوات المهاجمة في المرتين، تحت ضغط إسرائيلي ودولي، وسادت قناعة حتى لدى موالي السلطة بأنها أخطأت في الحساب، أو ربما وقعت في فخ إسرائيلي نُصب لها أثناء المفاوضات بين ممثلي السلطة والجانب الإسرائيلي قبيل الهجوم على السويداء. أيضاً، لنترك جانباً الضحايا المدنيين، وما حدث من استباحة وتهجير لقرابة مئتي ألف من الأهالي. لنقل إن حيوات هؤلاء لا قيمة لها، وإنهم (حسب خطاب الموالاة) خونة يستحقون العقاب الجماعي! لكن، ماذا عن القتلى من الأمن العام؟
وفق التصور الشائع، كان عناصر الأمن العام ضحية خطأ في الحسابات، ويُفترض ألا يذهب دم المئات (حسب الأرقام المتداولة) هدراً، وأن تُشكَّل لجنة للتحقيق جدياً في ملابسات اتخاذ قرار الهجوم، وأن يُحاسّب المسؤولون عن مقتلهم بما يتناسب مع حجم المقتلة. هذا ما يحدث في أي بلد تُحتَرَم فيه دماء أبنائه، وهذا ما تفعله أية سلطة تحترم ما يُشاع أنها قاعدتها الشعبية.
للتأكيد، نتحدث هنا عن دماء عرب سُنّة من مقاتلي وزارتَي الدفاع والداخلية، هؤلاء الذين لا تُذكَر دماؤهم إلا عندما يُحكى عن ضحايا من الأقليات، ونستخدم هنا (بلا تجميل أيضاً) الخطابات الطائفية الأوسع انتشاراً على السوشيال ميديا. الذين حرّضوا على الحسم العسكري في السويداء هم شركاء أيضاً في إرسال أولئك المقاتلين إلى حتفهم في فخٍّ مدبَّر لهم حسب الرواية إياها، وإذا لم يكن من فخّ فهناك على الأقل حسابات خاطئة جداً لموازين القوى دفع ثمنها أولئك الشبّان.
استرخاص الدم (السُنّي)، كما يتشدّق به هؤلاء، لم يتوقّف عند الاستهانة بما أُهدر منه في السويداء. فعقب الهزيمة-الفضيحة راحت ترتفع الأصوات ذاتها منادية بالحسم العسكري في الجزيرة، والتوق إلى مغامرة عسكرية جديدة سريعاً يبرره الشعور بالهزيمة، والحاجة إلى إنجاز عسكري يغطي عليها. لكن، مرة أخرى، لم يفكّر المنادون بالحسم العسكري بكلفته الباهظة من دماء المقاتلين.
وإذا افترضنا حدوث المواجهة المأمولة من قبَل هؤلاء، بلا تدخل خارجي لصالح السلطة أو قسد، فستكون المعركة الطاحنة بين عشرات الألوف من القوات المهاجِمة، وعشرات الألوف أيضاً من قوات قسد المدرَّبة جيداً، وأحياناً بإشراف أميركي. هذه القوات مستعدة جيداً، والمعرفة بأرض المعركة هي لصالحها، وكذلك شبكات الأنفاق الضخمة تحت الأرض.
في العلوم العسكري التقليدية، يُقال إن خسائر المهاجمين تبلغ ثلاثة أضعاف خسائر المدافعين. وحيث أن الحديث عن طرفين متقاربين لجهة العتاد فالنتيجة المتوقعة، من مواجهة انتحارية، مقتل عشرات الألوف. وإذا أخرجنا منهم قتلى قسد، واعتبرناهم “خونة وانفصاليين” بموجب المحرِّضين على المواجهة، فلن ينزل عدد القتلى من الشباب العرب السنّة عن عشرات الألوف، وقد يتجرّع من يتبقى منهم هزيمة مشابهة لما حدث في السويداء.
المحرِّضون، المتحمّسون للحسم العسكري هنا وهناك، يتذرّعون بغيرتهم على هيبة الدولة، حيث يواظبون على الدمج بين السلطة والدولة. إلا أنهم لا يرون كيف تُهدر هيبة دولتهم مع كل مواجهة غير محسوبة النتائج، وكيف (مع كل مجزرة) تودي بسمعتها داخلياً وخارجياً. الأنكى، في الحديث عن المجازر، أن هؤلاء لا أدنى حساسية لديهم إزاء تحويل شبان الجيش والداخلية إلى مجرمين يقتلون المدنيين وينكّلون بهم، أي سوقهم إلى المصير الذي يُفترض ألا تتمناه أية أسرة لأبنائها. ولا حساسية لديهم إزاء معيشة تلك الأسر التي تعتمد في جزء كبير على رواتب هؤلاء الأبناء، ضمن وضع متدهور يدفع بهم إلى التطوّع. ولا حساسية تالياً إزاء تأثير استمرار العنف، أو التهديد به، لجهة إحجام المستثمرين عن المجيء.
ما سبق هو ذهاب مع المنطق الطائفي الرائج حتى نهايته، ومن المنظور الضيق للمصلحة، المنظور الذي يضحّي بالقيَم الأخلاقية والإنسانية والوطنية. وما ليس جديداً بالتأكيد أن المنطق الطائفي لا يتوخّى مصلحة حقيقية للطائفة المعنية؛ إنه دائماً مشروع استثمارها من أجل سلطة ما؛ سلطة لا تملك مشروعاً حقيقياً تنال به مشروعية حقيقية شاملة. لا جديد أيضاً، في سوريا نفسها، أن يُخترَع العدو بوصفه الاستثمار الأسهل والأسرع مردوداً.
المدن
————————
مؤتمر وحدة الموقف لمكونات الشعب السوري.. هل هو فعلًا حلف للأقليات؟/ حسان الأسود
2025.08.12
عقدت مجموعة من القوى السياسية والمدنية والمجتمعية في مدينة الحسكة يوم الجمعة بتاريخ 8 آب/أغسطس 2025 ما أطلقت عليه تسمية: “كونفرانس وحدة الموقف لمكونات شمال شرقي سوريا”.
وقد أصدر المؤتمرون بيانًا ختاميًا تضمّن الإشارة إلى وجود وثيقة منبثقة عنه سيتم الإعلان عنها في قادم الأيام، كما أوردوا جملة من المواقف، أهمها:
· الإعلان الدستوري الراهن لا يلبّي تطلعات الشعب السوري، مما يستدعي إعادة النظر فيه بما يضمن تشاركية أوسع وتمثيلًا عادلًا في المرحلة الانتقالية.
· ضرورة ترسيخ التعدد القومي والديني والثقافي في البنى السياسية والإدارية، وضمان تمثيل كافة المكونات بما يعزز من وحدة المجتمع.
· يتطلب تحقيق المصالحة الوطنية إطلاق مسار فعلي للعدالة الانتقالية، يقوم على كشف الحقيقة، والمساءلة، وجبر الضرر من دون تمييز، وضمان عدم التكرار.
· الحل المستدام يمرّ عبر دستور ديمقراطي يكرّس ويعزز التنوع القومي والثقافي والديني، ويؤسّس لدولة لا مركزية تضمن المشاركة الحقيقية لكافة المكونات في العملية السياسية والإدارية.
· أهمية إعادة النظر في التقسيمات الإدارية الحالية بما ينسجم مع الواقع الديمغرافي والتنموي لسوريا، ويعكس الخصوصيات الجغرافية والتاريخية والثقافية للمجتمعات المحلية.
· الدعوة لعقد مؤتمر وطني سوري جامع وشامل، تشارك فيه مختلف القوى الوطنية والديمقراطية، بما يسهم في رسم الهوية الوطنية الحقيقية الجامعة لكل السوريين.
بالمقابل، ردّت الحكومة السورية في اليوم التالي على هذا المؤتمر بلسان متحدّث رسمي لم تذكر وكالة سانا للأنباء اسمه، وقد جاء في ردّها ما يلي:
· المؤتمر شكّل ضربة لجهود التفاوض الجارية.
· ندعو قسد للانخراط الجاد في تنفيذ اتفاق 10 آذار.
· ما جرى في شمال شرقي البلاد لا يمثل إطارًا وطنيًا جامعًا.
· استضافة شخصيات انفصالية خرق واضح لاتفاق 10 آذار.
· نرفض فرض أي رؤية على شكل الدولة السورية بالقوة أو السلاح.
· المؤتمر محاولة لتدويل الشأن السوري واستجلاب التدخلات الأجنبية.
· الحكومة تدين استضافة شخصيات انفصالية ومتورطة في أعمال عدائية.
· شكل الدولة يُحسم عبر دستور دائم واستفتاء شعبي بمشاركة جميع السوريين.
· ندعو الوسطاء الدوليين لنقل المفاوضات إلى دمشق باعتبارها العنوان الشرعي للحوار.
· التحالف في شمال شرقي سوريا هش ويضم أطرافًا متضررة من انتصار الشعب السوري.
· لن نشارك في اجتماعات باريس المقبلة مع قسد، ولن نجلس مع أي طرف يسعى لإحياء عهد النظام البائد.
واضحٌ أنّ المؤتمر جاء نتيجة لتحضيرات مسبقة أخذت وقتها، وهو برعاية مباشرة من مجلس سوريا الديمقراطية وبحماية من قواتها العسكرية (قسد). أمّا مشاركة جهات محسوبة على القبائل أو المكونات القومية والدينية الأخرى في المنطقة، فهو تحصيل حاصل طالما أنّ (مسد وقسد وإدارتهما الذاتية) تضمّ في تركيبتها السياسية والعسكرية والإدارية كثيرًا من هؤلاء من دون وزن فعلي في صنع القرار. وكان لافتًا للنظر مشاركة الشيخ غزال غزال متحدثًا باسم العلويين، والشيخ حكمت الهجري متحدثًا باسم الدروز، مما أعطى الوجاهة لوصف المؤتمر من جهة معارضيه بأنه مؤتمر الأقليات. ومما زاد الطين بلّة، خطاب الشيخ الهجري المصوّر في اليوم التالي للمؤتمر، والذي شكر فيه حكومة الاحتلال الإسرائيلي على موقفها ودعمها للدروز وحمايتهم مما أطلق عليه تسمية “الهجوم الإرهابي على السويداء”.
يتقاطع هذا الموقف بوضوح مع تصريحات سابقة لقادة في قسد، ترى في التواصل مع الإسرائيليين ودعمهم شيئًا عاديًا لا يمكن اعتباره مثلبة وطنية، بل هو حنكة سياسية أو تعامل مع الواقع كما هو، من منطلق المصلحة البحتة.
شعبيًا، تباينت ردود الفعل بين السوريين ـ كما العادة والطبيعي ـ حول هذا المؤتمر، بين رافضٍ مستنكر أو متحمّس بشدّة أو مترقّبٍ متشكك غير مستعجل، أو غير مكترث بالأساس في كل ما يجري. وقد أتى المؤتمر في ظروف داخلية معقّدة جدًا، بعد أحداث الساحل وصحنايا وتفجير كنيسة مار إلياس وأحداث السويداء الراهنة.
إقليميًا، تحضر في الخلفية الظروف المعقّدة التي تشمل التدخّل الإسرائيلي السافر في سوريا، وبالأخص في الجنوب، والتهديدات المستمرة بفرض منطقة منزوعة السلاح، والتهديد بإقامة ممر “داوود” وصولًا إلى نهر دجلة شمالي سوريا، وأخيرًا تنصيبها نفسها حامية للأقلية الدرزية، التي انجرّ بعض أطرافها وراء هذا الوهم مصدقين أنّ الاستجارة بالنار الإسرائيلية ستقيهم حر الرمضاء التي يصمون الحكومة السورية بها.
تحضر في الصورة أيضًا زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى دمشق قبل يوم من هذا المؤتمر، والنظر فيما يمكن أن يكون قد بحثه مع الرئيس الشرع، ولم تتطرق إليه وسائل الإعلام. الصراع على أشدّه بين المعسكرات الثلاثة المؤثرة في سوريا: العرب والأتراك من جهة، والإسرائيليين من جهة ثانية، ثم هناك الأدوات الخفيّة التي لا تزال حاضرة/غائبة والتي تتلقى دعمها من إيران، وهذه لها ارتباطاتها أيضًا بما يجري في لبنان، وهذا كله مرتبط بسوريا بشكل لا فكاك منه.
رغم كل ما سبق، فإنه يمكن القول بوضوح إن هذه الانشغالات السياسية الخارجية جميعها لا تنفي جوهر الانقسام الداخلي السوري، بل تتكامل معه لتصنع المشهد السياسي والعسكري والأمني والاجتماعي الراهن. وإذا كان من الممكن التلميح لبعض ارتباط المصالح الخارجية مع “مؤتمر وحدة الموقف في الحسكة”، إلا أنه من غير الممكن ربط هذه المصالح بجميع المطالبات السورية بإعادة تقويم مسار العملية الانتقالية.
القول بأن المناشدات والمبادرات المقدّمة من عدد لا بأس به من القوى والشخصيات السورية المشهود لها بالوطنية أو الثورية، هو جزء من المؤامرة على سوريا الجديدة، هو ضرب من دفن الرأس في الرمال بدل مناقشتها من قبل السلطة السياسية بجدية، وأخذها بعين الاعتبار على أنها مؤشرات ناعمة لعدم القبول بالمسار الحالي.
ليس كل من يطالب السلطة السياسية بالعدول عن مسارها الذي اختطته بدءًا من مؤتمر إعلان النصر وحتى اليوم هو خائن أو متآمر أو من الفلول أو من عملاء إيران أو إسرائيل. هناك شرائح واسعة لم تقبل من السلطة الجديدة استئثارها الكامل بالدولة، انطلاقًا من مبدأ: “من يحرر يقرر”.
قد يكون المؤتمر حلفًا للأقليات، وقد يكون هناك ارتباط بين بعض القائمين على “مؤتمر وحدة الموقف” وإسرائيل أو غيرها، أو قد يكون هناك تقاطع مصالح على الأقل بين بعض الفرقاء وغيرها من الدول أو القوى الإقليمية، لكن المطالب التي رفعها المؤتمر هي مطالب مشروعة، ويتكلم بها كثير من السوريين والسوريات، خاصة إذا ما أخذنا الأمور وفق القاعدة القائلة: “تجري الأحكام على الظاهر والله أعلم بالسرائر”.
ولا يعيب الديمقراطية ولا الليبرالية ولا العلمانية أن يطالب بها شيوخ قبائل أو شيوخ عقل أو رعاة كنيسة أو رجال دين، لكن يعيب الدولة أن تعلن عن هويتها باسم جزء من الشعب بمواجهة جزء آخر منه، مهما كان بنظرها هذا الجزء صغيرًا أو غير مهم، خاصة وأن السلطة السياسية في دمشق لم تدخر جهدًا في إعطاء رجال الدين أدوارًا في الدولة ومؤسسات الحكم أكبر حجمًا وأكثر تأثيرًا مما تتهم به خصومها في المؤتمر المذكور.
الطريق إلى سوريا الجديدة طويل وشائك، ونحن جميعًا مسؤولون أمام أنفسنا وأمام أحفادنا وأمام الله عمّا نصنعه اليوم، فطوبى لمن آثر سوريته على أي انتماء آخر.
تلفزيون سوريا
————————-
“طائف سوري” يكفل وحدة الدولة وإدارات لامركزية/ سيهانوك ديبو
آخر تحديث 11 أغسطس 2025
بدأت الحرب الأهلية اللبنانية من لحظة انقسام وطني، وفقدان هوية وطنية جامعة، وانحسار أي دور لجيش وطني لا علاقة له بالسياسة، وفصل حالة الانتماء، وضعف العقد الاجتماعي في “سويسرا الشرق”. لكن، بإمكان اللحظات التاريخية أن تحول الأعداء والخصوم إلى شركاء في حكم دولة واحدة في مثال “اتفاق الطائف” 1989 الذي أسدل الستار على الفصل الأخير من حرب أهلية مدمرة أرجعت لبنان للخلف عشرات السنين.
ولأن الحلول لا تتأتى نتائجها الكاملة إلا في حال تطابق كامل وتكامل متطابق بين الذات والموضوع، لذلك لم تنته المخاصمات والشراكة من وسمها بـ”المحاصصة”. حلت الأزمة اللبنانية من خلال “رباعية الطائف” الذي أُقِرَ مبادئ عامة وإصلاحات سياسية محورية وقتئذ، وسيادة الدولة اللبنانية على كامل ترابه بعد إنهاء الحالة الميليشياوية والفصائلية اللبنانية وغير اللبنانية، وحل مشكلة المهجرين وتأكيد حق العودة الآمنة، وعلاقات طبيعية بين لبنان وسوريا من خلال عدة أمور منها ضمان انسحاب سوري تدريجي خلال سنتين، الانسحاب الذي صار قسريا متأخرا عن المدة الموسومة نحو خمسة عشر عاما من تاريخ الاتفاق.
ولعل الأبرز في الطائف اللبناني جاء متعلقا ببعده المعرفي من خلال نموذج حوكمة في إنضاج مصطلح “اللامركزية الإدارية الموسعة” الذي ظهر أول مرة في الفقه السياسي وتاريخ العلاقات الدولية وشكل الحكم. رغم أن لإطلالة المصطلح قصة تشبه سردية المنزلة بين المنزلتين، والسردية الجديدة المختلفة هنا ربما ستأتي بأنها نُزلت بين منزلتين: لامركزية سياسية، ولامركزية إدارية.
“الطائف” سورياً: فرصة أن يبقى القرار 2254 في مكانه الصحيح
رغم تحذيرات غالبية المعارضة الوطنية السورية من ضمنها “حزب الاتحاد الديمقراطي”- وهو واحد من المكونات السياسية للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا- من مغبة التدخل الخارجي (إحدى اللاءات الثلاث لهيئة التنسيق– التكتل المعارض لنظام الأسد)، لكن لم يكن التدخل الخارجي في سوريا على طول الخط سلبيا. والقرار الدولي 2254 للعام 2015 ومسودته الروسية ونصه المقر أميركياً وروسياً، يعد من أهم القرارات التي قاربت بمسؤولية حل الأزمة السورية وخاصة في هدف القرار ومقصده بـ”إقامة نظام ديمقراطي غير طائفي”. وجاء القرار صحيحا في تفاصيله الأربعة (محاربة الإرهاب، حكومة انتقالية بصلاحيات تنفيذية، انتخابات برلمانية، كتابة دستور جديد) ودور قيادي لـ”هيئة التفاوض” للمعارضة. ورغم أن الإدارة الذاتية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) تم استبعادهما من هذه “االهيئة” (قيل لنا إنه بسبب فيتو تركي) لكننا كنا نقتنع أكثر بأن أي عملية حوار سوري لا تضم الإدارة الذاتية و”قوات سوريا الديمقراطية” وقوى وطنية سورية أخرى لن يكتب لها النجاح. لم نقطع الأمل وقتئذ ليس بسبب خفوت متناوب ونسبي لحالة استقطاب منصات المعارضة السورية بمن يدعمها، إنما الثقة أكثر في الرياض وعواصم عربية وغربية، وفي موسكو أيضا. كان الشيء نفسه بالنسبة لعمان الموكل إليها مهمة تحضير ورقة تضم الجماعات المسلحة المرتبطة بالإرهاب التي توقفت حين وصل العدد لأكثر من ألف جماعة ومجموعة وفصيل بعلاقة عضوية مع “القاعدة” إما فكرا أو تنظيما أو كليهما.
والرياض التي حرصت في فترة سابقة على إعادة سوريا للجامعة العربية تحسبا من أي مشروع ماضوي سياسوي إقليمي بالدرجة الأولى، والرياض التي منحت لدمشق- العاصمة وليس النظام- أن تُرجِع الدور الذي يليق بسوريا، والرياض الذي أوقفت العقوبات المفروضة على شعب سوريا من خلال زيارة تاريخية لرئيس أميركا دونالد ترمب، وكان للنظام الحالي الانتقالي في سوريا أن يجعلها الخطوة قبل الأخيرة لإنهاء العقوبات. لكن مجموعة من الأسباب والأفعال لا تخلي مسؤولية السلطة الانتقالية من دماء في الساحل. وكان له أن يتوقف عند ذلك ويدفع بالتي هي أحسن إثر اتفاق العاشر من مارس/آذار العام الحالي بينه وبين “قوات سوريا الديمقراطية” لكن زاد مسؤوليته عبئا فيما حدث بالسويداء من أحداث مؤسفة. ودائما المشهد سوري والدماء سورية، ودائما عنوانه المأساوي: العنف والعنف المضاد.
رغم كل ما تقدم، وما يشوب المشهد السوري من تحديات داخلية وخارجية، يمكن القول إن الرياض بمكانتها، التي لعبت دورا في “الطائف اللبناني”، يمكن أن تقوم بدور كبير في سوريا. وقد نوه إلى ذلك أيضا الجنرال مظلوم عبدي قائد “قوات سوريا الديمقراطية” في لقائه الأخير مع قناة “العربية” في نهاية يوليو/تموز، بقوله إنه يمكن للمملكة العربية السعودية أن تقوم بدور مهم في الحوار السوري.
تحديات جوهرية أمام “الطائف السوري”
إذا قدر لمسار الأزمة السورية أن يرجع، ربما يتوقف بتمعن عند 30 أغسطس/آب 2020 تاريخ عقد اتفاق بين “مجلس سوريا الديمقراطية” و”منصة موسكو” السورية المعارضة في العاصمة الروسية الذي يمكن وصفه بالأكثر حيوية. والوصفة المقدمة من الاتفاق كانت لها الحظوظ أن تخطو بانسيابية نحو الحل السوري من خلال النقاط الخمس المعلنة بين الطرفين: وحدة سوريا والإدارة الذاتية كجزء من النظام الإداري السوري العام بصلاحيات في علاقة تكامل وصلاحيات المركز المعهودة وتؤكد قوة المركز والصلاحيات المشتركة بينهما في الوقت نفسه. والقضية الكردية كقضية وطنية سورية يجب حلها وفق العهود والمواثيق الدولية ضمن إطار سوريا الواحدة. و”قوات سوريا الديمقراطية” كجزء من مؤسسة جيش سوريا الوطني المحايد، ولهذه القوات خصوصية يتم الاتفاق عليها. ومقدرات سوريا لجميع السوريين. والعودة الآمنة للمهجرين، ورفض أي عملية تغيير ديموغراغي.
وهذه الوثيقة غير منفصلة عن اجتماعات سورية ومؤتمرات ولقاءات حدثت في سوريا وخارجها، فلا يمكن عزلها عنها، ولا يمكن عزل الوثيقة عن كل لحظة وطنية سورية. كما أن هذه الوثيقة بحكم سياق إنضاجها وإنتاجها لا يمكن عزلها عن أي مخرج أو اتفاق حدث في المنطقة والإقليم، ومن ضمنها رباعية “اتفاق الطائف” اللبناني 1989.
الدمج… الجزء والكل
حدود وخرائط سايكس-بيكو رخوة بالأساس وباتت أكثر هشاشة. ليس للموضوع علاقة بما بدر عن الزعيم السوري القومي أديب الشيشكلي، الذي استولى على السلطة عام 1949، حين قال: “سوريا هو الاسم الرسمي الحالي لذلك البلد الذي يقع ضمن الحدود المصطنعة التي رسمها الاستعمار”. ولا علاقة بالذي قاله توماس باراك مبعوث الرئيس ترمب لسوريا ولبنان من أن “سايكس-بيكو انتهى وزمن التدخل ولى”، وليس بسبب مشاريع التوسع الإقليمية وخاصة من قبل تركيا وإيران، وليس بسبب المعابر العابرة للحدود والتي تطرقُ بقوة هذه اللحظة حدود سايكس-بيكو، ليس بسبب ما فعلته “داعش” قبل نحو العقد حينما محت جزءا من الخرائط، والمكونات المجتمعية والعشائر التي تحركت مؤكدة حضورها من خارج الحدود إلى داخل الحدود.
الأمثلة لم تنته ويبدو أنها ستستمر حتى انتهاء المشكلة وحل جميع قضايا الشرق الأوسط وفي مقدمتها قضية الدولة والقضايا القومية ومسائل المكونات ومحور السلطة التشاركية في الدولة الوطنية أو المتعددة الوطنيات.
كيف نصل إلى دولة مستقرة؟ ما مستقبل “قسد”؟
أهم الخطوات التي يجب أن تكون في مقدمة أي أجندة متعلقة بسوريا هي الدولة الوطنية السورية التي لا تنفصل هذه اللحظات عن رباعية: مؤتمر وطني سوري عام، مبادئ دستورية أساسية ومحصنة يتم التوافق عليها بوسع آلية عدم المساس بها وعدها العمود الفقري للعقد الاجتماعي السوري وقيم الجمهورية السورية الثالثة، حكومة انتقالية موسعة بصلاحيات تنفيذية كاملة لفترة معينة يتم التوافق عليها تنتهي عملها حين عقد انتخابات تؤكد فصل السلطات وتؤسسها، وتأسيس رؤية عملية وحيوية لتأسيس جيش وطني غير عقائدي ولا يتدخل بشؤون السياسة.
“قسد” جزء من مؤسسة الجيش السوري. ويجب إدماج جميع مؤسسات الإدارة الذاتية بما يقابلها من مؤسسات النظام الإداري السوري العام. وهنا يجب بذل جهود معينة– يمكن أن تكون مبذولة في “الطائف” بدعم أميركي- كي يقرأ كل من طرفي الإدارة الانتقالية والإدارة الذاتية من الصفحة ذاتها، وبأن الدمج الذي وقعت عليه “قسد” لا يعني فقط أن “قوات سوريا الديمقراطية” من الممكن لها أن تغير حتى اسمها إلى فيلق عسكري سوري يتبع لوزارة الدفاع السورية، كما يمكن للمجالس العسكرية لـ”قوات سوريا الديمقراطية” أن تتغير إلى نظام الفرق التي تتبع لهذا الفيلق، وأن يتبع بشكل تنظيمي وإداري لهيئة الأركان السورية أو وزارة الدفاع.
وهنا، الاندماج يعني الانخراط والتكامل وليس الحل والاختفاء الكامل. ولكن الأمر ليس بعلاقة كيف يتم دمج نحو 120 ألف مقاتل من “قسد” في نحو 30 ألفا في وزارة الدفاع السورية، بل الأمر الأكثر تعقيدا أن أسباب ودوافع نشوء “قسد” لا تزال موجودة وتطرقُ الأبواب السورية، ولا ننسى إشكالية أن مراكز الاعتقال والمخيمات الخطرة غير الآمنة مهمة تسييرها وأمنها على عاتق “قسد” والتحالف الدولي العربي بقيادة أميركا ضد الإرهاب.
أما البنتاغون الأميركي الذي أقر استمرار شراكته مع “قسد” وإقرار ميزانية الشراكة حتى نهاية 2026 على الأقل، وقيام التحالف بالتعاون مع “قسد” قبل نحو الأسبوعين بتحييد أحد أخطر قيادات “داعش” المسؤول عن مجزرة قبيلة الشعيطات أكتوبر/تشرين الأول 2014، وتضطلع “قسد” بأدوار أكثر وطنية في عموم الجغرافيا السورية، ودورها المجتمعي النوعي في شمال وشرق سوريا، وأيضا في المناطق المحايدة لها وخاصة بالنسبة للعراق من مختلف مسائل ودواع أمنية، وغيرها من الأسباب التي تؤكد أن اندماج “قسد” في الجيش السوري مطلب “قسد”، وإبقاء خصوصية “قسد” ضمن ما تقدم مطلب وطني سوري. لا ضير من أي آلية وطنية سورية يتجنب من خلالها أي مغزى وتخوف.
وهنا نعتقد أن “الطائف اللبناني” وقدرته الفريدة في التمييز بين الفصائلية والمقاومة، يمكنه إنهاء سلاح الميليشيات وإبقاء حالة المقاومة التي تشير التقديرات إلى أنها كانت صحيحة لحظة الاتفاق على الأقل. يمكن لـ”الطائف السوري” في حال قدر عقده حل هذه المشكلة الإبقاء على “قوات سوريا الديمقراطية” بخصوصية تحت كنف الدفاع أو الداخلية أو كليهما.
سوريا موحدة… أقاليم ولامركزية؟
أما صيغة لامركزية الدولة السورية فيكتب لها البقاء مهما كانت هذه الصيغة. ورغم أن السلطة الانتقالية وما تقوم به من إجراء من طرف واحد بعيد عنها معظم شعب سوريا ومكوناته، سوى أنه يمكن التعامل بجدية تصل حد الإيجابية مع ما تقره. خمسة أقاليم تتألف منها سوريا كوحدة اتحادية: إقليم الساحل، إقليم شمال وشرق سوريا، إقليم الجنوب، إقليم البادية، وإقليم الشام أو الداخل.
يمكن لسوريا كوحدة اتحادية أن تتألف من خمسة أقاليم جغرافية وأن تتبنى مفهوما معرفيا سياسيا معاصرا خاصا بالوضع السوري: “اللامركزية الديمقراطية” (أقرت في مؤتمر القاهرة 2015) أو “اللامركزية الوطنية”. فليست المشكلة في الاسم إنما الإشكاليات تظهر في العملياتي من المسمى.
ربما لا يحتاج إلى عناء المتابعة في القول أن فئة واسعة من شعب سوريا، في هذه اللحظة مع نموذج الإدارة الذاتية المعمول به في شمال وشرق سوريا مع مزيد من تطويره وتصويب أخطائه ومعالجة العيوب التي اعترت “الإدارة الذاتية” منذ فترة التأسيس حتى اللحظة. لكن صار بحكم التأكيد أن أغلب السوريين ليسو مع الانفصال. لا انفصال عن سوريا ولا تنازل عن إدارة ذاتية للمكونات السورية أو لامركزية الدولة في سوريا. إن عموم شعب سوريا يثقون في أن الحلول المستدامة لها علاقة بالحكمة والصبر، ويمكن أن تكون اللحظة لصالح سوريا الحديثة هنا أيضا وعلى شاكلة الذي حدث في منعطف “الطائف اللبناني” قبل نحو 35 عاما.
المجلة
——————————–
مستويان وثلاثة وسطاء ومراحل لاتفاق وقف النار في جبل العرب/ ماجد عزام
2025.08.12
لم ينل اتفاق وقف النار الأخير في جبل العرب ما يستحقه، ليس من الاهتمام الذي حصل بالطبع أمام قسوة ما جرى، وإنما من قراءة وتمعّن في خلفياته وآفاقه وتداعياته المستقبلية على الأوضاع في سوريا الجديدة، علماً أننا نتحدث عن ثلاثة وسطاء وأطراف ومراحل للاتفاق الذي يتضمن كذلك مستويين مختلفين أو، للدقة، متوازيين، بينما يسير تنفيذه وفق ما هو مرسوم ومخطط له، أقله حتى الآن.
بداية، نتحدث عن ثلاثة وسطاء انخرطوا في الاتفاق، يتعلق الأمر بأميركا التي توسطت بين إسرائيل والقيادة في سوريا الجديدة للتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار بين الجانبين، ويمكن اعتباره منفصلاً ولكن ذا تأثير على الاتفاق في جبل العرب.
كان هناك حضور غير مباشر للوسيطين الآخرين، تركيا والأردن، في هذا الاتفاق أيضاً، من خلال إرسال رسائل على طريقتهم وبوسائلهم الخاصة، وتحديداً عبر قنوات أمنية خلفية إلى تل أبيب، مفادها الانزعاج والرفض القاطع للتدخل الإسرائيلي الفظّ والعدواني في الشأن السوري، خاصة مع قصف رئاسة الأركان ومحيط القصر الرئاسي والقوات الأمنية الشرعية في الجبل.
إلى ذلك، انخرط الوسطاء الثلاثة معاً ـ أميركا وتركيا والأردن ـ في جهد منسق من أجل التوصل إلى اتفاق وقف النار في جبل العرب بين الحكومة السورية والجماعات الخارجة عن القانون والميليشيات غير الشرعية في جبل العرب، من دون أن يعني ذلك أبداً وضع الطرفين، أي الحكومة الشرعية والمجموعات الخارجة عن القانون، على قدم المساواة والندية. وتضمن الاتفاق خريطة طريق من ثلاث مراحل للتنفيذ، لكن دون سقف زمني صارم نظراً للتعقيدات على الأرض، وبالعموم تسير الأمور وفق ما خُطِّط لها، حيث تم تنفيذ المرحلة الأولى وجزء كبير من الثانية بنجاح، على أمل السير قدماً في المرحلة الثالثة من خريطة الطريق التي ستكرّس نجاح الاتفاق وجعله نموذجاً للاقتداء والعمل من أجل سيطرة سوريا الجديدة على كامل أراضيها الموحَّدة غير القابلة للتجزئة أو الانفصال أو التقسيم.
بالنسبة للمستوى الأول، كانت إسرائيل قد أقحمت نفسها بالشأن السوري بفظاظة وعدوانية ودموية، كما فعلت منذ سقوط النظام نهاية كانون الأول/ديسمبر الماضي، عبر الهجمات الإجرامية والعدوانية ضد معسكرات ومقدرات القوات الشرعية في سوريا الجديدة.
بدا التدخل الإسرائيلي هذه المرة فظاً وعدوانياً ودموياً أكثر، مع قصف رئاسة الأركان ومحيط القصر الرئاسي والقوات الأمنية الشرعية في جبل العرب.
أثار التدخل الفظّ والعدواني وغير المبرر غضباً شديداً في واشنطن، وبالطبع في أنقرة وعمان، وتدخلت الإدارة الأميركية عبر مفاوضات غير مباشرة من أجل التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار بين سوريا الجديدة وإسرائيل، وهو أول اتفاق يتم عقده بين الجانبين، وبالتأكيد أهم بكثير مما يبدو عليه.
تؤكد معطيات وحيثيات الاتفاق حقيقة أن إسرائيل ليست وصيّاً ولا حتى لاعباً جدياً ومؤثراً في سيرورة قيام ونهوض سوريا الجديدة، مع محاولات التسلل غير الشرعية والرفض الإقليمي والدولي القاطع لها، تحديداً من الرئيس دونالد ترامب الذي تدخل وطلب من تل أبيب التوقف، وهي ليست في وضع يسمح لها بالممانعة مع حاجتها إليه، حيث لا تستطيع المضي قدماً في سياسات العدوان الإقليمية من دون مظلة الحماية الأميركية.
يمثل اتفاق وقف النار، ولا شك، أرضية لحوار سوري إسرائيلي برعاية ووساطة أميركية، لكنه سيبقى دوماً ـ غير مباشر أو وجهاً لوجه ـ في الإطار الأمني البحت الخاص بالعودة إلى اتفاق فكّ الاشتباك عام 1974، ولو محدَّثاً، أي عبر زيادة القوات الدولية (يوندوـف) وانخراط قوات أميركية فيها، وربما تشكيل لجنة رباعية ـ أممية أميركية سورية إسرائيلية ـ للإشراف على التنفيذ الدقيق والأمين له، كما يجري مع نظيره 1701 في لبنان.
في هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى رفض إسرائيل إجراء أي حوار حول اتفاق 1974، في محاولة منها كي تبقى أياديها طليقة وتستمر في عربدتها العدوانية كما تفعل منذ سنوات، قبل وبعد سقوط نظام آل الأسد، لكنها اضطرت للتراجع تحت ضغط أميركي ورفض إقليمي ودولي واسع لتدخلها الفظ والعدواني في تطورات جبل العرب الأخيرة.
الشاهد هنا هو إصرار الدولة السورية على فرض سيادتها وسلطتها على كامل أراضيها الموحَّدة، وهي ليست بوارد تهديد أحد، وتلتزم بالاتفاقيات والالتزامات والواجبات تجاه مواطنيها أولاً، ولا مصلحة ولا قدرة أصلاً على انتهاك اتفاق فكّ الاشتباك مع إسرائيل أو زعزعة الاستقرار في المنطقة، مع التذكير بالعبارات اللافتة للمبعوث الأميركي توم بارك عن الجيران الجيدين والحلفاء والأصدقاء المخلصين لسوريا الجديدة.
وفيما يخص المستوى الثاني من الاتفاق، المتعلق بوقف إطلاق النار في جبل العرب، فقد كان نتاج عمل ثلاثي أميركي – تركي – أردني بين القيادة في دمشق والميليشيات، من دون حضور مباشر لإسرائيل فيه، وتضمّن ثلاث مراحل: فضّ الاشتباكات، وإيقاف النار أولاً، ثم إدخال المساعدات وإجلاء المدنيين المحاصرين. بينما تشمل المرحلة الأخيرة عودة الدولة إلى جبل العرب وعودته إلى حضن الوطن ـ ليست على طريقة نظام الأسد السيئة الصيت ـ وفق روح الاتفاق الذي كان مطروحاً على الطاولة طوال الوقت ورفضه التيار الانعزالي، كما شهدنا ونشهد ونعرف من الوقائع على الأرض، وكما قال ويقول، عن حق، الزعيمان وليد جنبلاط وليث البلعوس اللذان يمثلان التيار التاريخي والعقل الجمعي للموحدين العروبيين بالمنطقة، في مواجهة التيار الانعزالي.
إذن، جاءت فلسفة الاتفاق ثلاثية ومتدرجة عبر وقف النار أولاً، أي الإطفاء، ثم التبريد، ثم العمل على المدى البعيد، تماماً كما جرى في ملحمة إطفاء الحرائق بجبال وريف اللاذقية التي قادتها الحكومة السورية والوزير الثائر دوماً رائد الصالح، قائد الدفاع المدني (الخوذ البيضاء) زمن الثورة، الذي رفض التيار الانعزالي وفلول النظام دخوله إلى جبل العرب، ضمن موقف يائس وهروب إلى الأمام من السلطة الشرعية ومن رائد الصالح والـ”خوذ البيضاء” التي كانت عاملاً معهم في إسقاط النظام وانتصار الثورة وتخليد روايتها.
بالعموم، تسير الأمور بصبر ونَفَس طويل وفق ما هو مخطط لها، إثر فضّ الاشتباك وتكريس وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات وإخراج المدنيين والمصابين، ثم ضرورة وحتمية دخول الدولة إلى جبل العرب للقيام بواجباتها ودمجه بالدولة السورية، ليس فقط من منظور ومنطق أمني على أهميته، وإنما في سياق مدني أوسع يشمل عمل كل المؤسسات في سياقاتها المختلفة التعليمية والصحية والاقتصادية والاجتماعية، لإعادة دمج جبل العرب تماماً كما حصل في جرمانا وصحنايا من قبل.
في الأخير، باختصار وتركيز، يبدو الاتفاق بمستوييه مهماً جداً، وأهم بكثير مما يبدو عليه، لجهة كسر خطط ومشاريع الانفصال والحماية الأجنبية، وفرض الدولة سيطرتها على كامل الجبل وطرقه الرئيسية، والقيام بمسؤولياتها وواجباتها تجاه مواطنيها كافة، ولا يقل عن ذلك أهمية كفّ يد إسرائيل عن التدخل الفظّ والعدواني والدموي في سيرورة نهوض سوريا الجديدة، بمواكبة جدية من جيرانها الطيبين وحلفائها المخلصين.
تلفزيون سوريا
—————————–
بين زائفٍ وحقيقي/ معن البياري
12 اغسطس 2025
لم يكن مفاجئاً، ربما، ما أشهرَه “مؤشّر مسبار” الذي يُنجزه الزملاء في موقع “misbar.com” أن سورية كانت أولى الدول التي انتشرَت عنها أخبار زائفة الشهر الماضي (يوليو/ تموز)، إذ “حظيت” ب72 مادّة إخبارية من هذا اللون، وجاء الفارق بينها وبين دولة المرتبة الثانية كبيراً، فقد أحرزت مصر 20 مادّة. ومعلومٌ أن الشهر الفائت شهد ثاني أسوأ الأزمات الاجتماعية والسياسية والأمنية والإنسانية في البلاد منذ إسقاط نظام الأسد في ديسمبر/ كانون الأول الماضي (بعد أحداث الساحل في مارس/ آذار الماضي)، وهي الوقائع الدامية في السويداء، والتي ما زالت نتائجُها ومفاعيلها، وذات الخطورة العالية، تتدحرج إلى متواليةٍ من التوتّرات الصعبة. وإلى الأهمية البالغة في الذي يُخبرنا به “مسبار”، وهو منصّةٌ تتّصف بالحرفية والمهنية، فإن أهميةً أخرى، كبيرة أيضاً، لما يذكره “المؤشّر”، أن تحليل البيانات الذي أجراه يوضح “أن نسب المحتوى السلبي واستخدام المفردات التحريضية والطائفية والعبارات المسيئة تفوق المؤشّرات الطبيعية، مع وجود العديد من أنماط النشاط المشبوهة من حسابات موجّهة لاختراق النقاش العام وتضخيم موجة التحريض. كما أنّ انطلاق معظم النشاط السلبي المحمّل بالتحريض والطائفية، من مناطق خارج الحدود السورية، يُعدّ مؤشّراً على تصعيد رقمي دعائي موجّه خلال أحداث محافظة السويداء”.
ما وقع في السويداء، وكله مدانٌ ومستفظَعٌ، على درجةٍ من التعقيد العويص، ولا يجوز اختزالُه في أن قواتٍ تتبع السلطة في دمشق استهدفت سوريين دروزاً مدنيين بالقتل، وأن مسلّحين من عشائر سنّية شاركوا في هذا الاستهداف، فهذا صحيحٌ، إلا أنه منقوص، لأن تفاصيل أخرى، معلومةٌ وغير معلومة، في حوافّ هذه السردية ومتنها وهامشها. والذي يأتي عليه “مؤشّر مسبار” توصيفٌ لكثيرٍ معروفٍ وذائعٍ، فالكراهيات المتبادلة تتعاظم في سورية، وقد أشعل القتل والحرق الكثيران في السويداء أرطالا من البغضاء. ولا شطط في الزعم إن ما سُمّي مؤتمر “وحدة الموقف لمكوّنات شمال وشرق سورية” في الحسكة، وإنْ شارك فيه على ما تردّد 400 شخص، واحدٌ من مظاهر الفشل العريض في سورية الجديدة. وفي الوُسع أن يقال إن زيفاً كثيراً جرى في أعمال هذا المؤتمر الذي تبدو عناوينُه الجهوية والطائفية نافرةً ظاهرة.
أمّا وأن هذا هو الحال، أو مقطعٌ منه على الأصح، فالسؤال لن يكون عن التشخيص، فهذا غزير، وإنما سيتعلّق بالذي سيبتكرُه السوريون، في السلطة وخارجها، مجتمعياً ورسمياً، من أجل إنقاذ أنفسهم وبلدهم من الارتجاج الذي يتّسع يوماً بعد آخر في السلم الأهلي العام، فلم يعُد للبلاغة في البيانات عن وحدة الشعب السوري، وعن الصخرة التي ستتحطّم عليها كل الفتن، جدوى منظورة. كما أن الاطمئنان إلى أن تجارب كثيرة مرّت في تاريخ سورية الحديث دلّت على قدرة الشعب على نبذ كل تفرقة، وعلى صدّ كل استهدافٍ وكل تواطؤ وتآمر، لم يعُد له نفع، أمام التفشّي الواسع لزيف الأخبار والصور التي يهدف ناشروها النشطون إلى إحداث مزيدٍ من الصدع في المجتمع، وإلى توسيع شقاقٍ بيّنٍ وخفيٍّ بين سوريين سنّة وسوريين علويين، وبين سوريين سنّة وسوريين دروز، وبين أكثريةٍ وأقلياتٍ، وبين مكوّناتٍ ومكوّنات. وقبل هذا الزيف في فضاءات الميديا ووسائل التواصل، ثمّة السياسات والخيارات الرسمية التي تنهجها السلطة، ولا تجترح فيها أفكاراً شجاعة باتجاه معالجاتٍ عميقةٍ وجذريةٍ للمشكل الطائفي والاجتماعي والجهوي في البلاد. وهذا الاستسهال في أحاديث معلنة، وكتابات مُشهرة، في الحديث عن حربٍ أهليةٍ محتملة، مقلق، بل مخيفٌ، وإن لا يرتكز على مبرّراتٍ متحقّقة، سيّما وأن الخوف على سورية قائم وتسوّغه معطياتٌ ماثلة، وجبالٌ من التحدّيات بالغة الصعوبة، وبعضها شديدُ الاستعصاء، ليس في مقدور السلطة القائمة، وحدَها من دون شراكاتٍ حقيقيةٍ مع تمثيلاتٍ وقوى سياسية ومجتمعية عريضة، مواجهتها وإبداع حلول لها.
بين الزائف والحقيقي في سورية مساحاتٌ ومسافاتٌ ظاهرة. لكن المسألة ليست هنا بالضرورة، وإنما في تيهٍ وتشوّش حاضران، من تفاصيلهما أن القلق يتسع، وأن مقادير من قلّة الاطمئنان لا تنفكّ تزيد. حمى الله سورية وأهلها.
العربي الجديد
—————————–
هوس الضحيّة النقيّة/ شعبان عبود
12 اغسطس 2025
منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، ثم الحرب التي مزّقت البلاد، ثم الأحداث وأعمال العنف التي تلت سقوط النظام في بعض المناطق، وخصوصاً في الساحل والسويداء، بعد ذلك كله، تظهر اليوم سردية مشتركة بين السوريين على اختلاف طوائفهم ومواقفهم: الكل يرى نفسه ضحية، والكل يتهم الآخر بارتكاب الجرائم. هذا التمركز حول الذات المظلومة لم يكن مجرّد انفعال عابر، بل أصبح اليوم ركيزة متجذّرة في الخطاب السوري العام، حيث تنزع كل جماعة نحو تقديم نفسها كـ”ضحية نقية” لم ترتكب خطأ، فيما الآخر وحده مسؤول عن الخراب.
السبب في سيادة هذا النمط من التفكير أن الكارثة السورية لم تُبقِ بيتاً إلا وتركته مثقلاً بالخسارة، سواء في الأرواح أو البيوت أو الكرامة. لذلك من الطبيعي أن يبحث الناس عن سردية تساعدهم على الصمود النفسي.
يمنح دور “الضحية” المرء شعوراً بالعدالة الأخلاقية، ويمنح شعوراً بالتفوّق الأخلاقي وسط عالم مشوّه. ففي لحظات الانهيار وضعف الدول والمجتمعات وتمزّقهما بسبب الحروب، يُعاد ترتيب القيم على أسس جديدة، أهمها من يمتلك سردية المعاناة الأكبر، ومن دفع الثمن الأكبر، وبهذا، تتحوّل المظلومية من حالة إنسانية إلى رأسمال رمزي للجماعة، يُستخدم لتبرير الماضي، وصياغة الحاضر، والسيطرة على الرواية والحضور الدعائي على وسائل الإعلام ومنصّات السوشيال ميديا.
لكن هذا الاستخدام المفرط لموقع “الضحية” يترافق مع إنكار جماعي للمسؤولية. سوريون كثيرون يتعاملون مع أخطاء جماعاتهم المسلحة، أو مجتمعاتهم المحلية، باعتبارها أحداثاً ثانوية أو مبرّرة. حتى الجرائم الواضحة يتم الالتفاف عليها بخطاب “نحن كنا مضطرّين”، أو “هم أجبرونا”، أو كان ذلك مجرّد “أخطاء فردية”. بينما تُضخّم جرائم الآخرين، وتُحكى بلغة الاتهام المطلق. لا مراجعة ذاتية، ولا محاسبة داخلية، بل إصرار على الطهارة الكاملة.
في هذا السياق، لا تعود الضحية مجرّد حالة؛ بل تتحوّل إلى هوية. الطائفة السنّية ترى نفسها ضحية القمع والاعتقال والتهميش، والعلويون يتحدّثون عن شيطنة وخوف من انتقام جماعي، والمسيحيون عن تهجير واستهداف، والكرد عن إنكار قومي طويل، والدروز عن عزل ومجازر وتخوين. الجميع ضحية، ولا أحد يريد الاعتراف بأن في “جانبه” من مارس العنف، وصمت عن القتل، وحرّض على الكراهية.
هذا الإنكار المتبادل لا يهدّد فقط الحقيقة، بل يُجهض أي محاولة للعدالة الانتقالية أو المصالحة. فكيف يمكن لجماعة أن تعترف بألم الآخر وهي تنكر وجود خطأ من جانبها؟ وكيف يمكن بناء مستقبل مشترك في ظل ذاكرة جماعية متنافرة، تُروى من طرف واحد؟
لا يحدث هذا الإنكار الجمعي عبثاً. إنه ينبع من بنية ثقافية ترى في الاعتراف بالذنب ضعفاً، بل خيانة. فأن تقول “لقد أخطأنا” يعني بالنسبة لبعضهم أنك تبرّئ الآخر، أو أنك تطعن في ظهرك. لذا، تتحوّل كل محاولة للنقد الذاتي إلى تهمة بالتواطؤ، ويُكافأ من يُحسن رواية المظلوميّة أكثر ممن يجرؤ على مواجهة الذات.
الاعتراف لا يعني تساوي الجرائم، لكنه شرط ضروري لأي تعافٍ جماعي. لا يمكن لسورية أن تخرج من دوّامة الصراع ما لم تتخلّص من “هوس الضحية” وتدخل في مرحلة الاعتراف المتبادل، لأن هذا الاعتراف يعني أولاً الخروج من منطق الطهارة الجماعية. كذلك، لا يمكن بناء سورية جديدة على أساس أن أحداً لم يخطئ، وأن الآخر وحده من يتحمّل الخراب.
الحقيقة التي يجب الاعتراف بها والانطلاق منها اليوم، هي أن لا ضحية نقية في حرب داخلية طويلة، بل بشر ارتكبوا، وصمتوا، وباركوا، وندموا، وتورطوا. والفرصة الوحيدة للخروج من هذا المستنقع تبدأ من الاعتراف والمسؤولية المشتركة.
العربي الجديد
—————————–
اللامركزية السوريّة… نقاش حار في بلد متنوع/ قصي جهاد زهر الدين
12 آب 2025
على إثر ما تعيشه سورية من عدم الاستقرار “الجزئي” على المستويات، السياسي والاقتصادي والاجتماعي، منذ فجر الخلاص من نظام الأسد في 8 ديسمبر (2024)، برز دور الأصوات الوطنية الساعية إلى الحد من انتشار الفوضى و”الفلتان الأمني” في بعض المناطق. منها ما يطالب بالإسراع في تثبيت ركائز الأمن للحد من ظواهر انتقامية كالخطف والقتل. ومنها ما يطالب بالوحدة الحقيقية، والتي لا تعني الوحدة الجغرافية فحسب، وإنما وحدة الشعب السوري على اختلاف مكوناته وانتماءاته. ومنها ما يطالب بتفعيل الحكم اللامركزي. وسواء كانت هذه الأصوات ذات مرجع ديني أو ثقافي أو اجتماعي فإنها تضع السوريين أمام ضرورة فهم اللامركزية بعيداً عن التخوين وإلقاء التهم.
اللامركزية ببساطة نظام إداري وسياسي يتم فيه توزيع الصلاحيات والمهام من الحكومة المركزية إلى الحكومات المحلية أو الإقليمية، يتضمن تقليص سلطة المركز لصالح كيانات فرعية تكون أقرب إلى المواطن وأكثر قدرة على تلبية احتياجاته ضمن إطار من الوحدة الوطنية. وتأخذ اللامركزية أشكالًا متعددة، منها: اللامركزية الإدارية: توزيع المهام الإدارية مع بقاء القرار النهائي في يد المركز. للامركزية السياسية: منح السلطات المحلية حق التشريع واتخاذ القرارات ضمن حدود معينة. اللامركزية المالية: تمكين الأقاليم من إدارة جزء من مواردها المالية بإشراف الحكومة المركزية التي مركزها العاصمة.
اعتمدت دول عديدة نماذج مختلفة من اللامركزية بنجاح ولو جزئي، أبرزها ألمانيا حيث تتمتع الولايات الـ16 بصلاحيات تشريعية وإدارية واسعة. لعب هذا الدور الكبير في إعادة إعمار ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية. والهند، وهي الدولة الأقرب إلى سورية من حيث تعدّد الطوائف والإثنيات، وتعتمد نظاماً لا مركزياً واسعاً على مستوى الولايات والبلديات، ما ساعد على إدارة التنوّع الديني واللغوي والجغرافي وإرساء قواعد الديمقراطية والمشاركة الشعبية والنخبوية فيما يخدم المسار السياسي والاقتصادي.
إسقاط اللامركزية على الوضع السوري
ماذا لو جرى تطبيق هذا النظام اللامركزي في سورية؟ هل سيكون العصى السحرية التي ستنقل سورية نحو تعددية حقيقية أو إحدى فخاخ العولمة؟
يقول المدافعون عن الفكرة إن تبني اللامركزية سيكون ضرورةً لا مجرّد خيار، نظراً إلى التنوع الطائفي والإثني، فسورية تضم طيفاً واسعاً من الهويات، مثل العرب، الكرد، التركمان، الآشوريين، الأرمن. إضافة إلى تنوّع ديني ديموغرافي كبير (سنة، علويون، دروز، مسيحيون إسماعيليون إلخ …) كما أدّت عقود من حكم مركزي قمعي أنهكت العلاقة بين الدولة والمجتمع، إلى انهيار الثقة بين المركز والأطراف، ما يتطلب إعادة بناء من القاعدة إلى القمة.
وتفاوت الدمار والاحتياجات، حيث تختلف أولويات المناطق السورية بعد الحرب مما يستدعي إدارة محلية مرنة قادرة على اتخاذ قرارات سريعة. إضافة إلى أنه نموذج قد يوفّر الإطار الأفضل لسورية المستقبل سواء من خلال نظام فيدرالي أو لا مركزية موسعة داخل دولة موحدة. وبقراءة سريعة لسورية الجديدة بعد ثمانية أشهر على استلام الحكومة المؤقتة للبلاد نستطيع أن نفرد إيجابيات وسلبيات هذا النموذج إن طبق في سورية، ونبدأ بالإيجابيات:
ـ تعزيز المشاركة السياسية: تتيح اللامركزية للمواطنين الانخراط في إدارة شؤونهم اليومية مما يعيد بناء الثقة مع الدولة.
ـ تحقيق العدالة في توزيع الموارد: تتمكن المجالس المحلية من تحديد أولوياتها الاقتصادية والخدمية مما يقلل من التهميش الذي عانت منه بعض المناطق.
ـ الحفاظ على وحدة البلاد: بعكس ما يعتقد البعض فإن اللامركزية تمنع الانفصال لأنها تمنح الأقاليم شعورًا بالانتماء دون الحاجة للتمرد على المركز.
ـ دعم التعافي وإعادة الإعمار: تساعد اللامركزية في تسريع عمليات إعادة الإعمار من خلال الاستجابة السريعة للاحتياجات المحلية.
ـ استيعاب التنوّع: تسمح اللامركزية بتطبيق سياسات محلية تراعي الثقافة واللغة والخصوصية المجتمعية كما هو الحال في مناطق ذات أغلبية كردية أو درزية أو آشورية.
ورغم ما سبق، لا يخلو تطبيق اللامركزية في سورية من تحديات وفي مقدّمتها: خطر التفكك إذا غابت المرجعية الوطنية في ظل ضعف مؤسسات الدولة قد تتحول اللامركزية إلى مدخل للانفصال إن لم تكن مرفقة بدستور واضح يضمن وحدة البلاد. هيمنة القوى المحلية المسلحة في بعض المناطق فقد تسيطر الميليشيات أو العائلات النافذة على المجالس المحلية مما يعيد إنتاج الفساد بوجوه جديدة. التفاوت التنموي حيث قد تزيد اللامركزية من الفجوة بين المناطق الغنية (مثل الساحل) والمناطق الفقيرة (مثل دير الزور) ما لم يتم تنظيمها ضمن آليات تضامن وطني. ضعف الكوادر الإدارية بسبب الحرب إذ هاجرت آلاف العقول والكوادر الإدارية مما يضعف قدرة بعض المناطق على إدارة شؤونها بفعالية. صراع الصلاحيات إذا لم تكن الأدوار والمسؤوليات محددة بدقة فقد تحدث نزاعات بين السلطة المركزية والمحلية تُعيق التنمية والاستقرار.
إذا، ليست اللامركزية، حسب المحللين السياسيين، حلاً سحريّاً، لكنها قد تشكّل ركيزة أساسية لإعادة بناء الدولة السورية إثر التحرير شرط أن تُبنى على أساس دستوري واضح وأن تُرافق بإصلاح سياسي شامل ومصالحة وطنية حقيقية واستثمار في القدرات المحلية.
ويقول الأستاذ الجامعي والباحث مجد زاعور: “المجتمع السوري الذي طالما عانى من الإقصاء والتهميش والسلطوية يستحق فرصة جديدة ليقرر مصيره بنفسه وهذه الفرصة تبدأ من القاعدة من البلديات من المجالس من الناس أنفسهم”. مضيفا: “قد تكون اللامركزية حلاً معقولاً لكل السوريين إلا أنه في الوقت ذاته حلاً خطيراً قد يذهب بالبلاد إلى التمزيق السياسي إذا لم يبُنَ على أسس وطنية ودستورية قوية”.
العربي الجديد
—————————
لا توجد سياسة للجميع مع الطائفية والهوياتية
اسمع عبارات من قبيل: المكون السني هو من سيبني الدولة لانه الاغلبية.
نهاية اسطورة المكون السني كضمانة للديمقراطية. السياسة لا تبدأ الا بالمكون السني. الاغلبية يجب ان تحكم وهذا يعني حكومة سنية او حاكم سني، سنة الشام سيجلبون التجارة وسنة حلب سيجلبون ابصناعة. اي حزب يريد الانتشار يجب ان يتوجه نحو المكون السني. المكون السني يمثل ثقافة البلد. بجب ان نبحث عن الوسطيين ضمن المكون السني. اثبت المكون السني انه غير قادر على تجميع البلد.
اولا- اذا كان هذا الكلام آتيا من شخص ينتمي الى المكونات غير السنية فاني اقول هنيئا لك الطائفية الجديدة التي تتنصل من ابمسؤولية. كنت تدافع عن نفسك قائلا حكم الاسد ليس علويا وليس اقلويا لان معظم العلويين لم يكونوا في السلطة وتعطينا قوائم بالمسؤولين السنة. اليوم نراك تستسهل التعميم ما دام لا يمس طائفتك. صارت تهمة الطائفية جاهزة وسهلة لانها تمس طائفة اخرى. لا ازال لا افهم من يعارض مقولتي بأن كل السوريين طائفيين بدرجات متفاوتة، دون استثناء.
ثانيا- اذا كان هذا الكلام آتيا من شخص ينتمي الى المكون السني فأنت لا زلت تعيش تحت وهم ان الامة هي مجرد مجموعة تحدد هويتها الاغلبية الدينية ضمن هذه المجموعة. انت شخص لا يرى الدنيا الا من منظور الطوائف والعشائر. في النهاية انت تعتقد ان الدولة التي تمثل الاغلبية ستكون دولة عادلة وتنبع من الشعب، وهذا خطأ لان كل دولة لا تمثل الا نخبتها الحاكمة. وهذه النخبة تدعي هذا وذاك لكنها في النهاية اقلية لا تمثل الا مصالحها.
ثالثا- توجد مكونات في مجتمع، لكن لا توجد مكونات في دولة. الدولة تحكمها نخبة تدعي التمثيل. وهي مقبولة من المجتمع بقدر ما تنجح في اقناع الناس بأنها تمثلهم. يعني لا توجد دولة علوية او سنية الا اذا كانت النخبة الحاكمة تدعي تمثيل هذه الطوائف. وهو في النهاية ادعاء. المكون السني او العلوي او المسيحي ليس كتلة متجانسة. وهو كذلك ليس كتلة سياسية او كتلة ادارية. اذن لا يوجد اعتماد على اي مكون طائفي داخل المجتمع ليكون الدولة او المؤسسات او الاحزاب. هذه المؤسسات تشكلها النخب الحاكمة. وحتى لو ادعت هذه النخب انها تمثل السنة او العلويين او غيرهم من الطوائف او العشائر فهي لا تمثل فكر طائفة او جهود طائفة او معارف طائفة. الطوائف كما بينت في بوست سابق هي مجرد مسارح لتنافس النخب القيادية، وهو مسرح مشبع بالخطاب الهوياتي الضيف وليس مشبعا بأي فكر سياسي او نظرية دولة او معارف ادارية.
الذي ينتظر دولة تخدمه وتمثله فقط لان حكامها سنة فهو سينتظر الى الابد. ومن ينتظر مكون طائفي ليعطينا دولة مؤسسة فانه سينتظر الى الابد. ومن يريد حزبا من مكون طائفي معين فانه امام مجلس طائفة وليس امام حزب. ومن يعتقد ان المكون السني مؤهل لقيادة دولة او لتشكيل مؤسسات فقط لانه الاغلبية الدينية فهو اما لا يفقه في السياسة واما من تلك النخبة الحاكمة التي تدعي التمثيل. المكونات الطائفية اذا اصبحت هي نفسها المكونات السياسية فالافضل ان نعلن فشلنا ونغلق ابواب منظماتنا السياسية ونرحل في مناكبها.
ومن هذا المنطلق فان اي رجل دين له سلطة طائفية قائمة على كونه رجل دين فانه لا يستطيع ان يكون سياسيا في دولة مواطنة. ولا يستطيع ان يطالب بالعلمانية ولا يستطيع ان يدعو لمحاصصة او لحكم ذاتي او لفيدرالية. ليس لانه معاق فكريا وانما لان موقعه كرئيس طائفة لا يمكنه ان يكون ممثلا لمواطنين، انه فقط يمثل الطائفة ومصالحها. انا لا اقول فليسكت ويدخل بيته، العمل السياسي مفتوح للجميع، لكني اقول ان رجل الطائفة لا يعرف الا الطائفة ولا يدافع الا عن الطائفة ولا يرى الا اعضاء في الطائفة ولا يرى الا مصالح الطائفة. في هذه الحالة لا الهجري ولا الجولاني قادران على تأسيس دولة او المشاركة في دولة مواطنة. انهما يؤسسان لدولة طوائف. الهجري رئيس طائفة وليس زعيم حزب. والجولاني رئيس مجموعة مسلحة تتكلم باسم طائفة ولذلك لا يستطيع ان يبني دولة للجميع، انه مشبع بالفكر الجماعاتي العصبوي الطائفي.
كفى ضحكا على انفسنا. التركيبة كلها مضروبة وعاجزة عن بناء دولة للجميع. ان ما نشهده من مجازر ليس الا امتدادا للحرب الاهلية، لا بل هي الصورة الحقيقية عن الحرب. تلك الحرب التي بدأت كثورة تحولت الى التسليح ضد النخبة الحاكمة ثم تحولت الى حرب اهلية. الهجري لم يتخذ قرار الحياد اثناء الحرب لانه يؤمن بدولة المواطنة، الهجري قرر الحياد كزعيم طائفة في حرب طائفية. لا يوجد وطني في سوريا، كلهم طوائف. الجولاني لم يدخل الحرب لانه مؤمن بدولة المواطنة وانما لانه مؤمن بالتمرد على الدولة العلوية. والذين ساندوا الاسد لم يساندوا الدولة وانما ساندوا طائفة معينة في صراعها مع طوائف اخرى. وحتى قسد لم تنتهز الفرصة لتأسيس حكم محلي بدعم امريكي لانها تطالب بحقوق فئة مو المواطنين وانما لانها تطالب بحقوق مجموعة هوياتية تعمل تماما كطائفة. لا توجد دولة مع وجود الطوائف.
السني لن ينقذك بتشكيله لدولة الاغلبية الدينية، والسني لن يفشل بتشكيل دولة المواطنة فهو لم يزعم يوما انه يريدها. لا توجد اسطورة تتحطم، انها حقيقة تتوضح، الانتماء الطائفي معاكس لانتماء المواطنة. اذا اردت دولة تحترم الجميع وتساوي بينهم امام القانون، دولة العقد الاجتماعي، فيجب ان تترك الطائفة كتجمع سياسي. انها فقط مجموعة ثقافية تطالب ببعض الحقوق الثقافية. لا يوجد سني ديمقراطي كما لا يوجد علوي ديمقراطي. لا يمكن ان تكون ديمقراطي الا كمواطن فقط. لذلك فان السني ليس ضمانة شيء ديمقراطي ولا قادر على شيء ديمقراطي الا كونه سني. وكذلك العلوي والمسيحي والكردي. الجولاني ليس رئيس دولة انه امير طائفة وامير حرب. والهجري ليس زعيما سياسيا انه زعيم طائفة وغزال غزال ليس ممثلا سياسيا انه ممثل طائفة ومظلوم عبدي ليس رئيس مؤسسة حوكمة ديمقراطية انه امير حرب اثني.
أحمد نظير أتاسي
————————————
الأقلية اللي لازمها تحالف وعقد مؤتمر ورفع الصوت عالي هي الأقلية الوطنية.
هي الأقلية اللي ما بتقبل رجال الدين كزعماء سياسيين وبدها يرجعوا لممارسة دورهم الديني الروحاني النظيف بعيد عن التغيرات السياسية.
هي الأقلية اللي ما بتقبل جزء من سوريا صغر أم كبر، وأرضها هي باتساع الجغرافية السورية من بحر لجبل لسهل لبادية. هي الأقلية بدها اعتراف رسمي بلغتها الممنوعة رسمياً، اللغة الديمقراطية. بدها اعتراف بتراثها اللي بلش مع الأصوات الوطنية الأولى بعشرينات القرن الماضي لما تشكل وعي وطني سوري.
هي الأقلية اللي ما عندها ميليشيات ورافعة البواريد ضد الأخ السوري وعم تشحن الجماهير. هي الأقلية مع السلم الأهلي وبدها إزالة السلاح المنفلت وحفظه بيد جيش وطني مكوّن من كل أبناء وبنات الوطن، عقيدته وطنية ومهمته حماية التراب السوري ضد أي اعتداء خارجي، وما له شغل بالداخل.
هي الأقلية بدها نصف المجتمع يخرج من الحرملك وينتسب للجيش والأمن العام والشرطة، ويتواجد بالحكومة ومجلس الشعب والجهاز الإداري. ويسوق باصات النقل العام ويفتح مشاريع تجارية. هي الأقلية بدها نساء سوريا عاملات ناشطات حرات باستقلال مادي ومعنوي. هي الأقلية بدها قانون منع للتحرش، وعقوبات رادعة لخطف النساء.
هي الأقلية اللي تعبت من الخطابات السياسية المعلوكة والشعارات البائسة، وبدها خطاب وطني بيعطي كل مواطن ومواطنة الأمان والحقوق بالتساوي.
هي الأقلية اللي بدها إغلاق آخر مخيم وبدء إعادة الإعمار بأسس سليمة قائمة على العدالة، وبدها الأولوية لبناء بيوت للي تدمرت بيوتهم قبل بناء الأبراج.
هي الأقلية بدها تأسيس برنامج تعليمي لأطفالنا ومنح الأولوية لتبديل المناهج عبر لجنة عالية الكفاءة والتعليم. وبدها العمل لإعادة تأهيل طاقم المعلمين وتطوير معارفهم عبر برنامج وطني مبني على خبرات دولية.
هي الأقلية بدها عدالة انتقالية وقضاء سوري مستقل نزيه، وبترفض إعادة تدوير الشركاء في جرائم النظام ضد الشعب. بدها تشوف محاكمات ببث حي مباشر على الإخبارية السورية.
هي الأقلية هي الأقلية الحقيقية بسوريا، واللي حقوقها مهضومة وصوتها مغيّب وآلامها كبيرة وخيبتها أكبر. ما في أقلية بالبلد مظلومة أكتر منها. واللي صار وعم يصير هو مجزرة معنوية بحقها.
عم يقتلونا كل يوم الأكثرية والأقليات بتناحرهم الهادم.
عم يدبحونا ويخونوا الثورة السورية الشريفة.
سارة العظمة
————————————-
في تجاهل التفاصيل جزءاً من السياسة: نقد لنص Moudar Al Debis “مقاربة الأسد لا تزال تحكم البلد“
تتكرر في طروحات محللين ومثقفين، سوريين، ظاهرة التعميم في الأحكام على واقع سوريا، شعباً ودولة، والتي يتم فيها القفز على تفاصيل مهمة يعتبرونها غير ذي بال، حتى لو كان أخذها بالواقع مؤثراً في طبيعة الأحكام الكبرى المطلقة التي يصلون إليها، بدرجةٍ من الاستسهال.. والنص الذي ننفده هنا مثالٌ صارخٌ على ذلك. (المثال هنا هو تجاهل وجود ضباط مجرمين كبار من فلول الأسد في قيادة المجلس العسكري في السويداء.. وهو مثالٌ يتكرر في أكثر من منطقة، ويتجاهل دلالاته المحللون)
فنحن نحترم دعوة السيد مضر الدبس المتكررة.. للعودة إلى “السياسة” في مقاربات الشأن السوري.. لكن ما يقدّمه في نصه الأخير هو النقيض تماماً لمفهوم السياسة كما يعرفها من اشتغل بها، نظرياً وعملياً: تفاصيلُ دقيقة، قراءة متأنية للوقائع، وربط منطقي بين المعطيات والمواقف. أما أن نكتفي بعموميات فضفاضة وأحكام انطباعية تتجاهل حقائق أساسية، فهذا أقرب إلى الخطابة منه إلى السياسة. إن السياسة في جوهرها ليست تعميمات نظرية تتولد عنها تصنيفاتٌ (أدبية).. وإنما هي اشتغالٌ على التفاصيل الدقيقة التي تصنع الواقع وتحدد المواقف.
على سبيل المثال، حين ينظر الكاتب – من عليائه – إلى “مكوّنات” الشعب السوري، فإنه يتعامل معها على مستوى الماكرو، مكتفياً برؤية المشهد العام من مسافة بعيدة، دون أن يكلف نفسه عناء النزول إلى مستوى التفاصيل الدقيقة. هذا النمط من الرؤية، في علم السياسة والاجتماع، هو أشبه بما يُسمى الحكم على الغابة من الجو: تكتفي بأن تراها كتلة خضراء واحدة، فتفترض أنها متجانسة، بينما الحقيقة أن الغابة لا يمكن فهمها إلا إذا مشيت بين أشجارها، وتلمست فروقها في النوع والعمر والوظيفة، واطلعت على تاريخ كل جزء فيها، والدور الذي لعبه، وكيف تطور أو تدهور، ومن تداخل معه أو أثر فيه. هذه التفاصيل ليست ترفاً معرفياً، وإنما هي الأساس لأي حكم علمي ومنهجي على الواقع، وأي تجاهلٍ لها يؤدي إلى اختزال ظاهرةٍ معقّدة في تبسيطٍ مخل، وإلى قراءةٍ سياسية واجتماعية مشوهة، مهما بدت في ظاهرها “شاملة”.
إن كاتبنا الكريم ينظر إلى تلك المكونات من فوق، على طريقة الذي يرى البلد من نافذة الطيارة: يلمح القرى والمدن والجبال والسهول كأشكال وألوان متلاصقة، فيظن أن المشهد متجانس، وقابلٌ للتعميم، بينما الواقع مختلف تماماً. فكما أن كل حارة في دمشق أو حلب أو السويداء لها تاريخها وناسها وطباعها وروابطها، فإن كل “مكوّن” سوري له تاريخه الخاص، ودوره، وتحالفاته، وصراعاته، وخياراته في اللحظات المفصلية. وعلم السياسة والاجتماع يقول إنك لا تستطيع أن تحكم على المشهد العام (الغابة) دون أن تدخل بين تفاصيله (الأشجار)، وتفهم ما هو مثمر، وما هو يابس، وما هو مزروع بجهد الناس، وما هو نبت بري جاء مع الريح. تجاهل هذه التفاصيل ليس فقط تبسيطاً مخلّاً، بل هو دعوة لقراءة مشوهة تُخرج السياسة من جوهرها، وتحولها إلى عبارات عامة لا تمسك بالواقع من عنقه كما يجب.
في هذا الإطار، وبما أن الكاتب يبدو وكأنه وصلَ إلى حكمه المُبرم والنهائي والمطلق، على شعب سوريا ودولتها، بعد أحداث السويداء، فإنه يقفز، مثلاً عن تفصيلٍ مهم، يتكرر في غير منطقةٍ سورية: أن المجلس العسكري في السويداء يضم في قيادته ثمانية من كبار ضباط جيش الأسد المخلوع، خدموا في وحدات عسكرية وأمنية مشهورة بالقمع والتعذيب والقتل، ولهم سجل أسود في مواجهة المدنيين (الأسماء والرتب تحت كما نقلها موقع زمان الوصل، ونعرف أن الدولة على علمٍ بهذه الأسماء وغيرها قبل هذا النشر الأخير) . فهل المطلوب من دولة تحترم نفسها ووحدتها أن تتجاهل وجود هذه البنية المسلحة الموروثة من النظام السابق، وأن تتعامل معها كأنها جسم بريء بلا أجندة ولا تاريخ؟ أي منطق سياسي هذا؟
في منطق السياسة الواقعية، هذه ليست مجرد معلومة ثانوية، وإنما هي أساسٌ لفهم دوافع الدولة وخياراتها في التعامل مع الوضع هناك. فهل المطلوب من أي دولة تحترم سيادتها ووحدتها أن تتجاهل وجود بنية عسكرية وأمنية كهذه، وارتباطاتها التاريخية والسياسية، وتتصرف وكأن الأمر لا يحمل أية دلالات أمنية أو سياسية أو حتى أخلاقية؟ السياسة هنا لا تعني القفز فوق هذه الحقائق، وإنما تعني قراءتها بعمق وربطها بالسياق الأوسع للمخاطر والتحديات التي تواجه البلاد.
إن السياسة ليست “تغليب النوايا الحسنة” على حساب الوقائع، ولا هي ترفٌ فكري نتجاوز فيه المعطيات الميدانية التي تحدد خيارات الدولة. ومن يتجاهل هذه الحقائق يقدّم وصفة مثالية لإعادة إنتاج الفوضى والانقسام، تحت لافتاتٍ عامة تقفز فوق التفاصيل، وماتفرزه من معطيات سياسيةٍ، بامتياز!
واليوم، بينما يضع الكاتب جزءاً واسعاً من الشعب السوري، ومعه الدولة، وأحمد الشرع، في حزمةٍ واحدة، على أساس أنهم ما زالوا أسرى التصنيف الذي هندسه بشار الأسد وأبوه، فإنه لا يفعل ذلك إلا باستعجالٍ واختزالٍ لا يليقان بالتحليل السياسي الرصين. فالتاريخ السياسي والاجتماعي لهذه المكوّنات، ومساراتها المختلفة بعد التحرير، والاختلاف الجوهري في أدوارها ومواقفها، كلها عوامل كفيلة بإسقاط مثل هذا التعميم لو أُخذت بجدية. إن المساواة بين الدولة السورية التي تعمل اليوم وسط ظروف دولية وإقليمية معقدة، وبين سردية طائفية ضيقة فُرضت على البلاد في عهود سابقة، ليست سوى إعادة تدوير لنفس المنطق الذي يُفترض أن الكاتب ينتقده.
أما عندما يتقدم خطوةً أخرى، ويخلطُ الحابل بالنابل، فيضع مظلوم عبدي، والهجري، وغزال غزال، في الحزمة نفسها، وبكل تبسيط واستسهال، فإن الأمر لا ينحصر بالابتعاد عن منطق السياسة، وإنما يتجاوزه إلى مصادرة حقائق الواقع لصالح صورة ذهنية مُعلّبة. هنا، يتجاهل الكاتب تماماً الفوارق الجوهرية في الخلفيات، والتحالفات، والمصالح، والدوافع، بين هذه الشخصيات. كما يغضّ الطرف عن أدوارهم الفعلية، وعن التهديدات التي يمثلها بعضهم على وحدة البلاد، مثل المجلس العسكري في السويداء… وتجاهلُ هذه المعطيات في التحليل السياسي، ليس نقصاً في المعلومات، وإنما اختيارٌ واعٍ لتجاوزها، وهو ما يحوّل أي حديث عن “السياسة” إلى مجرد تمرينٍ لغوي على التعميم، لا يلامس جوهر الواقع ولا أدوات تغييره.
إن جوهر الخلاف مع مقاربة الكاتب ليس في الدعوة إلى السياسة، وإنما في تعريفه لماهية السياسة نفسها. فالسياسة، في معناها العملي، ليست خطاباً عاماً يعيد إنتاج الأحكام الجاهزة، وإنما هي قراءةٌ واعية للتفاصيل التي تشكّل الواقع، مع ربطها بسياقها التاريخي والسياسي والأمني. وحين يتم القفز فوق حقائق موثقة، مثل وجود بنى عسكرية وأمنية موروثة عن النظام السابق، بقيادات متورطة في قمع السوريين، والتعامل معها وكأنها مجرد تفصيل جانبي ليس له أي أهمية.. لاأهمية عملية، سياسية وأمنية، هنا.. ولاأهمية بحثية وعلمية.. فإن هذا لا يخدم الفهم الوطني ولا التحليل السياسي، وإنما يساهم، من حيث يدري الكاتب أو لايدري، في تبييض أخطر التهديدات التي تواجه سوريا الجديدة.
إن السياسة الحقيقية تبدأ من مواجهة هذه الحقائق، لا من تذويبها في تعميمات فضفاضة تُغري بالجدل، لكنها تعجز عن المساهمة في بناء فهمٍ واقعي أو رؤية عملية للمستقبل.
وفيما يلي قائمة الضباط المجرمين من الفلول، والذين يشكلون العمود الفقري لقيادة المجلس العسكري في السويداء:
📌الأسماء المؤكدة:
1. اللواء جاد الله قيصر – قائد طيران متورط بقصف عشرات المدن والبلدات السورية
2. العميد جهاد غوطاني – “الحرس الجمهوري”، شارك في حملات عسكرية بريف دمشق.
3. العميد أسامة زهر الدين – شقيق اللواء عصام زهر الدين، خدم في “الحرس الجمهوري”، متهم بالإشراف على إعدامات ميدانية.
4. العميد عصام سلمان مزهر – طيار حربي في سلاح الجو، نفذ غارات على مناطق مدنية.
5. العميد سامر الشعراني – عمل في سجن صيدنايا، شارك في التعذيب والقتل.
6. العميد شكيب أجود نصر – عينه حكمت الهجري قائداً لقوى الأمن الداخلي في #السويداء، شغل سابقاً منصب رئيس فرع الأمن السياسي في طرطوس، متهم بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات بحق السوريين.
7. العميد أنور عادل رضوان – عينه حكمت الهجري معاوناً لقائد قوى الأمن الداخلي في السويداء، شغل سابقاً منصب مدير أمن منطقة بانياس، متهم بارتكاب انتهاكات بحق السوريين.
8. المقدم يحيى ميا – خدم في معبر نصيبين، متورط في ابتزاز مدنيين.
———————
مقاربة الأسد لا تزال تحكم البلد/ مضر الدبس
لا نزال، نحن السوريين، جميعًا، تحت تأثير الأسد. ولا يزال الأسد يتحكم بكل نقاشاتنا، ومن خلاله تمرُّ جميع مقارباتنا الراهنة، وفهمنا لذواتنا، وللسياسة. وليس في هذه المقاربة أي مبالغة، ولمن يرى أن فيها مبالغة، أرجو أن يتحمَّلني قليلًا، ويُفكِّر في النقاط الآتية:
1) عمل الأسد، منذ البداية، على تصوير الثورة بأنها ثورة الإسلام السني الريفي المتطرف، وروَّج لمصطلح “الإمارة الإسلامية” منذ اللحظة الأولى، وكلنا نعرف أنه كان يكذب، وأنها كانت ثورة شعبٍ أراد الحرية والكرامة، غير أنه مضى بإصرارٍ في الكذب حتى النهاية، وصوَّر للجميع أنه حامٍ للأقليات، وكلنا يعرف أنها كانت أكبر كذبة. واستمرَّ حتى وقعت السياسة السورية في فخ ثنائية الأقليات والأكثرية، وهي ثنائية لم يكن لها وجود في الثورة قبل ذلك. هذه الثنائية هي صناعة الأسد بصورة ممنهجة منذ عقود، وقد تسللت إلى بديهياتنا بخبثٍ عززه غياب النقد والتفكير.
2) ذهب الأسد ونحن نفهم ذواتنا على أنها “سنة وأقليات”، “مظلومون وظالمون”، وتم تصوير التحرير بأنه انتصارٌ للسنة كما كان يراهم الأسد، لا للسنة بوصفها حاضنة تاريخية للمشروع الوطني السوري، عظيمة عريقة كما يراها السوريون، والتي يعني انتصارها انتصار الوطن كله.
3) ظلت الأقليات تفهم نفسها “مكونات”، تحتاج إلى حماية، وساهم خطاب حكومة الشرع، وسلوكه العسكري غير المنضبط والكوارث الناجمة عنه، وغياب السياسة الوطنية عن المشهد العام، في تعزيز هذا الفهم ذي المنشأ الأسدي. وللمفارقة، فإن الشرع يُكمل، من حيث لا يدري، ما أراده الأسد بالضبط: سورية تتكون من سنة، وطوائف أخرى، وليس من شعبٍ سوري تحتضنه ثقافة الأكثرية السنية، وتشكل عموده الفقري، وصمام أمنه، ووحدته.
4) اليوم، الأكثرية في سورية هي التي استسلمت لمقاربة الأسد هذه من خلال العودة إلى الطوائف، والإثنيات والأديان؛ فالسني عاد إلى سنيته، والطوائف عادت إلى مرجعياتها الطائفية، والاثنيات – مثل الأكراد – عادت إلى مقارباتها الأيديولوجية التي تظن، وهمًا، أنها قومية. أما الأقلية الناجية فهي التي نجت من فهم الأسد في أثناء تحديدها لـ “معنى أن أكون سوريًا”، وظلَّت قادرة على التفكير الوطني، وهي تضم أفرادًا من جميع الأديان والطوائف والإثنيات، ويتم اغتيالها سياسيًا ليل نهار.
5) استنادًا إلى النقاط السابقة فحسب، يمكن أن نقول إن في سورية الآن “حكم أكثرية”، لكنها، يا للأسف، ليست الأكثرية السنية، وكنت أتمنى أن تكون كذلك، بل هي الأكثرية التي لم يكتب لها النجاة من مقاربات الأسد في فهم سورية، وهي أكثرية تضمّ من جميع الأديان والطوائف أيضًا.
أخيرًا، سأقول، بضميرٍ مرتاح، أن كلًا من ظاهرة الشرع، وعبدي، والهجري، واليازجي، وغزال، جميعهم ينتمون إلى الأكثرية التي لم يُكتب لها النجاة من فكر الأسد، وهذه الأكثرية هي التي تحكم البلد.
أرجو لهم النجاة، وللأقلية الناجية الصبر والسلوان.
—————————————–
فيما يلي كلام الصديق جوزيف:
بدأت مؤخراً تصدر بعض الاصوات التي تشبِّه دعم الاغلبية الساحقة لنجاح القيادة السورية الذين يدركون خطورة فشلها في هذه المرحلة الانتقالية.. بالمؤيدين بالروح و الدم للنظام المستبد السابق.. و لهؤلاء وجب القول: خسئتم.. فمن ناصر الثورة و لم يتجرد يوماً عن انسانيته على مدى ١٤ عام بالرغم من الضريبة الكبيرة التي دفعها كل حسب موقعه و وضعه.. لن يفقدها اليوم و يتحول الى حيوان شبيه بالمؤيدين الذين دعوا الى قصف كل منطقة و بلدة و مدينة معارضة للنظام المجرم بكل انواع الاسلحة..
و لكي نكون واضحين.. ما حدث بالساحل مؤسف و مؤلم و يتحمله بالكامل من أجج و جند و قاد فصائل مسلحة خارجة عن القانون.. و أدى الى انفلات عشرات الاف المواطنين المنتظرين على احر من جمر الأخذ بالثأر عن مئات آلاف الشهداء من عوائلهم.. بينما كانت القيادة تسعى جاهدة و على مدى الشهور الثلاثة الاولى بعد التحرير قيادة هذا التغيير الجذري بأقل درجات الثأر و الانتقام لمصلحة مستقبل سوريا.. و الاكتفاء بمحاكمة كبار المسؤولين عن جرائم النظام السابق..
و كذلك ما حدث في السويداء يبكي القلب و العين.. و يتحمله بالكامل (من لم يترك للاتفاق مطرح).. و اصر على وصف القيادة السورية الجديدة بالارهابية على مدى ثمانية شهور بالرغم من كل التقدم الذي احرزته بإصلاح علاقات خارجية بقيت متعثرة على مدى حوالي ٥٠ عام..
ما يحدث اليوم من دعوات للحشد و التأجيج و حديث عن ثورة ثانية ستكون لها نتائج كارثية على مستقبل البلد و سيؤدي الى ما لا يحمد عقباه..
اتقوا الله في بلدكم.. بادروا بالخير و قدموا مآخذكم و مطالبكم الى هذه القيادة المنفتحة على كل الاطراف و ساعدوها على النجاح في هذه المرحلة الانتقالية الى حين وضع دستور للبلاد.. فنجاحها هو اقصر طريق لنجاح الجميع.. و السعي الى افشالها لن يؤدي إلا الى جر البلد الى عشرات السنين من الفوضى والمزيد من الانفلات الشعبي الذي لن نستطيع ملامة القيادة عليه ان تكرر لا سمح الله.
جوزيف مكربنة
————————————
فيديو الإعدام في مستشفى السويداء يحيي نقاشات الانتهاكات وضعف المحاسبة/ حسام رستم
12 اغسطس 2025
أعاد مقطع فيديو انتشر أول من أمس، وأظهر إعدام شاب متطوع مع الكادر الطبي في مستشفى السويداء الوطني، تم التعرف إليه بأنه المهندس محمد بحصاص، على أيدي عناصر يرتدون الزي العسكري السوري، وذلك عند دخول قوات الجيش والأمن المدينة منتصف الشهر الماضي، تساؤلات عن أسباب تكرار هذه الانتهاكات وسبل إيقافها ومحاسبة مرتكبيها.
ويُظهر مقطع الفيديو، الذي التقطته كاميرات المراقبة في مستشفى السويداء الوطني، احتجاز المسلحين عاملين فيه في 16 يوليو/ تموز الماضي، وإطلاق النار على الشاب بعد تعرضه لاعتداء من أحد العناصر ثم دفاعه عن نفسه لينشب عراك بينه وبين العناصر الأمنية قبل تحييده على الأرض، ثم إعدامه ميدانياً، وجر جثته بعيداً عن الطاقم المحتجز. وعبّرت وزارة الداخلية السورية، في بيان على منصة تليغرام أمس الاثنين، عن إدانتها واستنكارها للحادثة، مشيرة إلى أن “سيتم محاسبة الفاعلين وتحويلهم إلى القضاء لينالوا جزاءهم العادل، بغض النظر عن انتماءاتهم”. وقالت إنه بتوجيه من وزير الداخلية أنس خطاب، كُلف اللواء عبد القادر الطحان، المعاون للشؤون الأمنية، بالإشراف المباشر على مجريات التحقيق لضمان الوصول إلى الجناة وتوقيفهم بأسرع وقت ممكن.
فيديو مستشفى السويداء
ورغم هذا الإعلان شكك سوريون بتحقيق العدالة، مستندين في رأيهم إلى تجاوزات حصلت خلال الفترة الماضية، بعضها مصورة على يد قوى أمنية دون أن يعلن عن اعتقال الفاعلين ومحاسبتهم. وقال مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، لـ”العربي الجديد”، إن عملية القتل التي ظهرت في الفيديو “مدانة دون أي تبرير”. وأضاف: “من غير المقبول القول إن بعض العناصر انتقموا لأصدقاء لهم قتلتهم مجموعات تابعة لـ(أحد زعماء الطائفة الدرزية في سورية حكمت) الهجري”. وشدد على أن على الحكومة السورية التحرك، ويجب على وزارة الداخلية تسليم القاتل إلى النائب العام ومحاسبته فوراً، كما يجب فتح تحقيق موسع من قبل لجنة التحقيق الدولية التي تعمل في سورية، والتي أنشأها مجلس حقوق الإنسان، وأن تحقق في كل الانتهاكات التي ارتكبتها جميع الأطراف، سواء كانت من عناصر الأمن الداخلي أو مجلس السويداء العسكري أو المسلحين من البدو والعشائر.
لا قبول للجنة التحقيق
وبين عبد الغني أن لجنة التحقيق الوطنية المشكلة للتحقيق في السويداء “لا تحظى بالقبول والموثوقية من قبل أهالي السويداء. وهذا الرفض المجتمعي الكاسح لها في السويداء، لا يُمكنها من العمل”. ودعا الحكومة للطلب رسمياً من لجنة التحقيق الأممية الدخول إلى السويداء والقيام بتحقيقاتها والتحرك لاعتقال مطلق النار ومحاسبته. ولفت إلى أن الفيديو “الذي سرب، والذي يظهر عنصراً من الأمن الداخلي التابع لوزارة الداخلية يقتل أحد الأشخاص يرتدي زي الكادر الطبي جزء من تسجيلات طويلة لما وقع في مستشفى السويداء الوطني، والجهة المسيطرة عليه، وهي مجلس السويداء العسكري بقيادة الهجري، هي من تتحكم بنشر ما يناسبها من هذه المقاطع”. وأكد أن كاميرات المراقبة سجلت قدراً كبيراً من الانتهاكات والمطلوب الحصول على كل المقاطع المصورة وليس مقاطع معينة فقط. وأضاف أن هناك مؤشرات على عمليات قتل قام بها “مجلس السويداء العسكري”، لا سيما أن هناك جثثاً لمدنيين من البدو وعناصر أمنية أيضاً. ولفت إلى أن القوى المسيطرة في السويداء عبثت بمسرح الجريمة من خلال إزالة الجثث ودفنها دون أي توثيق أو تصوير، أو أخذ عينات، ودون وجود أي جهة مختصة، وهو ما يقوض جهود التحقيق.
وفي 17 يوليو الماضي، أعلنت وزارة الصحة السورية العثور على عشرات الجثث لمدنيين وعناصر أمن داخل المستشفى، وذلك بعد انسحاب ما وصفته بـ”المجموعات الخارجة عن القانون” منه. ولاحقاً، سيطرت فصائل محلية في السويداء على المستشفى. في المقابل، قالت صفحة “السويداء 24” يومها إن الجثث التي عُثر عليها في مستشفى السويداء هي لعناصر من وزارتي الأمن والدفاع لم يكن من الممكن نقلها إلى مستشفيات درعا، متهمة الأمن العام باقتحام المستشفى في 15 يوليو الماضي وإحضار عناصر الأمن الجرحى للعلاج فيه. ودفنت أكثر من 80 جثة مجهولة الهوية في مقابر جماعية بمكان لم يُعلن عنه في 23 الشهر الماضي. وكانت الجثث موجودة في مستشفى السويداء الوطني، وقد دُفنت من دون أي تحقيق رسمي أو إشراف من أي جهة قضائية أو حقوقية.
من جهته، قال الصحافي المتحدر من السويداء نورس عزيز، لـ”العربي الجديد”، إن فيديو الإعدام في المستشفى كان ضمن مئات الفيديوهات التي وثقت جرائم ضد الإنسانية قامت فيها قوات منضوية تحت مظلة حكومية داخل قرى ومدينة السويداء وبتوجيه من “قيادات متشددة”. وأكد أن عشرات الفيديوهات انتشرت لمقاتلين ينتمون لوزارة الدفاع يحملون مقصات ويرتكبون انتهاكات بحق الأهالي. وتساءل: “الحكومة التي شكلت لجنة تحقيق هي نفسها المتهم، فكيف يقوم المتهم بالجناية بلعب دور القاضي أو المحقق؟”. وتابع: “لا يوجد في مجتمع السويداء أي ثقة أو اعتراف بالحكومة، ولا أي شيء يصدر عنها، ولن يُسمح لها بدخول السويداء بحسب ما فهمته من عدة مصادر على الأرض”. ورأى أن السبيل لتحقيق العدالة هو وجود لجنة دولية مستقلة تماماً، ولا يوجد فيها أي ممثل عن الحكومة أو ممثل عن السويداء وأن تكون مستقلة وتستطيع فعلاً الوصول لتوثيق كل الجرائم وتحدد المسؤول الحقيقي عنها.
وحول آليات تحقيق العدالة وسبل وقف الانتهاكات في سورية، قال المحامي غزوان قرنفل، لـ”العربي الجديد”، إن الحكومة السورية “لم تظهر جديتها، ويبدو أنها لا تملك القدرة والإرادة لمحاسبة مرتكبي الجرائم والانتهاكات”. وقال: “هل حاسبت الحكومة أحداً ممن ارتكبوا جرائم في الساحل؟”. ورأى أن الحكومة الحالية لن تسمح بأي لجنة تحقيق سوى لجنتها، لأن سقفها منخفض، ولا تجرؤ على كشف الأمور كما هي في الواقع. وكانت وزارة العدل السورية شكلت، بداية الشهر الحالي، لجنة للتحقيق في أحداث السويداء الأخيرة، وذلك بعد 10 أيام من تسليم لجنة التحقيق الخاصة بأحداث الساحل تقريرها للرئيس أحمد الشرع. وحددت وزارة العدل، في قرارها، مهام لجنة التحقيق في أحداث السويداء الأخيرة، “بكشف الظروف والملابسات التي أدت إلى الأحداث، والتحقيق في الاعتداءات والانتهاكات التي تعرض لها المواطنون، وإحالة من يثبت مشاركته في الاعتداءات والانتهاكات إلى القضاء”.
ضرورة ملحة للمحاسبة
ورأى الخبير القانوني السوري أحمد حاج خليل، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن اعلان الحكومة المتكرر عن لجان تحقيق في كل حادثة تنتشر دون رؤية الناس لمحاسبة حقيقية وعزل قيادات أمنية مسؤولة يضعف ثقة السوريين بهذه الإجراءات ويجعلها تتكرر. وأكد أن الانتهاكات لا تتعلق بالأجهزة الأمنية فقط، فهناك مسلحون في السويداء من مختلف الأطراف ارتكبوا أيضاً انتهاكات واسعة ولا ينبغي للرأي العام التوقف فقط على ما جرى تصويره. ورأى أن هناك ضرورة ملحة لتفعيل المحاسبة من أي شخص يرتكب انتهاكات وعلى الحكومة أن تتحمل مسؤولياتها في هذا الأمر، وأن تدرب قواتها على الالتزام بحقوق الإنسان، وتفصل وتعاقب كل مسيء، مشدداً على ضرورة ضمان حيادية القضاء وعدم تسييسه في مثل هذه القضايا.
وكانت وزارة الداخلية السورية دانت في بيان في 22 يوليو الماضي، ما أظهرته تسجيلات متداولة لتنفيذ إعدامات ميدانية خلال أحداث السويداء، من أشخاص وصفتهم بمجهولي الهوية. واعتبرت أن هذه الأفعال تمثّل “جرائم خطيرة يُعاقب عليها القانون أشد العقوبات”. ومن جانبها، قالت وزارة الدفاع، في بيان، إنها تابعت تقارير حول انتهاكات “صادمة وجسيمة ارتكبتها مجموعة غير معروفة ترتدي الزي العسكري”. وتعهدت باتخاذ “أقصى العقوبات بحق الأفراد المرتكبين للانتهاكات في مدينة السويداء، بعد التعرف إليهم، حتى لو كانوا منتسبين إلى تشكيلات الدفاع”.
وكانت قد انتشرت مقاطع مصورة تداولها نشطاء، تظهر عمليات إعدام ميدانية بحق أشخاص غير مسلحين من جانب أشخاص يشتبه بانتمائهم لقوات الحكومة السورية أو مجموعات عشائرية موالية. وبدأت أحداث السويداء الدامية بعمليات اختطاف متبادلة بين فصائل محلية في السويداء وعشائر من البدو، ما دفع القوات الحكومية للتدخل في 14 يوليو الماضي، والتي تصدت لها الفصائل المحلية بعد ورود أنباء عن انتهاكات من قبل القوات الحكومية. وبحسب تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فقد أسفرت هذه الأحداث عن “مقتل 1013 سورياً، من مدنيين وعسكريين من مختلف الأطراف”.
—————————-
“الشبكة السورية”: دفن جثث مستشفى السويداء دون توثيق يهدد بطمس الأدلة وإخفاء هوية القتلة/ محمد كركص
22 يوليو 2025 هارالملخصicon
أعادت مشاهد الجثث التي عُثر عليها داخل مستشفى السويداء الوطني، بعد أيام من انتهاء الاشتباكات بين فصائل محلية وعشائر البدو، الجدل حول الجهة المسؤولة عن عمليات التصفية والدفن غير الموثّق، وسط اتهامات صريحة لمليشيات تابعة للشيخ حكمت الهجري بارتكاب مجزرة داخل المستشفى. التقرير الصادر عن منصة “إيكاد” للتحقيقات، والذي استند إلى تقنيات استخبارات المصادر المفتوحة، كشف تسلسلاً زمنياً يربط بين محاصرة المستشفى من قبل الفصائل المسلحة واقتحامه، وصولاً إلى تصفية من كان بداخله، ثم استعادة قوات الحكومية السورية السيطرة على المبنى واكتشاف الجثث.
وسط هذه التطورات، حذّرت منظمات حقوقية من طمس الأدلة، واعتبرت أن ما جرى لا يمكن التعامل معه باعتباره حادثاً عابراً، بل جريمة يجب أن تُوثّق وفق المعايير الجنائية الدولية.
وفي السياق، قال مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، في حديث لـ”العربي الجديد”: “في الحقيقة، مستشفى السويداء تحوّل إلى ساحة جريمة، وبالتالي، هذه الجثث الموجودة فيه نعم تُدفن، ولكن يجب أن تُوثّق بشكل احترافي ودقيق جداً، وتُصوَّر، ويكون هناك توثيق لها، من حيث أماكن الدفن وكل التفاصيل، لأنه يجب أن تُصوَّر من جهات مختلفة، ومكان وجودها، وما كانت ترتديه، والفيديو والصور من الجهات الأربع، كل واحدة منها، مع الوجه. يعني هناك معايير، لأنها ليست وفيات طبيعية، بل عمليات قتل. فكان من المفترض أن تجري الاستعانة بمؤسسات حقوقية، محلية أو دولية، للقيام بهذا الأمر”.
وأضاف عبد الغني: “وبالتالي، إذا لم يجر التعامل مع مسارح الجريمة بطريقة مدروسة وحساسة، فهذا يعني أن هناك تخوفاً من أن يؤدي ذلك إلى طمس مسارح الجريمة، وهوية الجثث، ومن قام بذلك، وما إلى ذلك من تفاصيل. ولهذا، كان يجب أن يؤخذ هذا الوضع بعين الاعتبار من قبل المجلس العسكري السويدي، باعتباره الجهة التي سيطرت على المستشفى. ولكن، يبدو أن هذا الأمر لم يجر بالطريقة الصحيحة، وبالتالي، نحن نعتقد أن ما حصل يُعد انتهاكاً لمسرح الجريمة، إذ لم يُنفذ بالطريقة التي تحدّثت عنها”.
وكشف تقرير نشرته منصة “إيكاد” للتحقيقات، الأحد، عن تورط فصائل تابعة للشيخ حكمت الهجري في ارتكاب مجزرة داخل مستشفى السويداء الوطني، وذلك باستخدام تقنيات “استخبارات المصادر المفتوحة”. ووفقاً للأدلة التي جمعتها المنصة وجرى تحليلها زمنياً، فإن الفصائل المحسوبة على الهجري قامت بمحاصرة المستشفى الذي كان يضم -بحسب تصريحات صادرة عنها- عناصر من الجيش السوري والأمن العام، قبل أن تقتحمه وتسيطر عليه، معلنة لاحقاً تصفية من كان بداخله. وفي وقت لاحق، استعادت قوات الحكومة السورية السيطرة على المستشفى، لتتكشف معها تفاصيل المجزرة والجثث التي وُجدت داخل المبنى، والتي تضمنت مدنيين، إضافة إلى عناصر من الأمن والجيش.
من جانبه، تحدث الحقوقي عاصم الزعبي لـ”العربي الجديد” عن الإجراءات القانونية الواجبة لإجراء عملية دفن الجثث في مستشفى السويداء الوطني، موضحاً أنه “بالنسبة لما جرى في مستشفى السويداء الوطني، يمكن تقسيم الأمر إلى مرحلتين: الأولى: كان المستشفى يوجد فيه أسرى من البدو والأمن العام، وجرى قتلهم من قبل مليشيا الهجري قبل انسحابهم من المستشفى، وقبل دخول العشائر. أما الثانية: فكانت لاحقاً، حيث وُجدت جثث خارج المستشفى وداخله، وجرى اتهام العشائر والحكومة بقتلهم”.
وأضاف الزعبي: “أي عمليات قتل خارج نطاق القانون، حتى لو كانت ضمن حالة اشتباكات مسلحة، لا بد من الكشف عن الجثث من قبل الحكومة عبر أطباء شرعيين، أو من قبل منظمات مختصة معترف بها دولياً أو محلياً، تقوم بالكشف عن الجثث، وتوثيق سبب وفاة كل شخص، ومكان الإصابة، وهل الإصابة أدت إلى الوفاة، وتحديد ساعة الوفاة، وغير ذلك من النقاط المعتمدة في الطب الشرعي”.
وأكد الزعبي أن دفن جثث القتلى في مستشفى السويداء لم يُراعَ فيه هذه الأمور، لافتاً إلى وجود احتمالين لذلك، وقال: “إما أن الجثث بدأت بالتفسخ ولا توجد طواقم مختصة، وبالفعل كانت مليشيا الهجري قد منعت وزير الصحة والدفاع المدني والوفد الطبي من الدخول للاطلاع عليها، وجرى دفنها منعاً لانتشار الأوبئة، وهذه جريمة بمنع جهة طبية من ممارسة عملها، أو أن مليشيا الهجري تريد إخفاء جرائم قامت بارتكابها، خاصة مع وجود عدد كبير من المفقودين، من أبناء السويداء الدروز، والبدو، ومقاتلي العشائر”.
—————————————
“أولي البأس” تنظيم جديد في الجنوب السوري… بلا بأس/ مصطفى رستم
ظهر بعد شهر على انهيار النظام السابق باسم “جبهة تحرير الجنوب” ولم ينفذ أية عملية ضد القوات الإسرائيلية ومراقبون يربطونه بإيران
الثلاثاء 12 أغسطس 2025
أتى خطاب قائد التنظيم، الذي أطل بطريقة تشبه إلى حد كبير إطلالات أبو عبيدة الناطق الرسمي للمقاومة الإسلامية في غزة، بعد مضي أشهر على إعلان تأسيس الجبهة، وجاءت كلمته عبر تسجيل مصور أطل به خلال الأول من أغسطس الجاري وهو تاريخ يربطه مراقبون بذكرى عيد الجيش العربي السوري في عهد النظام السابق، وهي الذكرى الـ80 لتأسيس الجيش.
تتسع دائرة النار في جنوب سوريا خلال وقت تعيش مدينة السويداء حصاراً خانقاً بعد معارك عنيفة وقعت أخيراً بين قوات الأمن العام وفصائل محلية، لم تتوقف على إثرها التهديدات الإسرائيلية مصحوبة بالتوغل داخل الأراضي السورية الحدودية، ووسط فوضى عارمة وعدم استقرار، ظهر تنظيم مسلح جديد أطلق على نفسه “الجبهة الإسلامية للمقاومة” (أولي البأس) زاعماً وقوفه ضد مطامع إسرائيل.
التنظيم الوليد حديثاً يكتنفه الغموض والسرية، لكنه بدا واضحاً منذ انطلاقته اقترابه من الخط الإيراني. وأعلن خلال الفترة القصيرة منذ تأسيسه عن سلسلة من الاشتباكات بغية صد القوات الإسرائيلية، في حين يعد متخصصون في الشأن السوري هذه الاشتباكات لا تتعدى “تسجيل حضور” علني، فهي لا ترقى حتى لتكون مناوشات وليست عملية عسكرية مكتملة.
وظهر “أولي البأس” بعد انهيار النظام السابق بشهر تقريباً حاملاً اسم “جبهة تحرير الجنوب”، وأصدرت المجموعة بيانها الأول الذي أنذرت فيه القوات الإسرائيلية المتوغلة بالانسحاب من الجنوب السوري خلال مدة 48 ساعة وفي حال عدم رضوخها فعليها المواجهة العسكرية، لكن خلال الـ11 من يناير (كانون الثاني) الماضي تغير الاسم، وبات يعرف بجبهة المقاومة الإسلامية في سوريا.
التعبئة في الجنوب
في الأثناء وبعد مرور أشهر من تأسيس الفصيل المسلح أطل القائد العام لتنظيم “أولي البأس”، رضا الحسين بصورة علنية وأعلن خلال وقت سابق عن إطلاق نداء التعبئة موجهاً خطابه إلى المجاهدين والأحرار وضباط الجيش السوري وعناصره، وذلك لمواجهة ما وصفه بـ”قوى الاحتلال المختلفة”.
وأتى خطاب قائد التنظيم الذي أطل بطريقة تشبه إلى حد كبير إطلالات أبو عبيدة الناطق الرسمي للمقاومة الإسلامية في غزة، ملثماً من دون أن يكشف عن هويته الحقيقية، في أول ظهور علني بعد مضي أشهر على إعلان تأسيس الجبهة، وجاءت كلمته عبر تسجيل مصور أطل به خلال الأول من أغسطس (آب) الجاري وهو تاريخ يربطه مراقبون بذكرى عيد الجيش العربي السوري في عهد النظام السابق، وهي الذكرى الـ80 لتأسيس الجيش.
في المقابل، تواصل تل أبيب تدخلها في الشأن السوري سواء بملف الدروز في السويداء، أو بالتوغل بقرى درعا والقنيطرة، كان آخرها يوم أمس السبت، إذ أفاد شهود عيان بنصب عناصر الجيش الإسرائيلي لحواجز تفتيش في قرى القنيطرة بعد دخول 10 آليات دفع رباعي تقل جنوداً إلى تل أحمر باتجاه طريق بريقة-كودنة، ورتل آخر باتجاه قرية رويحينة، بينما تعرضت قافلة مساعدات تتبع لمنظمة الهلال الأحمر العربي السوري لإطلاق نار مباشر.
وخلال الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024 بعد سقوط نظام بشار الأسد توغلت إسرائيل في الجنوب، وكثفت من الغارات الجوية التي استهدفت ما نسبته 80 في المئة من القدرات الاستراتيجية العسكرية للجيش السوري، وأتت الغارات على أبرز المقار المقاتلة.
ولعل التوغل الحاصل أفضى إلى انهيار اتفاق فصل القوات أو ما يسمى (فض الاشتباك) الموقع بين البلدين برعاية أممية خلال الـ31 من مايو (أيار) 1974، بعد انتهاء حرب السادس من أكتوبر (تشرين الأول) 1973، إذ استعاد خلالها الجيش السوري محافظة القنيطرة التي تعد جزءاً من هضبة الجولان التي احتلها الجيش الإسرائيلي خلال حرب 1967، أو ما تسمى نكسة يونيو (حزيران).
القوة على الأرض
ومع ذلك يقارن مراقبون أسلوب تجهيز “أولي البأس” بطريقة عمل “طوفان الأقصى”، والتي تتماشى مع عقيدة المقاومة جنوب لبنان وتعتمد على السرية المطلقة في العمل والتنظيم عبر اختيار شبكة من المواقع المحصنة والعمليات الخاطفة، إذ يكتسب العدد المحدد والصغير مرونة أكبر في العمليات التكتيكية واتباع أسلوب التخفي.
يقول العميد والمتخصص في الشؤون الأمنية والعسكرية أحمد حمادة لـ”اندبندنت عربية” إن “تلك المجموعة ليس لها مستقبل في الجنوب السوري، لأن الناس علموا أن البروباغندا الإيرانية والمجموعات المتصلة بها كاذبة ولا يهمها تحريراً أو مقاومة، ولا يتعدى الأمر مجرد استفادة إعلامية من التنظيم، على رغم أن الوثائق تدل على أن ’أولي البأس‘ لم تعمل على عملية نوعية إلى الآن ولا يوجد تصوير واقعي وحقيقي قامت به هذه المجموعات في مقاومتها”.
ويتوقع العميد حمادة تبعية التنظيم لإيران من خلال الشعارات التي يطلقها، وهي ضمن استراتيجية إيران و”حزب الله” والشعارات والتحالفات مع درع الساحل، وتشابه أسلوب المقاومة الذي لا يختلف عن “حزب الله” وتنظيمات أخرى مشابهة مثل (فاطميون وزينبيون).
يحذر حمادة من أن “سياسة تل أبيب العدوانية في سوريا قد تغري بعض الشبان للاندماج مع هذه المجموعة، التي إذا كانت حقيقية وموجودة ستعمل على استغلال حاجة الناس، واستغلال ما يسمى المقاومة والممانعة والشعارات التي تصدرها إيران والحرس الثوري”.
في المقابل، نقلت مجلة “نيويورك” الأميركية عن الجبهة نفيها المطلق لارتباطها مع أي محور، واكتفى قادة التنظيم بتأكيد كون “أولي البأس”، “تتصدى لإسرائيل ومحور الشر الأميركي، وأنها ضد مختلف الاحتلالات بما فيه الإسرائيلي والتركي”.
من الشمال إلى الجنوب
في غضون ذلك أعلنت جبهة المقاومة الإسلامية عبر القائد العام رضا الحسين الملقب أبو جهاد عن شراكة مع الجبهة الشعبية لتحرير لواء إسكندرون، بقيادة الأمين العام للجبهة علي كيالي المعروف باسم “معراج أورال”، وهذه الشراكة من شأنها الانتقال إلى إطلاق مرحلة جديدة من التنسيق بين الطرفين وفتح النار بتوقيت واحد داخل الشمال والجنوب السوري.
وعدت القيادتان أن هذه المرحلة ليست مجرد تنسيق ميداني، بل وحدة مصيرية تتجاوز الحسابات المحلية والإقليمية، وجاء ضمن بيان مشترك “نهدف إلى تشكيل جبهة صلبة لا تخترقها المؤامرات ولا تفتتها التهديدات”.
وعلى رغم عدم تسجيل عمليات عسكرية نوعية ضد القوات الإسرائيلية، فإن التنظيم نعى أربعة من مقاتليه أثناء اشتباكات بينهم وقوة من الجيش الإسرائيلي، وأهالي بلدة كويا في ريف درعا.
ولفت النظر الناشط الحقوقي والسياسي أحمد الحوراني ضمن حديث خاص إلى أن “أولي البأس” لم تنجح إلى اليوم، وبعد مرور أكثر من ثمانية أشهر على ولادتها، بالتأثير في الشارع السوري أو استقطابه، فلا عمليات جديدة ومتجددة على الأرض، ولا حتى أي فعل يترك تأثيراً أو تغييراً”.
وأضاف “مهما نفى التنظيم علاقته وارتباطه بالحرس الثوري أو ’حزب الله‘ فإن الشكل، كالشعار والمضمون، يؤكد هذه التبعية لا سيما أن معظم التابعين له من الجيش السوري السابق”.
ويعتقد الناشط الحوراني أن “الإعلان المتكرر للعمليات ناحية دعائية هدفها إيصال رسالة عن حضور أولي البأس، وورقة سياسية بيد إيران، وليس مستبعداً أن ينفذ التنظيم عمليات واسعة النطاق لقلب هذا المفهوم عنه بأنه تنظيم مسلح شبحي لا وجود له، لإحراج الدولة السورية من جهة، ولكسب الشارع المستاء من التوغل الحاصل على حدوده”.
في هذا الوقت تتمسك حكومة دمشق بموقفها اتجاه الجوار، ولم تعلن موقفها حيال التنظيم المقاوم “أولي البأس” وكأنها “لا تراه”، وسط أحاديث تدور عن سلام تاريخي بين دمشق وتل أبيب برعاية أميركية يسبقها ترتيب البيت الداخلي السوري.
————————–
الأردن وسوريا الجديدة: ديبلوماسية الجغرافيا وهندسة التوازنات الإقليمية/ رامي شفيق
اجتماع عمان يبحث مستجدات الأوضاع في سوريا
2025-08-12
تفرض معادلات الجغرافيا والتاريخ أدوارًا محورية في رسم ملامح السياسة الخارجية لأي دولة، إذ تحدد محاور حركتها وخياراتها في محيطها الاستراتيجي. ويتجلى ذلك بوضوح عند التدقيق في مسارات السياسة الأردنية تجاه الجارة الاستراتيجية سوريا، سواء خلال عهد الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد أو في ظل الإدارة الحالية برئاسة أحمد الشرع.
ومن هذا المنطلق، تبدو الجهود التي تبذلها وزارة الخارجية الأردنية تجاه جارته الشمالية سوريا، ومساعيها لتثبيت الاستقرار السياسي هناك، منسجمة مع منطق المصالح الاستراتيجية ومتطلبات الأمن الإقليمي.
وفي هذا السياق، تستضيف وزارة الخارجية والمغتربين في الأردن، اليوم الثلاثاء، اجتماعًا أردنيًا–سوريًا–أميركيًا مشتركًا خُصص لبحث مستجدات الأوضاع في سوريا.
ويحضر اللقاء كلّ من وزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد الشيباني، والمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس بارِاك، إلى جانب ممثلين عن المؤسسات المعنية في الدول الثلاث.
ويأتي هذا الاجتماع استكمالًا للمباحثات التي احتضنتها عمّان في 19 تموز/يوليو 2025، والتي ركزت على تثبيت وقف إطلاق النار في محافظة السويداء جنوب سوريا، وبحث سبل معالجة الأزمة هناك.
ويجري نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية وشؤون المغتربين أيمن الصفدي محادثات ثنائية مع كل من الشيباني وبارِك، لبحث مسارات الحل والتنسيق المشترك بحسب بيان الخارجية الأردنية.
إلى ذلك، يحمل الاجتماع دلالات أبعد من كونه لقاءً ديبلوماسيًا، إذ يعكس إدراك عمّان لمهامها المركزية كجسر تواصل بين الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة في الملف السوري. فالأردن، بحكم موقعه الجغرافي على تماس مباشر مع الجنوب السوري، يدرك أن أي اضطراب أمني في السويداء أو المناطق المحاذية قد ينعكس مباشرة على أمنه الداخلي وحدوده الشمالية. كما أن إشراك واشنطن في هذه الصيغة الثلاثية يشير إلى محاولة إعادة ضبط التوازنات الميدانية والسياسية في الجنوب، وضبط تحركات الفاعلين.
وتتنامى دلالات هذه التحركات على خلفية ارتفاع منسوب التنافس، وللدقة الصراع، بين تركيا وإسرائيل، على خلفية الحرب الإسرائيلية–الإيرانية وتداعياتها على الساحة السورية. الأمر الذي يؤشر إلى أن الجغرافيا السورية عمومًا، ومناطق الجنوب السوري تحديدًا، تظل جزءًا من معادلة إقليمية أوسع تتقاطع فيها مصالح أنقرة وتل أبيب، كما تتقاطع فيها مسارات التنافس والصراع.
إذًا، بالنسبة للأردن، فإن جهود السياسة الخارجية تجاه سوريا الجديدة تشكل، في ذهنية عمّان، جدارية صلبة لا تهدف فقط إلى تثبيت الأمن الحدودي، بل أيضًا إلى منع توسع رقعة الصراعات الإقليمية على حساب استقرار الجنوب السوري، بما يحافظ على التوازنات القائمة ويحمي عمّان من تداعيات مباشرة.
“قضايا عديدة”
وفي هذا السياق، يقول الكاتب السوري زياد الريس: “للأردن أثر إيجابي كبير على الشأن السوري، سواء في ما يتعلق بالسياسة الداخلية أو الخارجية”.
ويبيّن الريس في حديثه لـ”963+” أن الأردن وسوريا يتشاركان في قضايا عديدة، على رأسها موضوع التدخل الإسرائيلي.
ويلفت إلى أن التدخل الإسرائيلي في سوريا لا يقتصر أثره على الداخل السوري، بل يطال الأردن أيضاً، إذ قامت إسرائيل بالسيطرة على موارد المياه، بما فيها مياه نهر الأردن، ما أدى إلى الاستحواذ على الحصص المائية السورية والأردنية.
ويضيف أن التدخل الإسرائيلي في الجنوب السوري يثير القلق لدى الطرفين، نظراً لوجود حدود مشتركة وطبيعة اجتماعية متقاربة، حيث إن الأردن هو الأقرب لسوريا في كل شيء، سواء من حيث التركيبة العشائرية أو القومية أو الإثنية، وهذه جميعها عوامل مشتركة بين البلدين.
ويشدد الريس على أن السلطة الجديدة في دمشق “تفتقر إلى المؤسسات والخبرة التاريخية والمعرفة الكافية بالمنطقة، مما يجعل الاستعانة بالأشقاء الأردنيين أمراً مؤكداً، لكون المؤسسات الأردنية مؤسسات فاعلة ومهنية وحرفية، وقادرة على تقديم المشورة في مختلف شؤون العلاقات الإقليمية، ليس فقط على صعيد العلاقات الثنائية”.
ويوضح أن سوريا اليوم بحاجة إلى بناء الثقة بين المكوّنات الداخلية والسلطة، وهذه الثقة تحتاج إلى “ضامن يحظى بقبول واسع لدى جميع فئات الشعب السوري. وهنا، تأتي المملكة الأردنية الهاشمية كأكثر دولة مقبولة شعبياً، لما تتمتع به من رصيد كبير من الحب والاحترام والمصداقية، فضلاً عن المصالح المشتركة التي تجمع البلدين”.
وينوّه إلى أن الأردن لعب دوراً إيجابياً في التحركات الديبلوماسية والسياسية الدولية الرامية إلى وقف الاعتداءات الإسرائيلية والحد من الانتهاكات، رغم وجود أطراف أخرى فاعلة مثل الولايات المتحدة وتركيا، إلا أن الجهد الأساسي كان يقوده الأشقاء في الأردن.
كما يؤكّد أن السلطة السورية “تعوّل كثيراً على الدور الأردني البارز في المنطقة، سياسياً واقتصادياً”، لافتاً إلى أن الدعم العربي، وخصوصاً من السعودية والإمارات ودول الخليج، يصل غالباً عبر الأردن.
ويضيف الكاتب السوري، أن سوريا، وهي مقبلة على مرحلة إعادة الإعمار، تحتاج إلى بوابة اقتصادية، والأردن يمثل تلك البوابة، إذ إن معظم الشركات العالمية والمنظمات الدولية التي قد تسهم في الإعمار تحتاج إلى التنسيق مع السلطات الأردنية، وإلى مقرات لها في الأردن بحكم قرب المسافة مع دمشق التي لا تتجاوز 110 كم.
ويشير إلى أن البنية التحتية في سوريا غير مهيأة حالياً لاستقبال الاستثمارات أو التعامل المصرفي العالمي، الأمر الذي يجعل الأردن البوابة الاقتصادية الرئيسية، كما أنه يشكل منفذاً رئيسياً للصادرات السورية الصناعية والزراعية نحو أسواق الخليج ومصر.
ويختتم الريس بالتأكيد على أن تعزيز العلاقات بين البلدين وتشكيل مجلس أعلى مشترك يرأسه وزير الخارجية من كلا الطرفين، “يعكس توجهاً واضحاً نحو إضفاء طابع مميز على هذه العلاقة الأخوية، والاعتماد المستمر على الدور الأردني”.
أجندات واضحة
ومن جانبه، يقول وزير الإعلام الأردني الأسبق سميح المعايطة إن الأردن لا يسعى إلى أي نفوذ في سوريا، سواء من خلال التأثير على سياستها الخارجية أو عبر نفوذ جغرافي أو سياسي.
ويوضح المعايطة في تصريحات لـ”963+” أن للأردن أجندة واضحة تسير في مسارين رئيسيين: “الأول: خدمة الدولة السورية ومساعدتها على تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي، ودعمها في مواجهة التحديات الداخلية قدر الإمكان، إضافةً إلى تقديم العون الإداري والفني والاستشاري بمختلف أشكاله، للمساهمة في إعادة بناء الدولة السورية بعد الأزمات والحروب التي عانت منها خلال العقود الماضية”.
بينما المسار الثاني “يستقر نحو حماية المصلحة الأردنية، سيما ما يتعلق باستقرار الحدود الأردنية-السورية، من خلال التخلص من وجود الميليشيات، والقضاء على أي أثر لعمليات تهريب المخدرات أو العصابات المرتبطة بها، ومنع أي محاولات لاستغلال الحدود بما يضر بأمن الأردن واستقراره”.
ويشير المعايطة إلى أن الملفات التي يعمل الأردن عليها مع الجانب السوري تشمل: “ملف رفع العقوبات، حيث كان للأردن منذ البداية جهد واضح في هذا المجال مع الدول الأوروبية والإدارة الأميركية. ملف الجنوب السوري ومدينة السويداء، بجميع تفاصيله السياسية والأمنية. وكذا الملف الاقتصادي، وخاصة في إطار العلاقات الثنائية، بما يتضمن تقديم أي دعم من شأنه مساعدة سوريا على تحقيق الاستقرار”.
كما يشدد على أن الأردن يرى في استقرار سوريا السياسي ضماناً لبقاء الدولة السورية موحدة، وبعيدة عن مخاطر الانفصال أو الانقسام، وهي مخاطر يعارضها الأردن بشكل كامل.
ويؤكد المعايطة في ختام حديثه أن “السياسات الخارجية لكلٍّ من الأردن والنظام الجديد في سوريا اليوم ليست متباعدة، بل هناك انسجام عالٍ في المسارات، سواء على مستوى العلاقات العربية أو الدولية، إذ لا توجد تناقضات في المواقف، والأردن يتحرك بدافع خدمة الدولة السورية وسياساتها الخارجية، وليس بحثاً عن أي نفوذ أو تأثير، أياً كان شكله أو مستواه”.
بدوره، يلفت الكاتب السوري فراس علاوي إلى أن الإشكالية الأساسية في العلاقات الأردنية–السورية “تكمن في كونها انعكاسًا متكاملاً للعلاقات الدولية والجوار؛ أي أن أي تأثير في أحد الطرفين ينتقل مباشرة إلى الطرف الآخر”.
ويوضح في حديثه لـ”963+” أن السلطات الأردنية تتعامل مع الملف السوري انطلاقًا من “اعتبارات أمنها القومي بالدرجة الأولى، ثم من موقعها كدولة عربية تتحمّل مسؤوليات في إطار التضامن العربي”.
ويضيف علاوي أن تعامل الأردن مع نظام الأسد، في مراحل سابقة، ارتكز على صون استقراره الداخلي ومنع تفشي ظواهر تهريب المخدرات والانفلات الأمني عبر الحدود. الأمر الذي دفع عمّان، في الوقت الراهن، إلى دعم مسار استقرار “سوريا الجديدة” بالتنسيق مع الجهات المعنية هناك، حفاظًا على أمنها واستقرارها الإقليمي.
ويشير في ختام حديثه إلى أن الحدود الجغرافية والسياسية بين البلدين تشكّل عاملًا ضاغطًا يفرض على الأردن الانخراط في جهود تثبيت الاستقرار داخل الأراضي السورية، لاحتواء الفوضى ومنع انتقال التهديدات إلى الداخل الأردني.
+963
————————————-
السويداء على طاولة مباحثات عمان اليوم… وترجيحات بصعوبة التوصل إلى حلول
تستضيف العاصمة الأردنية عمّان، اليوم الثلاثاء، اجتماعا ثلاثيا يضم ممثلين عن الأردن وسوريا والولايات المتحدة، في مسعى «لتثبيت وقف إطلاق النار في محافظة السويداء وبحث سبل دعم استقرار سوريا وإعادة إعمارها»، وسط ترجيحات محللين بصعوبة تحقيق أي «اختراق» أو إيجاد حلول عاجلة بما يخص السويداء.
وسيشارك في الاجتماع وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، ونظيره السوري أسعد الشيباني، والمبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توماس براك، إلى جانب ممثلين عن المؤسسات المعنية في الدول الثلاث، وذلك استكمالاً للمباحثات التي استضافتها عمّان في 19 تموز/يوليو 2025، والتي ركزت على تثبيت وقف إطلاق النار في محافظة السويداء وحل الأزمة فيها.
وكان براك قد علّق على الاجتماع قائلاً: «إنّ هذا الالتزام يؤكد تصميمنا الجماعي على التحرك نحو مستقبل يمكن لسوريا وجميع شعبها أن يعيشوا فيه بسلام وأمن وازدهار».
وأكد مصدر خاص لتلفزيون «سوريا»، أنه سيقتصر على ممثلي الدول، من دون حضور ممثلين عن الطائفة الدرزية في سوريا. وقال إن اجتماع عمّان سيكون على مستوى ممثلي الدول، وأن جلوس الحكومة السورية مع وجهاء السويداء على طاولة الحوار مطروح، لكنه يحتاج إلى وقت وترتيب.
عمق استراتيجي
وفي هذا السياق، اعتبر السياسي السوري، طلال عبد الله جاسم لـ «القدس العربي» أن الأردن معني بشكل كبير بما يجري بالجنوب السوري لأنه عمق استراتيجي للأردن، وأي خلل يشكل تهديد للأمن القومي الأردني، وحتى للنسيج الاجتماعي في المناطق الحدودية.
ولفت إلى أن الأردن كان قد شارك سابقا باتفاقيات التهدئة والتسويات بوجود محور أستانا وبالأخص الروس، حيث لعب الجانبان الأردني والروسي حينئذ دورا لإقناع إسرائيل بعدم عرقلة المباحثات.
وأضاف: الوضع الآن أكثر خطورة حيث إن التدخل الإسرائيلي بات فجا وفيه وقاحة غير مسبوقة، كما أن الجهات المسيطرة على السويداء عسكريا والمرجعيات الدينية باتت تعلن تعاونها التام مع إسرائيل.
احتواء الأزمة
ووفق المتحدث، لدى الأردن مخاوف حدودية سيما أن السويداء جارة قريبة، إضافة لنشاط تهريب المخدرات والكبتاغون والسلاح أيضا، لذلك تحرك الأردن سريعا لمحاصرة المشكلة في السويداء، وقد حان الأوان لإيجاد حل مستدام يضمن عدم تكرر الصدام ويحفظ أمن سوريا والأردن.
واستبعد إمكانية تحقيق أي اختراق أو اتفاق ملموس في المرحلة الحالية، مبررا ذلك بـ«اتساع الفجوة بين أحد مشايخ الموحدين الدروز في السويداء حكمت الهجري والحكومة السورية»، مشيرا في الوقت نفسه إلى إمكانية الاتفاق على عدم التصعيد والحفاظ على وقف إطلاق النار كخطوة أولى تمهّد لتوافقات لاحقة. كما شكك في استعداد إسرائيل للتخلي عن دعمها للهجري، واصفا إياه بأنه أصبح بوابة تدخّلها في الشأن السوري العام.
وتقاطع هذا الرأي مع ما ذهب إليه الباحث في مركز «عمران للدراسات الاستراتيجية»، فاضل خانجي، الذي اعتبر أن الاجتماع لن يكون سهلا أو ينتج حلولا عاجلة، بل يتطلب جهدا وصبرا كبيرين.
وأضاف لـ«القدس العربي» أن اللقاء الحالي يعد امتدادا للاجتماع الذي أسس لوقف إطلاق النار في السويداء الشهر الماضي، وخطوة أولية نحو مسار جديد لمعالجة الأزمة، فضلا عن كونه جزءا من الدور الأمريكي المتنامي بقيادة توماس براك، سواء في ملف دمج «قسد» ضمن الدولة السورية، أو الوساطة بين سوريا وإسرائيل بشأن السياسات العدوانية الأخيرة، أو في إطار جهود تسوية أزمة السويداء ببعدها المحلي.
وبرأي المتحدث، فإن الاجتماع يأتي أيضا في إطار إيلاء الأردن أهمية لإيجاد مخرج من الأزمة في السويداء، باعتبار أن عمان تدعم مسار تعافي سوريا ووحدة أراضيها وتحرص على دعم التعايش المجتمعي، كما يمكنها أن تلعب دوراً إيجابياً مرحب به سوريا.
ويعد انتقال مسار التفاوض من دمشق إلى عمان انتكاسة كبيرة في العملية السياسية بين مشيخة العقل في السويداء والحكومة السورية، حسب ما قال محمد السكري، الباحث في مركز حرمون للدراسات المعاصرة، لـ«القدس العربي».
وأوضح أن ما قبل العملية العسكرية كان التفاوض يتم في سياق محلي، لكن مع محاولة تيار الهجري إعادة صياغة آليات التفاوض واستخدام العنف لنقل الملف إلى عمّان، دخلت أطراف دولية على الخط، في مشهد يشبه إلى حد بعيد ما آلت إليه مفاوضات «قوات سوريا الديمقراطية» أو «الإدارة الذاتية» في شمال شرق سوريا».
وأضاف أن دمشق تعاني حالة من التخبط السياسي في التعامل مع المسارات المحلية، في ظل استمرار التدخلات الدولية، لافتا إلى أن الأزمات المحلية غالبا ما تتجاوز حدودها الداخلية لتتحول إلى ملفات إقليمية ودولية، وهو ما ينعكس على الأمن القومي الأردني، الذي كان المحرك الأساسي وراء تدخل عمّان.
وبشأن دور المبعوث الأمريكي توماس براك، أشار السكري إلى أنه يتوسط في ملفات سورية متعددة يغلب عليها الطابع الأمني، مع تركيزه على استعادة دمشق لمركزيتها، ومحاولة تجاوز ثنائية «المركز والأطراف» عبر تهدئة الصراعات الأمنية إلى أدنى مستوى ممكن، تمهيداً لفتح المجال أمام مفاوضات طويلة المدى.
واعتبر أن أزمة السويداء خانقة للمشهد السوري برمته، وأسهمت في رفع وتيرة العنف المزدوج، مما يهدد استقرار البلاد.
أما عن خيارات الشيخ الهجري في التفاوض، فيرى السكري أنها محدودة للغاية وتكاد تقتصر على إسرائيل، في ظل ارتباط هذا الخيار بما يقرره براك والحكومة الأمريكية.
وأكد أن أي ضغط أمريكي على إسرائيل قد يعيد صياغة آليات الحوار بين دمشق والسويداء، إلا أن مسار الحوار المحلي بات مسدوداً، ما دفع نحو تدويل القضية على غرار ما جرى مع ملف «قسد»، وهو ما يشكل انتكاسة كبيرة على المستوى الوطني.
————————————-
“كوميرسانت”: السلطات السورية تبدي اهتماماً بعودة الشرطة العسكرية الروسية إلى الجنوب/ رامي القليوبي
12 اغسطس 2025
قالت صحيفة “كوميرسانت” الروسية، في عددها الصادر الثلاثاء، إنها حصلت على معلومات تشير إلى أن السلطات السورية تبدي “اهتماماً” باستئناف دوريات الشرطة العسكرية الروسية في محافظات الجنوب السوري على غرار ما كان الوضع عليه في المرحلة ما قبل إسقاط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، وأوضح مصدر لـ”كوميرسانت” أن مثل هذه الخطوة من وجهة نظر الحكومة السورية، “قد تقلص العمليات العسكرية التي تنفذها إسرائيل في الجنوب السوري بذريعة إقامة منطقة عازلة وحماية الدروز في سورية”.
وكشف المصدر الذي شارك في لقاء وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، مع الجالية السورية أثناء زيارته إلى موسكو في نهاية يوليو/ تموز الماضي، أن السلطات السورية بقيادة الرئيس أحمد الشرع “معنية بعودة دوريات الشرطة العسكرية الروسية إلى مواقع مرابطتها السابقة” في المحافظات الجنوبية، وذلك لـ”منع تدخل إسرائيل في الشؤون السورية”، وبعد مرور عدة أيام على زيارة الشيباني إلى موسكو، شوهدت دوريات للشرطة العسكرية الروسية في محيط مدينة القامشلي شمال شرقي سورية لأول مرة منذ إسقاط نظام الأسد، وفق تقارير إعلامية عربية.
وعزا مصدر “كوميرسانت” تنامي النشاط الروسي في القامشلي إلى تعزيز التعاون بين الحكومة السورية وموسكو، لافتاً إلى أن الدوريات جرت من دون مشاركة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الكردية التي لم تتوصل حتى الآن إلى اتفاق مع الحكومة بشأن وضع مناطق الأكراد شرقي سورية. من جهته، أوضح مصدر إسرائيلي للصحيفة أن موقف تل أبيب من عودة الدوريات الروسية إلى الجنوب السوري يعتمد على عدد من العوامل، قائلاً إن “من بينها الاتفاقات بين روسيا وإسرائيل، والموقف الذي ستتبناه روسيا في حال إبرام اتفاقية مع الحكومة الجديدة (بشأن استئناف الدوريات)”.
بدوره، ذكّر الخبير بالمجلس الروسي للشؤون الدولية، كيريل سيميونوف، بأن الوجود الروسي في محافظات جنوب سورية “في المرحلة ما قبل تغيير السلطة في دمشق كان يلبي المصالح الإسرائيلية”، قائلاً لـ”كوميرسانت”: “كان من شأن الدوريات الروسية منع نشر مجموعات موالية لإيران في الجنوب السوري، ولكنه كان من الصعب تحقيق ذلك بسبب انعدام معيار واضح للتحديد ما هي القوات المرتبطة بإيران”.
وكان وفد سوري رفيع شمل إلى جانب الشيباني وزير الدفاع بالحكومة السورية، مرهف أبو قصرة، قد زار موسكو في 31 يوليو الماضي. وحينها، نفى الشيباني في مؤتمر صحافي في ختام محادثاته مع نظيره الروسي، سيرغي لافروف، أن تكون لدى دمشق نيّات عدوانية تجاه إسرائيل، ما يعزز واقعية عودة الشرطة العسكرية الروسية إلى الجنوب السوري عاملَ ردع يمنع الاعتداءات الإسرائيلية.
————————–
=====================
تحديث 11 آب 2025
———————-
لقاء عمّان لمسؤولين سوريين وشخصيات من السويداء مؤجّل/ محمد أمين
11 اغسطس 2025
دمشق- محمد أمين عمّان- العربي الجديد مع اقتراب مرور شهر على الأحداث الدامية في السويداء، أعلنت وزارة الخارجية الأردنية، أمس الأحد، عن استضافة اجتماع أردني-سوري-أميركي مشترك، غداً الثلاثاء، لبحث الأوضاع في سورية وسبل دعم عملية إعادة بناء سورية على الأسس التي تضمن أمنها واستقرارها وسيادتها، وتلبي طموحات شعبها، وتحفظ حقوق كل السوريين. وجاء هذا الإعلان بعد أنباء عن محاولة ينخرط فيها المبعوث الأميركي توم برّاك، بهدف الترتيب لعقد اجتماع في عمّان لممثلين عن الحكومة السورية وآخرين من محافظة السويداء.
وأكد بيان وزارة الخارجية الأردنية، أمس، أن الاجتماع الذي سيحضره وزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد الشيباني وسفير الولايات المتحدة الأميركية لدى تركيا والمبعوث الأميركي الخاص لسورية توم برّاك، ومُمثّلون عن المؤسسات المعنية في الدول الثلاث، سيكون “استكمالاً للمباحثات التي كانت استضافتها عمّان بتاريخ 19 يوليو /تموز 2025 لبحث تثبيت وقف إطلاق النار في محافظة السويداء في جنوب سورية وحل الأزمة هناك”. وأضاف أن نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية وشؤون المغتربين الأردني أيمن الصفدي سيجري أيضاً محادثات ثنائية مع الشيباني ومع برّاك. من جانبه، كتب برّاك على منصة إكس، أمس، تعليقاً على الاجتماع: “هذا الالتزام يؤكد تصميمنا الجماعي على التحرك نحو مستقبل تستطيع فيه سورية وشعبها كله أن يعيشا في سلام وأمن وازدهار”.
وكانت ترافقت التسريبات عن اجتماعات بمشاركة أطراف من السويداء، مع خروج الرؤساء الروحيين الثلاثة لمشيخة عقل الطائفة الدرزية في المحافظة؛ حكمت الهجري وحمود الحناوي ويوسف جربوع، في بيانات منفصلة أول من أمس السبت، وبشكل متتابع، هاجمت فيها الحكومة السورية بسبب الجرائم التي شهدتها السويداء. وأكدت البيانات ضرورة رفع الحصار عن المحافظة وفتح الممرات إليها، في خطوة غير مسبوقة منذ بدء الأحداث، خصوصاً من قبل جربوع والحناوي اللذين تبنيا حتى أحداث السويداء، الشهر الماضي بعد الاشتباكات بين القوات الحكومية وعشائر موالية من جهة، وقوات محلية في المحافظة من جهة ثانية، مواقف تدعم التقارب مع دمشق.
فكرة اجتماع بمشاركة وجهاء من السويداء
وأكد مصدر في دمشق، لـ”العربي الجديد”، أن فكرة عقد اجتماع بين ممثلين من الحكومة ومع وجهاء من محافظة السويداء في عمّان “مطروحة”، لكنها “لم تتبلور بعد”. وأوضح أنه ليس هناك موعد واضح لعقده، وربما يعقد وربما لا. وحاولت “العربي الجديد” التواصل مع المسؤولين في الخارجية الأردنية للحصول على تعليق بشأن الترتيب لاجتماع في عمّان يضم ممثلين من السويداء والحكومة السورية، لكنها لم تحصل على إجابة تؤكد التحضيرات أو تنفيها. وتطالب فعاليات في السويداء بفتح ممر بين المحافظة والأردن، فيما تتمسك عمّان بضرورة تثبيت وقف إطلاق النار في محافظة السويداء، بما يضمن سيادة الدولة والقانون وسلامة المواطنين وأمنهم، إلى جانب تكرار رفض التدخلات الإسرائيلية في الشأن السوري وإدانتها. وسبق أن قال رئيس الوزراء الأردني جعفر حسان، في 22 يوليو الماضي، إن الأردن أدى دوراً دبلوماسياً فاعلاً للمساهمة في احتواء أزمة السويداء السورية، مشدداً على أن المملكة تقف إلى جانب الشعب السوري في سعيه لتحقيق الاستقرار والازدهار.
من جانبه، رأى المحلل السياسي بسام السليمان أن توجه الحكومة السورية باتجاه السويداء “واضح”، مضيفاً لـ”العربي الجديد” أن “الحكومة تريد بسط سيطرة الدولة على محافظة السويداء ووضع حد لأي حالة تدخل خارجي وإيقاف الدعوات غير الوطنية، ومحاسبة المجرمين من كل الأطراف”. ولفت إلى أن الأردن يدفع باتجاه عقد الاجتماع بخصوص السويداء والتوصل إلى “حل مرض لدمشق والسويداء”، مشيراً إلى أنه “كما يبدو، تستشعر عمّان الخطر جراء العبث الإسرائيلي في الجنوب السوري والذي يهدد الأمن الوطني الأردني”.
أما الصحافي المنحدر من السويداء نورس عزيز، فبيّن في حديث مع “العربي الجديد” أن محافظة السويداء “تريد إدارة لامركزية موسعة، وفتح معبر حدودي مع الجانب الأردني”. وأضاف أن “السويداء بأهلها ومشايخها وفصائلها ترفض أي علاقة مع الحكومة لا من قريب ولا من بعيد، لذا سيكون سقف المطالب عالياً”. وفي رأيه، “ترميم النسيج الاجتماعي بين الدروز وبقية السوريين ممكن في حال سقوط النظام الحاكم حالياً”. وسُدَّت الآفاق السياسية ما بين دمشق والسويداء بسبب ما جرى في السويداء الشهر الماضي، في ظل تراشق بالاتهامات حول ما آلت إليه الأوضاع في المحافظة. وتتهم الفعاليات في محافظة السويداء الحكومة بفرض حصار اقتصادي عليها أدى إلى خلق أزمات معيشية، بينما تؤكد الحكومة أن الفصائل المرتبطة بالشيخ الهجري تمنع دخول مساعدات حكومية وترفض عودة مؤسسات الدولة للعمل في المحافظة.
تصاعد أحداث السويداء
ودخل اتفاق وقف إطلاق النار في السويداء، برعاية إقليمية ودولية، حيّز التنفيذ في 21 يوليو الماضي، بعد اشتباكات دامية بدأت في الـ13 من يوليو بين مجموعات محلية درزية في السويداء وعشائر البدو، تدخلت قوات أمنية لفضها، لكنها سرعان ما اشتدت وتحولت قوات وزارتي الداخلية والدفاع إلى طرف رئيسي فيها بمواجهة الفصائل المحلية الدرزية التي اتهمتها الحكومة بنصب كمائن لعناصرها، ليجرى العمل مجدداً على احتواء الوضع مع التوصل إلى اتفاق يقضي بانسحاب القوات الأمنية من السويداء، لكن ما لبثت أن تفجرت المواجهات مجدداً، هذه المرة بين الفصائل المسلحة في المحافظة ومسلحي العشائر. فقد أطلقت العشائر “النفير العام” تحت مبرر نجدة عشائر البدو في السويداء إثر بثّ أنباء مكثفة على وسائل التواصل الاجتماعي لما قيل إنها انتهاكات واسعة النطاق ارتُكبت بحق مدنيي عشائر البدو من قبل فصائل مسلحة في المحافظة، عقب انسحاب الأجهزة الأمنية. كما شهدت المواجهات، في مرحلتها الأولى خصوصاً، تدخلاً إسرائيلياً تحت ذريعة “حماية الدروز”، سواء من خلال القصف في السويداء أو من خلال العدوان الذي استهدف دمشق يوم 16 يوليو.
ورغم صمود اتفاق وقف النار، إلا أنه تعرض لخروقات عدة جرى العمل على احتوائها. ووثقت الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل ما لا يقل عن 814 سورياً بينهم 34 سيدة (إحداهن توفيت إثر أزمة قلبية بعد تلقيها نبأ وفاة حفيدها) و20 طفلاً، وستة من الطواقم الطبية بينهم ثلاث سيدات، واثنان من الطواقم الإعلامية، وإصابة ما يزيد عن 903 آخرين بجروح متفاوتة الخطورة في محافظة السويداء، وذلك خلال الفترة الممتدة من 13 تموز 2025 وحتى الـ24 منه، استناداً إلى المعلومات الأولية المتوفرة والتي تمكنت الشَّبكة من التحقق منها. وذكرت الشبكة أن الحصيلة شملت عمليات قتل خارج إطار القانون، وقصفاً متبادلاً، إلى جانب هجمات جوية نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي. وتشمل الحصيلة الأولية ضحايا من المدنيين، بمن فيهم أطفال وسيدات وأفراد من الطواقم الطبية، إضافة إلى مقاتلين من مجموعات عشائرية مسلحة من البدو، وأخرى محلية خارجة عن سيطرة الدولة من أبناء المحافظة، إلى جانب عناصر من قوى الأمن الداخلي ووزارة الدفاع التابعة للحكومة الانتقالية السورية.
وشكلت وزارة العدل السورية، مطلع الشهر الحالي، لجنة للتحقيق في أحداث السويداء الأخيرة، لتباشر عملها بلقاءات مع المسؤولين المحليين في محافظتي السويداء ودرعا، جنوبي البلاد، والاستماع إلى شهادات المتضررين، وفق رئيسها القاضي حاتم النعسان. وقال النعسان، في الثاني من أغسطس/ آب الحالي، إن “التحقيقات ستُدار من خلال فرق عمل متعددة، وتهدف إلى كشف الحقيقة كاملة وتحديد المسؤولين عن الأحداث الأخيرة”. لكن الفعاليات الدينية والاجتماعية والسياسية في السويداء رفضت هذه اللجنة، وأعلنت أنها لن تسمح بدخولها إلى المحافظة مطالبة بلجنة تحقيق وحماية دولية.
وفي السياق، رفعت المؤسسة الدينية للدروز في سورية، أول من أمس، سقف الاتهامات للحكومة السورية، وحمّلتها مسؤولية ما جرى في السويداء من جرائم وتجاوزات بحق المدنيين خلال الاشتباكات. وطالب الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز الشيخ حكمت الهجري، في بيان مصوّر بثته الصفحة الرسمية للرئاسة الروحية، بتحقيق دولي حول الجرائم المرتكبة في السويداء، وإحالة المتورطين بهذه الجرائم إلى المحكمة الجنائية الدولية. وقال الهجري إن ما يجري في المحافظة هو “إبادة ممنهجة تشمل ذبح أطفال، وإعدام شيوخ في الساحات، وحرق منازل بمن فيها، وخطف مدنيين، وفرض حصار خانق امتد لأسابيع، وقطع المياه والكهرباء والغذاء، وقصفاً عشوائياً على القرى”. وشدد على أن “هذه الأفعال ليست تجاوزات فردية بل خطة إبادة صامتة والتجويع يشكل جريمة حرب”. كما ثمّن “مواقف الدول التي رفضت الصمت ووقفت إلى جانب المظلومين وفي مقدمتهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب لموقفه الواضح في دعم الأقليات ورفض الاستبداد، ودولة إسرائيل حكومة وشعباً وتدخّلها الإنساني للحدّ من المجازر بحق أهالي السويداء”، زاعماً أن تدخلها جاء “بدافع أخلاقي وإنساني”.
كذلك، وجّه شيخ عقل الطائفة الدرزية يوسف جربوع، في كلمة مسجلة، اتهامات للحكومة السورية بارتكاب مجازر وتطهير عرقي بحق المدنيين في المحافظة خلال الأيام الماضية. وفي السياق، انتقد شيخ عقل الطائفة الثالث حمود الحناوي بشدة الحكومة السورية متهماً إياها بـ”الظلامية والغدر”، في تحول لافت عن نهجه السابق الذي تجنّب فيه الصدام مع الدولة السورية. وهذه المرة الأولى التي يظهر للعلن موقف موحد من شيوخ العقل في السويداء مناهض تماماً للحكومة في دمشق، ما يؤكد اتساع هوّة الخلافات بين دمشق والسويداء التي قطعت أخيراً علاقتها الإدارية مع الحكومة.
وأعلنت اللجنة القانونية العليا، التي شُكّلت بعد أحداث الشهر الماضي، بالتنسيق مع الرئاسة الروحية لطائفة المسلمين الموحدين الدروز، الأربعاء الماضي، تشكيل “مكتب تنفيذي” غير مرتبط بالحكومة، مهامه “إدارة شؤون السويداء في القطاعات الإدارية – الأمنية – الخدمية بكافة مجالات الحياة”، و”الحفاظ على المؤسسات الحكومية العامة والخاصة”، و”رفع الظلم والضرر عن كاهل المواطنين بكل مكوناتهم ومحاربة الفساد”. وعُد تشكيل المكتب خطوة واسعة نحو فرض ما يشبه “الإدارة الذاتية” في المحافظة محدودة الموارد التي تبحث عن تواصل بري مع الشمال الشرقي من سورية، حيث تسيطر قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، يُغنيها عن الاعتماد على دمشق وجارتها محافظة درعا. ولكن يبدو أن هذا المسعى غير ممكن التحقيق، لا سيما أن القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في الملف السوري تؤكد وحدة البلاد الجغرافية والسياسية.
——————–
جبهة أقليات جديدة تواجه الحكومة السورية بزعامة “قسد”/ أحمد العكلة
مؤتمر “وحدة المكونات” في الحسكة شمالي سوريا وكالة نورث للانباء
11/8/2025
الحسكة- انطلقت -يوم الجمعة الماضية- في مدينة الحسكة السورية، فعاليات مؤتمر “وحدة الموقف لمكونات شمال وشرق سوريا” الذي تنظمه قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، بمشاركة ممثلين عن المكونات العرقية والطائفية في البلاد.
المؤتمر شهد حضورا لافتا لشخصيات من خارج مناطق سيطرة قسد، حيث ألقى الشيخ حكمت الهجري، أحد شيوخ عقل طائفة الدروز في السويداء، كلمة مصوّرة عبر الإنترنت، أكد خلالها ضرورة وحدة الصف الوطني وحماية حقوق جميع السوريين.
كما شارك غزال غزال، رئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى، الذي دعا إلى إقامة دولة مدنية، علمانية، تعددية ولامركزية، باعتبارها الضمانة الحقيقية لوحدة سوريا وحماية تنوعها.
وتُعد مشاركة زعماء من الطائفتين الدرزية والعلوية -اللتين ارتبطتا تاريخيا بدمشق– إشارة سياسية بارزة على مساعي قسد لتوسيع شبكة تحالفاتها مع الأقليات خارج نطاق سيطرتها، في محاولة لبلورة جبهة سياسية أوسع يمكن أن تلعب دورا مؤثرا في مرحلة ما بعد الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد.
يأتي ذلك وسط تصاعد التوترات السياسية والأمنية، مما يعزز أهمية فتح قنوات للحوار بين مختلف المكونات لمواجهة التحديات المشتركة.
كلمة مصورة لرئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر، غزال غزال، في مؤتمر المكونات بالحسكة وكالة نورث للانباء
كلمة مصورة لرئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى غزال غزال في المؤتمر (وكالات)
أحداث السويداء
وجاءت مشاركة الهجري على خلفية أحداث دامية شهدتها محافظة السويداء في يوليو/تموز 2025، حيث اندلعت اشتباكات بين فصائل درزية وعشائر بدوية، أسفرت عن مقتل أكثر من 350 شخصا، -وبحسب مصادر مقربة من الهجري-، فإن هذه التطورات دفعت شخصيات بارزة إلى البحث عن تحالفات جديدة.
وأكد مصدر مقرب من الهجري للجزيرة نت أن مشاركته في مؤتمر الحسكة بتاريخ 8 أغسطس/آب 2025 جاءت لتعزيز الوحدة الوطنية في ظل التحديات الأمنية والسياسية المعقدة، خاصة بعد أحداث السويداء، وأوضح المصدر أن الهجري يرى في المؤتمر فرصة لفتح حوار شامل يدعم قيام دولة ديمقراطية لامركزية تضمن حقوق جميع المكونات، معتبرا أن التنوع السوري بما يشمله من الكرد والعرب والسريان والأيزيديين ثروة وطنية يجب الحفاظ عليها.
وأشار المصدر (فضل عدم الكشف عن هويته) إلى أن أحداث السويداء الأخيرة تعكس غياب مؤسسات دولة عادلة، مما فاقم من حالة الانفلات الأمني وزاد التوترات بين المكونات، وشدد على أن الهجري يرفض اتهامات التحريض على الفتنة، ويؤكد أن هدفه حماية أبناء السويداء، مع الدعوة لإنهاء فوضى السلاح عبر مؤسسات شرعية.
كما لفت إلى أن الهجري يدعو إلى حلول سياسية بعيدة عن القمع أو الانفصال، ويرى في نموذج الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا خطوة نحو دولة سورية موحدة تحترم التنوع.
وأوضح المصدر أن مشاركة الشيخ غزال غزال، تأتي في سياق “تصاعد مخاوف الطائفة العلوية من استمرار الانتهاكات بحقها، خاصة بعد موجات من الاستهداف الطائفي خلال الأشهر الماضية”، لتدفع هذه المخاوف غزال إلى الدعوة لنظام سياسي لامركزي أو فدرالي، إلى جانب المطالبة بحماية دولية للمدنيين، كرد فعل على ضعف مؤسسات الدولة في توفير الحماية.
وقال مصدر مقرب من غزال -للجزيرة نت-، إن الشيخ يدعم تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة للتحقيق في الانتهاكات، ويرفض اللجان الحكومية التي “تغطي على الجرائم”-بحسب تعبيره.
طابع إنساني
وأضاف المصدر (فضل عدم الكشف عن هويته) أن دعوة غزال ذات طابع إنساني وتهدف لحماية جميع المكونات في سوريا بما ينسجم مع قيم السلام والتعايش.
وأشار إلى أن غزال يعتبر النظام اللامركزي أو الفدرالي وسيلة لضمان حقوق الأقليات من الكرد والدروز والمسيحيين ويخدم تشكيل حلف سياسي في مناطق سيطرة قسد للتفاوض مع دمشق، بهدف إعادة بناء الثقة ومنع تكرار الانتهاكات في مناطق مثل الساحل السوري.
وأكد المصدر التزام الشيخ غزال بالعدالة الانتقالية والشفافية، داعيا المجتمع الدولي للاستجابة لنداءاته من أجل إنهاء معاناة السوريين عبر حل سياسي شامل، مبينا أن رؤيته تمثل صوتًا للوحدة والصمود في مواجهة محاولات تمزيق النسيج الاجتماعي.
وتسعى قسد من خلال مؤتمر الحسكة إلى تعزيز شرعيتها على المستويين المحلي والدولي، خاصة بعد استبعادها من بعض جلسات الحوار الوطني، فيما أكد مصدر مقرب من قيادة قسد -للجزيرة نت- دعمها لتشكيل حلف سياسي يضم زعماء الأقليات بهدف توحيد مطالب الكرد والعرب والسريان/الآشوريين والتركمان، وتقديمها في حوار مع دمشق.
وشدد المصدر، الذي لم يكشف هويته، على التزام قسد بالتنوع العرقي والديني في شمال وشرق سوريا، وعلى تمثيل عادل لجميع المكونات بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024.
وأوضح أن الحلف الجديد يمثل وسيلة لتعزيز مكانة قسد محليا ودوليا، وأنها تدعم إقامة نظام حكم لامركزي يحافظ على وحدة سوريا ويمنح المناطق الشرقية استقلالية إدارية، مع استعدادها لدمج قواتها في الجيش الوطني بشرط الاحتفاظ بهيكليتها لحماية مكتسبات المنطقة من تهديدات تنظيم الدولة الإسلامية.
كما دعا المصدر إلى حوار وطني شامل بضمانات دولية، مؤكدا التزام قسد بالعدالة الانتقالية والتعاون مع لجان تحقيق دولية محايدة لمعالجة الانتهاكات المزعومة.
وطالب الولايات المتحدة وفرنسا بدعم الحلف السياسي في صياغة الدستور الجديد، مشددًا على استمرار قسد في حماية مناطقها من التدخلات التركية والعمل على بناء سوريا ديمقراطية.
تحذير حكومي
في المقابل، تعتبر الحكومة السورية أن تحركات قسد تهدد وحدة البلاد، وترى أن أي تحالفات خارج إطار الدولة والحوار الوطني هي محاولات لتقسيم سوريا ويعكس تصريح الباحث السياسي عبد الله الخير، المقرب من الحكومة، هذا الموقف، إذ اعتبر أن مؤتمر الحسكة محاولة لفرض أجندات انفصالية تخدم مصالح خارجية.
وأكد الخير في حديثه للجزيرة نت أن الحكومة ترفض أي تحالفات سياسية خارج الحوار الوطني، محذرا من أن مشاركة شخصيات مثل الهجري وغزال قد تُستغل لأهداف جيوسياسية. وشدد على التزام دمشق بحماية التنوع ضمن دولة موحدة، ورفض الحكم اللامركزي الذي يضعف السلطة المركزية.
وأضاف الخير أن أحداث السويداء الأخيرة تؤكد الحاجة إلى تعزيز وجود الدولة لمنع الفوضى، معتبرا أن دعوات قسد قد تؤجج التوترات الطائفية، كما حذر من أن الحلول السياسية التي تنطلق من مناطق معينة لن تُقبل على نطاق وطني، داعيا إلى صياغة دستور جديد برعاية الحكومة السورية.
وشدد على أن التدخلات الخارجية التي تستغل قضية الأقليات تمثل خطرا على وحدة البلاد، وأن الحكومة ماضية في إعادة بناء سوريا موحدة.
المصدر: الجزيرة
———————–
عيون إسرائيلية على منطقة جبل الشيخ: مشروع تقسيمي أم محاولة ردع أمني؟/أحمد الكناني
11 أغسطس 2025
تحولت التوغلات في الجنوب السوري إلى تحركات روتينية تجريها القوات الإسرائيلية في قرى ريف دمشق الغربي، والقنيطرة، ودرعا، وهي تزداد وفقًا للأحداث السياسية والميدانية. وأفرزت الأحداث الدامية في محافظة السويداء شكلًا جديدًا من التدخلات الإسرائيلية في المنطقة، تجسدت بغارات نفذها الطيران الحربي لصالح المجلس العسكري في السويداء ضد القوات الحكومية، مع الحفاظ على مسارات التوغل في العمق السوري، إلا أن تركيزًا إسرائيليًا بات ملحوظًا مؤخرًا على قرى جبل الشيخ ذات المكون الدرزي وتحديدًا بلدة “حضر”، سواء من ناحية فتح خطوط التواصل مع الأهالي، أو تنفيذ عمليات أمنية داخل البلدة، ما يثير التساؤل حول الأهداف الإسرائيلية فيها، خاصة وأن إسرائيل تعمدت قطع الطرق، وفصلها عن محافظة القنيطرة خلال عملياتها الأمنية في إطار “حماية الدروز” حسب الادعاءات الإسرائيلية.
من اللافت أنه خلال سنوات الثورة جند “حزب الله” اللبناني أعدادًا من دروز جبل الشيخ في صفوف مقاتليه بسوريا، واتخذ القيادي السابق في الحزب سمير القنطار، والذي اغتالته إسرائيل في سوريا، من “حضر” مركزًا رئيسيًا لعملياته وجند العديد من المقاتلين في صفوف الحزب، الأمر الذي لم يكن خفيًا على إسرائيل، والتي نظرت بعين القلق من وجود جبهة إسناد حقيقية لـ “حزب الله” في سوريا متاخمة لحدودها، وعليه نفذت عشرات الغارات طالت العديد من القياديين من أبناء تلك المنطقة، فيما شكل سقوط النظام نقطة مفصلية لإسرائيل لإنهاء الدور السابق للمجموعات التي تم تجنيدها، والاستيلاء على السلاح في هذه البلدات.
حضر أولوية أمنية؟!
ينوه الباحث في الشؤون الأمنية عزيز موسى إلى أن إسرائيل عززت مؤخرًا نفوذها على المحور الممتد من (قلعة جندل- بقعسم- ريمة- عرنة) وصولًا إلى قرية حضر القريبة من الحدود اللبنانية، وذلك في إطار تقديم نفسها كحام للمكون الدرزي في الجنوب السوري، يعزز ذلك الإجراءات الأمنية الإسرائيلية القائمة على قطع الطريق طرنجة – حضر في عملياتها الأمنية، والذي يقطع الوصل بين محافظة القنيطرة وقرى جبل الشيخ، في سياسة إسرائيلية تكرس الفصل الطائفي وتخلق شرخًا اجتماعيًا في المنطقة.
الباحث موسى أشار إلى أن العمليات الأمنية في “حضر” مردها مخاوف إسرائيلية من تحركات مضادة لها في تلك المنطقة ومجموعات يشتبه بتواصلها مع حزب الله من خلال طرق سرية تتصل من خلالها بالجنوب اللبناني، وتحديدًا مناطق البقاع والنبطية وامتدادها على الجانب اللبناني، إضافة إلى أن هذه المناطق لم تدخلها الحكومة وعليه تعمل إسرائيل على رصد دقيق للسلاح المنتشر سواء في القطع العسكرية للنظام السابق، أو ما تسلمته المجموعات التي عملت مع حزب الله في السابق، ما يزيد من مستوى نشاط الجيش الإسرائيلي في المنطقة.
فيما يرى الخبير في الشؤون الإسرائيلية محمد أبو شريفة أن الادعاءات الإسرائيلية بوجود سلاح في حضر يندرج في إطار الحجج وإعطاء المبررات للتوغل، أما زيادة التركيز على “حضر” فيأتي في إطار إنشاء إسرائيل لحزام أمني يمتد من مزارع شبعا إلى القنيطرة بهدف حماية وتحصين حدودها الشمالية، ومنع أي تحرك عسكري محتمل من الأراضي اللبنانية أو السورية، وبالتالي هي بصدد تنفيذ مخطط لإقامة منطقة عازلة في المثلث الحدودي المشترك بينها وبين سوريا ولبنان وعدم تكرار كابوس 7 أكتوبر في العمق الإسرائيلي.
استمالة الأهالي
تؤكد المصادر المحلية في قرى جبل الشيخ أن إسرائيل كثفت من تواصلها مع الوجهاء والأهالي، بعد الأحداث الأخيرة في السويداء وعرضت تقديم المساعدات والدعم، إضافة إلى إعادة تفعيل نقطة طبية إسرائيلية في حضر مخصصة لخدمة أهالي المنطقة.
يشير موسى إلى أن إسرائيل عملت منذ سقوط النظام على استمالة أهالي وسكان المناطق في جبل الشيخ سواء من خلال تقديم المساعدات أو المعونات المالية المباشرة، إضافة لفتحها أبواب استقدام عمالة سوريّة من القرى إلى الداخل الإسرائيلي، وعليه يُخشى من محاولات إسرائيلية لاستغلال حالة الهشاشة والفوضى في سوريا وإنشاء “مجموعات خارجية متقدمة” يتم استحصال المعلومات من خلالها عن المنطقة، وتمهيد الأرضية للأهداف الإسرائيلية.
أما أبو شريفة فهو يبدي مخاوفه بشكل مركز من استغلال إسرائيل للحوادث الفردية في المنطقة، والعمل على إنشاء جماعات تابعة لها على غرار جيش لحد في جنوب لبنان، وذلك في إطار المشروع الإسرائيلي لتقسيم سوريا على أسس طائفية ومذهبية.
نزع سلاح حزب الله
يتوقع الخبير في الشؤون الإسرائيلية أبو شريفة وجود مخاوف إسرائيلية كبيرة من عودة المواجهة مع حزب الله في ظل رفضه نزع السلاح، وما سيترتب على ذلك من تداعيات داخل لبنان وخارجه، إضافة للقرب الجغرافي السوري من بعض القرى جنوب لبنان، واحتمالية وجود صلة بينها مجموعات تابعة للحزب في سوريا منذ عهد النظام السابق، الأمر الذي تعكسه التوغلات وعمليات الرصد المكثفة الإسرائيلية على الحدود السورية اللبنانية.
يؤكد موسى ذلك، مشيرًا إلى احتمالية تنشيط أمني وعسكري قد يقوم به حزب الله من لبنان أو المجموعات التي يمكن أن تكون على صلة معه في منطقة جبل الشيخ في ظل الضغط المتواصل لنزع سلاح حزب الله، كون إسرائيل تدرك أن الحزب سيسعى لتوسيع هامش تحركه ضمن سياسة “تثبيت قواعد الاشتباك”، وبالتالي أي وجود له في منطقة جبل الشيخ الحساسة قد يعيد تشكيل ميزان القوى للحزب.
——————————
هل تلفظ الجامعات السورية طلاباً دروزاً؟/ مرام أحمد
11.08.2025
بعد أيّام من أحداث السويداء، بدأ طلّاب دروز في جامعات سورية مختلفة يواجهون مضايقات واعتداءات، تراوحت بين التهديد اللفظي والاعتقال، وصولاً إلى الطرد من السكن الجامعي.
“كنت مفكّر إنو خلص… خلصنا، ولما شفت عناصر الأمن العام حسّيت بالأمان… بس طلع العنف الحقيقي لسه ما بلّش”، يقول الطالب (ج.غ) وهو يستعيد ما جرى معه في تمّوز/ يوليو الماضي.
كان (ج.غ) وثلاثة من زملائه، وجميعهم من أبناء السويداء، قد أنهوا امتحاناً في المعهد الصحّي في جامعة طرطوس، وخرجوا للعودة إلى سكنهم، فتعرّضوا لهجوم من مجموعة شبّان، بعضهم يحمل سكاكين وحجارة، وسط غياب أي تدخّل من الأمن الجامعي.
“الهجوم ما كان عشوائي”، يقول (ج.غ) ويضيف: “الكاميرات كانت شغّالة، والنية واضحة”.
لم تمضِ دقائق حتى ارتفع عدد المهاجمين، بحسب الشهود، إلى نحو ثلاثين شابّاً مقابل أربعة طلاب عزّل. تمكّن الطلاب من الهرب نحو المستشفى الوطني في طرطوس طلباً للحماية، لكنّهم فوجئوا بعناصر من الأمن العامّ يقتادونهم إلى مفرزة داخل المستشفى، حيث جرى – وفق شهادتهم – ضربهم وإهانتهم، ووصفهم بألفاظ طائفية جارحة، أمام مدير المعهد الصحّي الذي لم يتدخّل.
انتهى الأمر بإجبار الطلاب على توقيع “تعهّد بعدم التعرّض”، رغم أنهم الطرف المعتدَى عليه، قبل أن تُصدر مديرية صحّة طرطوس بياناً وصفت فيه ما جرى بأنه “مشاجرة طلّابية”، قالت إنها انتهت بجلسة صلح.
“كان تهديداً مبطناً” يقول (ج.غ) مضيفاً أن إدارة المعهد نصحتهم بإنهاء الموضوع، فيما بدأ مقطع مصوّر للهجوم ينتشر على وسائل التواصل.
هذه الاعتداءات التي تعرّض لها طلاب من خلفيّة درزية تصاعدت بعد أحداث محافظة السويداء، ذات الغالبية الدرزية في جنوب سوريا، التي شهدت واحدة من أكثر الهجمات دموية منذ سقوط نظام الأسد، وبعد مجازر الساحل.
في السويداء اقتحمت قوّات مسلّحة محسوبة على حكومة أحمد الشرع، بالتحالف مع قوّات عشائرية أحياء سكنية، مما أسفر عن مقتل عشرات المدنيين بينهم نساء وأطفال، وفق روايات شهود ومصادر محلّية.
الهجوم، الذي انتهى باتّفاق دولي مرعي أميركياً، وبانسحاب قوّات الحكومة، لم يُثمر علاجاً سياسياً وأهلياً، بل كرّس أزمة طائفية عميقة لا تزال تُرخي بثقلها على البلاد، خصوصاً مع استمرار الحصار المفروض على المحافظة منذ أكثر من شهر.
من الصدمة إلى الملاحقة
بعد أيّام من أحداث السويداء، بدأ طلّاب دروز في جامعات سورية مختلفة يواجهون مضايقات واعتداءات، تراوحت بين التهديد اللفظي والاعتقال، وصولاً إلى الطرد من السكن الجامعي.
في منتصف تمّوز/ يوليو، شهدت المدينة الجامعية في اللاذقية حملة اعتقالات طالت سبعة طلاب من أبناء السويداء، لم تصدر بحقّهم مذكّرات توقيف، وتضاربت الروايات حول الأسباب بين منشورات وُصفت بـ”التحريضية” على وسائل التواصل الاجتماعي، وشجار مع أحد عناصر أمن السكن الجامعي.
استمرّ توقيف الطلاب تسعة أيّام في ظروف احتجاز صعبة، وفق ما نقل مصدر مقرّب منهم، قبل أن يُفرج عنهم بوساطة عبر الهلال الأحمر السوري، الذي نقلهم أوّلاً إلى درعا ثم إلى السويداء. لم يُدلِ أي منهم بتصريحات علنية بعد الإفراج، في إطار تسوية غير معلنة سمحت لهم باستئناف دراستهم.
وبحسب الشهادات فقد مُنع الأهالي من التواصل مع أبنائهم أو توكيل محامين، وتمّت مصادرة هواتفهم، فيما نُقل بعضهم لاحقاً إلى فروع أمنية يعتقد أنها تابعة للأمن السياسي أو الجنائي.
درج
—————————
فيديو يوثق عملية إعدام ميداني في مشفى السويداء/ عدنان علي
10 اغسطس 2025
تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يظهر قيام مسلحين يرتدون زي الأمن السوري التابع للحكومة في دمشق بإعدام أحد الكوادر الطبية في مشفى السويداء الوطني عند دخوله المدينة منتصف الشهر الماضي، في حين طالب مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني بمحاسبة المسؤولين عن الجريمة من دون انتظار أي تحقيق أو لجنة، قبل أن تتوعد وزارة الداخلية السورية، بمحاسبة الفاعلين وتحويلهم إلى القضاء.
ويشير مقطع الفيديو الذي التقطته كاميرات المراقبة في مشفى السويداء الوطني إلى قيام المسلحين الذين يرتدون زي عناصر “وزارة الدفاع” و”الأمن الداخلي” باحتجاز الكادر الطبي في المشفى يوم 16 يوليو/ تموز الماضي وإطلاق النار على أحد العاملين في المشفى بعد محاولته مقاومة أحد العناصر.
وفي حديث مع “العربي الجديد”، دعا مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، الحكومة السورية إلى التحرك واعتقال مطلق النار، مشيرًا إلى أن عملية القتل التي ظهرت في الفيديو “مدانة دون أي تبرير”، وأضاف: “من غير المقبول القول إن بعض العناصر انتقموا لأصدقاء لهم قتلتهم مجموعات تابعة للهجري (حكمت)”.
كما أعرب عن اعتقاده بأن ما “نشر ما هو إلا جزء من فيديوهات طويلة، لكن الجهة المسيطرة (مجلس السويداء العسكري التابع للشيخ حكمت لهجري)، هي التي تتحكم بتسريب ما يناسبها من هذه الفيديوهات”. وقال: “لدينا مؤشرات على عمليات قتل قامت بها الجهات المسيطرة، وأن الجثث التي كانت موجودة في مشفى السويداء، بعضها يعود لعناصر من الأمن السوري أو البدو”. وأضاف: “أن إزالة الجثث ودفنها يعد عبثا بمسرح الجريمة دون توثيق أو تصوير وأخذ عينات، ما يقوض من عملية التحقيق ويعقدها”.
وحث لجنة التحقيق الأممية التي أنشأها مجلس الأمن على القيام بالتحقيق بالانتهاكات المرتكبة من قبل الأطراف كافة في السويداء؛ عناصر الأمن العام، ومجلس السويداء العسكري، والمسلحين من البدو والعشائر. ولفت عبد الغني إلى أن لجنة التحقيق الوطنية المشكلة للتحقيق في السويداء “لا تحظى بالقبول والموثوقية من قبل أهالي السويداء. مع هذا الرفض المجتمعي الكاسح لها في السويداء، لا يمكنها العمل”. ودعا الحكومة السورية للطلب رسميا من لجنة التحقيق الأممية للدخول إلى السويداء والقيام بتحقيقاتها والتحرك لاعتقال مطلق النار هذا ومحاسبته.
وكان عبد الغني قد دعا في منشور عبر فيسبوك إلى محاسبة المسؤولين عن الجريمة من دون انتظار أي تحقيق أو لجنة، معتبرا أن الفيديو “دليل قوي يجب على النائب العام أن يتحرك فورا لاعتقاله والبدء بمحاكمته”.
من جانبه، قال أحمد بريمو، مسؤول منصة “تأكد” التي تعمل على التدقيق في الفيديوهات والأخبار التي تنشر على مواقع التواصل الاجتماعي، أن المقطع يظهر عملية الإعدام بوضوح، لكنه يخلو من بصمة التوقيت التي تكون عادة على كل الفيديوهات التي تسجلها كاميرات المراقبة. وتساءل بريمو في تعليق له على حسابه في موقع فيسبوك عن سبب تأخر نشر الفيديو، لافتا إلى أن لقطات من مقطع فيديو آخر سجلته كاميرا مراقبة مثبتة عند مدخل المشفى يظهر فيه بشكل دقيق تاريخ عملية الاقتحام وتوقيتها. كما يظهر شخصان على الأقل بوضوح ممن شاركوا في ارتكاب الجريمة. وحث على “مراجعة كل الفيديوهات من قبل جهة محايدة، بما يساعد على ملاحقة المسؤولين عن أية جرائم او انتهاكات حصلت، بغية الوصول إلى الحقيقة، ومعاقبة الجناة، وليس لأجل استخدامها في الدعاية الإعلامية في إطار عمليات التحريض الداخلي الجارية حاليا في سورية”.
ودفنت أكثر من 80 جثة مجهولة الهوية في مقابر جماعية بمكان لم يُعلن عنه في 23 الشهر الماضي. وكانت الجثث موجودة في مشفى السويداء الوطني، وقد دُفنت من دون أي تحقيق رسمي أو إشراف من جهة قضائية أو حقوقية. وفي 17 تموز/يوليو الماضي، أعلنت وزارة الصحة السورية العثور على عشرات الجثث لمدنيين وعناصر أمن داخل المشفى، وذلك بعد انسحاب ما وصفته بـ”المجموعات الخارجة عن القانون”. ولاحقاً، سيطرت فصائل محلية في السويداء على المشفى.
من جهتها، عبّرت وزارة الداخلية السورية، عن إدانتها واستنكارها للحادثة، مشيرة إلى أن “سيتم محاسبة الفاعلين وتحويلهم إلى القضاء لينالوا جزاءهم العادل، بغض النظر عن انتماءاتهم”. وقالت في بيان عبر تليغرام أنه وبتوجيه من وزير الداخلية أنس خطاب، كُلف اللواء عبد القادر الطحان، المعاون للشؤون الأمنية، بالإشراف المباشر على مجريات التحقيق لضمان الوصول إلى الجناة وتوقيفهم بأسرع وقت ممكن.
دخول قافلة مساعدات إلى السويداء
وعلى صعيد الوضع الإنساني، دخلت قافلة مساعدات إغاثية وغذائية إلى محافظة السويداء تحت إشراف الهلال الأحمر العربي السوري. وذكرت وكالة “سانا” الرسمية أن القافلة تضم أيضا صهريجي غاز، وقد دخلت عبر ممر بصرى الشام الإنساني في محافظة درعا المجاورة.
وفي سياق متصل، أعلنت “اللجنة القانونية العليا في السويداء” التي تشكلت قبل أيام، خلال اجتماعها اليوم بحضور مدير التجارة الداخلية وحماية المستهلك، ومدير فرع المخابز، وممثلين عن مديرية المطاحن والقطاع الخاص، عن تحديد سعر ربطة الخبز في الأفران العامة والخاصة بـ2000 ليرة سورية. وقالت اللجنة في بيان إنه سيُعمل بالقرار اعتباراً من يوم غد الاثنين وذلك في إطار ما وصفته اللجنة بـ”مقتضيات المصلحة العامة” وبالنظر إلى الظروف الحالية التي تمر بها المحافظة. وارتفع سعر ربطة الخبر إلى أرقام كبيرة في الآونة الأخيرة داخل السويداء، فيما تباع خارج السويداء بنحو 5000 ليرة سورية، أي حوالي نصف دولار.
وذكرت عضو لجنة الإغاثة في المحافظة ديانا مقلد لـ”العربي الجديد” أن المجتمع المحلي متعاون في المحافظة، ولفتت الى أن المخاوف تتركز حاليا على الوضع الصحي بسبب قلة المياه، مشيرة إلى أن المساعدات تصل، لكن في الحد الأدنى، باستثناء مادة البنزين التي لا تصل إلا نادرا.
——————–
عمامات مرجعيات دروز سوريا في ذات الخندق من جديد/ طارق علي
ما مزقته السياسة جمعته آلة الموت… وبيانا الحناوي وجربوع ركزا على شكر موفق طريف
الاثنين 11 أغسطس 2025
فوجئ متابعو وسائل التواصل الاجتماعي والمهتمون بالشأن السوري بل والحكومة نفسها السبت الماضي، ببيان مصور من شيخ العقل، الهرم عمرياً، حمود الحناوي يلقي فيه خطاباً لم يكن مألوفاً عليه طوال سنوات الثورة وما بعدها.
لم يكن خلاف المرجعيات الدينية الروحية الثلاث في السويداء مرتبطاً فقط بمرحلة ما بعد سقوط النظام، بل كانت بوادره قد ظهرت قبل ذلك بكثير وتمثلت بشرخ واضح لا يمكن لأحد تجاهله، ولكن هذا الشقاق تبلور أكثر حيال رؤية كل طرف لمسار الأمور بعد سقوط نظام الأسد ووصول الإدارة الجديدة، ومن بين مشايخ العقل الثلاثة، برز الشيخ حكمت الهجري بموقفه الحاد والصلب والرافض للحكومة الجديدة مانعاً أرتالها وقواتها من دخول محافظة السويداء معقل الدروز جنوب سوريا، قبل أن تتخذ تصريحاته منحى تصعيدياً في وقت لاحق، واصفاً تلك الحكومة بغير الشرعية والإرهابية والمطلوبة دولياً، قائلاً “لا وفاق ولا توافق معها”، فيما احتفظ الشيخان الآخران يوسف جربوع وحمود الحناوي بمواقف معتدلة وأكثر ميلاً للسلطة، إلى أن انفجرت الأحداث الدموية في الجنوب أواسط يوليو (تموز) الماضي واندلعت مواجهات عسكرية أسفرت عن سقوط أكثر من 1500 قتيل و500 مفقود بحسب توثيقات المرصد السوري لحقوق الإنسان، ليعود الشيخ الهجري للظهور كقائد شعبي للمرحلة، يدير خيوط اللعبة السياسية والعسكرية والاجتماعية والأمنية في المحافظة، مبقياً على علاقات متينة في الداخل والخارج مع أطراف متعددة، مطالباً ومركزاً في كل بيان وخطاب على ضرورة الحماية الدولية مع التشديد المتكرر على رفضه “سلطة الأمر الواقع”.
في الأثناء وعلى وقع المجازر كانت هالة الهجري الشعبية تزداد، وشخصيته تتبلور، وقوته تتضح، فيما ابتعد الشيخان الآخران عن قدرة تحريك الشارع أو التأثير به تحت وطأة المجازر وعنفها مع احتفاظهما بخطابهما البراغماتي المناهض لخطاب الهجري نفسه، حتى إنهما راحا أبعد من ذلك في تبني مصالحة وخطة طريق مع الدولة وإبرام اتفاقات هدنة ووقف إطلاق نار ومصالحة سياسية وانكفاء في حضنها ولكن ذلك أدى لمزيد من التراجع في شعبيتهما، لذا كان يمكن تلخيص الموقف بوضوح تحت ضراوة الحدث، الهجري يصارع، والحناوي وجربوع يتفقان مع الحكومة، لكن فجأة انقلبت أدوار اللعبة وحصل ما لم يكن متوقعاً فجأة ومن دون سابق إنذار، فما الذي تغير؟
الموقف غير المتوقع
فوجئ متابعو وسائل التواصل الاجتماعي والمهتمون بالشأن السوري بل والحكومة نفسها أول من أمس السبت، ببيان مصور من شيخ العقل، الهرم عمرياً، حمود الحناوي يلقي فيه خطاباً لم يكن مألوفاً عليه طوال سنوات الثورة وما بعدها، شيخ العقل الذي ينحدر من قرية سهوة البلاطة جنوب السويداء التي شهدت أحداثاً دموية بدورها قال مباغتاً اتفاقات سابقة كان موافقاً عليها “لقد ابتلينا بسلطة ومن معها لا عهد لهم ولا ذمة، سلطة باعت الوطن في سوق المساومات، فطعنت أهله قبل أن تطعن حدوده، حتى غدت في وجداننا حكومة الغدر، التي نقضت المواثيق، وانقلبت على القيم، وارتضت أن تكون سيفاً مسلولاً على رقاب الأبرياء، بفتاوى فكرها الظلامي الجهادي المتطرف، المستبيح للدماء والأعراض والمقدسات والحقوق”.
ويكمل، “واليوم، وعلى رغم الحصار الجائر الخانق للسويداء في لقمة العيش والدواء والمحروقات ودمار البنية التحتية، بما فيها الماء والكهرباء والاتصالات، فإنها لن تركع إلا لله، وستظل شامخة كالسنديان، صامدة كالصخر في وجه الطغيان. فليعلم الجميع أن معركتنا اليوم لم تعد بنداً في جدول السياسة، ولا ورقة في صفقات المساومة، بل غدت قضية وجود ومصير لكل أبناء الجبل وأهلنا أينما وجدوا، وجود إما أن نصونه بدمائنا وإرادتنا، أو نمحى من صفحات الأرض والتاريخ. ونطالب جميع الدول والمنظمات الدولية والإنسانية بتحمل مسؤولياتها والضغط الفوري لرفع الحصار الجائر المفروض على محافظة السويداء، وفتح الممرات الإنسانية دون قيد أو شرط. ونطالب المجتمع الدولي بالتحقيق ومحاسبة المتورطين بجميع الجرائم الوحشية المرتكبة في حق أبناء طائفتنا ووجودهم”.
بدا موقف الشيخ الحناوي بما قاله من كلام صادماً وغير متوقع في دمشق وفق ما تقوله مصادر مطلعة، فالشيخ الذي لعب دوراً في التهدئة وقبول التقرب من السلطة على أسس يعتقد بها من وجهة نظره، ضرب بها عرض الحائط بعدما كاد يمر شهر على الأحداث. التوقيت بحد ذاته غريب، مما يطرح تساؤلات عن تحالفات جديدة نسجت داخل جسد السويداء والمجتمع الدرزي بعدما حصل هناك ولا يزال يحصل من سبل الحصار، وما يقول أهل المدينة إنه تجويع متعمد ومستمر في ظل نقص كل ما يمكن أن يقال إنه أدنى مستلزمات العيش من وقود وخبز وطبابة وبنى تحتية واتصالات وغيرها.
ثقة و”غدر” وندم
آخرون رأوا في بيان الحناوي أنه دليل حاسم لإنهاء سردية “عصابات الهجري المتطرفة” التي يتم الترويج لها بكثرة عبر منصات الإعلام المختلفة، وذلك لأن الحناوي وثق بحكومة دمشق ووعودهم ورفض مقاومة دخولهم بالسلاح بعدما تلقى وعود وضمانات بألا تحصل معارك أو اشتباكات أو مجازر أو أعمال عدائية تمس الأهالي أو الممتلكات، وأن مهامهم محصورة ببسط الأمن، لكن واحداً من أول الأشياء التي فعلها المقاتلون، غير المنظمين في الأقل أو “الفزعات”، كانت الدخول إلى قريته ومقر رئاسته الروحية وقتل كثير من الناس بينهم أقاربه، ولذا وصفهم بـ”حكومة الغدر”، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه خلال بيانه ألقى بعتبه على أهل حوران المجاورة “درعا”، معتبراً إياهم أنهم طعنوهم في ظهورهم.
المتخصص في مجال العلوم السياسية موفق بيشان قال، إن الشيخ الحناوي وهو سليل عائلة تتوارث المشيخة منذ قرون، التزم الصمت طويلاً واختار المهادنة والاتفاقات، لكن بعد رؤيته لما حصل، منحه ذلك دافعاً كبيراً لخروجه ببيان ذي سقف مرتفع، مضيفاً أن “المرجع الروحي الحناوي يعد أنه وطائفته تلقوا طعنات غدر وخيانة، وأن كل ما عمل عليه في سبيل التحالف مع السلطة حتى في أتون المعركة، اتضح في النهاية أنه لا قيمة له على الأرض أمام آلة القتل التي شاهدها وهي تطيح أهله وأناسه، ولذلك جاء موقفه متصلباً وعنيفاً للغاية على رغم بلوغه هذا العمر المتقدم. لا أدري إن كان بدأ الآن للتو بالتنسيق مع الشيخ الهجري، ولكنه بالتأكيد أعطى الهجري الآن شرعية أكبر بكثير من السابق، إذ اتضح بالنسبة إلى الدروز في الأقل أن الهجري كان ينظر من زاوية أبعد، والآن خسرت السلطة من كان في صفها من مشيخة العقل بينما كان يمكن أن تتفادى ذلك وتركز في صراعها على الهجري لا على مجتمع كامل تمثله المرجعيات المحدودة، ومن ثم فإن هذه الخطوة ستعري بعض أصوات المشايخ المتحالفين مع السلطة بشدة بغض النظر عن وزن تمثيلهم الحقيقي كمثل ليث البلعوس وغيره، وكذلك بعض الأصوات السياسية الدرزية اللبنانية التي باتت تبعد سنين ضوئية عن إمكانية إحداث فرق في الموقف الدرزي داخل سوريا”.
اصطفاف المرجعيات
بيان الحناوي الذي جاء في الصباح وشغل معه المهتمين تحليلاً وقراءة، ما كادوا ينتهون منه حتى ظهر الشيخ يوسف جربوع، الضلع الثالث في مشيخة عقل الموحدين الدروز، في بيان مساء ذات اليوم. وجربوع من بين الجميع كان الأكثر قرباً وتحالفاً مع السلطة واعتراضاً على قرارات الهجري، لكنه كما الحناوي، خلط الأوراق دفعة واحدة، ليبرز السؤال من جديد عن التوقيت الموحد واحتمالية التنسيق الجماعي بين المرجعيات التي لم تتفق منذ سنوات طويلة. وفي بيانه، اصطف جربوع إلى جانب الحناوي والهجري في مهاجمة الحكومة.
ووصف الشيخ جربوع ما حصل بأنه “هجوم من التتر لارتكاب أعمال قتل طائفية وحشية ترقى إلى التطهير الطائفي الممنهج”، محملاً الحكومة المسؤولية في ذلك. وطالب في بيانه بتشكيل لجنة تحقيق دولية محايدة بأحداث السويداء. كما دعا إلى وقف العمليات القتالية في المحافظة، والإفراج عن جميع المخطوفين والمغيبين، وفتح المعابر الإنسانية من دون قيد أو شرط. وأشار الشيخ إلى أن المحافظة شهدت في الأيام الماضية أحداثاً مؤلمة، حاولت خلالها القوى المحلية بذل الجهود لحقن الدماء وحماية المدنيين. ودعا الدول الضامنة والمنظمات الحقوقية والإنسانية إلى تحمل مسؤولياتها واتخاذ مواقف إنسانية ترفع الظلم عن الأبرياء. واشترك بيانا الشيخين الحناوي وجربوع في التركيز على شكر شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز في إسرائيل، موفق طريف.
الدنمارك والسويداء ومجلس الأمن
في الموازاة صاغت الدنمارك مسودة تتناول الوضع السوري أخيراً وقدمته إلى مجلس الأمن على خلفية اندلاع الاشتباكات في البداية بين مقاتلين من القبائل البدوية وجماعات درزية، التي تفاقمت بين 14 و16 يوليو (تموز) الماضي بعد نشر قوات الأمن التابعة للسلطات السورية الموقتة في المنطقة. لاحقاً، شنت إسرائيل غارات جوية استهدفت قوات الأمن السورية ومباني، بما في ذلك في دمشق.
ووفق المسودة فقد أفاد مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان أنه تلقى تقارير موثوقة عن إعدامات ميدانية وقتل تعسفي وخطف ونهب في السويداء. ومن بين الجناة المذكورين عناصر من قوات الأمن وأشخاص مرتبطون بالسلطات في دمشق، إضافة إلى “عناصر مسلحة” أخرى، بما في ذلك من المجتمعين الدرزي والبدوي. ووفقاً للأمم المتحدة، تسببت الأعمال العدائية في نزوح قرابة 191 ألف شخص، وأثرت في توفير الخدمات الأساسية في المنطقة، وقيدت إيصال المساعدات.
وبحسب تدوينة للسياسي والإعلامي السوري – الأميركي أيمن عبدالنور فإنه “في 28 يوليو الماضي، وبعد الإحاطة الشهرية للمجلس حول سوريا، عقد أعضاء المجلس مشاورات مغلقة بناءً على طلب الدنمارك. وخلال الاجتماع، أبلغت الدنمارك، بصفتها صاحبة القلم الإنساني في شأن سوريا، الأعضاء بنيتها تقديم مسودة بيان رئاسي في شأن العنف في السويداء، يركز على الجانب الإنساني”.
في 29 يوليو، وزعت الدنمارك مسودة أولية (صفرية) للبيان الرئاسي. وبعد جولة أولى من التعليقات، ومسودة منقحة، وجولة ثانية من التعليقات، وضعت المسودة الثانية تحت “إجراء الصمت” في الرابع من أغسطس (آب) الحالي. كسر الصمت لاحقاً من قبل أعضاء “A3 Plus” (الجزائر، سيراليون، الصومال، وغيانا)، وباكستان، وفرنسا. وبعد مناقشات ثنائية مع عدد من الأعضاء، وضعت الدنمارك في السابع من أغسطس نصاً منقحاً ثالثاً تحت الصمت حتى اليوم التالي. واجتاز البيان الصمت بعد ظهر الجمعة (الثامن من أغسطس).
في البيان الرئاسي المتفق عليه، أعرب المجلس عن قلقه العميق إزاء تصاعد العنف في السويداء و”أدان بشدة العنف المرتكب ضد المدنيين”. ودعا جميع الأطراف إلى الالتزام بـ”ترتيب وقف إطلاق النار” وضمان حماية المدنيين.
قضية أخرى مثيرة للجدل كانت ما إذا كان يجب ذكر الأعمال العسكرية الإسرائيلية في سوريا بشكل صريح. المسودة الأولى تضمنت إشارتين مباشرتين لإسرائيل: واحدة في سياق وصف التصعيد في السويداء، وأخرى في دعوة الدول لاحترام سيادة سوريا واستقلالها ووحدتها وسلامة أراضيها. كما تضمن البيان لغة حول تهديد الإرهاب في البلاد، بناء على طلب الصين. وأشار إلى تقرير فريق الدعم التحليلي ورصد الجزاءات للجنة عقوبات “داعش” و”القاعدة” الصادر في 24 يوليو. وأعرب عن “قلق بالغ إزاء الخطر الحاد الذي يشكله المقاتلون الإرهابيون الأجانب”. وأكد ضرورة أن تعالج السلطات السورية هذا التهديد.
اجتماع مستعجل
وفي انتظار صدور قرار مجلس الأمن حول الورقة الدنماركية، أفاد مصدر سوري مطلع وآخر أردني لـ”اندبندنت عربية” عن إجراءات مكوكية متسارعة يقودها السفير الأميركي لدى تركيا، المبعوث الخاص إلى سوريا توم براك، لعقد جولة مفاوضات مستعجلة للغاية بين الحكومة السورية وممثلين عن الدروز في العاصمة الأردنية عمان، وذلك بعد تواصل المبعوث مع الجانب السوري ومع نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي ونظيره التركي، وأطراف عربية أخرى فاعلة، بهدف إتمام مؤتمر مستعجل من شأنه امتصاص الاحتقان والتوصل إلى صيغة تفاهمية مستديمة تحفظ حقوق جميع الأطراف وتوقف نزف الدماء وسط دعم إقليمي ودولي واسع لإنجاح هذا اللقاء المتعلق بالسويداء.
الاتصالات الأولية بين القيادات المعنية اتفقت أن يتم عقد الاجتماع قرابة نهاية الأسبوع المقبل، وسط أجواء من الحذر والتفاؤل، وسعي حثيث ليكون الشيخ الهجري حاضراً شخصياً وسط تلك المفاوضات. مصادر خاصة قالت لـ”اندبندنت عربية” إنه من المستبعد أن يحضر وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني الاجتماعي لدواع متفق عليها ولا تمس بالسيادة السورية بطبيعة الحال أكثر منها إجراءات سياسية، فيما قد ينوب عنه قادة أمنيون وسياسيون محليون على رأسهم قادة الأمن الداخلي في محافظات الجنوب ومحافظ السويداء، وهو ما يعني أن احتمالية حضور الهجري أيضاً ضئيلة للغاية.
وفي هذا الشأن يقول الباحث السياسي علي عزيز، “إذا كان وزير خارجية سوريا لن يحضر، والهجري لن يحضر، فلمن سيقام المؤتمر إذاً؟ ليحضره الدروز الموالون للحكومة السورية؟ لا أستبعد ذلك، فالمبعوث الأميركي أثبت أنه يجيد الإخفاق في معظم الملفات التي تولاها، وأنه يضرم النار أكثر مما يخمدها، هذه الاجتماعات المصيرية التي تبنى على عجالة لا يمكن أن تقدم أو تؤخر في شيء، الحل واضح ومرئي وطريقه بين، حوار وطني واسع وشامل وجامع لكل المكونات وعلى الأراضي السورية من دون استثناء أو إقصاء لأي طرف. ومن هنا كان على اللبيب أن يفهم بعدما شاهدوا الهجري حاضراً بالفيديو في مؤتمر الأكراد في شرق سوريا قبل أيام، وبأن الطريق نحو الفيدرالية هو أقصر الحلول التي تكفل حفظ الدماء، وهي مطالب مكونات الجنوب السوري، والساحل، والجزيرة حيث الأكراد”.
—————————
جدل واتهامات وتضارب روايات بعد فيديو “إعدام ميداني” بالسويداء
11/8/2025
ضجت منصات التواصل الاجتماعي السورية بمقطع فيديو انتشر من مستشفى السويداء، يظهر مسلحين يرتدون زي الأمن السوري والجيش وهم ينفذون عملية إعدام بحق شخص يرتدي زي الطواقم الطبية.
انتشر الفيديو كالنار في الهشيم بين مستخدمي وسائل التواصل -وتتحفظ الجزيرة نت عن نشره بسبب المشاهد القاسية- وأثار جدلا واسعا حول حقيقة الواقعة وتفاصيل ما جرى بين الشخص الذي ظهر بزي طبي وعناصر الجيش والأمن.
تفاصيل الواقعة وتضارب الروايات
نشرت صفحة “السويداء 24” مقطع فيديو قالت إنه مأخوذ من كاميرات المراقبة في مشفى السويداء الوطني، ويظهر لحظة قيام عناصر من “وزارة الدفاع” و”الأمن الداخلي” باحتجاز الكادر الطبي في المشفى يوم 16 يوليو/تموز 2025، وتنفيذ جريمة إعدام ميداني بحق أحد أفراد الطاقم. وأكدت الصفحة أن الفيديو يُعد دليلا دامغا على تورط قوات الحكومة الانتقالية في استهداف الكوادر الطبية، وتحويل المشفى إلى ساحة لارتكاب جرائم قتل وإعدامات ميدانية وتصفيات جرحى.
وبينما ذكرت الصفحة أن الضحية أحد أفراد الكادر الطبي، كتبت صاحبة حساب، نوران أحمد على منصة “إكس” ناعية زميلها في الدراسة الجامعية في الهندسة المدنية، قائلة: “اليوم أنعى زميلي وصديقي على مقاعد الدراسة الجامعية… تخرجنا معًا وحصلنا على شهادة الهندسة المدنية”.
جدل واسع وتحليل لفحوى الفيديو
وانقسم رواد منصات التواصل في تحليل الحادثة، فبينما اعتبرها البعض جريمة مدانة بحق الطواقم الطبية، رأى آخرون أن ما حدث كان ردة فعل بعد محاولة الشخص انتزاع سلاح أحد عناصر الجيش والاعتداء عليه.
وتساءل نشطاء: “هل الفيديو إدانة صريحة لممثلي الحكومة السورية على الأرض، أم أنه رد فعل متوقع بعد هجوم شخص حاول نزع سلاح عناصر الأمن؟”.
وأشار آخرون إلى أن الضحية، مهندس مدني، وكان يرتدي زيا مخصصا لغرف العمليات أو العزل، متسائلين عن سبب ارتدائه هذا الزي، وطالبوا بالكشف عن تسجيلات الكاميرات لما حدث لاحقا، ولما جرى لمئات القتلى في المقابر الجماعية. واعتبروا أن الانتقائية في الطرح تخفي الحقيقة بدلا من كشفها.
وسرد بعضهم التسلسل الزمني لأحداث الفيديو كما يلي: أن أرض المستشفى كانت غارقة بالدماء قبل دخول الجيش، ثم خرج عناصر الجيش من المصعد وجمعوا الكادر الطبي في مكان واحد. وبعد ذلك دخل عنصر أمن مصاب وأشار إلى شخص يشتبه بتورطه، فحاول عناصر الجيش اعتقاله، إلا أن الشخص قاوم واعتدى على أحدهم وحاول خنقه، فجرى إطلاق النار عليه وإعدامه ميدانيا. ولم يتم التعرض لغيره.
في المقابل، طالب ناشطون بتحقيق فوري في مقتل الشخص الذي ظهر بالفيديو، والذي قيل إنه متطوع ضمن الطاقم الطبي في مستشفى السويداء.
واعتبر آخرون أن مقاطع الفيديو من المستشفى صادمة، مشيرين إلى تكرار الانتهاكات بحق المرافق الصحية والعاملين فيها خلال السنوات الماضية، ومؤكدين ضرورة حماية حرمة هذه المرافق والعاملين فيها وفق القانون الدولي الإنساني.
دعوات للتحقيق وتحمل المسؤولية الرسمية
وأكد العديد من المدونين أن على وزارة الداخلية أو الدفاع أن تتحمل المسؤولية كاملة، وأن تباشر التحقيق في جريمة القتل التي ظهرت بشكل علني في الفيديو، مع إعلان نتائج التحقيق بشفافية، وعدم السماح لأي طرف بأن ينصّب نفسه قاضيا أو محامي دفاع. فالدولة ومؤسساتها هي المسؤولة عن إنفاذ القانون، وقد أكدت مرارا أنها ستحاسب مرتكبي الانتهاكات.
وعلى ضوء الجدل المتصاعد، أصدرت وزارة الداخلية السورية بيانا قالت فيه إنها تتابع الفيديو المؤلم المنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي، والذي أُشير إلى أنه صُوّر داخل المشفى الوطني في السويداء. وأكدت الوزارة “إدانتها واستنكارها الشديد لهذا الفعل”، مشيرة إلى أن الفاعلين سيُحالون إلى القضاء لينالوا جزاءهم العادل بغض النظر عن انتماءاتهم.
وأضافت الوزارة أنه، وبتوجيه من وزير الداخلية، تم تكليف اللواء عبد القادر الطحان، المعاون للشؤون الأمنية، بالإشراف المباشر على مجريات التحقيق لضمان الوصول إلى الجناة وتوقيفهم بأسرع وقت ممكن.
———————–
مجلس الأمن يدعو للالتزام بوقف إطلاق النار بالسويداء
الاثنين 2025/08/11
دعا مجلس الأمن الدولي جميع الأطراف في السويداء إلى الالتزام بوقف إطلاق النار وحماية السكان المدنيين، معرباً عن قلقه إزاء أعمال العنف التي اندلعت في المحافظة منذ 12 تموز/يوليو.
نزوح 192 ألف شخص
وأدان المجلس في بيان رئاسي، أعمال العنف التي ارتكبت بحق المدنيين في السويداء، وشملت عمليات قتل جماعي وفقدان الأرواح، وأدت إلى نزوح نحو 192 ألف شخص داخلياً.
ودعا جميع الأطراف إلى ضمان إيصال المساعدات الإنسانية من قبل الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، إلى المتضررين في السويداء وجميع أنحاء سوريا، كما دعا إلى ضمان معاملة جميع الأشخاص معاملة إنسانية، بمن فيهم أي شخص استسلم أو جُرح أو احتُجز أو ألقى سلاحه.
وأكد على “السلطات المؤقتة” في سوريا، توفير الحماية للسوريين جميعهم بغض النظر عن الانتماء العرقي أو الديني، كما شدد على أن التعافي الحقيقي في سوريا، لن يتحقق دون تدابير حقيقية لتوفير الأمان والحماية للسوريين كافة.
وشهدت السويداء في تموز/يوليو، اشتباكات عنيفة ودامية بين البدو والدروز، تدخلت على إثرها القوات السورية، قبل أن تتدخل إسرائيل لصالح المجموعات المقاتلة من الدروز. وسقط خلال هذه الأحداث، نحو 1500 قتيل معظمهم من المدنيين، في ظل انتهاكات جسيمة ارتكب بحق الدروز والبدو من المدنيين.
محاسبة المتورطين
ورحّب البيان بإدانة السلطات السورية لأعمال العنف وعزمها اتخاذ إجراءات للتحقيق فيها ومحاسبة المسؤولين عنها، كما دعاها إلى ضمان إجراء تحقيقات موثوقة وسريعة وشفافة ونزيهة وشاملة وفقَ المعايير الدولية، تشمل مساءلة جميع مرتكبي أعمال العنف وتقديمهم إلى العدالة بغض النظر عن انتماءاتهم.
وأشار المجلس إلى القرار 2254، مؤكداً التزامه “القوي” بسيادة سوريا واستقلالها ووحدتها وسلامة أراضيها، وأهاب بجميع الدول أن تحترم تلك المبادئ.
وأدان البيان جميع أشكال التدخل السلبي في عملية الانتقال السياسي والأمني والاقتصادي في سوريا، مؤكداً أن هذه التدخلات تقوض الجهود الرامية إلى استعادة الاستقرار في البلاد، كما دعا جميع الدول إلى الامتناع عن أي عمل أو تدخل قد يزيد من زعزعة استقرار البلد.
احترام فض الاشتباك
ودعا مجلس الأمن إلى احترام اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، بما في ذلك المبادئ المتعلقة بالمنطقة العازلة، وكذلك ولاية قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك، مشدداً على جميع الأطراف أن تتقيد بأحكامه وأن تحافظ على الهدوء وتخفف حدة مظاهر التوتر.
وأعرب عن قلقه البالغ من حدة التهديد الذي يشكله “المقاتلون الإرهابيون الأجانب”، مشيراً إلى أن هذا التهديد قد يؤثر في المناطق والدول الأعضاء جميعاً.
عملية سياسية جامعة
ودعا مجلس الأمن إلى تنفيذ عملية سياسية شاملة للجميع يقودها السوريون، استناداً إلى المبادئ الرئيسية الواردة في القرار 2254، بما في ذلك حماية حقوق السوريين كافة، بغض النظر عن انتمائهم العرقي أو الديني.
وشدد على ضرورة أن تلبي هذه العملية السياسية التطلعات المشروعة للسوريين قاطبة وأن تحميهم جميعا وتمكّنهم من تقرير مستقبلهم على نحو سلمي ومستقل وديمقراطي.
وجدد مجلس الأمن التأكيد على أهمية دور الأمم المتحدة في دعم عملية الانتقال السياسي في سوريا، وفق المبادئ التي ينص عليها القرار 2254، معرباً عن دعمه لجهود مكتب المبعوث الخاص للأمم المتحدة غير بيدرسن في هذا الصدد.
————————–
=================
تحديث 10 آب 2025
————————
اجتماع عَمان من أجل السويداء: تحضيرات عاجلة لمفاوضات بين الأطراف/ منهل باريش
10 آب 2025
يجري المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توماس براك اتصالات مكثفة مع نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي إضافة إلى وزراء خارجية عرب آخرين ووزير الخارجية التركية، استعدادا لعقد جولة مفاوضات بين الحكومة السورية وممثلين عن طائفة الموحدين السوريين الدروز في العاصمة عمّان، حسب ما أفاد مصدران أحدهما أمريكي وآخر سوري لـ«القدس العربي».
وأضاف المصدر الدبلوماسي الأمريكي أن هناك رغبة دولية وإقليمية بانجاح المؤتمر. وتسعى الأطراف الدبلوماسية لاقناع الشيخ حكمت الهجري بالحضور شخصيا وحضور وجهاء من أبرز العائلات الدرزية وقادة أشهر الفصائل الدرزية بدون معرفة ما إذا ستتوجه دعوات لسليمان عبد الباقي وليث البلعوس الموالين للحكومة المؤقتة لحضور اجتماع عمان المقرر انعقاده نهاية الأسبوع المقبل حسب الاتصالات الأولية الجارية. وتعلق الدبلوماسية الدولية والإقليمية أملا كبيرا على الاجتماع المزمع انعقاده إلا أن الأوساط النشطة للتحضير للمؤتمر لا تتتوقع حضور الشيخ الهجري في ظل غياب وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني واقتصار التمثيل الرسمي على قائد الأمن الداخلي في السويداء أحمد الدالاتي وقائد الأمن العام في درعا شاهر عمران إضافة لمحافظ السويداء مصطفى البكور.
مؤتمر «وحدة الموقف»
في سياق منفصل، أتى مؤتمر «وحدة الموقف» لمكونات شمال شرق سوريا ليرفع سقف مطالب «قسد» قبيل مؤتمر باريس الذي ترعاه فرنسا وأمريكا وبريطانيا، والذي من المقرر أن يحضره وزير الخارجية السورية أسعد الشيباني من جهة الإدارة السورية وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي والهام احمد من جهة أخرى، خصوصا بعد أن نجح مجلس سوريا الديمقراطي بحشد أطياف متنوعة واقنع كلا من الشيخ غزال غزال والشيخ حكمت الهجري والشيخ مرشد معشوق الخزنوي والمطران موريس عمسيح، كممثلين عن «المجلس العلوي» و«طائفة الموحدين الدروز» والمشيخة الكردية والمسيحيين.
وفي تطور لافت، ظهر القيادي الكردي البارز سيبان حمو بعد سنوات من الغياب الرسمي والإعلامي، حيث كان عام 2018 آخر ظهور علني له، ويعتبر حمو القائد العام لوحدات «حماية الشعب» الكردية وعضو اللجنة العليا لقيادة «قسد»، ويأتي ظهوره ليفسر تشددا في الموقف الكردي من المفاوضات مع دمشق.
واعتبر في تصرحات صحافية على هامش «وحدة الموقف» أن المشروع الديمقراطي في سوريا لن يتوقف، مؤكدا على أن «قسد» لن تقبل بأي صيغة تعيد الأوضاع إلى ما كانت عليه في الماضي.
وشدد على العمل «من أجل بناء سوريا لامركزية»، ورفض «التعامل مع بعض الحقوق الفردية على أنها منحة من أحد». وحول الموقف التركي من «قسد» قال إن القوات الكردية «لا تشكل أي تهديد لتركيا، وأن الادعاءات بعكس ذلك تهدف فقط لتبرير التدخلات».
وفي تحد هو الأول من نوعه لقيادي كردي موجه إلى حكومة الشرع، حذر حمو من أن الاستمرار في ذات النهج «سيقود إلى الهزيمة والتفكك كما حصل مع حزب البعث». موضحا موقف «قسد» انها «لن تنضم إلى الجيش السوري» في حال استمر هذا المسار، وختم تصريحاته بالقول «نحن نملك خيارات بديلة ولسنا عاجزين».
وتعتبر تصريحات حمو بمكانة انعطافة جديدة في موقف «قسد» وتمسكا أكثر صرامة بشروطها ورؤيتها لتطبيق اتفاق 10 آذار (مارس) بين الشرع وعبدي. ومن الواضح أن «قسد» ستذهب لتطوير علاقتها مع الهجري وغزال وما يمثلان سياسيا واجتماعيا والاستثمار بها في مواجهة الحكومة الانتقالية. كما يؤشر ظهور سيبان حمو المفاجئ إلى ان القيادة العليا اتخذت قرارا بالتخلص من إرث مظلوم عبدي المنفتح على الحوار والذي يسهل عليه تقديم التنازلات لمصلحة دمشق.
دعم أمريكي
على صعيد العلاقة بين واشنطن ودمشق، يستمر الدعم السياسي الأمريكي لدمشق وينعكس في أشكال مختلفة، فقد أكدت وزارة الخارجية الأمريكية، على مواصلتها دعم الاستقرار والاندماج في سوريا، ودفع عملية الحوار بين حكومة دمشق، وقوات سوريا الديمقراطية «قسد»، ودعم بناء حكومة شاملة تشمل كافة الأطراف وتمثلهم، مشددة على أن الشعب السوري يستحق السلام.
تصريحات الخارجية الأمريكية جاءت على لسان المتحدثة باسم الوزارة، تامي بروس، خلال مؤتمر صحافي عقدته في مقر وزارة الخارجية الأمريكية في واشنطن، الثلاثاء.
وقالت بروس، إن المهم هو العمل على استقرار سوريا، وأن موقف الولايات المتحدة تجاه سوريا لا يزال قائمًا، و«عندما يتعلق الأمر بكيفية حل المشكلات تبقى الديمقراطية والدبلوماسية، أمرا حيويًا».
وأشارت المتحدثة إلى أن موقف واشنطن بشأن سوريا لم يتغير، مؤكدة على أن الحل السياسي في البلاد يجب أن يكون من خلال حكومة جامعة وشاملة، تقود سوريا نحو الاستقرار والسلام، ولفتت بروس إلى أن الولايات المتحدة تناقش مع الإدارة السورية الجديدة إصلاحات من شأنها أن تنشئ إدارة شاملة تضمن تمثيل جميع السوريين.
وأشادت مرحبة باللقاءات والاجتماعات القائمة بين حكومة دمشق، وقوات «قسد»، وأكدت على أهمية اندماج قوات الأخيرة ضمن الجيش السوري الجديد، وعلى ضرورة هذه الخطوة في سبيل تعزيز وحدة المؤسسات العسكرية في سوريا وضمان استقرارها، ودعت إلى تحويل «وقف إطلاق النار» في شمال شرق سوريا إلى سلام مستدام وشامل.
وقالت بروس، إن سوريا «تستحق الاستقرار، وشعبها يستحق السلام»، وأكدت على أن الالتزام الأمريكي بدعم عملية سياسية مستمر.
ومن الناحية العملية، لفتت المتحدثة إلى أن سفير الولايات المتحدة في تركيا، والمبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم براك، يواصل المحادثات مع جميع الأطراف لضمان الأمن والهدوء للسوريين كافة.
وفي هذا السياق، قال براك يوم الاثنين، في تغريدة له على منصة اكس، إن أمريكا تعمل مع فرنسا، لدمج مناطق شمال شرق سوريا التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية «قسد»، ضمن سوريا الموحدة.
وأضاف، «الدبلوماسية هي الطريق الأمثل لوقف العنف والوصول لحل سلمي»، مؤكدًا على أن الولايات المتحدة تعمل للوساطة للوصول إلى حل في السويداء، كما أنها تعمل مع فرنسا للوساطة في دمج شمال شرق البلاد في حكومة واحدة.
وأتت تصريحات المبعوث الأمريكي، على خلفية عودة المناوشات في محيط السويداء، بين قوات «درزية» موالية للشيخ حكمت الهجري، وقوات تابعة لحكومة دمشق، من جهة، واشتباكات بين قوات الأخيرة وقوات «قسد» في منبج من جهة أخرى، الأحد الفائت.
وفي هذا الجانب، حث براك جميع الأطراف على التمسك بالهدوء، وحل الخلافات بالحوار لا بسفك الدماء.
وكانت اشتباكات قد اندلعت في السويداء مساء الأحد الفائت، على خلفية هجوم شنته قوات موالية «للهجري» على مواقع للأمن العام التابع لوزارة الداخلية في الحكومة السورية، في قريتي ريمة حازم وولغا، وعلى تل حديد، بريف السويداء الغربي، ما أسفر عن مقتل عدد من عناصر الأمن العام الذي انسحب من مواقع لساعات قبل العودة إليها مجددًا.
كما تبادلت القوات الحكومية، وقوات «قسد» القصف المدفعي في منطقة منبج في نفس اليوم، ما أدى إلى إصابات في صفوف القوات الحكومية، وقالت إدارة الإعلام في وزارة الدفاع السورية، إن قوات «الجيش السوري تمكنت من صد عملية تسلل لقوات قسد على إحدى نقاط الانتشار في محيط قرية الكيارية بريف منبج».
وأكدت على أن قوات «قسد» استهدفت بالقصف الصاروخي منازل المدنيين في القرية ومحيطها، بشكل «غير مسؤول، ولأسباب مجهولة».
إلى ذلك، أكد براك في مؤتمر صحافي عقده في واشنطن، في الأول من الشهر الجاري، على أن وزارة الخارجية الأمريكية لن ترفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية لـ «الإرهاب»، حتى ترى ما سيحصل في وقت لاحق من إدارة رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، لافتًا إلى أن التدخلات الإسرائيلية في سوريا «تعقد الأمور، لعدم التوصل لتفاهم بخصوص العلاقة بين سوريا وإسرائيل».
كما تعهد المبعوث الأمريكي بمحاسبة المسؤولين والمتورطين عن مقتل مواطن أمريكي من أصول سورية خلال الأحداث في السويداء، قائلاً إن «الحكومة السورية بقيادة أحمد الشرع تتعاون بشكل كامل مع مكتب التحقيقات الفيدرالي في القضية، وكل من يثبت ضلوعه بالجريمة سيعاقب»، مؤكدًا على أن الحقيقة ستكشف بالكامل، مضيفًا «الجهات المعنية تحاول تحليل الزي العسكري وتحديد تسلسل الأحداث في وسط الفوضى التي تزامنت مع الاشتباكات».
الجدير بالذكر، أن المواطن الأمريكي من أصول سورية، هو حسام سرايا من مدينة السويداء، اختطف في 16 حزيران (يونيو) الماضي على يد مجهولين، وظهر لاحقًا في مقطع مصور تم تداوله على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث ينفذ مجموعة أشخاص بزي عسكري الإعدام بحقه وحق عدد من أقاربه في السويداء.
وكانت وزارة الخارجية الأمريكية قد دعت – في وقتٍ سابق- خلال الشهر الماضي إلى فتح تحقيق فوري في مقتل حسام سرايا، ولفتت إلى أنها أجرت محادثات مباشرة مع دمشق بخصوص القضية.
عقبات التصنيف
بموازاة ذلك، كشف تقرير نشره موقع «المونيتور»، عن جهود دبلوماسية أمريكية هدفها رفع العقوبات الأممية والدولية المفروضة على رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع، ووزير الداخلية في حكومته أنس خطاب، بالإضافة إلى إعادة النظر في تصنيف «هيئة تحرير الشام» ضمن قائمة «الكيانات الإرهابية».
وأفاد التقرير، بأن الولايات المتحدة أنجزت مسودة قرار يخص هذا الأمر، وشاركته مع كل من بريطانيا وفرنسا، وتضمنت المسودة اقتراح توسيع الاستثناءات الإنسانية والتجارية، بما فيها استثناء محدود عن قرار سابق مفروض على حظر الأسلحة، ما يمكن وكالات تابعة للأمم المتحدة من استخدام معدات عسكرية لازمة في عملية «نزع الألغام».
وأضاف التقرير أن الولايات المتحدة عدلت على النسخة الأولية من القرار، كانت تتضمن بند شطب «هيئة تحرير الشام» من قائمة العقوبات، إلا أن توقعات من اعتراض كل من روسيا والصين على القرار دفع بتعديل المسودة، وتأجيل البند المرتبط بشطب تحرير الشام من القائمة.
ويعتقد متابعون أن دمشق قد كسرت الجليد مع موسكو بعد زيارة الشيباني إلى العاصمة الروسية ولقائه نظيره الروسي سيرغي لافروف. ومن المتوقع أن يكون جرى تحييد الموقف الروسي من قضية رفع تصنيف هيئة «تحرير الشام» وقائدها من القائمة السوداء في مجلس الأمم. هذا يعني ان الإدارة السورية الجديدة أصبحت أمام عائق وحيد هو «سور الصين». لكن الجهود الأمريكية الحثيثة في أروقة الأمم المتحدة في نيويورك ستفضي إلى حضور الشرع اجتماعات الجمعية العامة الـ79 نهاية ايلول (سبتمبر).
——————————
السويداء: جرح نازف وسط عجز عن ترميم النسيج المجتمعي/ هبة محمد
10 آب 2025
لم تلتقط محافظة السويداء في الجنوب السوري أنفاسها بعد، فما زالت المنطقة ذات الغالبية الدرزية ترزح تحت وطأة أزمة إنسانية ومعيشية خانقة، نتيجة الاشتباكات العسكرية التي تفجرت منذ 12 تموز/يوليو 2025. وفي قلب هذه العاصفة، غرقت السويداء في دوامة دامية من العنف والانتهاكات التي لم تترك بيتا آمنا ولا أسرة سالمة، فتحولت القرى والبلدات إلى مسارح لعمليات قصف عشوائي ومجازر مروعة، استهدفت الأحياء السكنية.
ومع تسارع الانهيار الإنساني، وثقت المنظمات المحلية والدولية حصيلة ثقيلة لمئات القتلى والجرحى، وعشرات آلاف النازحين الذين افترشوا المدارس ودور العبادة ومراكز الإيواء المؤقتة، وفي ظل نقص فادح في الغذاء والدواء والوقود، نتيجة مواجهات طاحنة بين القوات الحكومية والعشائر الموالية من جهة، وفصائل محلية مسلحة من جهة أخرى. دفع المدنيون الثمن الأفدح، بين قتل وتهجير قسري ونهب للممتلكات وانتهاك لحرمة الحياة.
ومع تعمق الجرح الاجتماعي، يبرز السؤال الملح: كيف يمكن وقف نزيف الدم وفتح طريق نحو حل دائم؟ فيما يطرح باحثون ومراقبون لـ «القدس العربي» مقترحات تتراوح بين مسارات سياسية وطنية شاملة، وتطبيق اللامركزية الإدارية، ووضع ترتيبات أمنية مؤقتة بإشراف عربي أو دولي، في محاولة لاستعادة الأمن وبناء الثقة وطي صفحة مأساة تهدد بتكرار نفسها إذا غابت الإرادة الحقيقية للتغيير.
نذر تصعيد إقليمي
الكاتب والأكاديمي السوري طلال عبد الله جاسم تحدث لـ «القدس العربي» عن مشهد بالغ الخطورة على الموحدين الدروز، وأهل السويداء عموما بكل فئاتهم بدو ومسيحيين، معتبرا أن الخطر ينسحب على سوريا كاملة كما ينذر بتصعيد على الإقليم.
وقال جاسم: وضع التدخل الإسرائيلي الفج والعنيف الساحة السورية أمام نذر مواجهة مع تركيا، ورغم ان الرئيس ترامب مارس ضغوطا كبيرة على تركيا وإسرائيل للتوافق حول سوريا إلا أن توافق باكو بات في مهب الريح.
ولقراءة واقعية للمشهد، يرى جاسم أن فهم تكوين قوات الشيخ الهجري أمر ضروري «إذ تضم خليطا من فلول النظام، وعصابات تهريب وتجارة الكبتاغون، إضافة إلى عناصر أمنية وعسكرية سابقة من أبناء السويداء، وفئات مسلحة داعمة للنظام ترتبط بعلاقات قديمة مع السياسي اللبناني وئام وهاب، فضلاً عن مقاتلين من أتباع المرجعية الدينية للهجري، وآخرين وجدوا أنفسهم في معركة فُرضت عليهم».
وبرأي الكاتب والباحث السياسي أن «الهجري لم يكن معنيا بأي اتفاق مع الحكومة، مدركا أن ذلك سيعني تفكك قواته وانقلابها عليه، فحاول تأمين غطاء عربي أو دولي لكنه أخفق، ولم يجد أمامه سوى إسرائيل، عبر شخصية دينية درزية بارزة وضباط من الجيش الإسرائيلي. هذه العلاقة، التي كانت سراً مكشوفاً، خرجت إلى العلن مع الهجوم الحكومي على خلفية اعتداء ميليشيات الهجري على عشائر بدو السويداء، في خطوة وصفها جاسم بأنها «كشف أوراق بلا اعتبار لمشاعر السوريين».
الحكومة ترتكب خطأ فادحا
وبرأي جاسم، ارتكبت الحكومة السورية خطأً استراتيجياً فادحاً، إذ جاء تدخلها بلا غطاء دولي أو حساب دقيق للتداعيات، ما عرّضها لانتكاسات بشرية وسياسية، ووضعها في مواجهة عدوان إجرامي استهدف مراكز القيادة السورية على مرأى من عدسات المصورين.
وتابع: إلا أن تدخلا إقليميا من السعودية وقطر والأردن، إلى جانب دور تركي فاعل، حال دون الانزلاق إلى كارثة أوسع. «لا أريد أن أدخل في حجم الانتهاكات الجسيمة، والمرعب بالأمر أن كل الأطراف ارتكبت انتهاكات ووثقتها ونشرتها بدون أي خوف من العقاب. كما أنني اعتبر تهجير البدو عملا فظيعا، فإن أي اعتداء على المدنيين من كل الأطراف مرفوض ومدان، وأيا كانت الجهة المرتكبة». وبرأيه فإن «جميع الأطراف ارتكبت انتهاكات جسيمة، وثّقت ونشرت دون خشية من العقاب»، وفي توصيفه لآثار الأزمة، يشير جاسم إلى أن السويداء حفرت جرحا عميقا في الجسد السوري، فخلقت اصطفافات حادة هددت النسيج الاجتماعي، و«رغم ما يبدو من أن الهجري قاد الموحدين الدروز إلى طريق اللاعودة». ومع ذلك، يصر جاسم على أن السوريين قادرون على تجاوز هذا المخاض، وأن أبواب الحلول تبقى مفتوحة ما دامت الإرادة الوطنية قائمة، مشيرا إلى مبادرة سورية تعمل على إعادة الأمور إلى نصابها، عبر تجاوز أخطاء الماضي وتعزيز عوامل الوحدة الوطنية كمدخل واقعي للتسوية.
من جانبه، يقول الكاتب درويش خليفة لـ «القدس العربي» إن استقرار أي نظام سياسي في الدول الجمهورية يستوجب شرعية سياسية وشعبية، لا تكتسب إلا بالتوافق الوطني أو عبر انتخابات حرة، سواء لاختيار الرئيس أو ممثلي الشعب في مجلس نيابي يعكس إرادة الناخبين ويسعى لتحسين ظروفهم.
ويضيف خليفة أن الحالة السورية بعد سقوط النظام السابق، وما أعقبها من هزات أمنية وعسكرية، تفرض التوجه نحو انتخابات تشريعية تنبثق عنها قوانين وتشريعات تصوغ حاضر البلاد وترسم ملامح مستقبلها، في خطوة تعد ـ إن توفرت لها الضمانات ـ حجر الأساس لعودة الحياة السياسية واستعادة ثقة الشارع.
ويقول خليفة إن ما شهدته محافظة السويداء خلال الأيام الماضية لا يمكن اعتباره حدثا أمنيا عابرا، بل هو مؤشر واضح على أزمة سياسية أعمق تعصف ببنية الدولة السورية الجديدة، وتُبرز حجم التحديات أمام إعادة بناء الثقة بين المكونات السورية ومركز القرار في دمشق.
برأي المتحدث لـ «القدس العربي» فإن ما «نحتاجه اليوم ليس تبادل الاتهامات، بل مشروع وطني جامع يعيد وصل ما انقطع بين الدولة والمجتمع، ويؤسس لعقد اجتماعي جديد يتجاوز ثنائية الأمن والطائفة، نحو دولة المواطنة والحقوق. وذلك من خلال الدعوة إلى مؤتمر وطني شامل، والتوافق أو انتخاب لجنة لكتابة دستور جديد يراعي التنوع السوري، مع إيجاد صيغة مناسبة للتوافق على السلطات المحلية في المحافظات، وبناء جيش وطني احترافي مهمته حماية حدود البلاد وصون وحدة أراضيها».
الحلول المتاحة: لا مركزية إدارية
ومن هذا المنطلق، رأى خليفة أن الحلول المتاحة في السويداء، بعد الشرخ والجرح الذي نتج عن الأحداث المؤسفة التي وقعت، تقتضي الانتقال من المعالجات الأمنية إلى الهوامش السياسية المتاحة، عبر التوافق على تطبيق اللامركزية الإدارية بانتخاب إدارات محلية للمحافظات من أبناء المحافظة نفسها، مع دخول قوات عربية إلى حدود المحافظة في الأشهر الستة الأولى لمراقبة الوضع ومنع أي اصطدام بين الطرفين، ريثما تُبنى الثقة وتتحقق حالة أمنية وإدارية مستقرة.
وفي أحدث إحصائية، وثقت الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل ما لا يقل عن 814 سورياً بينهم 34 سيدة و20 طفلاً، و6 من الطواقم الطبية بينهم 3 سيدات، و2 من الطواقم الإعلامية، وإصابة ما يزيد عن 903 آخرين بجروح متفاوتة الخطورة في محافظة السويداء، وذلك خلال الفترة الممتدة من 13 يوليو/يوليو 2025 وحتى ما قبل نهاية الشهر، وذلك في سياق اشتباكات عنيفة وأعمال عنف متصاعدة، شملت عمليات قتل خارج إطار القانون، وقصفاً متبادلاً، إلى جانب هجمات جوية نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي.
تشمل الحصيلة الأولية ضحايا من المدنيين، بمن فيهم أطفال وسيدات وأفراد من الطواقم الطبية، إضافة إلى مقاتلين من مجموعات عشائرية مسلحة من البدو، وأخرى محلية خارجة عن سيطرة الدولة من أبناء المحافظة، إلى جانب عناصر من قوى الأمن الداخلي ووزارة الدفاع التابعة للحكومة الانتقالية السورية.
المسؤول الإعلامي لدى شبكة أخبار «السويداء 24» ريان معروف تحدث لـ «القدس العربي» عن ظروف قاسية يعيشها الأهالي في مدينة صلخد التي باتت «ملاذا آمنا لآلاف العائلات».
وقال معروف: مع دخول الأزمة الإنسانية في محافظة السويداء مرحلة غير مسبوقة من التدهور، باتت منطقة صلخد وقراها، الواقعة في ريف المحافظة الجنوبي، الملاذ الأبرز والبيت الآمن لآلاف العائلات التي نزحت قسراً من قراها وبيوتها بعد الاجتياح العسكري الأخير.
وأضاف: بدأت موجات النزوح الداخلي في 14 تموز/يوليو، عقب تصاعد القصف في مدينة السويداء وعشرات القرى. واستمرت الموجات خلال الأسابيع اللاحقة، كان آخرها في 4 آب/أغسطس بعد خرق الهدنة واستهداف أحياء سكنية بالقذائف والرصاص.
وبحسب تقديرات محلية من لجان الإغاثة، وصل العدد الإجمالي للنازحين في منطقة صلخد ـ بما يشمل المدينة والقرى المحيطة ـ نحو 100 ألف شخص، أي ما يعادل قرابة 30 ألف عائلة. ورغم عودة جزئية لبعض السكان بعد تأمين مناطقهم، إلا أن الغالبية العظمى لا تزال في صلخد، حيث تواجه أوضاعاً معيشية بالغة الصعوبة.
استقبلت مدينة صلخد وحدها وفق المتحدث قرابة 10 آلاف شخص، توزّعوا على منازل الأهالي، حيث استضافت بعض المنازل أكثر من أربع عائلات نازحة في المنزل الواحد، في مشهد يعكس تضامناً أهلياً مؤثراً.
النادي الرياضي في صلخد تحوّل إلى واحد من أكبر مراكز الإيواء، حيث استقبل منذ اليوم الأول ما يقارب 800 شخص. تراجعت الأعداد لاحقاً مع عودة بعض العائلات، قبل أن ترتفع مجدداً بعد موجات النزوح الأخيرة. يشرف على المركز ناشطون ومتطوعون مدنيون، بعضهم مرتبط بجمعيات محلية، لكن معظمهم يعمل بصفته الشخصية.
إضافة إلى النادي، فُتحت أبواب معظم المدارس في المدينة، والثانوية الصناعية والتجارية، وكنيستي صلخد الشرقية والغربية، والمقامات الدينية، وصالات أفراح، لاستيعاب الأعداد المتزايدة.
وتحدث معروف عن «حصار خانق على المحافظة ونقص حاد في المحروقات، حيث تعمل فرق الإغاثة والمتطوعون في ظروف بالغة القسوة، حيث تُجبر الفرق على توزيع المساعدات سيراً على الأقدام خصوصاً في مدينة صلخد ذات التضاريس الصعبة، وذلك بسبب الشح الشديد بالوقود».
وأضاف: يزيد من خطورة الوضع النقص الحاد في المواد الغذائية والأدوية، والانقطاع التام لمادة الغاز المنزلي، ما يهدد بانهيار الخدمات الأساسية ويُنذر بكارثة إنسانية وشيكة، خصوصاً مع اقتراب فصل الشتاء في منطقة تُعد من أبرد مناطق البلاد. ووفقا لمعروف فإن «المجتمع الأهلي والمغتربون يتحملون العبء الأكبر في تأمين الدعم، من خلال حملات تبرع وتحويلات فردية تصل إلى الأهالي والنازحين على حد سواء. كذلك، يقدّم الهلال الأحمر السوري مساعدات تأتي عبر الممر الإنساني، تقدمها منظمات أممية وتبرعات أهلية من المغتربين، لكن الفرق التطوعية في المدينة تؤكد أن المساعدات تسد جزءاً بسيطاً، في ظل الاحتياجات الهائلة».
استقبلت مدينة شهبا شمال السويداء موجة نزوح واسعة قُدّر عددها بأكثر من 40 ألف شخص خلال الأيام الماضية، قادمين من المناطق المنكوبة في أرياف المحافظة، التي تعرضت لاجتياح من قوات الحكومة الانتقالية.
وافتُتحت مراكز مؤقتة للإيواء، في عدة مناطق داخل المدينة، وفق ما أكدت مصادر محلية وإغاثية للسويداء 24. ويعمل المجتمع المدني كخلية نحل في المدينة لتوفير ما تيسر من مساعدات أهلية، أو تلك القادمة بكميات محدودة من المنظمات الأممية.
بحسب لجنة تنظيم الإغاثة التي استأنفت نشاطها في المدينة، تم تسجيل نحو 6000 عائلة نازحة حتى الآن، وسط إمكانيات محدودة ونقص حاد في المواد الأساسية، مثل الغذاء، الحليب، ومستلزمات الأطفال، والدواء. كما أُبلغ عن اكتظاظ في مراكز الإيواء المؤقتة، التي لا تكفي لتلبية الحاجة المتزايدة.
وأوضحت اللجنة أن المساعدات التي تصل إلى المدينة شحيحة للغاية، ما يُفاقم الوضع الإنساني، ويضع عبئاً كبيراً على المجتمع المحلي.
وناشدت اللجنة الجهات والمنظمات الإنسانية المحلية والدولية التدخل العاجل لتوفير الدعم اللازم، مؤكدة أن استمرار الوضع الحالي كارثة إنسانية، فالنقص موجود بجميع المواد ولا قدرة على تأمين جميع العائلات خصوصاً في ظل تراجع الإمكانيات اللوجستية في المحافظة. ويقول ريان معروف: عودة نشاط لجنة الإغاثة في شهبا أعاد إلى الأذهان دورها عام 2012 خلال موجات النزوح من باقي المحافظات السورية في عهد النظام السابق حيث احتضنت شهبا عشرات آلاف النازحين السوريين لعدة سنوات. لكن المشهد اختلف اليوم وفق المتحدث «إذ أن النزوح مصدره قرى السويداء نفسها والقرى المجاورة لمدينة شهبا ما يسلّط الضوء على حجم التحول في طبيعة الأزمة في عهد النظام الجديد وتكرر المأساة الإنسانية بأوجه جديدة».
وفي ظل الأوضاع الصعبة التي تمر بها مدينة السويداء تتواصل المبادرات الخيرية لتخفيف المعاناة عن الأهالي، وفي هذا الإطار تتحدث الناشطة الميدانية نايا عزام لـ «القدس العربي» عن تحويل مركز «أوليفيا» والذي كان مركزا طبيا تجميليا إلى نقطة طبية مجانية تستقبل المرضى وتقدم خدمات طبية متنوعة بدعم من أطباء متطوعين ومتبرعين.
وفي تصريح لـ «القدس العربي» أوضحت مديرة المركز، الدكتورة نيرمين أبو سعدة، أن فكرة إنشاء النقطة الطبية انطلقت عقب الأحداث الأخيرة التي شهدتها المحافظة، وذلك نتيجة لبُعد المستشفيات عن بعض المناطق وأزمة المحروقات ووسائل النقل.
وقالت أبو سعدة :»حاولنا تجهيز المركز بما توفر من معدات طبية، فخصصنا سريرين للإسعافات الأولية، وغرفة للعلاج الفيزيائي، وأخرى للجراحات الصغرى، كما انضم عدد كبير من أطباء المحافظة بشكل تطوعي».
وأضافت الطبيبة أن المركز يعتمد في تأمين الأدوية على التبرعات الفردية، مشيرة إلى أن الوضع في المحافظة سيئ للغاية لاسيما مع نقص المحروقات اللازمة لتشغيل سيارات الفرق الجوالة والمولدة الكهربائية التي تغذي المركز.
وتابعت: نعاني من نقص حاد في المواد الطبية الأساسية مثل الضمادات، والشاش المعقم، والمعقمات، إلى جانب شُحّ الأدوية الخاصة بالإسعافات الأولية، ما يحدّ من قدرتنا على تلبية جميع نداءات المرضى.
وفي ختام حديثها أكدت على ضرورة التعاون بين الجمعيات الخيرية والمنظمات الإنسانية مشددة على أهمية إنشاء نقاط طبية في أكبر عدد ممكن من المناطق والحارات، لتخفيف أعباء التنقل على المرضى، بهدف إيصال العلاج إلى أكبر عدد ممكن من المحتاجين.
170 ألف نازح في السويداء
وعلى خلفية عمليات التهجير القسري التي تعرضت لها عشائر البدو من أهالي السويداء، قال وزير الطوارئ وإدارة الكوارث السوري، رائد الصالح، إنّ عدد النازحين داخل محافظة السويداء تجاوز 170 ألف شخص، مشيراً إلى أن الوزارة تشرف على تشغيل معبرين إنسانيين يربطان السويداء بمحافظة درعا.
وأضاف في منشور عبر حسابه على منصة «إكس» الأربعاء الفائت، أن أكثر من 15 ألف شخص غادروا السويداء عبر المعبرين، في حين دخل ما يقارب 3 آلاف شخص إلى المحافظة، مؤكداً استمرار حركة النزوح والعودة بالتزامن مع وقف إطلاق النار الموقّع في 19 تموز/يوليو الفائت.
وأوضح أن الوزارة أنشأت 84 مركز إيواء، بينها 62 مركزاً في درعا تضم نحو 30 ألف مواطن، و22 مركزاً في منطقة السيدة زينب بريف دمشق تؤوي 3500 شخص.
ولفت إلى أن المقيمين في هذه المراكز يواجهون ظروفاً معيشية صعبة، مؤكداً استمرار العمل بالتعاون مع الجهات الحكومية والمنظمات الإنسانية لتأمين الاحتياجات الأساسية وضمان استجابة فعالة.
كذلك، شدّد الصالح على أن حماية الأرواح تبقى أولوية قصوى، وأن صون كرامة المواطنين خلال النزوح مبدأ لا يمكن التهاون فيه، إلى حين عودتهم الآمنة والطوعية إلى منازلهم.
وسبق أن أعلن الدفاع المدني السوري، أنّ 358 عائلة (1433 شخصاً بينهم نساء وأطفال) غادرت السويداء بشكل فردي، وذلك عبر الممر الإنساني في بصرى الشام بريف درعا.
كذلك، خرجت قافلة للهلال الأحمر السوري من السويداء حاملةً معها 145 عائلة (نحو 574 مواطناً)، عبر المعبر ذاته، حيث قدمت الفرق الميدانية الدعم اللازم للعائلات وأسهمت في تأمين عبورها الآمن إلى الوجهات التي اختارتها.
وفي المقابل، سجّل الممر الإنساني في بصرى الشام عودة 89 عائلة (266 مواطناً) إلى السويداء، في إطار عمليات العبور الآمن التي تواصلت عقب اتفاق وقف إطلاق النار، بالتزامن مع عبور شبه يومي للقوافل الإنسانية.
ومنذ منتصف تموز/يوليو الماضي، تسببت الاشتباكات في نزوح أكثر من 191 ألف شخص داخل محافظة السويداء وإلى درعا ودمشق وريفها، وفق تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.
القدس العربي
—————————–
للخائفين من التقسيم في سوريا.. ماذا عن “الشملنة”؟/ إياد الجعفري
الأحد 2025/08/10
نحذّر من أن السطور التالية، بمسمياتها ومصطلحاتها المباشرة الخالية من أية مواربة أو تورية، ثقيلة الوطأة على القراء من جمهور السلطة القائمة الآن في دمشق. وهو جمهور كبير. نقرّ بذلك. لكنه يندر أن يتفاعل إيجاباً مع أي انتقاد موضوعي. وينحو عادةً نحو تصنيف “معنا أو ضدنا”. ولهؤلاء نقول، ما سنكتبه لاحقاً، هدفه مصلحة السلطة ذاتها.
إذ من السهل إسالة الكثير من الحبر حول الأبعاد والخلفيات التقسيمية و”المؤامراتية” لمؤتمر “وحدة الموقف”، الذي عُقد الجمعة، بالحسكة. ويمكن النفخ إلى أبعد الحدود في بروباغندا تهديد “الدولة”، الذي يمثّله “حلف الأقليات”، المتشكّل الآن، وفق النافخين في هذا البوق. يمكن الذهاب إلى أبعد من ذلك، بغية التعمية على الترند اليومي المتعلق بانتهاكات الأمن العام، وحالات الانفلات الأمني والاختطاف وتصفية الحسابات بالقتل، الذي تعيشه المناطق الخاضعة نظرياً لسيطرة الحكومة في دمشق. يمكن استخدام كل وسائل التحشيد الإعلامي والافتراضي، الطائفي والعرقي والديني، لحرف الأنظار عن المعضلات الأعمق التي تهدد استقرار الحياة في مناطق سيطرة تلك الحكومة.
لكن إن إردنا تفكيك المشهد بموضوعية، ووفق المعلومات المتاحة من الميدان، يمكن تسجيل شهادات بلغت حد التواتر الكافي، للتأكيد بأن استياءً شعبياً يعتمل في مناطق سيطرة النظام السابق، الخاضعة اليوم للسيطرة النظرية من جانب الحكومة السورية. المصدر الأول لهذا الاستياء، أداء عناصر الأمن العام. إذ يمكن الحصول على معلومات من مصادر أهلية، من مدن بعيدة عن العاصمة دمشق -التي تكون عادةً تحت الأضواء المكثّفة- في حماة أو حمص، أو حتى حلب، حيث تتكرر الانتهاكات والتجاوزات بصورة كثيفة، إلى حد أن مدينة حماة وحدها، شهدت خلال الأشهر القليلة الفائتة نحو أربع حوادث توتر مباشر بين السكان وبين جهاز الأمن العام. وتخبرك المصادر الأهلية عن ذلك الزمن الجميل، الذي أعقب سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول الفائت، حين كان عناصر الأمن العام، غاية في التهذيب والدماثة والانضباط. لكن منذ مطلع شهر آذار الفائت، على الأقل، عرفت المدن السورية دفعات من الأمن العام، شرسة، عنيفة، فوقية، وفي حالات كثيرة، منفلتة من أي ضبط متوقع للسلوك المفترض من شخص خضع لتدريب داخل مؤسسة أمنية رسمية. وفيما تنشغل عناصر الأمن العام في كثير من الأحيان، في ملاحقة البسطات والمخالفات في الأسواق، تتكرر بصورة يومية حالات الخطف والتصفيات الثأرية، بصورة تجعل الهدف الرئيس من وجود هذا الجهاز – الأمن العام- غير محقق بصورة كبيرة، مما يزيد من الاستياء الشعبي.
أما المصدر الثاني لهذا الاستياء، فهو سيطرة طبقة مناطقية على معظم المناصب والمواقع الحساسة بالدولة. سواء بأجهزة الأمن، أو حتى في المؤسسات الخدمية. تنتمي هذه الطبقة إلى سكان إدلب وشمال حلب، خلال فترة ما قبل سقوط النظام. وليس بالضرورة أن يكونوا منحدرين من تلك المنطقة، لكنهم عاشوا في مناطق سيطرة “المعارضة”، قبل سقوط نظام الأسد، ويرتبطون بعلاقات محسوبية خاصة مع فصائل الشمال السوري، في مقدمتها بالطبع “تحرير الشام”. هذه الطبقة، حلت محل مدراء ومسؤولين في مناطق سيطرة النظام السابق، بوصفهم موضع ثقة الحكومة بدمشق. ويحصلون على رواتب بالدولار، قيمتها تتجاوز ثلاثة أضعاف نظرائهم في مؤسسات الدولة المختلفة. ويتعاملون بفوقية ملحوظة مع الناس، وفق مبدأ “نحن اللي حررناكم”.
تحوّلَ هؤلاء القادمون من الشمال، والمرتبطون بعلاقات ثقة مع متنفذين داخل الفصائل القوية بالسلطة، إلى ركيزة للسيطرة المؤسساتية، باتت تذكّر الكثيرين بحالة “العلونة” التي حكمت مؤسسات الدولة في عهد آل الأسد. حيث كان للموظف “العلوي”، نفوذ ودور يتجاوز موقعه الوظيفي. ليتحول لاحقاً إلى مصدر رعب لمن يعمل معه. وهكذا قد نكون أمام حالة “شملنة”، تقابل “العلونة” التي حكمت عهد آل الأسد، وجعلت العلويين موقع حنق خفي لمدار عقود، من جانب معظم شركائهم في الوطن السوري. حنق شبيه يولد اليوم حيال ظاهرة “الشملنة” تلك. فالنفوذ والقدرة على اتخاذ القرار داخل مؤسسات الدولة، ليس لصاحب الكفاءة، بل للموثوق، الآتي على الأرجح مع “المحررين” من الشمال. سمة الفوقية التي تحكم تعاطي الكثير من هؤلاء مع الموظفين في مناطق سيطرة النظام السابق، تزكي حالة الاستياء. الذي يصبح مضاعفاً حينما يستخدم هذا “الشمالي”، البعد الديني، كوسيلة للإخضاع.
وفيما يروّج إعلام السلطة، وذاك المقرّب منها، لمليارات الدولارات الآتية للاستثمار في سوريا، يشعر سكان المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السابق، بوطأة أكبر للتدهور المعيشي. ركود كبير. قوة شرائية منهارة. حتى زيادة الرواتب، التي من المفترض أنها ضخت مليارات الليرات السورية في السوق، لم تحرّك ركوده، وسط استمرار سياسة حبس السيولة، وفق المؤشرات الجلية من السوق. السوق ذاته، الذي لم يعبأ بالـ 14 مليار دولار، التي قِيل إنها في طريقها للضخ في شرايين الاقتصاد السوري، وبقي سعر الصرف ثابتاً. وقد تكون الإيجابية الوحيدة في هذه اللوحة المعتمة، أن زيادة الرواتب بنسبة 200% لم تنعكس قفزات نوعية في الأسعار، كما كان يحدث في عهد النظام البائد. لكن تفسير ذلك يرجع إلى تسديد الرواتب وفق جدول زمني غير متزامن لموظفي مؤسسات الدولة المختلفة، بحيث لا تُضخ السيولة بشكل متزامن في السوق، وبصورة لا توفر شعوراً كافياً بالأمان لشريحة واسعة من الموظفين، ممن لم يستلم حتى الساعة تلك الزيادة في الراتب، مما لجم أي ردود فعل متمثلة بزيادة الطلب على السلع والخدمات ولجم بالتالي زيادة الأسعار المحتملة. أي أن الإيجابية الوحيدة، مرتبطة فقط، بسياسة حبس السيولة، وضبطها.
قد تنفع التعبئة والتجييش ضد خطر “حلف الأقليات” لتحقيق استدامة السلطة في دمشق، على المدى القريب، وربما المتوسط. لكن على المدى البعيد، إن ترسخت ظاهرة “الشملنة” تلك، فإن انفجار “الأكثرية” في وجه السلطة قد لا يكون سيناريو مستبعداً كثيراً. لذلك، قلنا في مقدمة مقالنا، إن ما سنكتبه في سطورنا التالية، يحمل نصحية في مصلحة السلطة. تلك التي لم تمتنع عن خلق ظروف مناسبة لتوفير تشاركية تجذب أبناء “الأقليات” إليها، فقط، بل لم توفر ظروف تشاركية حتى لأبناء “الأكثرية”. والوقت يمر سريعاً، قبل فوات أوان تدارك ذلك. فإن كان في أوساط إعلاميي السلطة والمنظّرين الجدد لصالحها، صاحب عقل رشيد، فليوصل لأصحاب القرار في أوساطها، نصيحة. لا تستنسخوا أخطاء عهد الأسد، ذاتها. لأن المقدمات ذاتها تؤدي إلى النتائج ذاتها.
المدن
——————————
الاختلالات السياسية تستدعي فلول الأسد/ فايز سارة
10 آب 2025
عندما سقط نظام الأسد في الثامن من يناير (كانون الثاني) عام 2024، بدا وكأن النظام بمؤسساته وأجهزته وأشخاصه، مجرد كتلة ملح ذابت دون أن تترك أثراً يشير إلى ما كانت عليه من وجود وانتشار. ولم يقتصر انهيار النظام على البنية السياسية ممثلة بإدارة السلطة من مستوى الرئاسة إلى أصغر الهياكل الحكومية، بل شمل الجماعات السياسية بما فيها حزب «البعث» الحاكم، والأحزاب المتحالفة معه في إطار «الجبهة الوطنية التقدمية»، وامتد الانهيار والاختفاء إلى المنظمات الشعبية والنقابات، من عمال وفلاحين ونساء، إلى الأطباء والمهندسين والمعلمين، والتي عُدَّت في الحقبة الأسدية الطويلة رديفاً للسلطة، وغالباً ما حمل كثير من كوادرها السلاح دفاعاً عن النظام، حيث تطلبت الأوضاع.
الأهم في كتل النظام التي انهارت، كانت القوات المسلحة، التي تم إعدادها واعتمادها المدافع الأول والرئيس عن النظام، طوال نحو خمس وخمسين عاماً من حكم الأسد، وقد توزّعت على قوات الجيش، والقسم الرئيس منه يدار بواسطة وزارة الدفاع، والأقل من قبل الرئاسة مباشرة، أما الشق الثاني من القوات المسلحة فهو الأجهزة الأمنية، التي وإن كانت لها روابط إدارية بجهات متعددة، لا سيما وزارتَي الدفاع والداخلية، فإن مهماتها ارتبطت بمكتب الأمن الوطني، الذي يديره شخص يتصل مباشرة برئيس النظام، الذي يتولى من الناحية الدستورية منصب القائد العام للجيش والقوات المسلحة، جامعاً كل السلطات في يده.
لم يكن صدى ذوبان الهياكل السياسية والشعبية، وغياب شخصياتها الحدث الأهم، رغم أهمية بعضها فيما لعبته من أدوار في سياسة نظام الأسد، بل كان الأهم هو اختفاء القيادات والكوادر العسكرية والأمنية، التي لعبت أدواراً في الحرب الدموية على السوريين في الخمسة عشر عاماً الماضية، فقتلت وجرحت واعتقلت وشردت ملايين السوريين، ودمرت مقدراتهم ونهبت أموالهم، فكيف تسنى لعشرات، بل مئات آلاف، إذا أضفنا إليهم المجرمين والقتلة من المتقاعدين، أن يختفوا جميعاً وكأنهم لم يكونوا أصلاً.
وتتمثل خطورة هؤلاء من ضباط وكوادر الجيش والأمن في أنهم يملكون خبرات ومعارف، ولهم علاقات وصلات متعددة ومعقدة، ولديهم إمكانات مادية وأسلحة، بل إن بعضهم له علاقات تتجاوز الداخل السوري إلى المحيطين الإقليمي والدولي.
وإذا كان قسم قليل من عسكريي ومخابرات الأسد رحلوا معه أو بعده، عقب سقوط النظام، فإن القسم الرئيس لجأ إلى حواضنه المحلية، وبالقرب منها، قبل أن يتوجه بعضهم إلى خيارات البحث عن ملجأ، ينقذه من تبعات جرائمه وارتكاباته، وكان لبنان والعراق وإقليم كردستان العراق ملاذاً أو طريقاً إلى بلدان أخرى، بينما سعت غالبية الباقين إلى واحد من خيارين: العيش في حالة تخفٍّ، وهؤلاء هم الأغلبية السياسية خصوصاً، أو التحول إلى خلايا نائمة من العسكريين والأمنيين بانتظار فرصة للهرب، أو للمشاركة في تحرك يخلق وقائع، تعيد ترتيب الأوضاع، سواء في مناطق إقامتهم أو في مناطق تعاني من احتدامات وتشوشات سياسية.
ومما لا شك فيه، أن وجود خلايا نائمة من عسكريي وأمنيي الأسد، يمكن أن تجمع حولها بعض أتباع ومقربي وشبيحة النظام من المدنيين، مستغلين بعض وقائع محلية أو سياسية، وهو ما تم تجسيده عملياً في بداية أحداث الساحل في مارس (آذار) عام 2025، حيث نظموا وسلحوا جماعات، وأداروا عمليات ضد قوى الأمن العام ومدنيين مسالمين، كانت فاتحة ما باتت معروفة بـ«عمليات الساحلْ»، التي أدت إلى ضحايا وخسائر كثيرة، ومثَّلت تهديداً للسلم الأهلي في سوريا.
ومثلما فتحت أحداث الساحل التي غذاها، ووسَّعها فلول الأسد، فإن تطورات الأوضاع في السويداء، فتحت الباب لدور قام به فلول الأسد من عسكريين وأمنيين ومحرضين في تغذية المواجهات، مما فاقم من حجم الضحايا والخسائر المادية من أطراف الصراع جميعاً، والأمر يمكن أن يتكرر بشكل أسوأ في مناطق شمال شرقي سوريا.
لقد أدت الظروف، خصوصاً السياسيةْ، إلى ظهور وتنامي صراعات محلية في مناطق عدة، استغلها فلول الأسد للتدخل، وتوسيع حدود الصراع، ولدينا ثلاثة أمثلة؛ أولها: ما جرى في الساحل، والثاني: ما يحدث في السويداء، والثالث: يبدو محتملاً في شمال شرقي سوريا، الأمر الذي بات يتطلب وعياً سورياً للمخاطر، ويفرض خطوات وإجراءات من مختلف الأطراف، أقلها وقف حملات التحريض والتحشيد والتخوين، وفتح بوابات التسويات والحلول السياسية، وتخفيض مساعي استخدام السلاح، الذي يؤدي استعماله إلى خسارة تلحق بكل السوريين دون استثناء، وهو يعيق استعادة سوريا لوحدتها، وذهابها إلى أهدافها في تجاوز ما خلَّفته حقبة الأسدين من آثار وتداعيات كارثية.
الشرق الأوسط
—————————–
مأزق “التكامل الوطني” في سوريا/ عمار علي حسن
منشور السبت 9 أغسطس 2025
في الوقت الذي كانت فيه لجنة التحقيق الوطنية في أحداث الساحل السوري تعلن النتائج التي توصلت إليها بشأن الاعتداءات والانتهاكات الجسيمة التي وقعت في مارس/آذار الماضي، كان الاضطراب ثلاثي الأطراف في السويداء لا يزال قائمًا، بينما بقيت مناطق الأكراد في مثلث الجزيرة تحت سيطرة مسلحي “قسد”، وكل هذا يعكس أزمة “تكامل وطني”، تعاني منها الدولة السورية في الوقت الراهن.
ويدور سجال في الساحتين السياسية والثقافية السورية خصوصًا، والعربية عمومًا، عما إذا كان هذا ناجمًا عن إزاحة نظام حكم البعث، أم هو سابق عليه، إثر التدابير العنيفة التي اتّخذها بشار الأسد على مدار الأربعة عشر عامًا الأخيرة من سنوات حكمه.
لكنْ هذان الفريقان اللذان يتباريان الآن في إظهار الحجج التي تبرهن على وجهة نظريهما، يُهملان تصورًا أبعدَ وأعمقَ؛ يتعلق بإخفاق النظام السوري على مدار نصف قرن في تحقيق الدمج والانصهار الوطني الطوعي في ربوع البلاد، وهي مشكلة تعاني منها دول عربية عدة في مرحلة ما بعد الاستقلال عن الاستعمار الأجنبي.
رأيناها صارخة متحققة في العراق والسودان واليمن ولبنان، ويُحتمل أن نراها لاحقًا في بلدان عربية أخرى، تعاني هشاشةً اجتماعيةً متباينةً نسبيًا على المستويين الرأسي، حيث الاختلافات العرقية والمذهبية، والأفقي المتعلقة بالتوزع الجغرافي، والتفاوت الطبقي، والثقافة المرتبطة أساسًا بإدراك الهوية، وما تفرضه من تصورات وتحركات.
الحاجة إلى العقد الاجتماعي
ابتداءً، لا يوجد أي بلد في العالم المعاصر يتمتع بتجانس اجتماعي تام. فالدول تضم أشتاتًا من البشر في تشكيلات اجتماعية قد تُعبّر عن طوائفَ أو طبقاتٍ أو مذاهبَ أو قومياتٍ أو لغاتٍ ولهجاتٍ مختلفة. لكنْ هناك دولٌ استطاعت، باستراتيجية مدروسة، تفادي أخطار هذه الاختلافات وتحويلها إلى تنوع بشري خلاق. فيما أبقت دول أخرى الحدود الفاصلة بين مكوناتها الاجتماعية قائمةً على حالها، متكئةً فقط على إحكام القبضة المركزية على الأطراف، أو غلبة مكوِّنٍ اجتماعي على البقية بممارسة أشكال من العنف المادي واللفظي والرمزي، أو التحكم الصارم في الثروة والسلطة.
وفي الحالة الأخيرة تظهر حالة من التعايش الظاهري تغطي ضغائن مكتومة، ما إن تجد فرصةً في ارتخاء قبضة السلطة المركزية، أو إخفاق عملية الأدلجة المستمرة في إقناع الجميع، أو اندلاع اضطراب اجتماعي حاد يلجأ الناس إلى حسمه بالسلاح؛ حتى تطل برأسها من جديد، عائدة بأهل كل مكون إلى ما خَبَّأناه تحت السطح، ليتحول الاختلاف إلى شقاقٍ بل تطاحنٍ سافر.
وجدت سوريا كدولة نفسها بعد سقوط نظام البعث أمام رواسب تاريخية صنعها الاستبداد الطويل، وتغليب الطائفة العلوية على بقية الطوائف، والعربي على الكردي والدرزي. السلطة الحالية في سوريا ليست مسؤولة عن ذلك بالكلية، لكنها في الوقت نفسه مطالبةٌ، وخلال زمن وجيز وفي ظل تحديات كبرى أولها وقوع سوريا المضطربة في أفق المشروع الإسرائيلي، بحلِّها، أو على الأقل منع انزلاقها إلى ما يهدد بقاء سوريا واحدة.
إن بلوغ الاندماج الاجتماعي ووحدة التراب الوطني، يمثل الآن التحدي الأكبر الذي يواجه حكومة الرئيس أحمد الشرع، وهو تحدٍّ حقيقي وأصيل وخطر، وفق ما تخبرنا الدراسات السياسية، لا سيما في مجال الاجتماع السياسي، والتنمية السياسية، والدراسات الإقليمية، والعلاقات الدولية. لأن تكوين “الجماعة السياسية الوطنية” غاية مهمة لا يجب أن تنحرف عنها أنظار أي سلطة سياسية في أي بلد، خصوصًا لو كان خارج الزمن السياسي الحديث.
شروط الحفاظ على الجغرافيا
في ظل هذا، لا بد من توافر شروط تعيها الحكومة السورية الجديدة وتضعها نُصبْ عينيها، وهي تحاول أن تُبقي سوريا الجغرافية التي كانت قبل 2011 على قيد الحياة؛ فتمنع تفككها، لكن دون القيام بذلك بالطرق القديمة، التي أثبتت تجربة البعث فشلها بعد نصف قرن.
أول هذه الشروط هي “الطوعية”؛ بمعنى عدم استخدام التدابير والإجراءات القسرية أو العنيفة في بلوغ الاندماج الاجتماعي، أو الاكتفاء بحالة “المجاورة” التي كانت قائمة من قبل، وطالما حالت دون امتزاج وتفاعل مكونات سوريا الاجتماعية بإرادة ذاتية. هذا التفاعل الرضائي هو ما يمكن أن يحفظ تماسك المجتمع إذا تحللت السلطة بروابطها السياسية، مثلما نرى في سوريا اليوم.
أما الشرط الثاني فهو إيجاد الإطار أو المرجعية العادلة التي تُعلي من مبدأ المواطنة. ويتطلب هذا وضع دستور يشارك كل السوريين في كتابته، يساوي بين المواطنين في الحقوق والواجبات، ويغلق الباب أمام أي أفعال اضطهاد سواء على مستوى الأفراد أم المؤسسات، ويفتح الباب أمام مساءلة مرتكبيها. ثم تنتقل النصوص إلى تطبيق صادق وأمين في الواقع المعيش، تنهض به المؤسسات، وتدافع عنه الثقافة والخطاب السياسي.
والشرط الثالث هو وجود مشروع سياسي وثقافي مشترك، يتحلق حوله الجميع، ويخفف من الآثار الضارة للانتماءات الأولية، لاسيما العرقية والمذهبية. ويحافظ هذا المشروع على القواسم المشتركة والمصالح المتبادلة بين مختلف طوائف وطبقات وشرائح المجتمع، ويجد كل فرد مصلحته أو هواه السياسي والفكري متمثلًا فيه، ويدرك معه أن عوائد الاندماج الوطني أفضل كثيرًا من آثار التفكك والصراع.
ويعمل هذا المشروع على إيجاد “رابطة عاطفية”، تتمثل في توافر نقطة جذب لمشاعر الجماهير، تأخذ بعقولهم ونفوسهم أكثر من غيرها، وتتعدى مجرد الاكتفاء بالشعارات والخطب الرنانة عن “الوطن” إلى تحويل هذا الوطن إلى مسألة أولى بالرعاية من كل فرد؛ حين يرى نفسه ممثلًا فيه، وجزءًا منه، ويشعر أنه هو الجماعة الأساسية التي يجب الانتماء والولاء لها.
والشرط الرابع هو تحفيز “الخصائص البنيوية المشتركة” للمكونات والموارد البشرية، بما يخلق تيارًا اجتماعيًا رئيسيًا عريضًا، وذلك عبر اكتشاف وتحديد القيم الاجتماعية المحلية المتوارثة، والإيجابية من الوارد والوافد جديدًا، لخلق ثقافة مرنة تحكم الأذهان والأفهام وتصقلها، وتحدد السلوك وتعّذيه وتغنيه.
أول هذه الخصائص هو التعايش وقبول الآخر والتفاهم وحل المشكلات بالحوار لا بالسلاح. وثانيها هو بناء شبكة مصالح اقتصادية بين الفئات والشرائح والطوائف تجعلها حريصة على أن تُبقي علاقات جيدة مع الكتل الاجتماعية المغايرة. وثالثها هو البناء السياسي الديمقراطي حيث إدارة الاختلافات بلا قسر، وتداول السلطة، وقيام المؤسسات السياسية من مجالس نيابية وأحزاب وقوى مجتمع مدني. ورابعها هو توظيف المؤسسات الإدارية والأمنية، مثل البيروقراطية والجيش والمعاهد التعليمية، في تعزيز الانصهار الوطني.
نعم، يحتاج تحقيق كل هذه الشروط إلى وقت، لكن البدء فيه من الآن أفضل كثيرًا من تأجيله إلى الغد، تحت أي ذرائع. وفي كل الأحوال يجب ألَّا تعيد السلطة السياسية السورية الجديدة إنتاج عيوب سابقتها؛ حين أبقت الدولة موحدة ظاهريًا بالقوة أو توظيف العنف بمختلف أشكاله، بينما هي في باطنها مرشحة لتكون مشروعات انفصالية.
————————-
هل تخرج السويداء من عنق الزجاجة؟/ أحمد مظهر سعدو
2025.08.10
تواكب الحالة المتغيرة في الجنوب السوري، وخاصة في السويداء وجبل العرب، جملة من الديناميات التي تسهم في بقاء الوضع على حاله، من دون إمكانية حقيقية أو ملموسة باتجاه الوصول نحو حل موضوعي ووازن وجدي يرضي الجميع، ويحافظ بالضرورة على إمكانية خروج منطقة السويداء برمتها من احتباس ليس حراريًا هذه المرة، بل أقرب ما يكون إلى مشهد فوران مجتمعي تتصارع رؤاه وتتنوع بين العودة المظفرة إلى الوطنية السورية المندمجة في أتون ومخرجات الدولة السورية، أو محاولة الانزياح باتجاهات أخرى، قد تكون تساوقًا مع ما يطرحه البعض من الاشتغال بطريقة ما على موضوع إقامة كيان لحكم ذاتي ينوس إجرائيًا وملموسيًا بين فكرة الحكم الذاتي والإدارة الذاتية، أو الانفصال التام عن الجسم الوطني والدولة الوطنية السورية الموحدة.
وإذا كانت جموع الناس عمومًا وأنساق المجتمع المدني في السويداء في كليتها، لا ترى في الخروج بعيدًا عن الدولة السورية حالة ممكنة أو مرغوبة لديها، إلا أن البعض الآخر، الذي ما زال يعتقد واهمًا أن إسرائيل تحرص عليه وعلى مجموعاته العسكرية، وأنها بصدد فرض دويلة ما في الجنوب السوري على قده ومقاسه، هو نفسه الذي لم ينفك حثيثًا يحاول المراهنة على ورقة الخارج والاحتماء بالكيان الصهيوني، لكنه لم يدرك بعد أن إسرائيل، سواء كانت بقيادة نتنياهو أو سواه من قادتها، تحرص على مصالحها أولًا، ويمكن أن تتخلى مباشرة عن أي مجموعة تابعة لها أو مدعومة منها، بمجرد أن تجد مصالحها تميل نحو مساحات وحيازات أخرى، أو ضمن سياقات حيز آخر من حقل السياسة البراغماتية لها، أو على أساس انجدال مصالحها وتحققها عبر مسارات أخرى.
اليوم، وكما يعلم الجميع، فإن هناك مفاوضات تجري، صحيح أنها متقطعة، غير مباشرة أو مباشرة، تسير رويدًا رويدًا بين إسرائيل والدولة السورية الوليدة، وهناك رعاية دولية أميركية، تركية، أذربيجانية، وإماراتية لها، وهناك حرص إقليمي ودولي على الوصول إلى خواتيمها المرجوة دوليًا وإقليميًا. كما أن هناك بعض التقدم في مسارات هذه المفاوضات، ويبدو أنها ستكون الأقرب إلى تسوية أمنية ليس إلا، ترتبط بإشكالية احتلال المنطقة العازلة التي دخلتها إسرائيل بعد سقوط نظام بشار الأسد، من دون التطرق من قبل المفاوضين لدى الطرفين إلى حالة اتفاقات سلام شامل، لا يبدو أن إسرائيل ولا حتى الحكومة السورية الحالية جاهزة للولوج فيه، لأن إسرائيل لا يمكنها حاليًا التخلي عن الجولان السوري المحتل من قبلها منذ 5 حزيران/ يونيو 1967، حيث سبق أن اعترف الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال ولايته الأولى بسيادة إسرائيل على الجولان، كما أن الدولة السورية لا يمكنها أبدًا التوقيع على أي اتفاق سلام مع دولة الاحتلال الإسرائيلي من دون عودة الجولان كاملًا إلى الدولة السورية الموحدة.
من هنا، كانت الأمور، ضمن هذه السياقات المتحركة (كما يبدو)، ذاهبة نحو تفاهمات أمنية سورية – إسرائيلية مرتبطة ببعض الملفات العالقة، ومنها بالضرورة موضوع المنطقة العازلة. وفيما لو تم ذلك، فسوف يجد حكمت الهجري نفسه، مع مجموعاته العسكرية المدعومة إسرائيليًا، في مهب الريح، تتقاذفه الأمواج، وتعتريه كثير من حالات الفوات غير المسبوقة، التي لن تنتج شيئًا يُذكر لمصلحة كيانه المرتجى.
ويبقى الحال الوطني السوري الجامع، والحوار المستمر والمنفتح بين الدولة السورية ومجمل أنساق النخب والوجهاء والفاعلين الأساسيين في السويداء وجبل العرب، وكذلك أهمية إشاعة وتشجيع الحوار السوري – السوري الشامل، هو الحل والملاذ من أجل خروج آمن من عنق الزجاجة، والعودة إلى الوطنية السورية التي تجمع ولا تفرق، توحد ولا تبدد، تعيد المسارات إلى سابق عهدها، وتعيد إنتاج المسألة الوطنية السورية على أسس جديدة، من دون التخلي عن فكرة وضرورة وأهمية المحاسبة وجبر الضرر، وهي أساس مهم من أساسات العدالة الانتقالية، ومحدد أساسي في عملية الولوج ضمن أتون قضية السلم الأهلي المبتغى، الذي كان الشعب السوري وما يزال يصبو إليه ويعمل على أساسه.
وإذا كانت متغيرات المسارات في السويداء ما برحت في حالة عثار كبير، إلا أن النيات الطيبة والحسنة وبلسمة الجراح ما زالت ممكنة وحاضرة بحق وجدية. ولعل عملية إعادة تفعيل الحوار الوطني إلى الطاولة المستديرة باتت ضرورة وطنية، لا يمكن اليوم الحياد عنها، حيث من الممكن أن تندمل الجراح من جديد، فيما لو وُجدت أن الفسحة الحوارية الجدية باتت متوفرة، وفيما لو توقفت إسرائيل عن تدخلاتها البينية التي تحول حاليًا دون التوصل إلى توافقات وطنية سورية، تقتنع بحق أن السلاح لا يجوز أن يكون متفلتًا، ولا يحق لأحد أن يمتلكه، ولا يجب أن يبقى إلا بيد الدولة ومؤسساتها، حيث يتوجب على الدول فقط مسؤولية حماية أبنائها وشعبها بكليته وجموعه.
لا يمكن للفكر الطائفي المتشدد أن يبني دولة، أو أن يسهم في قيامها، ولا يمكن أيضًا للقطيعة بين أطراف الوطن الواحد أن تسهم في بناء الدولة الواحدة، إذ لا مناص من العودة الواعية والعقلانية السياسية إلى طاولة الحوار وجبر الضرر لدى الجميع بلا استثناء، وإعادة قيامة الوطن السوري الواحد الموحد من جديد، الخالي من كل النزعات ما قبل وطنية من عشائرية وطائفية وسواها، الحوار الذي يعتمد على توافقات وتفاهمات وطنية، “لا يوجد فيها أي مطلق سوى الله، وما عدا ذلك فنسبي وتاريخي، نحن منه حركة وعي إنساني يتقدم ونحن فيه حركة جدال”.
المشهد السوري اليوم برمته متحرك ومتغير سياسيًا وجيوسياسيًا، ومليء بالتحديات، لكن الوعي المجتمعي السوري، والفكر الوطني المستنير، واستمرار الحوار، قادر على إعادة إنتاج الوطن السوري على أسس بنيوية عالية المستوى وتوحيدية بالضرورة.
تلفزيون سوريا
————————–
لجان التحقيق في سوريا الجديدة.. في دائرة الشك!/ معاذ الحمد
لجان التحقيق في سوريا الجديدة: بين وعود العدالة وشكوك الشارع
2025-08-10
منذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، تبنّت الحكومة السورية الجديدة شعار “المحاسبة والعدالة الانتقالية”، وأعلنت عن تشكيل لجان وطنية للتحقيق في أبرز الانتهاكات التي تلت انهيار الدولة الأمنية. إلا أن ثلاث محطات مفصلية – الساحل، الدويلعة، والجنوب السوري – وضعت فعالية هذه اللجان واستقلاليتها أمام علامة استفهام كبيرة، وسط اتهامات بتأخير العدالة، انتقائية التحقيق، والتغطية على الفاعلين الفعليين.
وبعد سلسلة من الأحداث الدامية التي شهدتها البلاد منذ مطلع العام الجاري، صدرت قرارات رئاسية بتشكيل لجان تحقيق مستقلة شملت جميع مواقع الانتهاكات الكبرى (الساحل – الدويلعة – السويداء)، وركّزت على الرصد الميداني، تدوين الشهادات، التحقيقات التقنية، قبول الشكاوى، والتعاون مع منظمات حقوقية أممية. ورغم تأكيد الحكومة على استقلالية هذه اللجان، امتنعت عن نشر تقارير مفصلة، واكتفت بإعلانات موجزة حرصاً – بحسب قولها – على سلامة الشهود، ودون أن تُثمر عن نتائج ملموسة أو محاسبة واضحة، ما أثار تساؤلات واسعة حول جدواها.
ويأتي ذلك في وقت تمرّ فيه البلاد بمنعطف سياسي حاد، كما يشير بعض المحللين، مع تعاظم التنافس الدولي على النفوذ في سوريا، وارتباط الاستقرار الداخلي بملفات إعادة الإعمار والاستثمار الدولي، التي يرى كثيرون أنها أحد دوافع النظام الجديد لتأكيد شرعيته داخلياً وخارجياً.
الساحل
بين 6 و10 آذار/ مارس الماضي، اندلعت مواجهات عنيفة في مناطق الساحل السوري (اللاذقية، طرطوس، حمص، حماة) بين فلول النظام السابق وقوات الأمن الجديدة، أسفرت عن مقتل 1,426 شخصاً بينهم 90 امرأة، بحسب لجنة التحقيق الوطنية. وشهدت هذه الفترة انتهاكات موثقة شملت إعدامات ميدانية، قتل جماعي، سرقة وحرق ممتلكات، واعتداءات على مدنيين وموظفين حكوميين.
الحكومة دفعت بأكثر من 100,000 عنصر لتعزيز أمن الساحل، وفرضت حظر تجوال شامل. وقد زارت اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق 33 موقعاً، وتواصلت مع أسر الضحايا، واستجوبت الموقوفين. وتم التعرف على نحو 298 مشتبهاً بهم، واعتقال 38 شخصاً حتى نهاية التحقيق. وأعلنت نتائجها في مؤتمر صحفي بدمشق، مع التأكيد على عدم نشر كل التفاصيل حرصاً على سلامة الشهود.
ورغم الإعلان الرسمي، يرى محللون أن تشكيل هذه اللجان لم يكن كافياً لطمأنة الشارع أو تبديد الشكوك. فقد اعتبر الكاتب والمحلل السياسي أحمد الزين في تصريحات لـ”963+” أن إنشاء لجان تحقيق وطنية خطوة “تُظهر نية واضحة من الحكومة الجديدة، بقيادة أحمد الشراع، في تبني نهج ديموقراطي”، لكنه يحذّر من أن “هذه اللجان لا تبدو مستقلة بالكامل، وقد تتخذ إجراءات غير مألوفة لترسيخ النظام الوليد، خصوصاً في ظل تحديات أمنية وسياسية كبرى”. ويضيف أن “الأحداث الدامية في الساحل مثلت تحدياً خطيراً دفع بالحكومة لاتخاذ إجراءات سريعة، لكن أداء اللجان سيكون المحك الحقيقي لقياس مصداقية الخطاب الرسمي”.
هذا الموقف يلاقيه تخوف حقوقي واضح، يعبّر عنه الناشط ثائر حجازي، الذي يشير إلى أن الاعتراف الرسمي بوقوع الانتهاكات “يُعد تطوراً إيجابياً من حيث المبدأ”، إلا أنه يحذر من أن تكون هذه اللجان “مجرد أدوات شكلية لامتصاص الغضب الشعبي”.
ويؤكد أن “نتائج التحقيق في أحداث الساحل، رغم تسليمها إلى رئاسة الجمهورية، لم تُترجم حتى الآن إلى خطوات قضائية ضد المرتكبين، رغم وجود أدلة مرئية وموثقة، وهو ما يثير الريبة بشأن جدية الدولة في تطبيق العدالة”.
تفجير كنيسة مار إلياس
في 22 حزيران/ يونير الماضي، فجر انتحاري حزامه الناسف داخل كنيسة مار إلياس بحي الدويلعة في دمشق أثناء القداس، ما أدى إلى سقوط 25 قتيلاً و63 جريحاً، وتدمير جزئي للكنيسة.
الحكومة السورية حمّلت المسؤولية لتنظيمات متشددة مثل “داعش” و”سرايا أنصار السنة”، بينما يشير بعض المحللين إلى احتمال تورط بقايا النظام السابق أو جهات إقليمية.
أجهزة الأمن فرضت طوقاً مشدداً واعتقلت عدداً من المشتبه بهم، بينهم قائد الخلية وخمسة أعضاء، كما تم تشكيل لجنة تحقيق برئاسة قادة الأمن الداخلي، مع فتح المجال أمام مشاركة مجتمعية في جمع الشهادات.
ورغم هذه الإجراءات، تبقى الشكوك قائمة بشأن مدى فاعلية هذه اللجان في كشف الحقائق أو محاسبة الجهات الفاعلة. ويرى مراقبون أن استخدام “شماعة الإرهاب” قد يُستخدم لتبرير تقصير الدولة في الحماية أو تحويل الانتباه عن فشل استخباراتي محتمل.
اشتباكات السويداء
في 12 تموز/ يوليو الماضي، اندلعت مواجهات في محافظة السويداء بين مجموعات درزية ومسلحين بدو، وسط فراغ أمني.
النزاع أسفر عن مقتل المئات وتوترات طائفية متصاعدة، قبل إعلان وقف شامل لإطلاق النار في 19 يوليو بوساطة أميركية وعربية.
وقد شكّلت وزارات الدفاع والداخلية والعدل لجان تحقيق متخصصة، فتحت قنوات مباشرة مع الأهالي لتلقي الشكاوى. اللجنة، برئاسة القاضي حاتم النعسان والمحامي عمار عز الدين، باشرت عملها بصلاحيات كاملة، مع تعهد بتقديم تقريرها النهائي للحكومة والأمم المتحدة.
لكن بحسب حجازي، فإن هذه الإجراءات “لا تكفي إن لم تُترجم إلى محاكمات شفافة”، مشدداً على أن “أخطر ما رافق هذه الأحداث هو التجييش الإعلامي وظهور جماعات مسلحة ترتكب انتهاكات علنية دون ردع، وهو ما يعيد إنتاج العنف ويهدد النسيج المجتمعي”.
ويؤكد الزين على أن “مستقبل سوريا السياسي سيتأثر مباشرة بأداء هذه اللجان”، مشيراً إلى أن “مدى شفافيتها ومهنيتها سيكون الحكم الفاصل في تحديد ما إذا كانت البلاد تتجه فعلاً نحو نظام ديموقراطي موحد، أم نحو نهج انتقائي في إدارة الأزمات”.
ويرى الزين أن “التحولات الجيوسياسية – من زيارة الشيباني إلى موسكو، إلى بروز التنافس الأميركي والتركي – كلها تجعل من أداء اللجان ليس مجرد قضية داخلية، بل ورقة في صراع النفوذ الإقليمي والدولي”.
من جانبه، يشدد حجازي على أن “إشراك الضحايا في مسار العدالة الانتقالية، وتمثيلهم الفعلي في لجان الحقيقة والمحاسبة، هو السبيل الوحيد لضمان عدم تكرار الجرائم”. ويعرب عن خشيته “من أن يتم توظيف هذه اللجان لصرف الانتباه عن انتهاكات مستمرة عبر استثمارات سطحية أو وعود اقتصادية غير محققة”.
بين التصريحات الرسمية التي تعد بالعدالة، والانتقادات التي تحذر من التسويف، تبدو لجان التحقيق الوطنية في سوريا أمام اختبار مزدوج: إثبات الجدية في كشف الحقيقة، وتقديم عدالة لا تُجزأ ولا تُؤجل.
وفي ظل زخم إقليمي ودولي متداخل، تتحول هذه اللجان إلى مرآة تعكس نوايا النظام الجديد، ومقياسًا للمواطنين لمعرفة ما إذا كان المسار الذي تسلكه البلاد هو فعلاً نحو دولة قانون، أم مجرد تبديل للأدوار داخل لعبة لم تتغير قواعدها.
+963
———————
كيف سقط الشرع في “فخ السويداء”؟/ محمد سعد عبد الحفيظ
إسرائيل تفرض بالقوة شروط مفاوضات غير معلنة بدأت في أبوظبي
منشور السبت 19 يوليو 2025
في مايو/أيار الماضي سُئِل الرئيس السوري أحمد الشرع عن علاقات بلاده بإسرائيل، فأجاب “الحقيقة أن لدينا أعداء مشتركون، ويمكننا الاضطلاع بدور رئيسي في الأمن الإقليمي”.
حدث هذا عندما استقبل الشرع رجل الأعمال الأمريكي جوناثان باس، المقرب من الرئيس دونالد ترامب، وذكر الضيف تفاصيله لاحقًا في مقال نشرته الصحيفة الأمريكية المتخصصة في متابعة الشؤون اليهودية Jewish Journal. في هذا اللقاء، دعا الشرع إلى وضع حد لـ”عصر التفجيرات المتبادلة بين سوريا وإسرائيل”، إذ أنه “لا يمكن لأمة أن تزدهر عندما تمتلئ سماؤها بالخوف”.
لم تكن تلك الرسالة الأولى التي حاول فيها الشرع خطب ود إسرائيل، فمنذ نجاحه في إسقاط نظام الأسد نهاية العام الماضي، ورسائل طمأنة تل أبيب لم تتوقف، من “بلادنا لن تسمح لأي جماعة مسلحة بشن هجمات من على أراضيها”، إلى “سوريا الجديدة لن تشكل خطرًا على جيرانها”، وليس انتهاءً بأن “وجود مليشيات تابعة لإيران في سوريا خلال حكم بشار الأسد كان تهديدًا للمنطقة بأسرها”.
قدَّم القائد الجهادي السبت لكنه لم يلقَ الأحد، كما يقول المثل الشعبي. فقد غضَّ الطرف عن ضرب إسرائيل مقدرات جيشه العسكرية، وصمت على قضمها مساحات واسعة في جنوب بلاده، وأصدر قرارًا بحل الجيش الوطني السوري. وبالتوازي لعب دور الشرطي المكلف بتأمين الدولة العبرية؛ فلاحق عناصر فصائل المقاومة اللبنانية والفلسطينية وأغلق معسكراتها وصادر سلاحها.
بعبارة أخرى، حوَّل الشرع سوريا من طريق إمداد كانت تحصل منه فصائل المقاومة على الدعم والإسناد والتدريب، إلى ساحة آمنة لا تشكل خطرًا على “الكيان”، وفي حسبانه أن ذلك سيشفع له عند إسرائيل.
ظن الرجل أن كُفلاءه من حلفاء الولايات المتحدة في الإقليم، سيكفونه غدر وغطرسة دولة الاحتلال التي تتقن استغلال الفرص، وتدرك تمامًا كيف ومتى تُخضع فرائسها. فتخلى عن أوراقه، وسلم زمام سلطته إلى من يعتقد أنهم حلفاؤه.
لكنه لم يدرك أن غايات المحور الإقليمي الذي استخدمه لإسقاط نظام الأسد تتلاقى مع أهداف إسرائيل، وعندما تتحقق تلك الأهداف لن يبكي أحد منهم على سوريا ووحدتها واستقرارها. فما خططوا له تحقق عندما فَكَّت دمشق ارتباطها بطهران وموسكو وحُل جيشها وفُقدت ترسانتها العسكرية، ولم تعد تشكل تهديدًا لأحد.
تخيل الشرع أن الانتقال بسوريا من محور الممانعة إلى محور الاعتدال سيفتح أمامه الأبواب المغلقة
تخيل الشرع أن تنفيذه أجندة الكفلاء بالانتقال بسوريا من محور الممانعة إلى محور الاعتدال، سيفتح أمامه الأبواب المغلقة؛ لتُرفع عنه العقوبات وتنهال عليه الهبات ويحصل على الشرعية التي ظل يبحث عنها لسنوات، ما يدعم بقاءه وسيطرته على كامل الأراضي السورية. نال بعض ما أراد، لكن الرياح لا تجري دائمًا بما تشتهي السفن، لأن إسرائيل كانت لها حسابات أخرى.
فرغم كل ما فعله لم تتوقف دولة الاحتلال عن التحرش بنظامه الوليد؛ مرة بزعم تأمين حدودها وأخرى لاستهداف مواقع وعناصر لحزب الله، وثالثة لحماية “إخوة إخوتنا الدروز”. بينما مقصدها الحقيقي في كل مرة، هو تفكيك الدولة السورية وتحويلها إلى دويلات إثنية وطائفية، ونزع سلاح الدولة في الجنوب السوري، تمهيدًا لتحويل مخططها المعروف بـ”ممر داود” إلى أمر واقع.
ممر استراتيجي بدماء الأقليات
“ممر داود” الذي كُشف عنه النقاب في أبريل/نيسان الماضي، يقضي بسيطرة إسرائيل الكاملة على شريط جغرافي يمتد من مرتفعات الجولان المحتلة في جنوب سوريا الغربي ويمر بمحافظات القنيطرة ودرعا، ثم يتسع شرقًا عبر السويداء في جبل حوران ويدخل البادية السورية باتجاه معبر التنف الاستراتيجي على الحدود السورية العراقية الأردنية، ما يسهل وصول قوات الاحتلال إلى الأراضي العراقية.
ساعد الشرع، بضعفه وعدم إدراكه وقلة حيلته وخبرته، إسرائيل في تحقيق غايتها، ليس فقط عندما فشلت ثورة التحرير التي أسقطت استبداد نظام الأسد في جمع مكونات الشعب السوري تحت مظلة الدولة. بل الأسوأ كان تعاملها مع بعض تلك المكونات بانتقامية، ومن منطلقات عقائدية سلفية جهادية لا تعترف بالآخر الديني والمذهبي، ولا تقبل به إلا صاغرًا ذليلًا. ضاعف ذلك الاحتقان وفتح الباب على مصراعيه أمام تفكيك الدولة الهشة.
ما يحدث في السويداء واحد من أعراض ما نال سوريا الجديدة من أمراض. فالتهميش والإذلال الذي مارسته فصائل السلطة الجديدة بحق أبناء الأقليات المذهبية، ومن بينهم الدروز، دفع هؤلاء إلى الكفر بالدولة التي يحاول الشرع تثبيت أركانها.
ما يحتاجه الدروز والعلويون والأكراد وغيرهم من مكونات المجتمع السوري هو أن تشعرهم سلطة دمشق بالعدالة والشراكة وتضمن لهم جميع حقوق المواطنة، فتتماسك الجبهة الداخلية، وهو شرط لازم لمواجهة تربص دولة الاحتلال وسعيها إلى تفتيت سوريا وإضعاف سلطتها المركزية.
سلام القوة الإسرائيلي
في فبراير/شباط الماضي أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من قمة جبل الشيخ أنه سيعمل على نزع سلاح الجيش السوري في محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء بالكامل، وهو ما كرره وزيرا الدفاع والخارجية الإسرائيليين يسرائيل كاتس وجدعون ساعر، اللذين شددا على أن قوات الجيش الإسرائيلي لن تنسحب من الجنوب السوري ولن تسمح لنظام “إرهابي” بالاقتراب من حدود إسرائيل.
وفي مايو، شنَّت إسرائيل غارات جوية بالقرب من قصر الشعب الرئاسي في دمشق، بدعوى حماية الطائفة الدرزية من هجمات محتملة. هنا بدأت إسرائيل في نصب فخ “السويداء” للنظام السوري الجديد، الذي يبدو أنه لم يقبل بكامل الإملاءات الإسرائيلية التي عُرضت عليه في مفاوضات غير معلنة برعاية إماراتية انطلقت في أبوظبي واستُكملت في العاصمة الأذرية باكو.
استغلت إسرائيل أحداث السويداء لإكراه الشرع على قبول شروطها. استخدمتها ذريعة لضرب العمق السوري واستهداف المواقع السيادية في العاصمة. ولم توقف إطلاق النار بـ”الطلبات أو التوسلات” بل بـ”القوة” حسبما صرح نتنياهو الذي تعهد بأن تبقى المنطقة من الجولان إلى جبل الدروز “منزوعة السلاح”.
هكذا صارت سوريا بلدًا منكشفًا أمنيا، تُنفِّذ فيه إسرائيل ما تريد دون أي مقاومة بعد أن سقطت رهانات رئيسه الانتقالي، وبات محاصرًا بتمرد الأقليات والأطراف المحتقنة من جهة، وبانفلات عناصر مؤسساته الأمنية من جهة أخرى، فضلًا عن هشاشة الاقتصاد، ومخاطر تخلّي الرعاة الإقليميين والدوليين عن نظامه إذا فقد السيطرة وبات عالقًا معزولًا في قصر الشعب.
لعل أكثر ما يكشف عن هشاشة النظام الجديد ليس فقط صمته على استباحة سيادته، بل ظنه أن هذه الاستباحة ربما تكون مدخلاً لبقائه واستقرار بلاده.
لطمت إسرائيل نظام سوريا الجديدة على خده الأيمن فمنحها الأيسر معتقدًا أنها ستفهم المجاز وتكتفي، لكنها لطمته مجددًا، لأن ضعفه يزيد من غطرسة دولة الاحتلال التي لا تعرف سوى لغة القوة. لكن الشرع لا يبدو أنه تعلَّم ذلك بعد.
—————————–
الخارجية السورية: لا نقبل بتكرار تجارب حزب الله في بلادنا
مسؤول بالخارجية السورية: “قسد تمنح الهجري وغيره منصة رغم أنهما لا يمثلان المكونات التي يتحدثان عنها”
دبي – العربية.نت
نشر في: 10 أغسطس ,2025
أشعل مؤتمر “وحدة الموقف لمكونات شمال وشرق سوريا” الذي عُقد يوم الجمعة الماضي بمدينة الحسكة السورية سجالات وتوترات بين قسد ودمشق. إذ أعلن مصدر حكومي سوري مساء أمس السبت، عدم مشاركة الحكومة في المفاوضات المرتقبة في باريس هذا الشهر (أغسطس).
فيما أوضح مدير إدارة الشؤون الأميركية في الخارجية السورية قتيبة إدلبي في تصريحات للعربية/الحدث أن “مؤتمر الحسكة تخللته محاولة للاستقواء بأطراف خارجية..”، وفق تعبيره.
كما رأى أن تصريحات شيخ عقل الدروز حكمت الهجري و”قسد” كشفت ذلك.
قسد والهجري
وقال المسؤول في وزارة الخارجية: “لا نقبل بتكرار تجارب حزب الله وما شابهه على الأراضي السورية”.
إلى ذلك، اعتبر أن “قسد تمنح الهجري وغيره منصة رغم أنهما لا يمثلان المكونات التي يتحدثان عنها”.
كذلك شدد على أن الحكومة ترحب باللامركزية الإدارية إلا أنها ترفض رفضا قاطعا أي لامركزية سياسية.
وكان مصدر فرنسي وآخر عسكري من “قسد” كشفا لـ “العربية.نت/الحدث.نت” أن قوات سوريا الديمقراطية لم تتلقّ بعد أي إخطار رسمي بانسحاب الحكومة من المفاوضات معها.
يذكر أن 400 شخص بينهم سياسيون وقادة عشائر ورجال دين كالشيخ محمد مرشد الخزنوي والزعيم الروحي لطائفة الموحّدين الدروز الشيخ حكمت الهجري ورئيس “المجلس الإسلامي العلوي الأعلى” غزال غزال، كانوا شاركوا في مؤتمر الحسكة.
إلا أن اسم غزال أثار ردود فعل شاجبة من قبل العديد من السوريين، بينهم مسؤولون وإعلاميون وناشطون، متهمينه بالارتباط بالنظام السابق.
———————–
الأردن يستضيف اجتماعاً سورياً-أميركياً للبحث في دعم دمشق
أعلنت وزارة الخارجية الأردنية، في بيان لها، الأحد، أن الأردن سيستضيف يوم الثلاثاء اجتماعاً أردنياً-سورياً-أميركياً لبحث سبل دعم إعادة إعمار سوريا.
وأضافت الوزارة أن الاجتماع سيحضرُه وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني، والمبعوث الأميركي إلى سوريا توماس براك، والسفير الأميركي في تركيا.
يأتي الاجتماع، الذي سيحضره كذلك مُمثّلون عن المؤسسات المعنية في الدول الثلاث؛ استكمالاً للمباحثات التي كانت استضافتها عمّان بتاريخ 19 يوليو/تموز الماضي، لبحث تثبيت وقف إطلاق النار في محافظة السويداء جنوب سوريا وحل الأزمة هناك. إذ تضمنت الخطوات في حينه “مواضيع تتعلق بتثبيت وقف إطلاق النار، ونشر قوات الأمن السورية في محافظة السويداء، وإطلاق سراح المُحتجزين لدى كل الأطراف وجهود المصالحة المجتمعية في المحافظة، وتعزيز السلم الأهلي، وإدخال المساعدات الإنسانية”.
وسيجري وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي أيضا محادثات ثنائية مع الشيباني ومع براك.
———————-
مصدر أوروبي: نخطط لحدث رفيع في دمشق بالتنسيق مع المجتمع المدني/ إنجي مجدي
كرر مسؤول الاتحاد الأوروبي في حديثه إلى “اندبندنت عربية” إدانته العنف الذي شهدته مدينة السويداء السورية وأكد ضرورة نزع السلاح وتسريح المقاتلين
السبت 9 أغسطس 2025 15:02
ملخص
في حديثه إلى “اندبندنت عربية” قال متحدث باسم الاتحاد الأوروبي تعليقاً على العنف في سوريا “نحث جميع الأطراف على التوقف فوراً عن جميع أعمال العنف، وضمان سلامة المدنيين بغض النظر عن خلفيتهم العرقية أو الدينية، وحماية البنية التحتية المدنية بما في ذلك المواقع الدينية، واتخاذ خطوات عاجلة لمنع أي تحريض أو خطاب طائفي إضافي”.
كشف دبلوماسي أوروبي رفيع في تصريحات لـ”اندبندنت عربية”، أن الاتحاد الأوروبي يخطط لعقد حدث رفيع في العاصمة السورية دمشق، بالتنسيق مع مؤسسات المجتمع المدني، مؤكداً “الدور الحاسم للمجتمع المدني السوري ووسائل الإعلام الحرة والمستقلة والمجتمع السوري في المهجر، في ضمان نجاح انتقال سوريا نحو بناء مجتمع سلمي وعادل وشامل وتعددي”.
جاءت تصريحات المسؤول الأوروبي تعليقاً على أحداث العنف التي شهدتها مدينة السويداء جنوب سوريا والتي خلفت مئات القتلى وأسفرت عن نزوح ما يقدر بنحو 175 ألف شخص من سكان المدينة الدروز، قائلاً “تقع على عاتق السلطات الانتقالية السورية مسؤولية حماية جميع السوريين من دون تمييز، واتخاذ الخطوات اللازمة لنزع السلاح (المسلحين)، وتسريح المقاتلين، وإعادة هيكلة قوات الأمن الوطنية بما يتماشى مع المعايير والقواعد الدولية”.
وأكد المسؤول استعداد الاتحاد الأوروبي لمساعدة هذه الجهود ويجدد دعمه لانتقال سلمي وشامل بقيادة سورية. وأشار إلى أنه على مدى الأعوام الماضية، نظم الاتحاد الأوروبي “يوم الحوار” ضمن مؤتمر بروكسل لجمع مختلف أصوات المجتمع المدني السوري، بينما يخطط الاتحاد الأوروبي لدعم حدث مع المجتمع المدني للمرة الأولى في دمشق بوقت لاحق من هذا العام.
وأضاف بالقول، “يرى الاتحاد الأوروبي أن الوقت قد حان للحوار والمضي قدماً نحو انتقال سلمي وشامل حقيقي في سوريا، يضمن حقوق الإنسان ويحقق تطلعات جميع السوريين. وقد دعم الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء منذ فترة طويلة المجتمع المدني السوري، وانتظم مع عديد من الجهات المعنية التي تمثل تنوع المجتمع السوري، وسنواصل القيام بذلك في المستقبل”.
وفي الإطار ذاته، قال متحدث باسم الاتحاد الأوروبي لنا، إن الاتحاد يدين بشدة أعمال العنف التي أودت بالمئات في جنوب سوريا خلال يوليو (تموز) الماضي، وخصوصاً الهجمات التي أفادت التقارير بأنها ارتكبت من قبل عدة جماعات مسلحة ضد المدنيين. وأشار إلى دعوة الاتحاد الأوروبي إلى إجراء تحقيق شفاف وموثوق ومحايد، ومحاسبة جميع مرتكبي الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان وتقديمهم للعدالة، بما في ذلك بدعم من الآليات الدولية ذات الصلة.
وشدد على ضرورة “احترام وقف إطلاق النار الحالي احتراماً كاملاً”. مضيفاً بالقول “نحث جميع الأطراف على التوقف فوراً عن جميع أعمال العنف، وضمان سلامة المدنيين بغض النظر عن خلفيتهم العرقية أو الدينية، وحماية البنية التحتية المدنية بما في ذلك المواقع الدينية، واتخاذ خطوات عاجلة لمنع أي تحريض أو خطاب طائفي إضافي”.
وأشار المسؤول في حديثه إلى إعلان سابق من قبل الاتحاد الأوروبي عن، “تقديم 1.6 مليون يورو مساعدات إنسانية عاجلة في ظل حال الطوارئ المستمرة في سوريا، ودعا جميع الأطراف، وبخاصة السلطات الانتقالية السورية، إلى ضمان وصول المساعدات الإنسانية العاجلة والآمنة وغير المقيدة للخدمات المنقذة للحياة مثل الصحة والمياه والغذاء، وكذلك ضمان حماية العاملين في المجال الإنساني”. و”تسلم المساعدات الإنسانية للاتحاد الأوروبي عبر شركاء موثوقين في جميع أنحاء سوريا، وتهدف إلى الاستجابة لحالات الطوارئ المنقذة للحياة على أساس الحاجات والمساءلة أمام السكان المتضررين، والشفافية والكفاءة والفعالية، والمبادئ الإنسانية، الحياد، عدم التحيز، الاستقلالية”.
————————–
يوسف جربوع يصطفّ مع الهجري والحناوي في مهاجمة الحكومة السورية/ محمد كركص
10 اغسطس 2025
انضمّ الشيخ يوسف جربوع، أحد أبرز مشايخ العقل في محافظة السويداء، جنوبي سورية، إلى كلٍّ من الشيخين حكمت الهجري وحمود الحناوي في انتقاد الحكومة السورية، موجهاً اتهامات لها بارتكاب “مجازر” و”تطهير عرقي” بحق المدنيين في المحافظة خلال الأيام الماضية. وقال جربوع، في بيان أصدره مساء اليوم السبت، إنّ السويداء مرّت خلال الأيام الأخيرة بـ”محنة عظيمة”، سعى خلالها إلى “وقف حمّام الدم وحماية المدنيين الأبرياء”، متهماً القوات المهاجمة بارتكاب “عدوان همجي بحجة بسط سيطرة الدولة”، لكنه منح، بحسب قوله، “غطاءً وحمايةً لجيش من التتر الذين عاثوا في الأرض فساداً وقتلوا المدنيين العزّل من دون وجه حق”، على حد وصفه.
ووصف جربوع ما جرى بأنه “أعمال وحشية طائفية بمثابة تطهير عرقي ممنهج”، داعياً “المنظمات الإنسانية والهيئات الصحافية والمعنيين من جميع أنحاء العالم للوقوف على ما فعله المعتدون من مجازر بحق الإنسانية في المحافظة”. وطالب جربوع “الدول الضامنة بوقف الأعمال القتالية والعدوانية، والانسحاب الفوري من كامل أراضي المحافظة، وإطلاق سراح المخطوفين والمغيّبين، وتشكيل لجنة تحقيق دولية محايدة، ورفع الحصار وفتح المعابر الإنسانية دون قيد أو شرط”.
ولم يصدر بعد تعليق رسمي من دمشق على هذه الاتهامات.
وتأتي تصريحات جربوع في أعقاب مواقف متصاعدة من زعماء الطائفة الدرزية في السويداء ضد الحكومة في دمشق، إذ وجّه الشيخ حمود الحناوي في وقت سابق اليوم انتقادات لاذعة للسلطة، متهماً إياها بـ”الظلامية والغدر”، في تحول لافت عن نهجه السابق الذي تجنّب فيه الصدام مع الدولة السورية. وقال الحناوي، في بيان مصور، إنّ “السلطة ومن معها لا عهد لهم ولا ذمة، باعت الوطن في سوق المساومات فطعنت أهله قبل أن تطعن حدوده”، واصفاً الحكومة بـ”حكومة الغدر التي نقضت المواثيق وانقلبت على القيم وارتضت أن تكون سيفاً على رقاب الأبرياء بفتاوى فكرها الظلامي الجهادي المتطرف”. واتهمها بمحاصرة السويداء في “الدواء والمحروقات والبنية التحتية”، معتبراً أنّ “المعركة قضية وجود ومصير”، وداعياً إلى تدخل عاجل لرفع “الحصار” ومحاسبة المسؤولين عن “الجرائم الوحشية”، على حد وصفه.
ويعدّ خروج الحناوي، البالغ من العمر 82 عاماً، بموقف علني مناهض للحكومة، استجابة لدعوة وجهها له الناشط ماهر شرف الدين، المقرب من الشيخ الهجري، بعد ما وصفه الأخير بـ”جرائم دواعش الجيش والأمن العام” في قريته سهوة بلاطة، في ما اعتبر اصطفافاً مع الهجري في مواجهة دمشق.
وكان الشيخ حكمت الهجري قد طالب في بيان مصور، عصر السبت، بفتح تحقيق دولي مستقل في “الجرائم المرتكبة في السويداء”، وإحالة المتورطين إلى المحكمة الجنائية الدولية، وإرسال بعثات مراقبة لحماية المدنيين، و”وقف كل أشكال الدعم السياسي والعسكري للفصائل الإرهابية المحيطة بالمحافظة”. واتهم الهجري القوات المهاجمة بارتكاب “إبادة ممنهجة تشمل ذبح أطفال، وإعدام شيوخ، وحرق منازل، وخطف مدنيين، وفرض حصار خانق”، مؤكداً أن “التجويع يشكل جريمة حرب وفق اتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي”. كما وجّه الهجري الشكر للدول التي دعمت السويداء، ومن بينها إسرائيل والولايات المتحدة ودول الخليج والإدارة الذاتية لشمال وشرق الفرات، معبّراً عن امتنانه لـ”دولة إسرائيل حكومة وشعباً لتدخلها الإنساني”، داعياً في ختام بيانه أبناء المحافظة إلى “وحدة الصف ونبذ الفتنة”.
العربي الجديد،
—————————–
الحناوي يهاجم الحكومة السورية: باعت الوطن في سوق المساومات
السبت 2025/08/09
هاجم شيخ العقل حمود الحناوي الحكومة السورية قائلاً إنها باعت “الوطن في سوق المساومات”. فيما وجّه الزعيم الروحي للدروز في السويداء حكمت الهجري، الشكر لإسرائيل على هجماتها ضد القوات السورية.
الحناوي يهاجم
وفي أول كلمة له من بعد أحداث السويداء، هاجم الحناوي الحكومة السورية لأول مرة منذ سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، فيما كان في السابق من دعاة إلى التفاوض مع الإدارة السورية وبسط سلطة الدولة بالحوار، على عكس الهجري.
وقال الحناوي في كلمة مصورة: “لقد ابتُلينا بسلطة ومن معها لا عهد لهم ولا ذمة، سلطة باعت الوطن في سوق المساومات، فطعنت أهله قبل أن تطعن حدوده”، واصفاً الحكومة السورية بأنها “حكومة غدر نقضت المواثيق وانقلبت على القيم وارتضت أن تكون سيفًا على رقاب الأبرياء”.
كما طالب جميع الدول والمنظمات الإنسانية بتحمّل مسؤولياتها والضغط بشكل فوري “لرفع الحصار عن السويداء وفتح الممرات الإنسانية دون قيد أو شرط، وفتح تحقيق لمحاسبة جميع المتورطين بالجرائم الوحشية المرتكبة بحق أبناء طائفتنا ووجودهم”.
وكذلك، وجه الشكر لشيخ عقل طائفة الموحدين الدروز في إسرائيل موفق طريف “على موقفه المشرف ودعمه لأهل الجبل”.
وشهدت السويداء في تموز/يوليو، اشتباكات عنيفة ودامية بين البدو والدروز، تدخلت على إثرها القوات السورية كقوات فض اشتباك، قبل أن تدخل إسرائيل لصالح المجموعات المقاتلية من الدروز. وسقط خلال هذه الأحداث، نحو 1500 قتيل معظمهم من المدنيين، في ظل انتهاكات جسيمة ارتكب بحق الدروز والبدو من المدنيين.
إبادة جماعية
وقال الهجري في كلمة مصورة: إننا نثمن مواقف الدول التي رفضت الصمت ووقفت إلى جانب المظلومين، وفي مقدمتهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب لموقفه الواضح بدعم الأقليات ورفض الاستبداد”، كما عبّر عن شكره لـ”دولة إسرائيل حكومة وشعباً لتدخلها الإنساني للحد من المجازر بحق أهل السويداء بدافع أخلاقي وإنساني”، كما شكر دول الخليج العربي والإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا.
وكانت الطائرات الإسرائيلية قد تدخلت في أحداث السويداء في تموز/يوليو الماضي، إذ قصفت القوات السورية وعدة مواقع حساسة داخل العاصمة دمشق، بينها محيط القصر الرئاسي، قبل أن يتم التوصل إلى وقف إطلاق نار بوساطة أميركية.
وقال الهجري إن السويداء تتعرض لحصار خناق لـ”كسر إرادة شعبها”، وإنها تعرضت لـ”إبادة جماعية صامتة” على مرأى العالم ومسمعه، مضيفاً أن مدنيين أعدموا ميدانياً، وتعرض القرى لقصف عشوائي، مشيراً إلى مسؤولية القوات السورية عنها، قائلاً إنها “ليست أعمالاً فردية”، وارتكبت تحت “أكاذيب فرض الأمان” في إشارة لتدخل القوات السورية كقوات فض اشتباك بالاشتباكات بين البدو والدروز.
وطالب الهجري بفتح تحقيق دولي مستقل حول الجرائم المرتكبة في السويداء، وإحالة المتورطين بهذه الجرائم إلى المحكمة الجنائية الدولية، وإرسال بعثات مراقبة دولية لحماية المدنيين، ووقف كل أشكال الدعم السياسي والعسكري للفصائل “الإرهابية” المحيطة بالسويداء.
——————————-
الحناوي: «لا عهد ولا ذمّة» لحكومة دمشق… والهجري يشكر إسرائيل
اعتبر شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز في السويداء، حمود الحناوي، اليوم، أن المعركة مع حكومة دمشق غدت «قضية وجود ومصير».
السبت 9 آب 2025
اعتبر شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز في السويداء، حمود الحناوي، اليوم، أن المعركة مع حكومة دمشق غدت «قضية وجود ومصير»، في حين شكر الزعيم الروحي للطائفة، حكمت الهجري، «دولة إسرائيل حكومةً وشعباً»، على دورها في «الحد من المجازر» بحق أهل المحافظة.
وتوجّه الحناوي، في أول تصريح مصوّر له منذ اندلاع أحداث السويداء، إلى «أحرار جبل العرب وأبناء طائفتنا الكريمة في كل مكان، وشرفاء الوطن»، قائلاً: «لقد ابتُلينا بسلطة ومن معها لا عهد لهم ولا ذمّة، سلطة باعة للوطن في سوق المساومات، فطعنت أهله قبل أن تطعن حدوده، حتى غدت في وجداننا حكومة الغدر التي نقضت المواثيق وانقلبت على القيم، وارتضت أن تكون سيفاً مسلولاً على رقاب الأبرياء بفتاوى فكرها الظلامي الجهادي المتطرف المستبيح للدماء والأعراض والمقدسات والحقوق».
ثمّ توجّه إلى «عشائر العرب وأبناء حوران»، معاتباً إياهم بالقول: «كنا نراكم إخوة الدم والمروءة وسند الجار وذخيرة الملمات، فإذا بنا نصحو على طعنات في الظهر وخذلان الجار وانكسار العهد، وانكسار عهد الآباء والأجداد».
وشدد الحناوي على أن «معركتنا اليوم لم تعد بنداً في جدول السياسة ولا ورقة في صفحات المساومة أو صفقاتها، بل غدت قضية وجود ومصير لكل أبناء الجبل وأهلنا أينما وجدوا، وجوداً إما أن نصونه بدمائنا وإرادتنا أو نُمحى من صفحات الأرض والتاريخ».
كما بعث بتحية «وفاء وإجلال إلى أهلنا الدروز في كل مكان، ولقيادتهم الدينية وعلى رأسهم الشيخ موفق طريف، وعلى مواقفهم المشرفة ودعمهم الثابت لأبناء الجبل».
في الختام، حذّر شيخ العقل من «الفتنة والحرب الإعلامية»، نافياً حصول «أي تفاوض أو اتفاق في الوقت الحالي» مع الحكومة السورية، ومستنكراً «التطاول على رموز الطائفة الدرزية الدينية ومقدساتها (…) والصمت العربي والتعتيم الإعلامي وطمس الحقائق».
الهجري يشكر إسرائيل
بدوره، قال الهجري إن «الأيام الأخيرة شهدت سلسلة من الجرائم التي لا يمكن وصفها إلا بأنها إبادة ممنهجة تُنفذ بدم بارد وتدار من غرف مظلمة تحركها أيادٍ اعتادت أن تكتب بالدم لا بالحبر».
ولفت، في كلمة مصوّرة، إلى أن «استخدام التجويع كوسيلة ضغط على المدنيين لا يعدّ مجرد انتهاك، بل هو جريمة حرب موصوفة يُدان مرتكبوها أمام القانون الدولي وأمام البشرية»، مديناً «حملات التزييف التي تقودها وسائل الإعلام الرسمية وبعض القنوات الداعمة لحكومة الأمر الواقع، والتي تحاول أن تلبس الجريمة ثوب الأمان وتروج لسلام زائف يُبنى على أنقاض الأبرياء».
وتوجّه الهجري بالشكر للرئيس الأميركي دونالد ترامب، لموقفه الواضح في «دعم الأقليّات ورفض الاستبداد»، وإلى «دولة إسرائيل حكومةً وشعباً» لـ«تدخلها الإنساني في الحدّ من المجازر بحقّ أهل السويداء»، الذي رأى أنه أتى «بدافعٍ أخلاقي وإنساني».
بالإضافة إلى دول الخليج العربي التي قال إنها «عبّرت بوضوح عن رفضها لحكم الإرهاب»، و«الإدارة الذاتية» التابعة لـ«قسد».
كذلك، توجّه الزعيم الروحي للطائفة إلى الدول الضامنة، مطالباً إياها بالضغط على «حكومة الأمر الواقع للالتزام باتفاق وقف إطلاق النار وعدم تكرار الخروقات والاعتداءات»، مجدداً ضرورة «انسحاب كافة الميليشيات والمجموعات المسلحة إلى خارج الحدود الإدارية للسويداء لتأمين عودة أبنائنا إلى قراهم ومنازلهم».
—————————-
جربوع: «جيش من التتر» مارس التطهير العرقي الممنهج في السويداء
الأحد 10 آب 2025
أصدر أحد شيوخ العقل في محافظة السويداء، الشيخ يوسف جربوع، مساء أمس، بياناً مصوراً تناول فيه أحداث الأيام الماضية في محافظة السويداء، واصفاً إياها بـ«المحنة العظيمة».
الخط
أصدر أحد شيوخ العقل في محافظة السويداء، الشيخ يوسف جربوع، مساء أمس، بياناً مصوراً تناول فيه أحداث الأيام الماضية في محافظة السويداء، واصفاً إياها بـ«المحنة العظيمة» التي سعى خلالها مع فعاليات المحافظة لوقف حمام الدم وحماية المدنيين.
وأكد جربوع أن «العدوان» الأخير، الذي جاء بذريعة «بسط سيطرة الدولة»، وفّر في الواقع غطاءً لما وصفه بـ«جيش من التتر» ارتكبوا جرائم قتل بحق المدنيين العزّل، واعتدوا على الحرمات والأرزاق بالسرقة والحرق والتدمير، تحت ذريعة «ضبط المجموعات الخارجة عن القانون».
واتهم جربوع القوات الحكومية بارتكاب «أعمال وحشية طائفية» ترقى إلى التطهير العرقي الممنهج، مشدداً على أن هذه الممارسات تمثل خيانة لإرث المحافظة الإنساني والتاريخي، الذي تجلى في إيوائها وحمايتها للمدنيين من مختلف مناطق سوريا خلال الثورة على النظام السابق.
ودعا الدول الضامنة إلى تحمّل مسؤولياتها واتخاذ مواقف إنسانية «لرفع الظلم عن الأبرياء»، كما طالب المنظمات الإنسانية والهيئات الصحافية العالمية بالوقوف على «المجازر المرتكبة بحق الإنسانية» في السويداء.
وفي ختام بيانه، أعلن جربوع تأييده لدعوة مشايخ العقل إلى وحدة الصف ونبذ الفتن، موجهاً الشكر لكل من ساند السويداء في محنتها، وعلى رأسهم شيخ عقل الطائفة الدرزية في الأراضي المحتلة الشيخ موفق طريف.
بيان للشيخ حمود الحناوي
ويأتي بيان جربوع بعد ساعات من بيان مماثل للشيخ حمود الحناوي، الذي وجّه فيه انتقادات حادة للحكومة السورية، مطالباً برفع الحصار عن السويداء وفتح الممرات الإنسانية، ومؤكداً أن «المعركة باتت معركة وجود»، كما شكر الشيخ موفق طريف على مواقفه الداعمة لأهالي الجبل.
————————-
السويداء: الحناوي يهاجم الحكومة السورية والهجري يطالب بتحقيق دولي
محمد كركص
09 اغسطس 2025
وجّه الشيخ حمود الحناوي أحد زعماء الطائفة الدرزية في السويداء انتقادات لاذعة للحكومة في دمشق، متهماً إياها بـ”الظلامية والغدر”، وذلك في تحول واضح بموقفه الذي تجنّب فيه الصدام مع الدولة السورية، فيما دعا الزعيم الآخر في الطائفة حكمت الهجري إلى تحقيق دولي بما وصفها “جرائم” ارتكبت في المحافظة الواقعة جنوبي سورية.
وقال الحناوي في بيان مصور: “ابتُلينا بسلطة ومن معها لا عهد لهم ولا ذمة، سلطة باعت الوطن في سوق المساومات فطعنت أهله قبل أن تطعن حدوده”، واصفاً الحكومة بـ”حكومة الغدر التي نقضت المواثيق وانقلبت على القيم وارتضت أن تكون سيفاً على رقاب الأبرياء بفتاوى فكرها الظلامي الجهادي المتطرف المستبيح للحقوق والمقدسات”.
وأضاف الحناوي أن “جبل العرب لم يعرف الخضوع يوماً”، متهماً الحكومة بمحاصرة السويداء في “الدواء والمحروقات والبنية التحتية”، داعياً إلى التكاتف واقتسام رغيف الخبز. واعتبر أن “المعركة” باتت “قضية وجود ومصير”، مطالباً “الدول والمنظمات الإنسانية” بالتدخل العاجل لرفع “الحصار” ومحاسبة المسؤولين عن “الجرائم الوحشية”، وعبر عن استغرابه من “الصمت العربي والتعتيم الإعلامي”.
وكان الحناوي، البالغ من العمر 82 عاماً، قد تبنى سابقاً مواقف أقرب للتفاهم مع الحكومة، لكنّه التزم الصمت حيال التطورات الأخيرة في السويداء. ووفق مراقبين، فإنّ خروجه العلني جاء بعد دعوة وجهها له الناشط ماهر شرف الدين، المقرب من الشيخ الهجري، لمخاطبة العالم حول ما وصفه بـ”جرائم دواعش الجيش والأمن العام في قريته سهوة بلاطة”، وهو ما اعتُبر اصطفافاً إلى جانب الهجري في مواجهة الحكومة السورية.
من جانبه، طالب الهجري، في بيان مصور صدر اليوم السبت من بلدة قنوات بريف محافظة السويداء، بفتح تحقيق دولي مستقل حول ما وصفه “الجرائم المرتكبة في السويداء”، وإحالة المتورطين إلى المحكمة الجنائية الدولية، وإرسال بعثات مراقبة دولية لحماية المدنيين، و”وقف كل أشكال الدعم السياسي والعسكري للفصائل الإرهابية المحيطة بالمحافظة”، وفق تعبيره، إضافة إلى “الضغط على حكومة الأمر الواقع للالتزام بوقف إطلاق النار وانسحاب المليشيات والمجموعات المسلحة إلى خارج الحدود الإدارية للسويداء”.
وقال الهجري إنّ ما يجري في المحافظة هو “إبادة ممنهجة تشمل ذبح أطفال، وإعدام شيوخ في الساحات، وحرق منازل بمن فيها، وخطف مدنيين، وفرض حصار خانق امتد لأسابيع، وقطع المياه والكهرباء والغذاء، وقصفاً عشوائياً على القرى”، مؤكداً أن “هذه الأفعال ليست تجاوزات فردية بل خطة إبادة صامتة، وأن التجويع يشكل جريمة حرب وفق اتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي”، كما دان “حملات التزييف الإعلامي التي تروّج لسلام زائف يبنى على أنقاض الأبرياء”، ووجّه الشكر للدول التي دعمت السويداء، ومن بينها الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج والإدارة الذاتية لشمال وشرق الفرات، وقال إنه يوجه الشكر لـ”دولة إسرائيل حكومة وشعباً لتدخلها الإنساني للحد من المجازر بحق أهل السويداء بدافع أخلاقي و إنساني”، وختم كلمته بدعوة أبناء المحافظة إلى “وحدة الصف ونبذ الفتنة”، وفق تعبيره.
——————————
تحضيرات لاجتماع في عمّان بين الحكومة السورية ووجهاء من السويداء
2025.08.10
أفادت صحيفة “القدس العربي”، السبت، بأن المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توماس براك، يجري اتصالات بالتنسيق مع وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، وعدد من وزراء الخارجية العرب ووزير الخارجية التركي، تمهيدًا لعقد اجتماع في العاصمة الأردنية عمّان بين الحكومة السورية ووجهاء من محافظة السويداء.
ونقلت الصحيفة عن مصدرين، أحدهما أميركي والآخر سوري، أن الاجتماع المزمع عقده نهاية الأسبوع المقبل يحظى بدعم ورغبة دولية وإقليمية لإنجاحه، مع جهود لإقناع الشيخ حكمت الهجري بالمشاركة، إلى جانب وجهاء من أبرز العائلات المحلية وقادة فصائل بارزة، في حين لم يتضح إن كانت ستُوجّه دعوات لسليمان عبد الباقي وليث البلعوس.
وبحسب المصادر، فإن التحضيرات لا تشير إلى احتمال حضور الشيخ الهجري في ظل غياب وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، واقتصار التمثيل الرسمي على قائد الأمن الداخلي في السويداء أحمد الدالاتي، وقائد الأمن الداخلي في درعا شاهر عمران، إضافة إلى محافظ السويداء مصطفى البكور.
حكمت الهجري يشكر إسرائيل ويطالب بفتح تحقيق دولي
وكان الشيخ حكمت الهجري، قد توجه في كلمة مصورة، نشرت السبت، بالشكر إلى “الدول التي رفضت الصمت ووقفت إلى جانب المظلومين” حيال ملف السويداء، وفي مقدمتهم إسرائيل والرئيس الأميركي دونالد ترمب “لموقفه الواضح في دعم الأقليات ورفض الاستبداد”، بحسب وصفه.
وعبّر الهجري أيضاً عن شكره لـ “دولة إسرائيل حكومةً وشعباً لتدخلها الإنساني للحد من المجازر بحق أهل السويداء بدافع أخلاقي وإنساني، وللدول الخليجية العربية الشقيقة التي عبّرت بوضوح عن رفضها لحكم الإرهاب ودعمها لقضية شعبنا المظلوم”، وفق وصفه، إضافة إلى “الإدارة الذاتية لمنطقة شمال وشرق الفرات والمنظمات التابعة لها على دعمها الصادق لأهلهم في السويداء”.
وطالب الهجري في كلمته بفتح تحقيق دولي مستقل حول الجرائم المرتكبة في السويداء وإحالة المتورطين بهذه الجرائم إلى المحكمة الجنائية الدولية وإرسال بعثات مراقبة دولية لحماية المدنيين ووقف كل أشكال الدعم السياسي والعسكري للفصائل “الإرهابية” المحيطة بالسويداء.
ودعا الهجري الدول الضامنة للضغط على الحكومة السورية للالتزام باتفاق وقف إطلاق النار وعدم تكرار الخروقات والاعتداءات التي تمت خلال سريان هذا الاتفاق.
—————————
=================
تحديث 09 آب 2025
———————
الدولة السورية بعد أحداث السويداء/ خضر خضّور
لم تكن الاشتباكات الأخيرة مجرّد حادثٍ أمنيٍّ عابر، بل نكسةً عميقة للمجتمع.
نشرت في 24 يوليو 2025
تقدّم مدوّنة “ديوان” الصادرة عن مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط وبرنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي تحليلات معمّقة حول منطقة الشرق الأوسط، تسندها إلى تجارب كوكبةٍ من خبراء كارنيغي في بيروت وواشنطن. وسوف تنقل المدوّنة أيضاً ردود فعل الخبراء تجاه الأخبار العاجلة والأحداث الآنيّة، وتشكّل منبراً لبثّ مقابلات تُجرى مع شخصيّات عامّة وسياسية، كما ستسمح بمواكبة الأبحاث الصادرة عن كارنيغي.
للمزيد من المعلومات
بعد أربعة عشر عامًا من الحرب الأهلية، تخوض سورية أصعب معاركها حتى الآن، وهي إعادة تشكيل الدولة خلال مرحلةٍ انتقاليةٍ معقّدةٍ تشابكت فيها الديناميكيات المحلية والإقليمية. فالأحداث الأخيرة التي شهدتها السويداء، والتي سرعان ما تحوّلت إلى عنفٍ طائفي، كشفت حدود السيطرة المركزية ومحاولات فرض السيادة في سياقات محلية هشّة. لقد عاد جنوب سورية، الذي لطالما كان منطقة نفوذٍ مُتنازَع عليها، إلى الواجهة كساحة صراع، حيث امتزجت النزعة المحلية بالطائفية، وحيث اصطدمت السياسات الوطنية بالطموحات الإقليمية.
اندلعت اشتباكات السويداء عقب خطف تاجرٍ درزيٍّ على يد مجموعة بدوية في منطقةٍ لطالما شهدت خصومةً بين الدروز والبدو. وسرعان ما تصاعدت هذه الحادثة إلى عنفٍ طائفي واسع النطاق، تخلّلته هجمات انتقامية وإعدامات ميدانية. فأرسلت الحكومة الانتقالية، بقيادة أحمد الشرع، قوات حكومية إلى السويداء لإعادة فرض النظام، إلّا أن العملية العسكرية فشلت تكتيكيًا وسياسيًا، إذ اتُّهِمَت هذه القوات بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان ضدّ المدنيين الدروز. في غضون ذلك، اغتنمت إسرائيل الفرصة لتنفيذ قرار اتّخذته في شباط/فبراير الماضي يقضي بإبقاء جنوب سورية منطقةً منزوعة السلاح، ووفت بتعهّدها بحماية الدروز في السويداء من خلال قصف مبنى قيادة الأركان في دمشق، ومنطقة قريبة من القصر الرئاسي. أدّى ذلك إلى تدخّل خارجي لمنع التصعيد، ما أفضى إلى اتفاق بين الولايات المتحدة والسلطات السورية، فاضطّرت القوات الحكومية السورية إلى الانسحاب من السويداء، ومذّاك الحين يسود وقف هشّ لإطلاق النار.
وفي ذروة القتال، احتشدت العشائر البدوية على أطراف محافظة السويداء تضامنًا مع أبناء جلدتها من البدو، ولكن كانت تعوزها قيادةٌ موحّدة. وحوّل القتال بين البدو والدروز، في ظلّ انتشار القوات الحكومية في الخلفية، النزاعَ من خلافٍ محلي محدود نسبيًا إلى صراع متعدّد الأطراف معقّد ذي تداعيات إقليمية.
يكمن الخطر اليوم في تقاطع مساراتٍ ثلاثة: رغبة الدروز في طلب الحماية؛ واستعداد القيادة السورية لبسط سلطتها وسيادتها باستخدام القوة؛ وعزم إسرائيل على توسيع نطاق نفوذها في جنوب سورية. وما اعتبرته دمشق ضوءًا أخضر من الإسرائيليين لتوسيع سلطتها لتشمل محافظة السويداء، والذي قيل إنه أُعطي خلال محادثاتٍ في باكو في أذربيجان، اعتبرته إسرائيل انتهاكًا صارخًا للتفاهمات الذي توصّل إليها الطرفان. فكانت النتيجة كارثية: سفك دماء، وأزمة ثقة في القيادة السورية، وتوازنات قوى جديدة في جنوب سورية.
لم يكن ما جرى في السويداء مجرّد حادثٍ أمنيٍّ عابر، بل نكسة عميقة للمجتمع السوري. فقد أصبح العنف محفّزًا للاستقطاب الطائفي، ما يهدّد بتعطيل عملية الانتقال السياسي في البلاد، وتقويض التعايش بين مختلف طوائفها، وبين المواطنين والدولة الناشئة. هذا وصوّرت السلطات أعمالَ العنف بلغةٍ ثنائية: خيرٌ مقابل شرّ، ووطنيٌّ مقابل خائن، ومع الدولة أو مع الفوضى. وصُوّر الزعيم الروحي الدرزي البارز، الشيخ حكمت الهجري، على أنه رمز للتمرّد والخيانة، مع إغفال السياق الأوسع: إذ إن نفوذ إسرائيل في جنوب سورية لم ينشأ بين ليلة وضحاها، بل ترسّخ على مدى سنوات بعدما انسحبت السلطات المركزية من المنطقة، التي اتّسمت بغياب تامّ للأمن.
لم ينعم جنوب سورية بالهدوء يومًا. فبعد العام 2013، بات حقل تجارب لنماذج مختلفة من النفوذ الإقليمي، بدءًا من انخراط إيران الواسع النطاق في محاولة لحشد قواتٍ حليفةٍ لها في المنطقة، وصولًا إلى تجربة الجبهة الجنوبية، وهو تحالفٌ من الفصائل المسلحة المدعومة من الولايات المتحدة وحلفائها العرب. لقد أعاد هذا الواقع تشكيل الجنوب السوري بالكامل، وحوّله إلى ساحةٍ للتنافس الإقليمي. في الوقت الراهن، يبدو أن إسرائيل تحاول بناء منطقة نفوذٍ لها في الجنوب، مستوحيةً الفكرة من النموذج التركي شمال البلاد. ويشمل مخططها ترتيبات محلية مع إدارات غير رسمية في المنطقة بدعمٍ أمني خارجي، على أن تصبّ جميعها في خدمة مصالح إسرائيل، لكن من دون فرض سيطرةٍ إسرائيليةٍ مباشرة. هذا هو مفهوم “الحدود المرنة”، حيث تغيب السيادة الواضحة وتحلّ محلها تفاهماتٌ مُبهمةٌ تحقّق أهدافًا خارجية.
لا تكمن الخطورة الكبيرة لهذا المشروع في تداعياته العسكرية وحسب، بل أيضًا في تقويضه النسيج الاجتماعي. فتحويل السويداء إلى ساحة نفوذٍ خارجي بصورة دائمةٍ لا يسهم سوى في ترسيخ ظاهرة الكانتونات، بحيث قد يستتبع كلّ نزاعٍ محلي يطرأ تَدخّلَ قوى إقليمية أو دولية. كذلك، يؤدي إلى إرساء معادلةٍ مميتةٍ تتمثّل في انعدام الثقة بين السوريين وغياب سلطة واحدة تقودهم. لقد وضع الخطاب الانقسامي، الذي طفى على السطح خلال أزمة السويداء، الأساس لبروز وعيّ سوري منقسم عاجزٍ عن تحقيق الاستقرار.
كشفت أحداث السويداء في نهاية المطاف أن النهج الذي تتبنّاه الحكومة الانتقالية لإعادة بناء دولةٍ مركزيةٍ على النموذج البعثي، لم يَعد مُجديًا وحسب، بل قد يكون خطيرًا حتى. فأعمال العنف لم تكن حدثًا معزولًا، إذ شكّلت امتدادًا لأنماط برزت في وقت سابق في المناطق الساحلية السورية واتّسمت ببعدٍ إيديولوجي سياسي، أسهم في تعزيز الهويات السياسية والطائفية، ودفَعَ المجتمعات المحلية إلى التشبّث بسلاحها. وينطبق هذا بشكل خاص على دولةٍ كسورية، حيث المؤسسات الوطنية ضعيفة أو مُنهارة، لكنه قد ينطبق أيضًا بدرجة أقل على لبنان.
هذا النمط من العنف ليس محصورًا بالضرورة في المناطق الجنوبية أو الساحلية لسورية، فقد يمتدّ إلى مناطق أخرى مثل شرق سورية، حيث يقيم الأكراد، أو المناطق الحدودية مع لبنان، حيث يعيش الكثير من الشيعة في سهل البقاع. وقد تتسّع رقعة العنف نتيجة التفاعل بين الهويات السياسية المتضاربة، والضعف المؤسسي، والاحتكاكات الناجمة عن مناطق النفوذ الإقليمي المتداخلة. وفي مثل هذه البيئات المتقلّبة، لن يكون العنف أداة للإكراه وحسب، بل أيضًا وسيلةً لتشكيل هويةٍ جماعيةٍ في غياب الدولة.
سورية في مرحلة ما بعد الحرب ليست مجرّد دولةٍ بحاجة إلى إصلاحاتٍ مؤسسية، بل هي كيانٌ متعدّد الأبعاد يستوجب عملية إعادة تعريف مُعمّقة. إن الوضع الراهن يستلزم أكثر من إعادة نشر القوات أو فرض السيطرة بالقوة، إنه يتطلّب تصوّرًا سياسيًا جديدًا يعترف بمراكز قوة متعدّدة وحكم تشاركي، ويعتمد التفاوضَ في إدارة النزاعات. مثل هذا النهج قد يُبعد سورية عن أوهامٍ لم تعد تبدو ممكنة، وتتمثّل في إقامة دولةٍ موّحدةٍ وشديدة المركزية.
————————
ما تريده إسرائيل من سوريا وبالعكس/ ماجد كيالي
08 أغسطس ,2025
تأسست سياسات إسرائيل إزاء نظام الأسد، الفارط، على اطمئنانها له، ومعرفتها بما يمكن أن تتوقعه منه، باعتبار أن الحدود السورية ـ الإسرائيلية ظلت الأهدأ طوال 50 عاماً (1974 ـ 2024)، وبحكم سيطرة النظام على البلد بقبضة أمنية قوية، وبواقع تخلف الجيش السوري من ناحية قوة النيران والتكنولوجيا ووسائل الاتصال والقيادة، وبحقيقة أن الاقتصاد والبنى التحتية في سوريا لا تتحمل تكلفة خوض حرب، وفوق كل ذلك فثمة فجوة كبيرة بين النظام وشعبه، أو معظم شعبه.
على ذلك، فقد انتهجت إسرائيل سياسات مختلفة إزاء النظام السوري، في الـ 14 سنة الماضية، أي بعد اندلاع الثورة السورية؛ فهي روجت للنأي عن الصراع الداخلي في سوريا، وفقاً لمقولة صكها المحلل الإسرائيلي أليكس فيشمان، ملخصها: “دعوا العرب ينتحروا بهدوء” (“يديعوت أحرونوت”، 12/ 6/ 2013). وبحسب عاموس هرئيل: “المعركة في سوريا تجري بين معسكرين معاديين جوهرياً لإسرائيل. والاستنزاف المتبادل بينهما، من دون حسم في الأفق، مجدٍ لإسرائيل. إن عدم الاستقرار في سوريا خطير، وكذا احتشاد ناشطي الإرهاب من منظمات الجهاد العالمي على الحدود في الجولان مقلق، ولكنه لا يوازي المنفعة التي تنشأ عن تآكل القدرة العسكرية السورية، التقليدية وغير التقليدية. لا يوجد لإسرائيل أي سبب يدعوها إلى تمني انتصار أي من الطرفين الصقريين” (“هآرتس”، 25/9/2013).
بيد أن تلك السياسة شهدت مداخلات مباشرة وغير مباشرة، عنيفة، وناعمة، تمثلت، أولاً، بالحرص على عدم بروز تهديدات أمنية من جراء الصراع السوري، وهذا ما واجهته إسرائيل عبر غاراتها الجوية المتكررة على قواعد وقوافل عسكرية تتبع لإيران و”حزب الله”، مع فرض سيطرة على حدودها مع سوريا، ودعمها لتدمير السلاح الكيميائي في سوريا. ثانياً، الحرص على عدم تزويد جماعات المعارضة العسكرية أسلحة نوعية، لعدم تمكين أي من الطرفين من تحقيق الغلبة على الآخر، ما يعزز إضعاف سوريا وتفككها، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً ومجتمعياً. ثالثاً، الترويج لفكرة أن الصراع في سوريا من طبيعة طائفية؛ وهو ما يخدم إسرائيل على المدى الطويل في تعميم خاصيتها، بعدّ نفسها دولة يهودية، أي: ذات طابع طائفي، وأن عدم الاستقرار في الشرق الأوسط لا ينبع من إسرائيل وإنما من طبيعة الأنظمة والمجتمعات في تلك المنطقة.
في الغضون، ظلت إسرائيل تتمسك بعدد من الثوابت، لعل أهمها:
أولاً، التمسك بهضبة الجولان السورية، وتأكيد عدم الانسحاب منها.
ثانياً، عدم السماح بتطور قدرات عسكرية لسوريا، قد تهددها مستقبلاً.
ثالثاً، تأكيد قدرتها على الردع، وحرية عمل ذراعها الطويلة، سواء إزاء سوريا أو إزاء “حزب الله”، والوجود الإيراني فيها.
بيد أن تلك الأهداف تطورت، وازدادت خطورة، نتيجة التداعيات الناجمة عن عملية “طوفان الأقصى” (أواخر 2023) إذ باتت تلك الذراع العسكرية الإسرائيلية الباطشة تصل إلى اليمن وإيران، وأيضاً، السعي الى فرض مناطق عازلة، خالية من السلاح، لضمان أمن إسرائيل، وهي تصل في لبنان إلى حدود نهر الأولي (وليس الليطاني فقط)، وتصل في سوريا إلى حدود محافظة دمشق، بحيث تشمل محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء، إضافة إلى محاولة التدخل في الشأن الداخلي في سوريا بدعوى حماية “الأقليات”، أي أن إسرائيل اليوم تسعى إلى فرض ذاتها لاعباً إقليمياً في تقرير مستقبل سوريا، ولبنان، بطريقة مباشرة، وبالوسائل العسكرية والسياسية، بالوسائل الناعمة والخشنة معاً، ما يضمن لها إضعاف بنى المشرق العربي الدولتية والمجتمعية لضمان أمنها على المدى الاستراتيجي.
تبعاً لذلك، فإن إسرائيل التي قامت بتدمير القدرات العسكرية السورية في الأيام الثلاثة الأولى، التي تلت انهيار النظام (8/12/2024)، والتي قامت بقصف مبنى هيئة الأركان في قلب العاصمة السورية دمشق، ومواقع قرب القصر الجمهوري، بذريعة الضغط على القيادة الانتقالية بدعوى حماية الدروز في السويداء، والتي فرضت سيطرتها على المناطق العازلة، على حدودها مع سوريا، وفقاً لاتفاقية فك الاشتباك (1974)، وتواصل توغلها في الأراضي السورية، إنما تتوخى استثمار ما ترى أنه حالة ضعف سورية، من كل النواحي، في المرحلة الانتقالية، لفرض أجندتها السياسية عليها، بحيث تبقى آمنة لعقود من السنين.
ليس من خيار لسوريا في حالتها الراهنة، وبخاصة مع انهيار الخيار العسكري، إلا إعادة بناء البيت على أسس وطنية شاملة، إذ إن قوة سوريا اليوم تكمن في بناء الدولة، كدولة مؤسسات وقانون، على أسس وطنية تقوم على وحدة شعبها، كمواطنين أفراد وأحرار ومتساوين، فهذا وحده ما يبعث سوريا، ويقويها، ويضمن سلامتها وسيادتها، وهو السبيل الوحيد لتفويت الأهداف الإسرائيلية.
* نقلا عن “النهار العربي”
—————————-
مصالح إسرائيل وتركيا وخطوطهما الحمراء في سوريا/ مايكل هراري
هل يمكن التوصل إلى تفاهم متبادل يمنع سوء التقدير والحسابات
08 أغسطس 2025
أفضى انهيار نظام الأسد إلى إعادة تشكيل المشهد الإقليمي. وعلى الرغم من استمرار الشكوك المشروعة حول آفاق استقرار النظام الجديد على المدى الطويل، فإن ثمة إجماعا دوليا واسعا على دعم أحمد الشرع، مع تفضيل واضح لأن تكون سوريا بلدا موحدا، تحت سلطة مركزية، بدلا من استمرار الفوضى. ولعل انسحاب إيران السريع من سوريا، في عيون الكثير من الدول الإنجاز الأهم حتى الآن، إذ يفتح نافذة أمل لتعزيز الاستقرار الإقليمي. وهكذا صعدت سوريا لتحتل مستوى مرتفع الأهمية على الأجندة العالمية، وأجندة واشنطن أيضا. وينطبق الأمر نفسه على لاعبين إقليميين رئيسيين لهما حدود مشتركة مع سوريا، وهما إسرائيل وتركيا. فكل منهما ينظر إلى التطورات في سوريا على أنها مصلحه وطنية له.
تشعر إسرائيل بالقلق من ظهور حكومة إسلامية متطرفة، ومن النفوذ التركي المفرط في سوريا. ومع أن الحكومة الإسرائيلية تعترف بالدور التركي، وتدخله الحازم في شمال سوريا، ولا سيما في المناطق الكردية، فإنها قد رسمت كما يبدو خطا أحمر تجاه الوجود العسكري التركي في أجزاء أخرى من البلاد، وتشبّهه بالتدخل الإيراني السابق، وتعترض عليه بشدة. علاوة على ذلك، لم تتوصل إسرائيل بعد إلى قرار حاسم فيما إن كانت تفضل حكومة مركزية قوية في دمشق. تشير تصريحاتها وأفعالها الأخيرة إلى أنها تفضل أن تكون سوريا بلدا ضعيفا ومجزأ، ولو أن موقف واشنطن، هو من سيشكل إلى حد ما، هذه الحسابات في نهاية المطاف. كما أن إسرائيل في ظل الظروف الحالية، ولا سيما بعد ما أظهرته من تفوق عسكري في الأشهر الأخيرة، تعتقد أنه يمكنها أن تؤدي دورا محوريا في صياغة مستقبل سوريا.
وفي المقابل ترى تركيا أن أمامها فرصة تاريخية لتثبيت استقرار حدودها مع سوريا وبشروطها الخاصة، وبما يتوافق مع تحركاتها الأخيرة، ذات الأهمية التاريخية المماثلة أيضا، تجاه الأكراد بمن فيهم “حزب العمال الكردستاني”، وتعزز في الوقت نفسه من اعتماد نظام الشرع عليها. وعلى الرغم مما أظهرته إسرائيل من تفوق عسكري وتقني، لا ترى فيه تركيا عائقا أمامها، وتجد أن اللحظة الراهنة هي فرصتها الذهبية كي تعزز مكانتها الإقليمية (وهو ما يصفه البعض بأنه سعي إلى الهيمنة الإقليمية) ويسهم الرئيس ترمب وعلاقته بأردوغان في تعزيز هذه النظرة الواعدة من المنظور التركي. يضاف إلى ذلك أن تركيا بعد أن حسنت علاقاتها في السنوات الأخيرة مع دول الخليج ومصر، فإنها ترى أن مكانتها الإقليمية المتنامية تنطوي على إمكانات إيجابية.
وليس مستغربا أن ترى أنقرة في التدخل الإسرائيلي الحازم في السويداء والأحداث المرافقة له، أنه محاولة إسرائيلية متعمدة لإضعاف الشرع، وضمان بقاء سوريا ضعيفة ومجزأة. فقد صرح وزير الخارجية التركي في 25 يوليو/تموز بأن “تركيا ترسل إلى إسرائيل رسالة عبر قنوات استخباراتية وعبر وسطاء مشتركين. لا أجندة خفية لدينا. ولا ينبغي لأي دولة أن تشكل تهديدا لسوريا، كما لا ينبغي لسوريا أن تشكل تهديدا لأحد… سوريا خط أحمر بالنسبة لنا، فهي مسألة أمن قومي… لا نسعى للهيمنة”.
يبدو إذن أن لإسرائيل وتركيا مصالح متضاربة في سوريا حاليا. والسؤال الحاسم هو: هل يمكن التوصل إلى تفاهم متبادل يمنع سوء التقدير والحسابات، ويمنع من تحول تصعيد محتمل إلى مواجهة مباشرة؟
الإجابة هي نعم، في تقديري، شريطة أن تحدد الحكومتان بوضوح مصالحهما الحيوية وخطوطهما الحمراء. والإجماع الدولي السائد على دعم نظام الشرع، والرغبة في أن يرسخ سيطرته (أقلّه حتى يثبت العكس)، تتطلب من كل من إسرائيل وتركيا أن يتبعا نهجا مدروسا بعناية.
ويتطلب الأمر بعض الركائز السياسية:
1- تنظر واشنطن والساحة الإقليمية وأنقرة نظرة سلبية إلى النهج الإسرائيلي الاستباقي، أي التدخل العسكري، وخاصة ما يعتبر “أصبعا إسرائيليا خفيفا على الزناد” ضد نظام الشرع. ويمكن الافتراض أن إسرائيل تحاول رسم نوع من التوازي بين نفوذها في المنطقة الدرزية، ونفوذ تركيا في المنطقة الكردية. من الناحية النظرية، يمكننا تفهم ذلك، ولكن من الناحية العملية والاستراتيجية، فالأمر إشكالي للغاية. على أي حال، فقد وصلت الرسالة بأن لإسرائيل نفوذا وقوة تأثير على تركيا في الساحة السورية، ولا حاجة لمزيد من التصعيد في هذا الاتجاه. كما ينبغي على تركيا أن تدرك أن لإسرائيل مصالح حيوية موازية في سوريا، لا تقل أهمية عن مصالحها.
2- ترى إسرائيل أن التدخل التركي في سوريا مفرط، وقد يعرض مصالحها الحيوية للخطر. وفي الواقع، هناك جهات فاعلة أخرى في المنطقة ترى الأمر نفسه. مع ذلك، فإن الأصوات الإسرائيلية الغامضة التي حذرت من أن الوجود العسكري التركي في سوريا أخطر من الوجود الإيراني، هي أصوات مخطئة ومضللة، وتخاطر بخلق نبوءة تحقق ذاتها.
3- لا شك أن الهيمنة التركية في سوريا، ليست مرغوبة من منظور إسرائيل، ولا من منظور الآخرين، وينبغي بذل الجهود للحد منها، عبر القنوات الدبلوماسية في المقام الأول، وخاصة عبر واشنطن. مع ذلك، فهي لا تشكل تهديدا له طبيعة التهديد الإيراني نفسه.
4- يتطلب الأمر نشاطا دبلوماسيا مكثفا ضمن مثلث القدس، أنقرة، واشنطن، لتوضيح مصالح الأطراف الثلاثة، ومنع أي انجراف غير مرغوب فيه نحو سوء الفهم. وتعد قناة التواصل المباشرة والسرية بين إسرائيل وتركيا، وكذلك الوساطة الأذرية، أمرا أساسيا.
5- على إسرائيل أن تحد من غطرستها، وأن تتخلى عن غرورها الحالي، بعد إنجازاتها العسكرية الباهرة، وأن تتبنى نهجا عقلانيا واستراتيجيا، تستغل فيه نجاحها بحكمة، لا بمغامرة. وإنجازاتها العسكرية الميدانية تمنحها المجال للقيام بذلك.
6- ستظل العلاقات الإسرائيلية-التركية متوترة بسبب القضية الفلسطينية، لذا من الضروري إيجاد أرضية مشتركة بين الجانبين بشأن سوريا. ومن الضروري تهدئة التوتر بينهما والإجابة على التساؤلات التي يطرحها كل منهما.
المجلة
——————————————
انكشاف الدولة وصعود الانتماءات الأولية في سوريا/ د. طلال المصطفى
2025.08.09
تشهد محافظة السويداء في الجنوب السوري واحدةً من أكثر حلقات العنف الأهلي تعقيدًا في المشهد السوري، بعد تراجع سلطة الدولة المركزية. ولا يمكن فهم ما يجري بوصفه صراعًا على السلطة بالمعنى الكلاسيكي لماكس فيبر حول “السلطة العقلانية القانونية”، ولا كصدام أيديولوجي بين مشاريع سياسية متعارضة، بل كتجلٍّ لانهيار البنى الحداثية للدولة، وانكشاف المجتمع السوري أمام خطر التفكك الوطني.
ما يحدث، وفق “نظرية الانحراف البنيوي” لعالم الاجتماع روبرت ميرتون، يمكن تفسيره بوصفه نتاجًا للتوتر بين الأهداف الثقافية العامة للمجتمع والوسائل المشروعة المتاحة لتحقيقها، ما يدفع الأفراد نحو أنماط انحرافية من التكيّف، من بينها الانكفاء الطائفي والانخراط في العنف الأهلي، كردّ فعل على فقدان الأمان والضمانات المؤسسية.
الهوية الوطنية في مواجهة التفكك
السويداء، التي شكّلت نموذجًا خاصًا في الحراك السوري، مالت إلى السلمية والاستقلالية، ورفضت الاصطفافات المسلحة للنظام البائد والمعارضة على حد سواء. لكن، ووفقًا لنظرية التفكك الاجتماعي واللامعيارية لدى عالم الاجتماع إميل دوركهايم، فإن المجتمعات التي تفقد تماسكها الأخلاقي والمؤسسي سرعان ما تُنتج حالات من التفكك والانحراف الجماعي. ما نشهده اليوم هو لحظة “أنومي” Durkheimian بامتياز، حيث ينهار النظام القيمي، وتُستبدل التراتبية الاجتماعية التعاقدية بأنماط ما قبل حداثية من الانتماء. وهو ما يتقاطع مع ما يسميه إدوارد شيلز “عودة الهويات الأولية”، حين تنهار الهويات الحداثية المرتبطة بالدولة القومية المركزية، وتطفو على السطح انتماءات طائفية وعشائرية تتغذى على الخوف وغياب الأمان.
من الهوية الحداثية إلى “الهوية الحامية”
في ظل غياب الدولة كضامن قانوني وأخلاقي، يلجأ الأفراد إلى الجماعة الأولية، لا انطلاقًا من وعي طائفي مؤدلج، بل كردّ فعل دفاعي يحاكي ما وصفه بيير بورديو بـ”رأس المال الرمزي”، الذي يمنح حامله مكانة أو حماية ضمن جماعة محددة.
وتتحول الانتماءات الطائفية أو العشائرية إلى أشكال بديلة من رأس المال الرمزي، توفر شعورًا بالانتماء والأمان في زمن تتهاوى فيه الشرعيات الوطنية. وهذا لا يكشف فقط عن فشل الدولة، بل عن إخفاق مشروع “الأمة” ذاته، الذي لم يتحول إلى عقد اجتماعي جامع في السياق السوري ما بعد الاستعمار.
أزمة المثقف بين الخوف والانكفاء
من أبرز مؤشرات الأزمة الراهنة في السويداء موقف النخب السياسية والثقافية، التي فشلت في بلورة خطاب نقدي يُفكّك البنى العصبوية، واكتفت بمواقف تبريرية تعزز الانغلاق الهوياتي، تحت ذرائع الخصوصية أو الواقعية السياسية.
هذا التراجع الفكري يعكس ما أسماه أنطونيو غرامشي “أزمة الهيمنة”، حيث تعجز النخب عن إنتاج مشروع تفسيري جامع، وتفقد بالتالي قدرتها على القيادة الثقافية، لتتحول من منتجة للمعنى إلى أدوات تبرير للانقسام. فالهيمنة، في تصور غرامشي، ليست قسرًا فقط، بل قدرة على تشكيل وعي الجمهور عبر الرضا الطوعي. وعندما تفشل النخب في ذلك، ينهار التماسك المجتمعي وتُفتح الأبواب أمام الفوضى والعنف.
الطائفة كملاذ وجودي في مواجهة الخوف
لا يمكن تفسير تراجع المثقف إلى داخل طائفته أو جماعته المغلقة بوصفه موقفًا واعيًا دائمًا، بل هو غالبًا انعكاس لما يسميه زغمونت باومان “تفكك الإطار الأخلاقي” في المجتمعات السائلة. ففي هذه المجتمعات، تنهار الهياكل الاجتماعية المستقرة، وتُستبدل القيم الفردية بقيم الجماعات الأولية التي توفر الحماية في ظل الاضطراب.
وبذلك يصبح الحفاظ على الوجود الشخصي، وليس فقط المعيشي، أولوية تتقدم على الالتزام القيمي، ما يفسّر الانجذاب نحو الانتماءات الأولية في ظل تهديد الوجود والهوية.
صعود الهويات الطائفية في ظل الفراغ السيادي
لفهم صعود الهويات الطائفية، لا بد من العودة إلى مفهومي “العنف الرمزي” و”رأسمال الهوية” عند بورديو. فعندما تُسحب الشرعية من الدولة وتُترك المجتمعات في فراغ سيادي، تسعى الجماعات إلى إعادة إنتاج هوية قادرة على خلق حد أدنى من الأمان والانتماء.
وتتحول الهويات الأيديولوجية الكبرى (القومية، اليسارية، الدينية) إلى مجرد شعارات، ما لم تتجسد في مؤسسات حقيقية، كما أشار ميشيل فوكو مرارًا إلى تلازم الخطاب والسلطة.
وفي الحالة السورية، يمكن فهم كثير من خطابات الحكومة أو بعض الجماعات الطائفية بوصفها تمارس عنفًا رمزيًا، حين تفرض تعريفًا أحاديًا للوطن، أو تُقصي الآخر المختلف ثقافيًا أو دينيًا.
في هذا السياق، تصبح الطائفة فاعلًا سياسيًا، ليس لأنها تمتلك مشروعًا سلطويًا واضحًا، بل لأنها تمثل ملاذًا أخلاقيًا للفرد في زمن انهيار العقد الاجتماعي. وهو ما عبّر عنه توماس هوبز في مؤلفه الشهير اللفياثان (Leviathan, 1651)، حين ربط بين الخوف والأمن، مؤكدًا أن غياب الضامن (الدولة) يؤدي حتمًا إلى تفكك المجتمع وصعود ولاءات أولية بديلة.
من الدولة إلى اللا-دولة
ما يجري في السويداء لا يمكن عزله عن السياق السوري الأشمل، فهو يعكس ما أسماه شارل تيلي “الحرب الأهلية منخفضة الكثافة”، الناتجة عن تآكل مؤسسات الدولة وفقدانها لاحتكار العنف المشروع. فقد أسهم النظام السوري السابق، عبر تفكيكه المتعمد للمجال العام وتحويل الوطنية إلى أداة تطويع، في إعادة إدخال “القبيلة والطائفة إلى المجال السياسي”، وظهور سلطات أمر واقع.
ويصف المفكر الفرنسي أوليفييه روا هذا التحول بأنه انحسار للهويات السياسية الكبرى (القومية، الأممية، الإسلام السياسي)، مقابل صعود “الهويات الصغرى” كالطائفة والقبيلة والعرق، بوصفها هويات اضطرارية يلجأ إليها الأفراد كدرع حماية وجودي في ظل غياب الأفق السياسي الجامع.
هذه “اللا-دولة” ليست فراغًا سياسيًا فحسب، بل حالة اجتماعية ممتدة من التذرر والانقسام، تتطلب مساءلة شاملة لمفهوم الوطنية ذاته، وعلاقته بالمواطنة والانتماء والعقد الاجتماعي.
من النقد إلى التأسيس
هذه الحالة لا تمثل فقط فراغًا سياسيًا، بل تذررًا اجتماعيًا ممتدًا، يُحتم مساءلة المفاهيم التقليدية للوطنية والمواطنة والعقد الاجتماعي. إذ لا يكفي تفكيك اللحظة الطائفية، بل لا بد من تقديم بدائل حقيقية قادرة على إعادة إنتاج المجال العام، كما نظّر يورغن هابرماس في مفهومه لـ”الفضاء التداولي”، الذي يُبنى على الحوار العقلاني والاعتراف المتبادل، لا على القسر أو فرض الهويات من الأعلى.
غياب هذا الفضاء في سوريا، نتيجة الاستبداد ومن ثم الحرب، أدى إلى تهميش المواطن كفاعل حر، وأعاد إنتاجه بوصفه تابعًا لجماعته. وبالتالي، فإن قيام ديمقراطية حقيقية مرهون بإحياء هذا المجال العمومي.
إمكانية بناء مشروع وطني جامع؟
إن ما يجري في السويداء ليس حدثًا محليًا معزولًا، بل مؤشرًا بنيويًا لانفجار اجتماعي متكرر في عموم الجغرافيا السورية كلما غابت الدولة، وانكمشت النخب، وتراجعت الفكرة أمام العصبية.
السؤال المحوري لم يعد: من سينتصر في صراع جزئي؟ بل: هل لا يزال ممكنًا، سوسيولوجيًا، إعادة بناء مشروع وطني جامع؟ وهل يمكن تجاوز “اللحظة الطائفية” لصالح عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة الفاعلة؟
إن الجواب لا يكمن فقط في الحقل السياسي، بل يتطلب إعادة صياغة سوسيولوجية شاملة للعلاقات الاجتماعية والهويات والانتماءات، تعيد تعريف السياسة بوصفها ممارسة مدنية تشاركية، لا مجرد انعكاس لصراع الهويات المغلقة.
تلفزيون سوريا
—————————–
سورية من اللَّامركزية إلى المحَاصَصة/ رانيا مصطفى
09 اغسطس 2025
صحيحٌ أن من الأسلم لسورية وجود نظام حكم مركزي يوحّد البلاد ويحميها من خطر التقسيم، إلا أن فهم السلطة الحالية (كما سابقتها) لهذا الخيار ينطلق من إعادة إنتاج الديكتاتورية، وهذه المرَّة بوجه إسلامي سلفي، رغم أنَّها أتت إلى الحكم بعد ثورة شعبية ضدّ نظامٍ شمولي. لكن إعادة مركزة السلطة في بلد ممزَّق جغرافياً واجتماعياً واقتصادياً، وينتشر فيه سلاح الفصائل غير الخاضعة لسلطة موحّدة، إذا لم يكن فيه توسيع للمشاركة في صناعة القرار، سيحمل مخاطر استمرار الصراع والحرب الأهلية، إذ يعتقد الرئيس السوري أحمد الشرع أن مركزة السلطات كلّها بيده ضمن إعلان دستوري للمرحلة الانتقالية، إضافة إلى سيطرته على بيروقراطية الدولة عبر تعيين أشخاصٍ مضموني الولاء، كفيلٌ بتحقيق السيطرة المطلقة، في ظلّ توافر دعم دولي وإقليمي وعربي، فيما ستُواجه كلّ الصعوبات السياسية والأمنية عبر الحلّ الأمني (الطائفي؟)، وغير المنضبط.
كشفت الصراعات الدامية التي شهدتها البلاد في أكثر من منطقة بعد سقوط نظام الأسد هشاشة المشروع السياسي للسلطة الجديدة، والدخول في حالة استعصاء سياسي، برز في السويداء خصوصاً، واتّخذ منحىً طائفياً بالتوازي مع تدخّلاتٍ إسرائيلية تحت ذرائع أمنية، وقبلها مجازر وانتهاكات مستمرّة في الساحل ووسط سورية، إضافة إلى التحشيد المستمرّ لمعركة متوقَّعة بين القوات الحكومية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، المدعومة من الولايات المتحدة، وغيرها من دول التحالف الدولي، في ظلّ عدم تحقيق تقدّم ملموس في تطبيق بنود اتفاق مارس/ آذار الماضي بين الرئيس أحمد الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي، الذي سيُعرقَل إذا ما ثبّت اتفاق الحكم الذاتي في السويداء. ويضاف إلى ذلك الدور الغامض الذي يلعبه قائد مليشيا الدفاع الوطني في نظام الأسد فادي صقر في الساحل السوري وفي لجنة السلم الأهلي، في ما يخصّ مصير ضبّاط علويين في جيش النظام السابق، ومنهم محتجزون في سجون إدلب، ما يوحي بأن صقراً هذا هو واجهة لشخصيات في النظام البائد، ومفروضة على سلطة دمشق ضمن تسوية تحريرها في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024.
رغم أنَّ الموقف العربي في دول الخليج داعم لسلطة دمشق، ولتمكينها من السيطرة على سورية موحّدة، إلا أن واقعاً جديداً بدأ يظهر أمراً لا يمكن مواجهته، يتمثّل في قدرة الاحتلال الإسرائيلي، بعد ضرباتٍ موجعةٍ استهدفت سيادة الدولة السورية، على فرض اتفاق على الحكومة يقضي بأن يكون لمحافظة السويداء حكم ذاتي، وأن تخلو من وجود القوات الحكومية العسكرية والإدارية، مع تأمين الحكومة مخصَّصاتها من الرواتب والصّحة والوقود والطحين. وباتت دول الخليج العربي قلقةً من حالة عدم الاستقرار في سورية، ومن التدخّلات والمشاريع الإقليمية، الإيرانية والإسرائيلية والتركية، ومن عدم قدرة السلطة في دمشق على السيطرة، خصوصاً على الفصائل المنضوية ضمن وزارة الدفاع، وعلى مأسستها ضمن جيش وطني، وبدأت تُطرح خريطة طريق للحلّ، لم تنضج بعد، تتمثّل بشكل من أشكال المحاصصة بين مراكز النفوذ لقوى الأمر الواقع، والقوات الحكومية هي واحدة منها.
تركيا غير سعيدة بالنفوذ الإسرائيلي في الجنوب السوري، وترفض ترسيخ أشكالٍ من الإدارة الذاتية، وتدعم سلطة موحّدة بيد الشرع، وقد تكون لها مصلحة ما في دفعه إلى تعزيز العلاقة مع روسيا، في ما يبدو أنه حلف تركي روسي جديد في سورية، وقد يقوّي فرضية ترتيبات أمنية جديدة للساحل السوري. وجملة هذه التدخّلات الدولية والإقليمية في سورية، الداعمة لمناطق نفوذ محدّدة، سيقود تنافُسُها وتضاربُ مصالحها إلى صراعات دموية وحروب أهلية، طائفية وقومية، وقودها السوريون. وكما كان الاتفاق حول السويداء دولياً، وليس سورياً، فإن أيّ عقد اجتماعي جديد للخروج من حالة الاستعصاء السياسي هذه سيمرّ عبر صراعات كسر عظم بالوكالة بين الدول المتدخّلة حتى يكتمل. وواضح أنّ نظاماً قائماً على المحاصصات هو الوصفة التي يفضّلها الغرب لدول المنطقة. جُرّبت في اتفاق الطائف في لبنان، وجرّبت في العراق عبر دستور بول بريمر بعد احتلالها وإسقاط نظام صدّام حسين، الوصفة التي تُبقي المنطقةَ في حالة صراع على حصص الفرقاء المدعومين خارجياً، وترسّخ التفكّك الاجتماعي عبر تسييس الطوائف ومأسسة الطائفية، وتجعل إمكانية النهوض الاقتصادي مستحيلةً، وتعزّز سلطة زعامات الأمر الواقع، بشكلها الفردي: الشرع وعبدي وحكمت الهجري وآخرين.
رغم أنّ معظم السوريين الدروز في محافظة السويداء سعداء بالاتفاق الذي يمنحهم إدارة شؤونهم، حلّاً لأزمة وجودية بالنسبة إليهم، إلا أنّه لن يكون في مصلحتهم، فعلى المدى المنظور لن يتحقّق الاستقرار، إذ يفرض الاتفاق أن تبقى القرى الغربية، حيث منابع المياه التي تغذّي المحافظة، وبعد تهجير سكّانها الدروز والمسيحيين، بيد القوات الحكومية والعشائر المهاجمة، وتستمرّ الاشتباكات شمالاً قرب الطريق الواصل إلى دمشق. وعلى المدى البعيد، المحافظة الفقيرة بالموارد شبه محاصرة، ومن الصعب أن تصمد طويلاً في ظلّ إغلاق الطرق أمام حركة البضائع. والأشدّ خطراً تعويم شخصية الهجري في المحافظة قائداً درزياً، فيما بات توجّه المجلس العسكري، الذي تبنَّى طرح الإدارة الذاتية بدعم من “قسد”، الذي لا يخفي اتصالاته مع الاحتلال الإسرائيلي، هو المسيطر نتيجة التأييد الشعبي المستجدّ لهذا التوجّه، للخلاص من تهديدات الحكومة المستمرّة. وهذا يعني أنه سيكون هناك قرار موحّد، بطابع ديكتاتوري، ودعم خارجي (صهيوني)، سيُفرَض على أبناء المحافظة، في سيرورة الصراع مع سلطة دمشق، وسيكون هو المقرّر والمستفيد في حال فُرض على السوريين عقد اجتماعي قائم على المحاصصة. وهذا ينسحب على شرق الفرات وربّما مناطق أخرى.
يتطلب الخروج من هذا المأزق السياسي من سلطة دمشق تقديم حلّ وطني عبر توسيع المشاركة، وهذا لا يخصّ الطوائف والأقليات وقوى الأمر الواقع، بل يستند إلى جوهر الديمقراطية، والأخيرة هي الأساس الذي يساعد في تحقيق الشفافية والمساءلة، أي أن يستند إلى تعزيز عمل النقابات وسنّ قانون للأحزاب، وانتخاب مجالس محلّية والعمل وفقاً لقانون الإدارة المحلّية في عهد النظام السابق، الذي يعطي المحافظات السورية لامركزيةً مقبولةً لا تستند إلى الطوائف والأعراق. هذا التوسيع في المشاركة السياسية، إذا ما ارتبط بخطط تنموية، وبآلية رقابة مركزية، إلى جانب فصل حقيقي للسلطات، وتحييد الدين عن مؤسّسات الدولة، خاصّة العسكرية والأمنية، سيحقّق لامركزية معقولة تُدخل الشعب في دائرة الفعل السياسي والإنتاج، وتكفل سحب الذرائع من قوى الأمر الواقع التي تطالب بالحكم الذاتي وتستقوي بالأجنبي.
العربي الجديد
———————————-
“أفوريزما” التسويات في سوريا.. بين هندسة الواقع و”دوكترين” الضرورة/ سمير صالحة
2025.08.09
تذكير وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بأولويات وثوابت بلاده في سوريا، التي تحاول تجاوز المرحلة الانتقالية، يوجز الانزعاج التركي من محاولات بعض الأطراف في الداخل والخارج استغلال الممارسات الإسرائيلية، والبناء عليها لطرح بدائل سياسية وأمنية على خط السويداء – شرق الفرات.
فيدان في دمشق للمرة الثالثة خلال تسعة أشهر، وهناك من يسعى إلى الاستقواء بالخروقات والتهديدات الإسرائيلية، ومحاولة قلب الطاولة وطرح مقايضات سياسية وميدانية، تتعارض مع التعهدات المقدمة لحكومة الشرع، والمفترض أن تسهم في دعم استرداد سيطرتها على كامل الأراضي السورية.
يحذّر فيدان مجددًا، وهو في طريقه إلى العاصمة السورية، قيادات “قسد” من المماطلة في تنفيذ اتفاقيات آذار الماضي، ومحاولة استغلال ما يجري في جنوبي سوريا، ويدعو المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة والعواصم الأوروبية، إلى الالتزام بتنفيذ التعهدات المتعلقة بالتصدي لمحاولات استهداف سيادة سوريا ووحدتها.
المقلق لأنقرة اليوم هو سعي إسرائيل، بدعم بعض العواصم الأوروبية، إلى دفع واشنطن للتراجع عن سياستها السورية. لكن الأكثر إزعاجًا هو المؤشرات التي تُظهر احتمال تخلّي المبعوث الأميركي توم باراك عن التعهدات التي قدّمها لدمشق في مسارها الإقليمي الجديد، المرتبط بتفاهمات تتعلق برؤية “الشرق الأوسط المغاير” التي تسعى واشنطن إلى رسم معالمه قبل نهاية الولاية الحالية للرئيس ترمب.
تسعى تركيا إلى أن تكون جاهزة لكل هذه الاحتمالات، التي ستُطرح وتُناقش في أكثر من مكان داخل سوريا وخارجها. تجاهل إدارة ترمب للتوازنات الجديدة في سوريا ومحيطها الإقليمي، وسقوطها في المصيدة الإسرائيلية التي تهدف إلى تفكيك الخرائط ثم إعادة تركيبها بما يتماشى مع مصالحها، لن يعرقل فقط خطط بناء سوريا الجديدة، بل سيؤدي إلى انهيار الفرص الإقليمية التي تبحث عنها واشنطن، ويعيد الجميع إلى نقطة البداية في أواخر تشرين الثاني الماضي.
ليس من عادة المؤسسات الرسمية التركية نشر تقارير أو أبحاث تتعلق بأنشطتها العسكرية والاستخباراتية. فما دلالات تعميم بحث علمي مفصل نشرته أكاديمية الاستخبارات التركية قبل أيام حول مجريات حرب الـ12 يومًا بين إيران وإسرائيل، والدروس التي استخلصتها أنقرة من كل ذلك؟ وكيف نُفسّر تصريحات وزارة الدفاع التركية بأن “قسد” لا تلتزم ببنود اتفاقية العاشر من آذار الموقعة مع دمشق، وأن الوقت قد حان لتذكيرها بضرورة تنفيذ تعهداتها؟
فيدان في دمشق مجددًا، ليس فقط لمناقشة هذه الملفات، بل أيضًا لبحث سبل التعامل مع إصرار تل أبيب على تجاهل التفاهمات الثلاثية الأميركية – التركية – السورية بشأن المسار السياسي، ولمواجهة مشروع فرض معادلة جغرافية – ديمغرافية إسرائيلية على خط جنوبي سوريا – شرق الفرات، مع سعي “قسد” لاستغلال هذه الفرصة.
تسعى إسرائيل إلى تحويل الملف السوري إلى أزمة مفتوحة على أكثر من سيناريو واحتمال، متجاهلة كل الجهود الهادفة إلى التهدئة الإقليمية التي تشمل سوريا. فماذا ستفعل أنقرة، التي راهنت على المبعوث الأميركي باراك لإيجاد مخرج سياسي مناسب لم يظهر إلى العلن بعد؟ وما موقفها من الحراك الفرنسي الجديد، الذي يسعى لفرض “لا مركزية مطاطة” ونظام تحاصص بيروقراطي تستفيد منه “قسد”، بانتظار اللحظة المناسبة لفرض فدراليتها؟
تتجنب دمشق الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة ومكلفة مع إسرائيل، لكن أنقرة تدرك جيدًا أن تل أبيب لن تترك سوريا وهي تحاول إعادة بناء الدولة. فيدان في دمشق لحسم أحد السيناريوهات المطروحة: مطالبة القيادة السورية أنقرة بالتدخل العسكري المباشر عند الطلب. هذا الخيار من بين الخيارات القليلة المتبقية على خط أنقرة – دمشق، في مواجهة الاستفزازات الإسرائيلية.
فيدان في العاصمة السورية لوضع اللمسات الأخيرة على ميثاق التعاون الدفاعي المرتقب بين تركيا وسوريا، والذي يهدف إلى ضمان مصالح البلدين ضمن شراكة استراتيجية تأخذ في الحسبان التحولات السياسية والأمنية التي يشهدها الشرق الأوسط.
يبعث فيدان من دمشق رسالة علنية واضحة وموجزة: دخل التعاون العسكري بين أنقرة ودمشق مرحلة جديدة، متجاوزًا كل الخلافات القديمة مع نظام الأسد، والمصالح المشتركة والظروف الإقليمية وتوازناتها هي التي تقرب بين الطرفين. على إسرائيل بعد الآن مراقبة ورصد التنسيق العسكري التركي – السوري بقلق متزايد. ردها عبر جنوبي سوريا ومحاولة إقناع “قسد” بالالتحاق بمخططها تحت ذريعة حماية أمنها القومي، لن يواجهه الرفض التركي – السوري وحده، بل العربي والإقليمي أيضًا. انفتاح الشرع على موسكو مهم حتمًا، لكنه لن يصل إلى درجة البحث عن موازنة العلاقات بين روسيا وأميركا. فجسور العلاقات التي مُدت على خط دمشق – واشنطن بدعم عربي وتركي تذهب بهذا الاتجاه أيضًا. لكن تفريط أميركا لصالح تل أبيب بهذه الفرص لن يعوضه لها مواقف وممارسات تل أبيب، خصوصًا وأن باراك يذكرنا بين الحين والآخر بخطط بناء شرق أوسط تعم فيه التسويات والتفاهمات التي ترضي كل الأطراف المؤثرة في الإقليم.
تحاول تل أبيب منذ أشهر تقويض النفوذ التركي في سوريا من خلال محاصرة أنقرة إقليميًا. فشلت محاولاتها في شرق المتوسط، وفي الملف القبرصي، والأوروبي، والفرنسي تحديدًا. واليوم، يبدو أنها تريد أن تجرّب حظها منفردة على الساحة السورية، متجاهلة الحراك العربي – التركي – الأميركي. فهل يمنحها تعنت بعض الفاعلين في الجنوب، وتمسك آخرين في شرق الفرات بمكاسبهم، ما تريده؟
كيف ستتصرف “قسد” مثلًا في المرحلة المقبلة على طريق إعادة التموضع، بعد تحييد ورقة “حزب العمال الكردستاني” من المشهد التركي؟ وهل ستتمكن من الحفاظ على أوراقها التفاوضية في مواجهة دمشق، لا سيما فيما يخص المطالبة بتعديلات على مذكرة التفاهم الموقعة في 10 آذار بين الرئيس الشرع ومظلوم عبدي، بناءً على توصيات مؤتمر القامشلي الكردي؟
تعبّر “الأفوريزما” في السياق الأكاديمي عن فكرة مركّبة تُصاغ بأقل عدد من الكلمات، وتنطوي على تأمل أو نقد أو حكمة ذات بعد إنساني أو معرفي، وتُستخدم لنقل خبرة أو ملاحظة حول الحياة أو المجتمع أو السلطة.
لقد تحوّلت “التسويات” في سوريا، من أدوات مرحلية لإدارة الأزمة، إلى ملامح ثابتة تُعيد تشكيل معالم الدولة والمجتمع والسيادة.
“الأفوريزما السورية” لم تعد مجرد توصيف لحالة مركبة، بل باتت نموذجًا في هندسة الواقع السياسي، حيث تتداخل الضرورات مع الحسابات، وتُختصر الحلول في موازين قوى متحركة.
وإذا ما أُريد لسوريا أن تنهض مجددًا، فعليها أن تنتقل من “أفوريزما الأزمة” إلى “دوكترين الدولة” حيث تكون الشراكة لا التقسيم، والسيادة لا التجزئة، والتسويات الحقيقية لا المجتزأة.
تلفزيون سوريا
—————————
المسارات الخفيّة لاختراق السويداء/ مازن عزي
09.08.2025
سبق اقتحام السويداء تحضيرات في دمشق لبناء مجموعات عسكرية وأمنية تابعة لـ”الإدارة الانتقالية” داخل السويداء، وتحضيرات سياسية لاختراق السويداء عبر التقرّب من وجهاء اجتماعيين ورجال دين وسياسيين.
الموجة الأولى للعمليّة العسكرية- الأمنية ضدّ السويداء، التي قادتها قوّات وزارتي الدفاع والداخلية في “الإدارة الانتقالية”، بمشاركة عناصر متطرّفة وأخرى عشائرية، بين 13- 16 تمّوز/ يوليو الماضي، تضمّنت بشكل رئيسي عملاً مشتركاً مع ثلاثة مجموعات عسكرية وأمنية درزية صغيرة موالية لـ”الإدارة الانتقالية”، وأيضاً محاولة دؤوبة لانتزاع غطاء سياسي من وجهاء وسياسيين دروز.
هذا التنسيق والتجهيز للـ”عمليّة”، لم يكن وليد اللحظة، بل سبقه تحضيرات لبناء مجموعات عسكرية وأمنية تابعة لـ”الإدارة الانتقالية” داخل السويداء، وتحضيرات سياسية لاختراق السويداء عبر التقرّب من وجهاء اجتماعيين ورجال دين وسياسيين.
وإذ يركّز هذا المقال على الدور العسكري والأمني للمجموعات الدرزية الثلاثة، فإنه لا يعتبر الدور السياسي والاجتماعي مؤامرة، بل حسابات لفاعلين محلّيين تغيّرت وتبدّلت مع تطوّر الأحداث، أغلبهم سرعان ما تراجعوا عن مواقفهم السابقة مع تكشف الفظائع والجرائم ضدّ الإنسانية، ذات المنحى الإبادي التي ارتكبتها “الإدارة الانتقالية” ضدّ الدروز.
الموضوع شديد الحساسية، ولذا، فإن هذا التقرير، يعتمد بشكل رئيسي على معلومات منشورة علناً، ومقابلات حصرية أجراها الباحث، مع مصادر وشهود مُطلعين على مجريات الأحداث، والمفاوضات، والتحضيرات للعمليّة العسكرية، وعلى وقائعها على الأرض.
وإذ يتجنّب المقال ذكر أسماء السياسيين والوجهاء ورجال الدين، فإنه يوضح بشكل مفصّل الدور العسكري والأمني الذي لعبته المجموعات العسكرية والأمنية الدرزية الثلاثة الموالية لـ”الإدارة الانتقالية”.
الغطاء السياسي
سعت “الإدارة الانتقالية” منذ سقوط النظام لاستقطاب مرجعيّات أهلية، دينية، مجتمعية وسياسية درزية من السويداء، لتشكيل كتلة ضاغطة بوجه الشيخ حكمت الهجري، الرقم الصعب في العلاقة مع النظام الجديد في دمشق. مواقف الشيخ الهجري من السلطة في دمشق كانت تزداد تشدّداً مع إخفاق “الإدارة الانتقالية” أمام كلّ استحقاق واجهها؛ من مؤتمر النصر، ومؤتمر الحوار، والإعلان الدستوري، إلى الحكومة الانتقالية، حيث كان يتّضح تباعاً مقدار احتكار “هيئة تحرير الشام” للسلطة، ورفضها أي عمليّة تشاركية ديمقراطية، على رغم إعلانها حلّ نفسها.
المجازر ضدّ العلويين في آذار/ مارس الماضي، ثم الهجمات الطائفية التي استهدفت مجتمعات الدروز في جرمانا وصحنايا في نيسان/ أبريل وأيّار/ مايو الماضيين، جعلت مواقف الشيخ الهجري أشدّ تصلّباً ورفضاً للانخراط في مشروع “الإدارة الانتقالية”، التي عملت على استقطاب الوجهاء والسياسيين الدروز المتململين من صعود شعبية الشيخ الهجري، ممن يَصِفُون دوره أحياناً بـ”المعطّل” للاتّفاق مع “الدولة” الناشئة في دمشق.
الاستقطاب أخذ شكلاً سياسياً عبر مبادرات متعدّدة، كان أنضجها حراك، لم يشهد النور، تحت مسُمى”لا للتفرّد بقرار السويداء”، وكان متوقّعاً الإعلان عنه نهاية شهر آذار/ مارس 2025، بحيث يضمّ وجهاء اجتماعيين وروحيين، وسياسيين في المحافظة، في حضور طرف لبناني درزي بارز. الحراك، بحسب أحد القائمين عليه، الذي تحدّث إلى الكاتب، لم يترجم عملياً على أرض الواقع، لكنّ اختيار الوجهاء والزعامات الروحية المشاركين في المبادرة لم يكن عشوائياً، بل استند إلى تقسيمات الزعامات المحلّية الدرزية التاريخية، ومناطق نفوذها، ما أعطى للمبادرة وزناً في ريف السويداء الغربي وفي مدينة السويداء.
وإذا كان الحضور السياسي هامشياً ولا عمق اجتماعياً له، فإن وجود هؤلاء الوجهاء ورجال الدين، قرع جرس إنذار لدى الرئاسة الروحية للموحّدين الدروز برئاسة الشيخ الهجري، الذي ضغط لاحتواء الموقف ودفع المرجعيات الاجتماعية والدينية للانسحاب منه تباعاً.
خلال الهجمات المسلّحة التي قادتها “الإدارة الانتقالية” في نيسان/ أبريل وأيّار/ مايو الماضيين ضدّ دروز جرمانا وصحنايا بريف دمشق، وقرى ريف السويداء الشمالية والغربية، توصّل الطرفان إلى اتّفاق 1 أيّار/ مايو، الذي ينصّ على أن يكون “الأمن العامّ” داخل المحافظة من أبناء السويداء، وحماية السلطة لطريق دمشق- السويداء.
لكن يبدوا أن السلطة في دمشق اعتبرت ما حدث بمثابة نكسة سياسية لها، وبدأت تعمل على أكثر من محور؛ في رهان على التوتّرات على الطريق بين العاصمة والمحافظة الجنوبية، وإثارة النعرات بين الدروز وعشائر البدو، ومواصلة الضغط على وجهاء اجتماعيين وروحيين لكسب ولائهم، وتخليق زعامات درزية بديلة.
محاولة صناعة زعامات درزية جديدة موالية للإدارة الانتقالية، مرّت عبر عدّة قنوات محلّية وإقليمية بتنسيق مع طرف درزي لبناني بارز، للتركيز على شخص ليث البلعوس، ما فتح أمامه أبواب الدبلوماسيين والسياسيين الغربيين، والإعلام العربي.
في حزيران/ يونيو 2025، زار وفد من سياسيين دروز من السويداء، الرئيس الانتقالي في دمشق. وبحسب شهادة أدلى بها أحد الحاضرين للكاتب، فقد مرّت خلال الحديث لحظات غير مريحة، أطلق فيها الشرع، تهديدات مبطّنة بشنّ عمليّة عسكرية وشيكة إذا لم تخضع السويداء لـ”الدولة”.
الوفد سبق أن تواصل قبل زيارته دمشق، مع الوجهاء المشاركين أنفسهم في وقت سابق، في مبادرة “لا للتفرّد بقرار السويداء”، وحظي بموافقتهم المبدئية، قبل أن يتوالى رفضهم حضور الاجتماع لأسباب مختلفة. ولأن الوفد لم يكن على قلب واحد، فقد انسحب بعض المشاركين لاحقاً من أي تقارب مع السلطة، بعد ما وصفه المصدر بـ”اكتشاف عدم جدّيتها في بناء إجماع سياسي وطني وتركيزها على منطق الهيمنة بالقوّة وإرضاخ المجتمعات المحلّية بالعنف”.
وبحسب شهادات خاصّة حصل عليها الكاتب، فقد عُقد خلال الأيّام القليلة السابقة على حملة تمّوز/ يوليو العسكرية، على الأقلّ اجتماع واحد في دمشق، حضره من طرف “الإدارة الانتقالية” وزير الداخلية، مع بضعة سياسيين من السويداء. ويؤكّد حدوث الاجتماع شهادة خاصّة حصل عليها الكاتب، أُخذت قبل اقتحام السويداء بأيّام، من أحد المسؤولين السياسيين في فصيل محلّي درزي، قال فيها إنهم أمّنوا لقاءات بين تيّارات سياسية من السويداء، وبين مسؤولين في “الإدارة الانتقالية”، في ما وصفه بـ”حقناً للدم”.
بحسب مصادر متقاطعة تواصل معها الكاتب، فقد عُرضت خلال الاجتماع خطوط عامّة عريضة لعمليّة عسكرية- أمنية وشيكة في السويداء، وسط تطمينات بأنها ستكون منخفضة مستوى العنف، والهدف منها نشر “الأمن العامّ” في المحافظة، واستعادة دور “الدولة”، وهذا ما تكرّر لاحقاً على لسان الإعلام الرسمي التابع للإدارة الجديدة، ويبدو أن العرض تطرّق إلى تشكيل مرجعيّة “سياسية” جديدة للمحافظة، قد تضمّ بعض السياسيين الحاضرين للاجتماع.
ويبدو أنه لم يخرج جميع المشاركين في الاجتماع بانطباع إيجابي حول المحتوى الذي عُرض أمامهم، وسط تخوّف من خروج الأمور عن السيطرة. السياسيون الحاضرون للاجتماع، يمثّلون تيّاراً قليل الحضور والتأثير وشبه معزول اجتماعياً وسياسياً في السويداء، نتيجة طروحاته الطوباوية حول حصريّة السلاح بيد “الدولة”، وعدم القدرة على استيعاب بنية السلطة الجديدة في دمشق وخلفيّتها العقائدية. لذا، فإن حجم تأثير هذه المجموعة من السياسيين كانت شبه صفرية، والغرض منها إعلامي، استغلّته “الإدارة الانتقالية” لإظهار وجود تيّار سياسي موالٍ لها في السويداء.
ويبدو من شهادات متقاطعة، أن أفكاراً عامّة عن العمليّة العسكرية الوشيكة، قد نُقلَت إلى الوجهاء والمرجعيّات الروحية والأهلية أنفسهم، الذين سبق أن تواصلت معهم القنوات الحكومية والأمنية في حراك “لا للتفرّد بقرار السويداء”. بحسب الشهادات، التواصل تمّ عبر قنوات حكومية وأمنية، وأيضاً عبر بعض السياسيين الذين زاروا دمشق قبل أيّام. ويكتنف الكثير من الغموض، مقدار الشفافيّة التي نُقلت فيها التصوّرات عن العمليّة العسكرية لأولئك الوجهاء. مصدر مقرّب من أحد الوجهاء، أكّد أن الوعود الرسمية كانت قاطعة بعدم حدوث أعمال عنف، إذا ما سلّمت المناطق التي يمثّلها أولئك الوجهاء سلاحها للقوّات المهاجمة من دون قتال.
الخطّة العسكرية
بغضّ النظر عن الاجتماع وما عُرضَ فيه من أفكار، عمليّة اقتحام السويداء، تضمّنت بحسب مصادر مطّلعة على الخطّة، ومقرّبة من “الإدارة الانتقالية”، عناصر متعدّدة: السماح باستفزازات متواصلة على طريق دمشق السويداء عبر حاجز للأمن العامّ، عناصره من عشائر بدو اللجاة في منطقة المطلّة في ريف دمشق، لخلق نزاع محلّي بين الدروز وعشائر بدو المحافظة (الشأن الذي سبق أن عرفته المنطقة سابقاً) ثم تدخّل “القوّات الحكومية” بداعي “فض النزاع” بين الطرفين، وفرض سيطرة “الأمن العامّ” على المحافظة، وهو ما حدث بين 13- 16 تمّوز/ يوليو الماضي. وفي حال فشل الهجوم، نتيجة تدخّل إسرائيلي محتمل، فقد وُضعت خطّة بديلة تقوم على ترك عناصر عشائرية مسلّحة لتقود هجوماً ضدّ الدروز، وهذا ما حدث لاحقاً بين 16- 20 تمّوز/ يوليو الماضي.
وبحسب مصادر خاصّة، تضمّنت العمليّة تطبيقاً للعنف، لدفع الكتل العسكرية والسياسية الرافضة لسيطرة “الإدارة الجديدة” للاستسلام، على أن يتزامن ذلك مع إصدار المرجعيّات التي سبق التواصل معها والتقرّب منها في مراحل سابقة، بياناً يعترف بسلطة “الدولة”، وقبول تسليمها السلاح وتفكيك الفصائل المحلّية. الطرف الذي سيرفض بياناً كهذا، سيُعامل على أنه ميليشيا خارجة عن “الدولة”، وسيتمّ قتاله واستباحة مناطقه وتدميرها، وهذا ما اتّضح في طبيعة التعابير التي استُخدمت في الإعلام الرسمي كـ”عصابات خارجة عن القانون”، و”ميليشيات الهجري”، أي محاولة رسم صورتين مختلفتين للسويداء، الأولى: مسلّحة، ترغب في الانضواء تحت راية “الدولة” وتسليم السلاح، والثانية: “خارجة عن القانون” و”انفصالية” وتُتّهم بـ”الخيانة”.
في المقابل، لم يكن لدى “الإدارة الانتقالية” أي عرض سياسي للدروز بعد العمليّة، سوى وعود بتعيينات هامشية لبعض السياسيين الموالين لها في مواقع حكومية محلّية أو بدمشق، غير ذات أهمية.
العمليّة العسكرية كانت تتضمّن تنسيقاً مع مجموعتين مسلّحتين درزيتين: مجموعة ليث البلعوس- بلدة المزرعة غرباً، ومجموعة عدنان أبو العز من بلدة حزم شمال المحافظة، ومجموعة أمنية يقودها سليمان عبد الباقي في مدينة السويداء، مقابل وعود بمناصب إدارية وعسكرية.
أدوار ليث البلعوس
يمثّل ليث البلعوس حالة نكوص عن المسار الذي رسمه والده الشيخ وحيد البلعوس مؤسّس حركة “رجال الكرامة”، الذي اغتاله نظام الأسد في العام 2015. تصرّفات البلعوس الشخصية، وسعيه لفرض زعامته عليها، دفعت حركة “رجال الكرامة” إلى نبذه منها في العام 2016.
في العام 2018، أسّس البلعوس مجموعة مسلّحة صغيرة عُرفت باسم “قوّات شيخ الكرامة”، لكنّها سرعان ما تورّطت في أعمال الخطف للفدية، وغيرها من التهم. مجموعة البلعوس المسلّحة شهدت صعوداً وهبوطاً، بحسب الأحداث، والداعمين. في لحظة الهبّة الشعبية ضدّ عصابة راجي فلحوط في العام 2022، لم يتجاوز عدد مجموعة البلعوس بضع عشرات، لكنّها قامت بإعدام ميداني لبعض الأسرى العزّل من عصابة فلحوط، في ساحة المشنقة في السويداء، من دون محاكمة، ومن دون أي توافق مع بقيّة الفصائل.
علاقة البلعوس بـ”هيئة تحرير الشام” قديمة وتسبق سقوط نظام الأسد، وأجمعت شهادات متقاطعة خاصّة حصل عليها الباحث، بأنها تعود إلى منتصف العام 2024، عبر أمنيين من الهيئة أبرزهم أبو البراء المكلف بالملفّ الدرزي. خلال عمليّة تمّوز/ يوليو الماضي، لم يزد عدد مجموعة البلعوس المسلّحة على 17 مقاتلاً درزياً من بلدة المزرعة، البقيّة من عشائر بدو البلدة. دور البلعوس كان محورياً، إذ تركّز على طمأنة أهالي المزرعة، بأن ضرراً لن يصيبهم، مع دخول قوّات “الإدارة الانتقالية”، إن لم يقاوموها.
القوّات المهاجمة اعتمدت في خطّة اقتحامها السويداء، على الدخول من ريف درعا الشرقي إلى قرية الدور، ومنها إلى بلدة المزرعة غرب مدينة السويداء لتصبح نقطة تجمّع رئيسية لها. وبالفعل جزء كبير من أهالي البلدة صدّقوا البلعوس، ولم تتعرّض القوّات المقتحمة، ليلة 13- 14 تمّوز/ يوليو الماضي، لأي صدّ عسكري حقيقي، باستثناء بضع محاولات فردية على أطراف البلدة. ومع ذلك، تعرّض الأهالي إلى عمليّات قتل وإعدام ميداني متنقّلة من بيت إلى بيت، ونهب وحرق للمساكن، ما تسبّب بموجة نزوح كبيرة منها.
دور البلعوس تمثّل بإتاحة دخول أرتال القوّات المهاجمة إلى بلدة المزرعة عبر طرق زراعية، بحيث تتجاوز حواجز الفصائل الدرزية الأخرى، ما يعطّل إمكانيّة التنبيه والتحذير المتقدّم لبقيّة الفصائل في عموم المحافظة. وكذلك في تأمين الطرق الفرعية لنقل تلك القوّات المهاجمة إلى قرية ولغا، وهي آخر قرية قبل دخول مدينة السويداء. بحسب شهادة خاصّة لأحد المطّلعين على الاتّصالات عبر القبضات اللا سلكية، فإن مشاجرات لفظية عنيفة وقعت بين قائد إحدى المجموعات الدرزية المدافعة، وبين البلعوس شخصياً، قال له إن جماعته المسلّحة تُطلق النار عليهم بشكل مباشر، وتحضّه على التوقّف عن مساندة القوّات المهاجمة.
قائد العمليّة العسكرية، المسؤول الأمني عن السويداء في الإدارة الانتقالية أحمد دالاتي، وصل إلى بيت البلعوس في المزرعة، ومنه أجرى مجموعة مكالمات مع زعماء ووجهاء دروز، وقادة فصائل محلّية مسلّحة، كما ظهر في تسجيل مصوّر سرّبته “الإدارة الانتقالية”.
وليس البلعوس وحده من تعامل مع “الإدارة الانتقالية” في المزرعة، إلا أنه ظلّ صاحب المجموعة العسكرية الأكبر، هناك أيضاً باسم الحمود، قائد عصابة درزية أخرى في بلدة المزرعة. الحمود من الأسماء المعروفة في عالم الجريمة المنظّمة في السويداء، وكان يُعتبر بمثابة الذراع العسكرية لأحد الوجهاء الاجتماعيين في ريف السويداء الغربي. في شهادة خاصّة لأحد المقرّبين من الحمود، أكّد أن الحمود كان قد أعلن إسلامه بعد فترة قصيرة من سقوط النظام، ومعظم عناصر مجموعته من عشائر بدو بلدة المزرعة.
يُضاف إلى التسلّل والاختراق الذي ساهم فيه البلعوس، تسليم بعض الوجهاء المحلّيين مناطقهم من دون قتال في الريف الغربي للمحافظة، خاصّة بلدة المجدل ومحيطها، بلدة عرى ومحيطها، قرية سهوة البلاطة.
وبحسب شهادات خاصّة حصل عليها الكاتب، فقد تلقّى وجهاء تلك المناطق وعوداً من قيادة العمليّة العسكرية في “الإدارة الانتقالية” مباشرة أو عبر وسطاء، بأن تسليم السلاح وعدم مواجهة القوّات المقتحمة، سيضمن سلامة الأهالي.
لكنّ ما حدث هو العكس تماماً، إذ تعرّضت كلّ المنطقة إلى عمليّات قتل متنقّلة من بيت إلى بيت، وحرق للممتلكات، ما خلق موجة نزوح كبيرة باتّجاه مدينة السويداء والريف الجنوبي. وجهاء تلك المناطق، ومعظمهم من المشاركين في حراك “لا للتفرّد بقرار السويداء”، ربما تعرّضوا للخديعة، إذ تعرّضت دورهم ومساكنهم للتدمير والتخريب، وتعرّض بعضهم شخصياً للإهانة والضرب.
عدنان أبو العز و سليمان عبد الباقي
المجموعة العسكرية الثانية التي يقودها عدنان أبو العز، أقلّ أهمّية من مجموعة البلعوس، ولا تحظى بتركيز إعلامي، ولكنّها ساهمت بقوّة، في تسهيل دخول قوّات “الإدارة الانتقالية” إلى ريف السويداء الشمالي وقرى حزم، والصورة الكبيرة، ورضيمة اللوا وغيرها.
بينما المجموعة الأمنية، فهي تتبع لسليمان عبد الباقي، وعملت على تشكيل خلايا أمنية في مناطق متعدّدة، خاصّة في مدينة السويداء. خلال الحرب السورية، كان عبد الباقي قد أسّس مجموعة مسلّحة باسم “تجمّع أحرار الجبل“، لم تتجاوز في أحسن أحوالها بضع عشرات من المقاتلين، وغالباً ما تدخّلت في حلّ قضايا المخطوفين لأجل الفدية، كطرف وسيط. وغالباً، ما تشغل عصابات الخطف للفدية معها طرفاً وسيطاً، بينها وبين ذوي المخطوف، ويعمل على إخراجه بطرق سلمية، ويتقاسم مع العصابة جزءاً وازناً من الفدية.
منذ سقوط نظام الأسد، عبد الباقي ظهر إلى جانب أحمد الشرع أكثر من مرّة، وتمّ تصديره كزعيم درزي في الإعلام الرسمي. مصادر خاصّة أكّدت أن علاقة عبد الباقي بـ”هيئة تحرير الشام” تعود إلى أواخر العام 2023، وهو على تنسيق مع الأمني في “هيئة تحرير الشام” أبو البراء، وأنه خلال الأسبوع السابق على اقتحام السويداء، عُقدت اجتماعات متواترة حضرها عبد الباقي مع مسؤولين أمنيين وعسكريين في “الإدارة الانتقالية”، تمّ اطلاعه فيها على مجريات العمليّة، ووُزعت فيها المهامّ على الخلايا الأمنية المرتبطة به.
بداية “فضّ النزاع”
مراسل محلّي من سكّان منطقة قريبة من حيّ المقوس، أكّد في شهادة خاصّة، أنه تعرّف إلى عناصر إحدى الخلايا التابعة لعبد الباقي، وهم يطلقون النار من دون سابق اشتباك، يوم 14 تمّوز/ يوليو الماضي، على حيّ المقوس في مدينة السويداء، الذي تسيطر عليه مجموعة من آل البدّاح المنضوية في “تجمّع عشائر الجنوب”، الذي يدعمه ويموّله الشيخ العشائري راكان الخضير المقرّب من “الإدارة الانتقالية”.
ومباشرة ردّ “تجمّع عشائر الجنوب”، بقصف عشوائي بالرشاشات على مواقع متعدّدة في المدينة. وسرعان ما تحوّلت منطقة المقوس إلى ساحة حرب، بعدما توجّهت فزعات درزية على غير دراية بالمخطط، وبدأت قتال مجموعات “تجمّع عشائر الجنوب” في الحيّ، سقط خلالها قتلى من الطرفين، وسُجّل أيضاً سقوط قتلى مدنيين، واحراق منازل، في القتال المتنقّل من حارة إلى أخرى.
الاشتباك المسلّح في المقوس، استمرّ يومين، وأعطى ذريعة لقوّات “الإدارة الانتقالية” لدخول المقوس لـ”فضّ النزاع” بين الطرفين. مع ساعات صباح 15 تمّوز/ يوليو، وصلت قوّات “الإدارة الانتقالية” إلى الحيّ، وظهر المتحدّث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا، واقفاً على سطح سيّارة فان، مخاطباً أبناء العشائر المتجمعين حوله، ومشجّعاً لهم على “فرض الأمن” في السويداء.
وهنا، بدأت الأخبار عن ارتكاب انتهاكات بحقّ البدو تتصاعد، وبدأت إدارة دمشق تركّز على أن الصراع بدوي- درزي، وأن “القوّات الحكومية” هي مجرّد طرف يتدخّل لفضّ النزاع بينهما.
مصادر خاصّة، أشارت إلى أن خليّة أمنية دلّت القوّات المقتحمة على بيوت محدّدة لاقتحامها وسرقتها وارتكاب انتهاكات فيها، في قطاع حيّ المشفى، حيث يقطن عبد الباقي. المصادر أكّدت أن أغلب البيوت التي تمّ اقتحامها هي لأغنياء، أو معارضين لـ”الإدارة الانتقالية”. قوّات “الإدارة الانتقالية” سيطرت يومي 15 و16 تمّوز/ يوليو على المستشفى الوطني، بعد تعرّضه للقصف، وقتلت عدداً من المرضى واحتجزت كادر المستشفى الطبّي، ووضعت دبابة على مدخله ونشرت قنّاصين على سطحه.
الضغط على المرجعيّات والفصائل المحلّية
العمليّة المباغتة التي شنّتها “الإدارة الانتقالية”، أوقعت بعض فصائل السويداء المحلّية، الكبيرة منها والصغيرة، في حيرة من أمرها، وبان التشتّت عليها، وسط عدم قدرتها على أخذ زمام المبادرة، وانهيار خطوطها الدفاعية الأولى مع عمليّة الالتفاف التي ساهم فيها ليث البلعوس وعدنان أبو العز، والعمل الخلفي الذي نفّذته الخلايا الأمنية.
لذا، في كثير من الأحيان، قاتلت تلك الفصائل بشكل غير متناسق، بالاعتماد على مقاتليها المحلّيين في المناطق التي تعرّضت للهجوم. مثلاً بيرق قرية تعارة التابع لحركة “رجال الكرامة” قاتل حتى النهاية، من دون تنسيق مع غرفة عمليّات الحركة التي فقدت القدرة على الاتّصال والتحرّك. أمر مماثل انطبق على معظم الفصائل، حيث تحوّل القتال إلى دفاع أهلي وشعبي شارك فيه جميع القادرين على حمل السلاح.
أمر آخر يُضاف إلى التخبّط الذي وقعت فيه الفصائل المحلّية، هو التلاعب والضغط اللذان قام بهما أحمد دالاتي، قائد عمليّة “الإدارة الانتقالية” العسكرية. في اتّصال أجراه أحمد الدالاتي، من منزل ليث البلعوس، ليلة 14 تمّوز/ يوليو، تحدّث مع شكيب عزّام قائد “لواء الجبل”، وبحسب التسجيل المصوّر المسرّب.
دالاتي قال خلال الحديث إن أبو البراء اتّصل بأحدهم (يُفترض أن يكون من السويداء) قبل بدء العمليّة، وأخبره بضرورة الاجتماع في إزرع في درعا، لكنّ الطرف الدرزي طلب نقل الاجتماع إلى بيت ليث البلعوس في بلدة المزرعة. عزّام قال لدالاتي، إنه جاهز للاجتماع، وكذلك مندوب حركة “رجال الكرامة”، بشرط وقف القتال أولاً. دالاتي طلب من عزّام الحضور للاجتماع مدّعياً أن قوّاته “لا تُطلق النار إلا ضدّ من يبادرها بذلك، وأن الدولة تدخل إلى مكانها”، وأضاف أنه تكلّم شخصياً مع جميع الوجهاء ورجال الدين، وسمّى كثيرين منهم. تسريب الاتّصال من قِبل “الإدارة الانتقالية” ربما كان مقصوداً، لتحويل جميع من ذُكرت أسماؤهم إلى متواطئين من منظور أهلي، ومتخاذلين من منظور عسكري.
بموجب هذه الاتّصالات، والسعي إلى التهدئة وحقن الدم والتوصّل إلى حلّ سياسي، يبدو أن بعض الفصائل الدرزية فضّلت عدم المواجهة الكاملة، والاكتفاء بالردّ على مصادر النيران. وكذلك الأمر، مع المرجعيّات الاجتماعية والروحية، التي سبق أن شاركت في اتّصالات مع “الإدارة الانتقالية”، فقد فضّلت التوصّل إلى “حلّ سلمي يحقن الدم”، حتى لو كانت الكلفة السياسية والعسكرية باهظة.
الضغط العسكري الكبير، وحجم الاختراق الواسع، وسقوط الريفين الشمالي والغربي خلال ساعات بيد قوّات “الإدارة الانتقالية”، ترافق مع ضغط دولي وإقليمي على الشيخ الهجري، الذي أصدر صباح 15 تمّوز/ يوليو بياناً مكتوباً، قبِل فيه بدخول “الأمن العامّ” المحافظة.
بينما الاجتماع الذي دار الحديث عنه في الاتّصال المسرّب بين دالاتي وعزّام، لم يتمّ فعلياً إلا ظهيرة يوم 15 تمّوز/ يوليو، في مقام عين الزمان، دار طائفة الموحّدين الدروز في مدينة السويداء. دالاتي اجتمع وقتها مع ممثّلي الفصائل المحلّية، ومنهم زعيم حركة “رجال الكرامة”، ووجهاء اجتماعيين، وشيخ العقل يوسف جربوع، وممثّل شيخ العقل حمّود الحناوي، لـ”تنسيق وتنظيم دخول قوّات الوزارتين إلى المحافظة”. وخلال الاجتماع، الذي كان يحدث وسط أصوات المدرّعات وإطلاق النار المتواصل في الخارج، صدر بيان عن المجتمعين بقبول دخول “الأمن العامّ” إلى المحافظة.
لكنّ كلّ تلك الأحداث يوم 15 تمّوز/ يوليو، جرت ضمن عمليّة تعتيم إلكترونية شاملة على السويداء، نفّذتها “الإدارة الانتقالية”، تضمّنت قطعاً كاملاً للتيّار الكهربائي، والاتّصالات الأرضية والخلوية عن محافظة السويداء، واستمرت ما بين 14-17 تمّوز/ يوليو.
لذا، مع بدء تكشّف حجم العنف غير المسبوق، والمجازر المتنقّلة في أحياء مدينة السويداء وقرى الريف الغربي، خرج الشيخ حكمت الهجري بكلمة مصوّرة، رفض فيه البيان السابق وسمّاه “إذعاناً وذلّاً”، ودعا إلى المقاومة الأهلية والنفير العامّ. الأخبار المتناقلة عن الاجتياح والمجازر المتنقّلة في المدينة وريفها الغربي، دفعت الأهالي إلى تنظيم مقاومة شعبية على الأرض، وشارك معهم عناصر الفصائل بشكل فردي.
في تلك اللحظات، يمكن اعتبار أن خطّة “الإدارة الانتقالية” بفرض استسلام المرجعيّات الروحية والأهلية قد فشلت، وبدأت المقاومة الأهلية المسلّحة ضدّ القوّات المقتحمة. بعض الفصائل المحلّية، جزئياً أو كلياً، استوعبت الصدمة، وبدأت هجمات معاكسة مع المقاومة الأهلية. ومما لا شكّ فيه، أن انقسامات ظهرت في بنية الفصائل، وبدأت مجموعات كبيرة منها بالتنسيق بشكل منفصل عن قياداتها ضمن غرفة عمليّات مشتركة، ضمّت الحرس الوطني، غالبية حركة “رجال الكرامة”، وفصائل أهلية محلّية، بحسب ما قالته مصادر مطّلعة للكاتب.
بنية الاختراق وأدواته
تبدو مجريات اقتحام السويداء كنتيجة عملية منهجية متدرّجة جرى تنفيذها على مستويات متشابكة. أوّلها بناء جسور مع جماعات سياسية واجتماعية مختلفة، بغرض دفعهم إلى قبول اتّفاق جائر تحت الضغط العسكري، من باب “حقن الدم”، وتغليب “السلم الأهلي”.
وثانيها إنشاء أذرع عسكرية وأمنية درزية تلقّت تدريباً وتمويلاً مبكراً، وشاركت في رسم خرائط الحركة على الأرض من خلال فتح الممرّات، وتوجيه الأرتال، وإثارة نزاعات موضعيّة، بحسب الشهادات الخاصّة التي حصل عليها الكاتب.
ثالثها إنتاج سردية رسمية تصف الهجوم بأنه تدخّل لإنهاء صراع داخلي، وتثبيت “الدولة”، مع تعتيم كامل لمنع تداول الأخبار المضادّة.
هذه العناصر الثلاثة تحرّكت في توقيت متزامن، ما أتاح انتقال الخطّة من الطرح النظري إلى التنفيذ خلال ساعات محدودة، وأظهر أن العمليّة لم تعتمد على التفوق القتالي وحده، بل على شبكة مركّبة من التحالفات، والتنسيق الاستخباراتي، وإدارة المشهد العامّ، لتحقيق انتصار عسكري، وترجمته السياسية بفرض سيطرة “الدولة”. لكنّ حجم الفظائع، قلب المعادلة، مع اندلاع المقاومة الأهلية، واستيعاب بعض الفصائل المحلّية الصدمة، وموقف الشيخ الهجري الرافض للاتّفاق المفروض بالقوّة.
– كاتب وصحافي سوري
درج
—————————
سوريا: كوكب مذكرات التفاهم السعيد/ عمر قدور
السبت 2025/08/09
مرة أخرى شهدت دمشق، يوم السادس من آب الحالي، احتفالاً بتوقيع مذكرات تفاهم استثمارية. إعلان النوايا الاستثمارية أتى بقيمة 14 مليار دولار، حصة دمشق منها تزيد عن الـ60%، ومن المشاريع المعلن عن نوايا تنفيذها في دمشق مشروعُ المطار بقيمة 4 مليارات دولار، ومشروع خط مترو بتكلفة ملياري دولار، وبناء أبراج سكنية بقيمة تزيد عن مليارين ونصف دولار. في حين كان نصيب مدينة دير الزور النيّة في إنشاء فندق سياحي، أما العاصمة الاقتصادية حلب، فكان من نصيبها تجمّعٌ سكني ومول تجاري.
فور الإعلان رسمياً عن “إعلان النوايا الاستثمارية”، تتبَّع نشطاء سوريون الشركات الموقِّعة عليه، فأمكن بسرعة الكشف عن أن الشركة الإيطالية التي وقعت اتفاقية إنشاء أبراج في دمشق، بقيمة ملياري دولار، أُنشئت قبل ثلاث سنوات فقط، وكانت خاسرة في سنتها الأولى، وفيها حتى الآن موظّف واحد حسبما تُظهر المعلومات المتوفرة عنها. وكانت جريدة “المدن” قد نشرت عنها بعض التفاصيل، مع تأكيدٍ من مصادر سورية على الشروع في التحقيق في أمر الشركة!
المعلومات عن الشركة الإماراتية التي يُفترض بها تنفيذ مشروع المترو ليست بأفضل من نظيرتها الإيطالية، وبالطبع مع التنويه في الحالتين بأن مكان الترخيص الذي لا علاقة له بحكومَتي البلدين، حتى إذا استُغلّ للإيحاء بصلة ما. والمعلومات عن الشركات، بالأحرى نقص المعلومات، لا شأن عظيماً له، بما أن الأمر برمّته متعلّق بإعلان مذكرات تفاهم، لا بإعلان عقود مُلزِمة لطرفيها أو أطرافها. ولعلّ هذا يُعفي أيضاً من البحث في قانونية ما يحدث، لجهة الخروج عن القواعد المعروفة؛ من إجراء مسابقات ومناقصات لدراسة المشاريع الاستثمارية، ثم لتنفيذها. إذ في العديد من الحالات لا تكون عقود الدراسة مقترنة بالتنفيذ. وغنيّ عن القول إن الدراسات والتصاميم الأولية قائمة على العديد من الدراسات لمكان المشروع، وليست مجرد تصاميم يمكن لأيّ هاوٍ الحصول عليها بسهولة بمساعدة الذكاء الاصطناعي.
إذاً، طغى التركيز على تفاصيل مذكرات التفاهم، باستثناء خريطتها الموعودة جغرافياً، وهكذا لم يُلاحظ (كما يليق بهذا) غياب الحسكة والقامشلي الواقعتين حالياً تحت سيطرة قسد والإدارة الذاتية، وغياب السويداء ودرعا أيضاً بما يحمله من دلالات راهنة. فالسويداء، كما هو معلوم، تعرّضت لهجوم أودى بعدد من القتلى لم يتسنَّ بعدُ معرفته بدقة من مصادر موثوقة، وأصابع الاتهام موجَّهة من قبَل الأهالي لقوات وزارتَي الداخلية والدفاع، ثمّ لما عُرِف بالفزعات العشائرية، ولا معلومات أيضاً (دقيقة أو رسمية) عن الخسائر في صفوف القوات والعشائر. في كل الأحوال، خرجت السويداء عن السيطرة الحكومية، ولا معلومات عمّا تتجه إليه الأوضاع مستقبلاً، حيث القناعة الشائعة هي ربط ذلك بالإرادات والتفاهمات الدولية حول سوريا.
ومن المحتمل أن يكون غياب درعا عن الخريطة الاستثمارية لتبرير استثناء السويداء، لكن ربما يكون متصلاً بموضوع الإرادات والتفاهمات التي لم تنعقد، وبغيابها تحضر القوات الإسرائيلية التي تستبيح الجنوب السوري بأكمله. مع ذلك يبقى الغياب مصدر تساؤلات مشروعة، لأن غياب مناطق قسد والسويداء تحديداً يمكن تفسيره بتخلّي المركز عن واجباته إزاء كافة المناطق السورية، ومنها العمل على خريطة استثمارية متوازنة، وعدم تكرار أخطاء العهد البائد بحذافيرها لجهة التركيز على دمشق، وهو ما لم يكن دائماً ميزة لصالحها؛ لتسببه بشدة الضغوط الإدارية والسكانية والخدمية عليها.
مع انعقاد احتفالية إعلان مذكرات التفاهم، كانت محافظة السويداء تستغيث لأن مخزون المياه نفد، وهناك مئات الألوف ممّن هم بحاجة لمياه الشرب، وكانت الاستغاثات قد صدرت منذ أسابيع، بلا استجابة، بسبب نقص مياه الاغتسال. المنطق، ضمن ظروف اعتيادية، يقتضي نظرياً توجيه الاهتمام للاستثمار في مشروع للمياه يروي عطش السويداء. لكن الواقع، كما هو معلوم، يجافي ذلك المنطق الوطني المجرَّد والبريء.
الواقع نفسه يجعل من إقامة احتفالية كبرى، بينما يعطش أطفال على مسافة 100 كيلومتر، شأناً لا يثير الانتباه حتى. بل قد لا يجافي الواقعَ القولُ بوجود رابط من نوع آخر بين السويداء واحتفالية إعلان النوايا الاستثمارية، فالثانية أتت إثر ما يُنظر إليه كهزيمة للسلطة الحالية في سعيها للسيطرة عسكرياً على السويداء، على الأرجح جراء حسابات خارجية خاطئة، وهي بحاجة إلى إثبات رسوخها، والتأكيد على أن نكسة السويداء لا تعكس تراجعاً في الدعم الخارجي بدلالة هذا الرقم الاستثماري الكبير.
يُراد القول إن الوضع في سوريا مستقر، بما يكفي لجذب رأس المال الذي يوصف بالجبان عادة. إلا أن التدقيق في الأمر يشي بغير ذلك، فالنوايا الاستثمارية معلَّقة؛ يشرح هذا كونها مذكّرات تفاهم لا قيمة لها كقيمة عقود الاستثمار، ولا تبعات جزائية في حال التنصّل منها لاحقاً. وإذا أخذنا الأمر بأكمله على محمل حسن النية، فتأويل النوايا الاستثمارية الإيجابية يكون مرتبطاً بدوره بما ستؤول إليه الأوضاع في البلد. بعبارة أخرى، تكون الشركات الموقّعة على مذكرات التفاهم قد حصلت على أفضلية، فيما لو سمحت الظروف لاحقاً بإبرام عقود بناء على المذكرات، ولا تخسر شيئاً فيما لو حدث العكس.
في المحصلة، لا شيء يبقى خافياً، وهو حال التفاهمات الاستثمارية السابقة التي لم تبدأ ترجمتها العملية، في حين أن المساعدات السعودية لتسديد ديون مترتبة على سوريا، لصندوق النقد الدولي، كانت واضحة تماماً، وكذلك كانت ملموسةً آثارُ المساعدة القطرية لتغطية رواتب العاملين في القطاع الحكومي، حيث أمكن رفع الرواتب بنسبة 200%. وقد لا تفسّر المصادفة وحدها أن تكون المشاريع المعلن عنها غير ذات صلة بالشرائح الاجتماعية الأوسع، فهذا يجعلها سهلة النسيان من جهة، ومن جهة أخرى يجعل للإعلان عنها وقع يتوخّى التأثير السريع أو الإبهار.
العامل الثاني بارز إلى درجة شديدة الوضوح، فالإعلان عن مطار بهذه الضخامة ليس من الأولويات المعيشية، ولا يُتوقع في المدى المنظور أن تكون دمشق وجهة سياحية واقتصادية لما يزيد عن ثلاثين مليون زائر. أيضاً الإعلان عن برجيات يتواتر، وكان قد بدأ بكلام عن إنشاء برج ترامب في دمشق، والهوس بفكرة الأبراج لا يفسّره سوى التطلع لإنجاز بارز بالمعنى البصري المباشر، لا من ناحية التأثير العميق المديد. ونشير هنا إلى أن النمط البرجي ليس مرغوباً في العديد البلدان الغربية؛ تلك القادرة على الوفاء بالبنية التحتية اللازمة للأبراج.
لعل ما تحتاجه سوريا هو نمط آخر من الاستثمارات، تستطيع السلطة التشجيع عليه لو شاءت، هو النمط الملائم لإعادة الإعمار وللتنمية المستدامة. وللتشجيع على قدوم استثمارات حقيقية يجب تحقيق السلم الأهلي والبيئة القانونية الجاذبة، المضمونة بأنها لا تخضع للأهواء، وهذا ما لا يحققه الخارج، ولا التلميحات بأن الأخير يدعم الحكم الجديد. يستطيع الخارج أن يجزل الوعود، وتستطيع السلطة أن تجزل له الوعود في المقابل، إلا أن مذكرات التفاهم تبقى في إطار النوايا ليس إلا، بينما الحاجة ماسة إلى عقود حقيقية، أولها عقد من نوع آخر، هو العقد الاجتماعي السوري.
المدن
————————–
هذا هو سبب البلاء/ د. فيصل القاسم
الجهل ليس نقصاً في المعرفة، بل هو سلاح فتاك، والتعصب ليس مجرد انحياز، بل هو أداة قتل جماعي. حين يجتمع الاثنان في مجتمع، يصبح الطريق إلى الخراب أقصر من رمشة عين، ويصبح الشعب هو من يهدم بيته بيديه، بينما الطغاة يصفقون من أبراجهم العالية.
لا ينهض شعب يرزح تحت الجهل، ولا يعيش شعب متعصب إلا في حرب دائمة. الجهل يحرمك من رؤية عدوك الحقيقي، والتعصب يجعلك تعتقد أن أخاك في الوطن هو العدو الذي يجب سحقه.
كيف يحكمك الطغاة؟ حين تهتز العروش، لا يهرع المستبد إلى معالجة الفقر أو كبح الفساد أو إصلاح التعليم، بل يفتح خزائنه السوداء ويخرج منها أقدم أسلحته وأكثرها خبثاً: الفتنة الداخلية. تتحرك ماكينة الإعلام المأجورة، ويعلو صوت المنابر والمنصات والمواقع المشبوهة، وتبدأ رسائل الكراهية تغزو العقول. فجأة، العدو لم يعد الفقر ولا البطالة ولا النهب… بل «الطائفة الأخرى» أو «الأقلية الخائنة» أو «المؤامرة الخارجية». وهكذا ينشغل الشعب بقتال نفسه، بينما النظام يزداد قوة وبطشاً وثروة وفساداً وتمدداً وتجذراً وطغياناً.
هناك أمثلة عربية وأجنبية كثيرة على خراب الجهل والتعصب: العراق بعد 2003، تحوّل من بلد الحضارات إلى مسرح لاقتتال طائفي دموي. السياسيون غذّوا الانقسام بين السنة والشيعة والأكراد، حتى صار الانتماء الطائفي أهم من الانتماء للوطن، بينما مليارات الدولارات نُهبت بلا حسيب.
سوريا: انتفاضة شعبية تحولت إلى حرب شاملة، لأن النظام لعب على وتر الطائفية، وأطلق العنان للجماعات المتطرفة، فتحول الصراع من حرية وكرامة إلى حرب أهلية، والنتيجة: نصف البلد دُمّر، وملايين شُرّدوا، والطغاة جلسوا على طاولة المفاوضات يتاجرون بالدماء والدمار. وبدل أن ينتقل السوريون بعد سقوط النظام إلى عهد جديد قائم على المواطنة، فقد عادوا إلى المربع الأول ليذبحوا بعضهم بعضاً على الهوية الطائفية. لقد عمل النظام الأسدي الساقط لعقود على استثمار التعصب والجهل لدى السوريين كي يعيش على تناقضاتهم وتناحرهم. وقد نجح نجاحاً باهراً، لكن السوريين لم يتعلموا الدرس بعد سقوط النظام، بل استمروا يطبقون وصفته القاتلة القائمة على التعصب والتمترس الطائفي. وقد شاهدنا المذابح والمجازر الرهيبة في الساحل والسوري والسويداء التي اقترفها المتعصبون الهمج الجهلة على أسس طائفية.
لبنان: بلد قائم على المحاصصة الطائفية، وكلما اهتزت الكراسي تحت أحد الزعماء، لجأ إلى خطاب «الخطر الوجودي» على طائفته، ليحشد الأتباع ويستمر في نهب الدولة.
رواندا 1994: السلطة غذّت الكراهية بين قبيلتي الهوتو والتوتسي لسنوات عبر الإعلام، حتى وقعت الإبادة الجماعية، حيث قُتل قرابة مليون إنسان خلال 100 يوم، فقط لأنهم من «القبيلة الخطأ»
ألمانيا النازية: هتلر وصل إلى الحكم عبر استثمار جهل الجماهير وتعصبها القومي، فأشعل حرباً عالمية قتلت عشرات الملايين، بينما كان يصوّر نفسه مخلّص الأمة.
العصور الوسطى في أوروبا: الكنيسة والملوك حاربوا التعليم والفكر النقدي، لأن الشعب المتعلم خطر على سلطتهم، أما الشعب الجاهل فكان يطيع دون سؤال، حتى لو أُرسل للحروب الصليبية ليموت في أرض لا يعرفها.
لماذا يكرّس الطغاة الجهل؟ لأن المجتمع الجاهل هو المجتمع الأسهل في السيطرة والانقياد الأعمى. الجاهل لا يعرف حقوقه، فلا يطالب بها. المتعصب مستعد للموت من أجل «قضيته» حتى لو كانت في حقيقتها خدمة لزعيم فاسد قاتل منحط وسافل. لهذا يقتل الطغاة التعليم ويحوّلونه إلى تلقين أجوف، ويخنقون الإعلام الحر ليستبدلوه بآلة بروباغندا، ويستثمرون في تديين السياسة أو تسييس الدين حتى تصبح كل معارضة «كفراً» أو «خيانة».
وهناك رسالة منسوبة للرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة موجهة للزعيم الليبي الراحل معمر القذافي حول التعليم والجهل تقول ما يلي: بورقيبة سأله ذات يوم: «لماذا تستثمر أموالك في السلاح ولا تستثمرها في التعليم؟» أجاب القذافي: «أخشى أن يثور الشعب عليّ في يوم من الأيام.» فرد بورقيبة: «يثور عليك شعب مثقّف أفضل من أن يثور عليك شعب جاهل». هذه المقولة تلخص رؤية بورقيبة بضرورة الاستثمار في التعليم والتهذيب والتثقيف الكانطية لا في الجهل والتعصب كحماية للحكم، وفي المقابل، تصور القذافي أن الشعب المتعلم قد يشكّل تهديداً له. وقد رأينا الطريقة التي قضى فيها القذافي على أيدي الليبيين. ولا داعي للشرح.
لا يمكن لشعب أن ينهض أو يبني مستقبلاً وهو مكبل بقيود الجهل وأغلال التعصب؛ سيظل غارقاً في التخلف، يتناحر ويتصارع حتى يفنى. وحدها الدول القوية الواعية قادرة على تحرير شعوبها من هذين الوباءين الذين استثمر بهما القذافي وغيره من طغاة العرب.
وقد شاهدنا على مدار التاريخ الحديث الحقيقة المرة وهي أن الطاغية لا يحكم بمفرده… بل يحكم بجيوش من الجهلاء والمتعصبين الذين يدافعون عنه أكثر مما يدافع هو عن نفسه. هؤلاء هم الوقود الحقيقي لدوام حكمه، وهم السبب في أن بلادنا تتحول لعقود إلى خرائب، بينما يخرج علينا الحاكم ليحدثنا عن «الانتصارات» و»المؤامرات».
إلى الشعوب قبل الطغاة. لن يأتيك الخلاص من فوق. الطاغية لا يحررك، لأنه هو من كبّلك. التحرر يبدأ من عقلك: أن تكسر قيود الجهل، أن ترفض الانجرار خلف أي دعوة للتعصب ومعاداة الآخر المختلف عنك ثقافياً واجتماعياً وطائفياً ومذهبياً ودينياً، وأن تضع مصلحة الوطن فوق مصلحة الطائفة أو القبيلة أو العشيرة أو الحزب أو الزعيم. إذا لم تفعل، فلا تلوم إلا نفسك حين تموت وأنت تقاتل شقيقك ونظيرك في الخلق، بينما أعداؤكم الحقيقيون يشربون نخب انتصار جديد من على عروشهم الدموية في قصورهم الفخمة.
كاتب واعلامي سوري
القدس العربي
————————
الحكومة السورية تلغي مشاركتها في اجتماعات باريس رداً على مؤتمر قسد/ عدنان علي
09 اغسطس 2025
ألغت الحكومة السورية مشاركتها في الاجتماعات المقرّرة في باريس للتفاوض مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) رداً على المؤتمر الذي نظمته الأخيرة في مدينة الحسكة، أمس الجمعة، وضمّ ممثلين عن بعض مكونات المجتمع السوري بينهم زعيم الموحدين الدروز حكمت الهجري، وانتقدت دمشق المؤتمر واعتبرته “ضربة لجهود التفاوض الجارية” مع المليشيا الكردية.
ونقلت وكالة الأنباء السورية (سانا) عن المصدر قوله إنّ الحكومة “لن تجلس على طاولة التفاوض مع أيّ طرف يسعى لإحياء عهد النظام البائد تحت أي مسمى أو غطاء، وتدعو “قسد” للانخراط الجاد في تنفيذ اتفاق 10 مارس/آذار، كما تدعو الوسطاء الدوليين لنقل جميع المفاوضات إلى دمشق باعتبارها العنوان الشرعي والوطني للحوار بين السوريين”.
ووصف المصدر المؤتمر بأنه “خرق للاستحقاقات التي باشرت الحكومة السورية في تنفيذها، بما في ذلك تشكيل هيئة العدالة الانتقالية وبدء أعمالها، ومسار الحوار الوطني الذي أطلقته الحكومة السورية في فبراير/شباط الماضي والمستمر حتّى إيصال البلاد إلى بر الأمان”، وأضاف أن المؤتمر “يمثّل تهرّباً من تنفيذ استحقاقات وقف إطلاق النار ودمج المؤسسات، واستمراراً في خرق الاتفاق، وهو في الوقت ذاته غطاء لسياسات التغيير الديمغرافي الممنهج ضد العرب السوريين، تنفذها تيارات كردية متطرّفة تتلقى تعليماتها من قنديل”.
وطالب مؤتمر “وحدة الموقف لمكونات شمال شرقي سورية”، الذي نظمته قسد، الجمعة، بدستور جديد ونظام لا مركزي قائم على الفيدرالية، واعتبر المصدر أن هذه الخطوة “تستعيد نهج المؤتمرات التي سعت لتقسيم سورية قبل الاستقلال”، وأن الشعب السوري “الذي أفشل تلك المخططات وأقام دولة الاستقلال، سيُفشل اليوم هذه المشاريع مجدداً، ماضياً بثقة نحو بناء الجمهورية الثانية”.
وقال المصدر إنّ “شكل الدولة لا يُحسم عبر تفاهمات فئوية، بل عبر دستور دائم يُقرّ عبر الاستفتاء الشعبي، بما يضمن مشاركة جميع المواطنين على قدم المساواة، ويحق لأي مواطن طرح رؤاه حول الدولة، لكن ذلك يجري عبر الحوار العام وصناديق الاقتراع، لا عبر التهديد أو القوّة المسلحة” معتبراً أن “ما جرى في شمال شرق البلاد لا يمثل إطاراً وطنياً جامعاً، بل هو تحالف هشّ يضم أطرافاً متضرّرة من انتصار الشعب السوري وسقوط عهد النظام البائد، وبعض الجهات التي احتكرت أو تحاول احتكار تمثيل مكونات سورية بقوة الأمر الواقع، وبالاستناد إلى دعم خارجي تلجأ هذه الأطراف والجهات لمثل هذه المؤتمرات هروباً من استحقاقات المستقبل، وتنكراً لثوابت الدولة السورية القائمة على جيش واحد، وحكومة واحدة، وبلد واحد”.
ووفق المصدر، تدين الحكومة “بشدة” استضافة “شخصيات انفصالية ومتورطة في أعمال عدائية، في خرق واضح لاتفاق 10 مارس/آذار، وتحمل قسد وقيادتها المسؤولية الكاملة عن تداعيات ذلك، وتعتبر الحكومة أن هذا المؤتمر محاولة لتدويل الشأن السوري، واستجلاب التدخلات الأجنبية، وإعادة فرض العقوبات، وهو ما تتحمل قسد تبعاته القانونية والسياسية والتاريخية”.
واعتبر أن المؤتمر “شكّل محاولة لعرض طروحات تتعارض مع اتفاق 10 مارس/آذار، سواء بالدعوة إلى تشكيل “نواة جيش وطني جديد”، أو إعادة النظر في الإعلان الدستوري، أو تعديل التقسيمات الإدارية، رغم أن الاتفاق نص بوضوح على دمج جميع المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سورية ضمن مؤسسات الدولة، وضمان الحقوق على أساس الكفاءة لا الانتماء”.
ووفق وكالة الأنباء السورية، قال المصدر إنّ الحكومة السورية تؤيد “حق المواطنين في التجمع السلمي والحوار البنّاء، سواء على مستوى مناطقهم أو على المستوى الوطني”، لكنه اشترط أن يكون ذلك “في إطار المشروع الوطني الجامع الذي يلتف حول وحدة سورية أرضاً وشعباً وسيادة”.
وأضاف المصدر أنّ الحكومة السورية تؤكّد حقّ المجموعات الدينية أو القومية الكامل في “التعبير عن رؤاها السياسية وعقد اجتماعاتها وتأسيس أحزابها ضمن الأطر القانونية الوطنية، شريطة أن يكون نشاطها سلمياً، وألّا تحمل السلاح في مواجهة الدولة، وألّا تفرض رؤيتها على شكل الدولة السورية”.
——————————-
توغل إسرائيلي جديد في ريف القنيطرة وعودة التوتر إلى السويداء/ عدنان علي
09 اغسطس 2025
توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي في ريف القنيطرة السورية، اليوم السبت، إذ دخلت خمس آليات عسكرية إلى قرية الرفيد في ريف القنيطرة الجنوبي، فيما عاد التوتر إلى ريف السويداء بعد اشتباكات بين قوات الأمن الحكومية والفصائل المحلية في المحافظة.
وذكر الناشط محمد أبو حشيش أنّ خمس آليات عسكرية دخلت صباح اليوم إلى بلدة الرفيد في ريف القنيطرة الجنوبي بالتزامن مع توغل آخر باتجاه بلدة كودنا المجاورة ومزرعة العجارفة المحاذية لها، وقامت قوات الاحتلال بعمليات تفتيش للمنازل والأراضي المحيطة.
وأضاف الناشط السوري أن عدداً من السيارات العسكرية التابعة لقوات الاحتلال والمحملة بالجنود توجهت نحو الطريق الواصل بين بلدتي بريقة وكودنا، وأقامت حاجزاً في المنطقة القريبة من خط وقف إطلاق النار، وباشرت في طلب البيانات الشخصية للعابرين على الطريق، فيما دخلت قوة أخرى إلى قرية بريقة في ريف القنيطرة الجنوبي.
وكانت طائرة إسرائيلية مسيّرة قد استهدفت الليلة الماضية مقراً للأمن الداخلي السوري في مدينة السلام بمحافظة القنيطرة، كان مقراً لقوات حفظ النظام سابقاً ضمن المدينة. والاستهداف هو الأول منذ التصعيد الإسرائيلي الأخير في سورية، منتصف يوليو/ تموز الماضي، على خلفية التطورات في محافظة السويداء، حين استُهدِف مبنى هيئة الأركان العامة ومحيط قصر الشعب في العاصمة دمشق.
وتزامن الاستهداف الإسرائيلي الليلة الماضية مع تحليق مكثف لطائرات الاستطلاع الإسرائيلية في أجواء الجنوب السوري، ومع عودة التوتر بين القوات الحكومية وقوات العشائر من جهة، والفصائل المحلية في السويداء من جهة أخرى.
وذكرت شبكات محلية أن الفصائل المسلحة في السويداء استعادت السيطرة على بلدة نجران بريف السويداء الشمالي الغربي بعد هجوم معاكس نفذته على المواقع التي تقدم إليها مسلحو العشائر، وكانت البلدة قد شهدت عودة جزئية لبعض سكانها في الأسبوعين الماضيَين.
صعوبة الوضع الإنساني
في غضون ذلك، ما زالت محافظة السويداء ترزح تحت وضع إنساني صعب، نتيجة ما تقول فاعليات محلية إنّه حصار تفرضه قوات الحكومة والعشائر على المحافظة، وهو ما تنفيه الحكومة، وتؤكد أنها تواصل إرسال المساعدات الإنسانية إلى المحافظة. وفي هذا الإطار، وصلت إلى المحافظة، أمس الجمعة، قافلة إغاثية جديدة تتألف من 27 شاحنة، شملت 19 شاحنة تابعة للهلال الأحمر و8 شاحنات تجارية، كانت محملة بكميات من المواد الغذائية والتموينية والطبية والمشتقات النفطية. تضمنت القافلة 275 طناً من مادة الطحين وأكثر من 30 ألف لتر من المازوت موجهة إلى مدينة السويداء، إضافة إلى إرسال 1905 أكياس طحين مخصصة للفرن الآلي في بلدة صلخد، وكمية مماثلة إلى فرن بلدة شهبا، و3808 أكياس إلى فرن السويداء.
كذلك أُرسِلَت مواد أخرى إلى بعض القرى التابعة للمحافظة، وهذه القافلة هي السابعة من نوعها خلال الأيام الأخيرة. وفي محافظة درعا المجاورة التي تستضيف آلاف العائلات التي خرجت من محافظة السويداء، خصوصاً من السكان البدو، من المقرر أن يجري اليوم السبت تزويد عدد من مراكز الإيواء في ريف درعا الشرقي بكرفانات مخصّصة لأن تكون مرافق صحية، وذلك بدعم من وزارة الطوارئ والكوارث، ويشمل ذلك بلدات الحراك، والمليحة الشرقية، والسهوة، وغصم، والمسيفرة، في إطار الجهود المستمرة لتحسين ظروف الإقامة، وتوفير الخدمات الأساسية للمهجّرين من السويداء.
————————————-
محمد السلوم
* قبل ما تتـورط في هذا المنشـور عزيزي المواطـن.. لازم تعرف أنه طويل.. كتير..كتير!
* هذا المنشور لا يسـعى وليس هدفه “إدانة أخـلاقية” أو “تسجـيل موقف”، هو يحاول تقديم معلومات يتم القفز عليها في حالات الشـحن والصدام الطـائفي يلي عم نعيشها، ورأي شخصي او قراءة ذاتية.
* المنشور يحاول الإجابة على “هل يمكن حقاً أن يشـكل الجار الأزرق بديلا أو داعماً للـدروز في سـوريا؟
……………………………….
* الـدروز في الجار الأزرق نوعين، منهم من ينحدر من قرى الجـولان السـوري المحتـ ـل، ومنهم من ينـحدر من الجليل في شـمال فلسـ ـطين التاريخية. وكلهم رح يكون اسمهم “دروز” في هذا المنشور بدون تفريق.
* حياة الدروز في الجار الأزرق فينا نقول أنها “معقدة” وبيعيشوا نوع من “التمييز المقنّع” في دولة ترفع شعارات المواطنـة والمـساواة والحريـة والديمـقراطية والعلمانية و…. وتقدم نفسها على أنها واحة الحضـارة في منطقة قاحلة.
هم يحملون الجنسـية وهم من بين الأقليات القليلة يلي مفروض عليها “التجـنـيد الإجباري” من عام 1956، بعكس باقي العـرب.. وهو واقع على الذكور فقط في الطـائـفة. والعديد منهم وصل لرتـب عالية.. ورغم الاحتفاء “بالوفاء والانتماء” إلا أن هاد مو قادر يخفي شعور استخـدام الدروز كأدوات، خاصة في ظل الإهمال أو غض النظر عن تجاوزات وحالات عدم المحاسـبة. ناهيك عن زجـهم في مناطـق مشـتعلة تسبب غالباً في مقـ ـتل عدد كبير “نسبياً” منهم.. غير التمييز في الترفيعات وعدم وصولهم لمواقع حسـاسة في القيـادة.
والدولة (يعني الجار الأزرق وما في داعي نكررها كتير حتى ما تزعل الخوارزمـ ـيات) تحاول وتركز إعلامياً على إبراز “ولائهم” في مواجهة “نكـران” باقي المكونات العـ ـربية الأخرى.. (فرّق تسـد)
ما سبق لا ينفي وجود حـركة أو توجه متصـاعد لمعارضة أو رفض التـجنـيد “أرفض، شعبك بيحميك”، ويلي عم يتبنوا هذه الدعوات عم يتعرضـوا للتضـييق والعـقاب والسـجن.
* رغم التطـ ـبيل الإعلامي فالدروز بيعانوا من تميـيز مؤسساتي وإداري وحتى تعليمي.. ويكفي تعرف مثلاً أنه لا يوجد أي مدينة درزيـة في هذه الدولـة.. هي قـرى فقط.. وعند مقارنتها بالقـرى اليـه ودية بيظهر فرق كبير بالخدمات.. وطبعاً متل البقية ما نجوا من عمليات مصـادرة واسـعة للأراضي.. تحت حجج متنوعة متل “الطوارئ”، و”المنفعة العامة”، و”الاحتياجات الأمنـية”.
مناطق مثل بيت جن، ودالية الكرمل، ويركا، وعسفيا.. تمت مصادرة آلاف الدونمات من أراضيها الزراعية.. واعتراضات الأهالي في المحاكم ما جابت نتيجة. بعض الدراسات الأكاديمية قدرت نسبة الأراضي المصادرة من المناطـق الدرزية بـ 64بالمية!
عدد القرى الدرزية ثابت من قيام الدولة 1948، وهي كلها قرى وأكبرها دالية الكرمل 22.6 ألف نسمة فقط بحسب 2017. والقرى في معظمها مكتظة، وممنوعة من التوسع بسبب “مناطق عسكرية” أو “محميات”. والبناء غالباً يتم عن طريق المخالفات لأن ما في موافقات، وينتهي بالهدم، متل ما صار في بيت جن. إلى جانب مشـاريع خاصـة تسعى لتهـ ويـد الجليل، بمسميات مختلفة مثل “مشروع تطوير الجليل” 1976 يلي عملت عليه حكومات متعاقبة على إنشاء 50 مسـتوطنة جديدة، وإنشاء شيء سموه “قرى صناعية” بهدف جذب اليد العاملة من الوسط إلى الشمال.
وآخر الخطوات كان في 15 كانون الأول 2024، لما أقرت الحكومة خطة لمضاعفة عدد المسـتو طنين في الجـولان يلي يقدر عددهم ب 30 ألف تقريباً.. وهي الخطة والتوسع رح تكون طبعاً على حساب مصادرات جديدة.
* جاء قانون “القومـية اليـه وديـة” عام 2018 نقطة تحول، القانون يلي قال إن الدلال والعز و”تقرير المصـير” هو لليـه ودي فقط لا غير في الدولة، والباقي لالا.. وهيك شـعر الدروز أنهم “مو جزء من الدولة”.. وأنهم أولاد العتـيقة.. وهذا الشـعور تم التعبير عنه علناً بغضب ومظـاهرات واحتجاجات ومنشورات شارك فيها ضـباط كبار متقاعدين متل أمـل أسـعد.. وسياسيين دروز.
“انتوا حبابينا ونور عنينا و”الجنـ ـود المخلصين.. بس مممم مو متلنا”.. وفينا نختصر الأمر كله في بيت شعر عنترة: ينادونني في السِلمِ يا ابن زبيـبةٍ … وعند صدامِ الخيلِ يا ابن الأطايِب!
* لا تعتبر الدولة الدروز خطر ديموغـرافي، لأن أعدادهم قليلة نوعاً ما.. حوالي 150 ألف فقط، بنسبة أقل من 2 بالمية.
* آسف قلك أن كل ما سبق كان مقدمة مختصرة جداً حتى تكون بالصورة قبل ما ندخل بالموضوع!
……………………………….
* الآن خلونا نطرح السؤال يلي البعض متخوف منه والبعض متوقعه والبعض يحلم به.. هل يمكن أن الجار الأزرق ياخد السـويداء فعلاً؟
السويـداء أو خلينا نقول الدروز عايشـين من سنوات حالة من الانهـيار الاقتصادي والانفلات الأمنـي، مع شعور مرير بالخـذلان والتخلي خاصة بعد هجـمات داعـ ـش 2018.. هاد كله قبل ما يصير يلي صار مؤخراً!
الجار الأزرق استغل هذا الفراغ وتدخل ليقدم نفسه على أنه “الداعم” و”الظهر” و”السند”.. إعلامياً مع بعض التدخلات العسـكرية.. لكن هل يمكن أن يضم المنطقة له؟
ببساطة وبدون كتير تفاصيل.. لأ.. لأن رح يكون في عبء ديموغرافي وسياسي وأمـني واجتماعي ضخم جداً..
يعني تخيل عزيزي أنت عندك 150 ألف درزي عم تحاول تختـرقهم بالمستوطنـات وتخليهم أقلية، وبين يوم وليلة تحط فوقهم قرابة 700 ألف! الجماعة بدهم يقللوا مو يزيدوا!
والوافدين الجدد لن يتم منحهم حق المواطنة ببساطة، وهيك رح يصير عندهم غـ ـزة والضـفة والشمال.. وهاد أكبر من أن هاد الجار يتحمله..
ببساطة.. الجار الأزرق شايف الدروز “ورقة” وما رح يسمح بتحولهم إلى “عبء”.. هم بالنسبة له “أداة تفاوض” مو “غنيمة”..
* شو لكن بده هاد الجار؟
بده منطقة عـازلـة.. منطقـة آمنة.. يتم التسويق لها مصحوبة بمبررات أو تسميات متعددة مثل.. حكم ذاتي.. منطقة لا مركزية.. حماية.. وغيره.. وممكن يقدم شوية دعم أمني أو إنسـاني لكن رح يبقى أقل بكتير من احتياجات المنطقة.. وبيحافظ على “صورة الحامي”… شوية تواصلات أمنـية مع بعض الزعامات المحلية و”خط دفاع”.. شي بيشبه شوي.. “ميـ ليشيا لحد” في جنـوب لبنان “جـ ـيش لبـنان الجنوبي”.
* هاد بالنسبة للجار الازرق.. طيب شو بخصوص أهل القضـية.. الدروز؟
ممكن البعض يشوف أن الحماية منيحة ما بتشكي من شي. ومع تحقق “حكم محلي” في ظل “الحماية” ممكن يستشعر الدروز بعض التحسن.. خاصـة في الجانـب الأمـني.. لكن هذا الإحساس بالتحسن رح يتلاشى سريعاً مع إدراك أنه بدون مستقبل اقتصادي.. ومن هذه الصفقة رح يطلع الدروز هم الخـاسـر الأكبر..
ليش؟
ببساطة لأنهم رح يكونوا خارج الدولة السـورية، يلي ما رح تعترف بهم ورح تتنصل من أي مسؤولية تجاههم أو خدمات، وبنفس الوقت رح يكونوا خارج دولة الجار الأزرق يلي كمان مارح يمنحهم جنسـية أو حقوق، وخارج الغطـاء الإقليمي “العـربي” يلي رح يعتبر ما فعلوه “خـ ـيانة”!
يعني تحسـن أمنـي مقابل حصـار اقتصادي وسيـاسي.. لا خدمات ولا إعمار ولا مؤسسات ولا مستقبل..
* يعني النهاية هي شيء خلينا نسميه “مجتمع حدودي”.. متل مخيمات تندوف للصـحراويين بين المـغرب والجزائـر.. و”جـيش لحـد” في جنوب لبنان 1982- 2000.. والتامـيل في شمال سـريلانكا على الحدود مع الهـند.. والروهيـنغا في ميانـمار على الحدود مع بنغـلاديش!
في هي الأمثلة فيك تقول أن “المجتمع الحدودي” هو تحول “مكون وطنـي” إلى “ورقة” يتم نسيانها بمجرد انتهاء صلاحيتها.. يعيش في حالة “برزخ”.. ومراوحة في المكان والزمان.. وفيكم طبعاً تضيفوا فوق الأمثلة السابقة مثال الشـمال السـوري وإدلب في مرحلة ما قبل سـقوط الأسـد.. كان تـركيا عاملة الحركة نفسها.. ادعاء الحماية دون تقديم الخـلاص.. والناس كمان طلعت وشالت الأعلام والبعض طالب بالضم أيضاً.. لكن هي بقيت ماضية في استخدام المنطقة كـ “ورقة” وقدمت مساعدات تكفل استمرار الحياة دون العيش الحقيقي بكرامـة.. أي ما ينطبق عليه المثل “قوت اللايموت”.
* والعمل؟
للأسف حل سحري ما في، والخيارات المتاحة هي بين السيئ والأسوأ.. وفيكم تعملوا نظرة للخلف على مصير أو واقع كل المجتمعات الحدودية لتعرفوا عن شو عم نحكي!
الرهان على “الحماية” هو رهان خاسـر، واللجوء إلى “الخصوصية” الهوياتية أو الطائـفية أو الجغرافية هو كمان حل قليل الجدوى.. ما رح يصـنع دولة أو حل نهائـي لكن ممكن يعمل صمود مؤقـت ويحسن شروط التفاوض.. إدارة محلية تضبط الأمـن وتحاول توفير الخـدمات بشكل ذاتي ضمن المتاح داخلياً وبالاعتماد على أبناء المنطقة في الشتات والمهجر..
لابد من التأكيد على الانتمـاء السـوري.. مو الانتمـاء للنظـام.. وهون لازم يفرقوا منيح بين الطرفين.. “نحن مو انفصـاليين” ولا “ورقة بيد الجار الأزرق”..ومشكلتنا مع النظـام وحلوله الأمنـية.
آسف على التعبير.. لكن ضروري تجنب المبالغة في التحدي بما يعود سلباً على القضـية والتعاطف العام.. وتذكر أن مشكلتك ليست الدولـة “سـوريا”.. بل مع النظـام.. فلا تحاول تستعدي باقي المكونـات مجاناً وتمنح النظـام ذرائع.. مع ضرورة الانتقال من “خطاب الطائـفة” إلى “خطـاب المواطنة”.. وتقديم النموذج يلي السـلطة لم تنجح بتقديمه حتى الآن!
* أخيراً.. لازم نفهم أن رفع أعلام الجار الأزرق في بعض المظاهرات مو حب وانتماء.. هو تعبير يائس أكثر منه مشروع جاد.. حركة رمزية للتعبير عن الغضـب مما حدث.. من الإهمال.. من الاتهام الدائم.. من الإهـانة المتعمدة..
والرد عليه يجب أن يكون بوعي كبير ومسؤولية كبيرة من السلطة قبل كل شيء.. من خلال إظهار قدرتها على الاحتواء والاستيعاب وعدم طرح نفسها وكأنها ند لمـليشيات أو أفراد، وتقديم عدالة حقيقية ومحاسبة حقيقية وشفافة مو ضحك على اللحى وأخذ الناس بالعبطة والاستخفاف بهم.. لازم يتم تقديم نموذج مواطنة لجميع المواطنين بغض النظـر عن الطائـفة والإثنية والمواقف السابقة طالما مانك متورط بما يحاسب عليه القانون.. ولا بد من الحوار مع شخصيات حقيقية وازنة وليس اختراع ممثلين وهميين أو أصوات ضعيفة وادعاء أن هؤلاء هم من يمثل الدروز.. وقبل كل شيء لا بد من الابتعاد عن خطـاب التخويـن والتشكيك.. لأن لا سمح الله لو خسـرنا السـويداء بأي سيناريو من ضم أو حماية أو غيره.. فالمسؤولية في ذلك ويلي ممكن توصل لحد الوصف بـ”الخـيانة” رح تتحملها السـلطة قبل الدروز.. من خلال تعنتها.. وخلينا تذكر أن هاد التعنت سبق وجربه النظـام السابق وكان له ضريبة كبيرة جداً جداً جداً!
وشكراً
—————————-
=====================



