تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

الأردن وسوريا الجديدة: ديبلوماسية الجغرافيا وهندسة التوازنات الإقليمية/ رامي شفيق

اجتماع عمان يبحث مستجدات الأوضاع في سوريا

2025-08-12

تفرض معادلات الجغرافيا والتاريخ أدوارًا محورية في رسم ملامح السياسة الخارجية لأي دولة، إذ تحدد محاور حركتها وخياراتها في محيطها الاستراتيجي. ويتجلى ذلك بوضوح عند التدقيق في مسارات السياسة الأردنية تجاه الجارة الاستراتيجية سوريا، سواء خلال عهد الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد أو في ظل الإدارة الحالية برئاسة أحمد الشرع.

ومن هذا المنطلق، تبدو الجهود التي تبذلها وزارة الخارجية الأردنية تجاه جارته الشمالية سوريا، ومساعيها لتثبيت الاستقرار السياسي هناك، منسجمة مع منطق المصالح الاستراتيجية ومتطلبات الأمن الإقليمي.

وفي هذا السياق، تستضيف وزارة الخارجية والمغتربين في الأردن، اليوم الثلاثاء، اجتماعًا أردنيًا–سوريًا–أميركيًا مشتركًا خُصص لبحث مستجدات الأوضاع في سوريا.

ويحضر اللقاء كلّ من وزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد الشيباني، والمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس بارِاك، إلى جانب ممثلين عن المؤسسات المعنية في الدول الثلاث.

ويأتي هذا الاجتماع استكمالًا للمباحثات التي احتضنتها عمّان في 19 تموز/يوليو 2025، والتي ركزت على تثبيت وقف إطلاق النار في محافظة السويداء جنوب سوريا، وبحث سبل معالجة الأزمة هناك.

ويجري نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية وشؤون المغتربين أيمن الصفدي محادثات ثنائية مع كل من الشيباني وبارِك، لبحث مسارات الحل والتنسيق المشترك بحسب بيان الخارجية الأردنية.

إلى ذلك، يحمل الاجتماع دلالات أبعد من كونه لقاءً ديبلوماسيًا، إذ يعكس إدراك عمّان لمهامها المركزية كجسر تواصل بين الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة في الملف السوري. فالأردن، بحكم موقعه الجغرافي على تماس مباشر مع الجنوب السوري، يدرك أن أي اضطراب أمني في السويداء أو المناطق المحاذية قد ينعكس مباشرة على أمنه الداخلي وحدوده الشمالية. كما أن إشراك واشنطن في هذه الصيغة الثلاثية يشير إلى محاولة إعادة ضبط التوازنات الميدانية والسياسية في الجنوب، وضبط تحركات الفاعلين.

وتتنامى دلالات هذه التحركات على خلفية ارتفاع منسوب التنافس، وللدقة الصراع، بين تركيا وإسرائيل، على خلفية الحرب الإسرائيلية–الإيرانية وتداعياتها على الساحة السورية. الأمر الذي يؤشر إلى أن الجغرافيا السورية عمومًا، ومناطق الجنوب السوري تحديدًا، تظل جزءًا من معادلة إقليمية أوسع تتقاطع فيها مصالح أنقرة وتل أبيب، كما تتقاطع فيها مسارات التنافس والصراع.

إذًا، بالنسبة للأردن، فإن جهود السياسة الخارجية تجاه سوريا الجديدة تشكل، في ذهنية عمّان، جدارية صلبة لا تهدف فقط إلى تثبيت الأمن الحدودي، بل أيضًا إلى منع توسع رقعة الصراعات الإقليمية على حساب استقرار الجنوب السوري، بما يحافظ على التوازنات القائمة ويحمي عمّان من تداعيات مباشرة.

“قضايا عديدة”

وفي هذا السياق، يقول الكاتب السوري زياد الريس: “للأردن أثر إيجابي كبير على الشأن السوري، سواء في ما يتعلق بالسياسة الداخلية أو الخارجية”.

ويبيّن الريس في حديثه لـ”963+” أن الأردن وسوريا يتشاركان في قضايا عديدة، على رأسها موضوع التدخل الإسرائيلي.

ويلفت إلى أن التدخل الإسرائيلي في سوريا لا يقتصر أثره على الداخل السوري، بل يطال الأردن أيضاً، إذ قامت إسرائيل بالسيطرة على موارد المياه، بما فيها مياه نهر الأردن، ما أدى إلى الاستحواذ على الحصص المائية السورية والأردنية.

ويضيف أن التدخل الإسرائيلي في الجنوب السوري يثير القلق لدى الطرفين، نظراً لوجود حدود مشتركة وطبيعة اجتماعية متقاربة، حيث إن الأردن هو الأقرب لسوريا في كل شيء، سواء من حيث التركيبة العشائرية أو القومية أو الإثنية، وهذه جميعها عوامل مشتركة بين البلدين.

ويشدد الريس على أن السلطة الجديدة في دمشق “تفتقر إلى المؤسسات والخبرة التاريخية والمعرفة الكافية بالمنطقة، مما يجعل الاستعانة بالأشقاء الأردنيين أمراً مؤكداً، لكون المؤسسات الأردنية مؤسسات فاعلة ومهنية وحرفية، وقادرة على تقديم المشورة في مختلف شؤون العلاقات الإقليمية، ليس فقط على صعيد العلاقات الثنائية”.

ويوضح أن سوريا اليوم بحاجة إلى بناء الثقة بين المكوّنات الداخلية والسلطة، وهذه الثقة تحتاج إلى “ضامن يحظى بقبول واسع لدى جميع فئات الشعب السوري. وهنا، تأتي المملكة الأردنية الهاشمية كأكثر دولة مقبولة شعبياً، لما تتمتع به من رصيد كبير من الحب والاحترام والمصداقية، فضلاً عن المصالح المشتركة التي تجمع البلدين”.

وينوّه إلى أن الأردن لعب دوراً إيجابياً في التحركات الديبلوماسية والسياسية الدولية الرامية إلى وقف الاعتداءات الإسرائيلية والحد من الانتهاكات، رغم وجود أطراف أخرى فاعلة مثل الولايات المتحدة وتركيا، إلا أن الجهد الأساسي كان يقوده الأشقاء في الأردن.

كما يؤكّد أن السلطة السورية “تعوّل كثيراً على الدور الأردني البارز في المنطقة، سياسياً واقتصادياً”، لافتاً إلى أن الدعم العربي، وخصوصاً من السعودية والإمارات ودول الخليج، يصل غالباً عبر الأردن.

ويضيف الكاتب السوري، أن سوريا، وهي مقبلة على مرحلة إعادة الإعمار، تحتاج إلى بوابة اقتصادية، والأردن يمثل تلك البوابة، إذ إن معظم الشركات العالمية والمنظمات الدولية التي قد تسهم في الإعمار تحتاج إلى التنسيق مع السلطات الأردنية، وإلى مقرات لها في الأردن بحكم قرب المسافة مع دمشق التي لا تتجاوز 110 كم.

ويشير إلى أن البنية التحتية في سوريا غير مهيأة حالياً لاستقبال الاستثمارات أو التعامل المصرفي العالمي، الأمر الذي يجعل الأردن البوابة الاقتصادية الرئيسية، كما أنه يشكل منفذاً رئيسياً للصادرات السورية الصناعية والزراعية نحو أسواق الخليج ومصر.

ويختتم الريس بالتأكيد على أن تعزيز العلاقات بين البلدين وتشكيل مجلس أعلى مشترك يرأسه وزير الخارجية من كلا الطرفين، “يعكس توجهاً واضحاً نحو إضفاء طابع مميز على هذه العلاقة الأخوية، والاعتماد المستمر على الدور الأردني”.

أجندات واضحة

ومن جانبه، يقول وزير الإعلام الأردني الأسبق سميح المعايطة إن الأردن لا يسعى إلى أي نفوذ في سوريا، سواء من خلال التأثير على سياستها الخارجية أو عبر نفوذ جغرافي أو سياسي.

ويوضح المعايطة في تصريحات لـ”963+” أن للأردن أجندة واضحة تسير في مسارين رئيسيين: “الأول: خدمة الدولة السورية ومساعدتها على تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي، ودعمها في مواجهة التحديات الداخلية قدر الإمكان، إضافةً إلى تقديم العون الإداري والفني والاستشاري بمختلف أشكاله، للمساهمة في إعادة بناء الدولة السورية بعد الأزمات والحروب التي عانت منها خلال العقود الماضية”.

بينما المسار الثاني “يستقر نحو حماية المصلحة الأردنية، سيما ما يتعلق باستقرار الحدود الأردنية-السورية، من خلال التخلص من وجود الميليشيات، والقضاء على أي أثر لعمليات تهريب المخدرات أو العصابات المرتبطة بها، ومنع أي محاولات لاستغلال الحدود بما يضر بأمن الأردن واستقراره”.

ويشير المعايطة إلى أن الملفات التي يعمل الأردن عليها مع الجانب السوري تشمل: “ملف رفع العقوبات، حيث كان للأردن منذ البداية جهد واضح في هذا المجال مع الدول الأوروبية والإدارة الأميركية. ملف الجنوب السوري ومدينة السويداء، بجميع تفاصيله السياسية والأمنية. وكذا الملف الاقتصادي، وخاصة في إطار العلاقات الثنائية، بما يتضمن تقديم أي دعم من شأنه مساعدة سوريا على تحقيق الاستقرار”.

كما يشدد على أن الأردن يرى في استقرار سوريا السياسي ضماناً لبقاء الدولة السورية موحدة، وبعيدة عن مخاطر الانفصال أو الانقسام، وهي مخاطر يعارضها الأردن بشكل كامل.

ويؤكد المعايطة في ختام حديثه أن “السياسات الخارجية لكلٍّ من الأردن والنظام الجديد في سوريا اليوم ليست متباعدة، بل هناك انسجام عالٍ في المسارات، سواء على مستوى العلاقات العربية أو الدولية، إذ لا توجد تناقضات في المواقف، والأردن يتحرك بدافع خدمة الدولة السورية وسياساتها الخارجية، وليس بحثاً عن أي نفوذ أو تأثير، أياً كان شكله أو مستواه”.

بدوره، يلفت الكاتب السوري فراس علاوي إلى أن الإشكالية الأساسية في العلاقات الأردنية–السورية “تكمن في كونها انعكاسًا متكاملاً للعلاقات الدولية والجوار؛ أي أن أي تأثير في أحد الطرفين ينتقل مباشرة إلى الطرف الآخر”.

ويوضح في حديثه لـ”963+” أن السلطات الأردنية تتعامل مع الملف السوري انطلاقًا من “اعتبارات أمنها القومي بالدرجة الأولى، ثم من موقعها كدولة عربية تتحمّل مسؤوليات في إطار التضامن العربي”.

ويضيف علاوي أن تعامل الأردن مع نظام الأسد، في مراحل سابقة، ارتكز على صون استقراره الداخلي ومنع تفشي ظواهر تهريب المخدرات والانفلات الأمني عبر الحدود. الأمر الذي دفع عمّان، في الوقت الراهن، إلى دعم مسار استقرار “سوريا الجديدة” بالتنسيق مع الجهات المعنية هناك، حفاظًا على أمنها واستقرارها الإقليمي.

ويشير في ختام حديثه إلى أن الحدود الجغرافية والسياسية بين البلدين تشكّل عاملًا ضاغطًا يفرض على الأردن الانخراط في جهود تثبيت الاستقرار داخل الأراضي السورية، لاحتواء الفوضى ومنع انتقال التهديدات إلى الداخل الأردني.

+963

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى