سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

الأوامر من فوق/ يعرب العيسى

12 آب 2025

في نقطة عميقة من ذاتنا الوطنية، نحن السوريين، يختبئ حنين قديم للإمبراطوريات الكبرى. لتلك الأيام العذبة التي كنّا فيها ولاية مدلّلة في دولة عظمى، لا نشغل أنفسنا بشؤون السياسة والصراعات، لدينا مهمّة محدّدة نقوم بها، ونعود إلى بيوتنا في المساء.

مثل أن نزرع القمح لروما، أو ننظّم موكب الحج لبني عثمان ورعاياهم، أو نراقب طريق التجارة إلى بيزنطة. نمسك الدفاتر لبني بويه، ونلوّن الزجاج لبني سلجوق. أو أي واحد من تلك الأعمال التي يستطيع أي موظف بلا طموح القيام بها يوماً بعد يوم من دون أن يقتله الضجر. يتحمل تكرارها الرتيب طالما أنها تعفيه من تحمل مسؤوليات كبيرة.

في الحقب الهامة، أو الأحداث الجسام، أو أزمنة التحوّلات، تنقلب تلك النقطة العميقة على نفسها، وتخرُج إلى السطح، وتعبر عن حضورها بطريقة أو بأخرى، مثل أن تفسّر كل شيء بأنه أتى من فوق. القوى الكبرى قرّرت ونفذت. القوى الكبرى تخطّط لشيء. الأميركان يريدونه. الأميركان قد يغيّرون رأيهم. الروس والأتراك اتفقوا على مخالفة الأميركان…

وهذا يودي بنا إلى الجلوس بانتظار أن تفعل هذه القوى الكبرى ما علينا فعله بأنفسنا. سواء كنّا من المتحمّسين للسلطة الحالية أو معارضين لها. فإن كنّا المتحمّسين، فها نحن نلتقط تصريحاً إيجابياً بحقّها لنرقص فرحاً، ونتابع انتظار أن ترسل إلينا المال، وتبني لنا البيوت، وتأخذ بيد السلطة إلى شاطئ الأمان. وإن كنّا الرافضين لها، ما علينا سوى الجلوس على جانب الطريق ريثما تأتي القوى الكبرى لتزيلها لنا، وتجلب علينا ما نحب.

كان بودّنا الجلوس على ضفة النهر بانتظار كلا الأمرين، لكن لا ضفاف لدينا، لأن الجارة الكبرى تقطع عنّا ماء النهر، وما بيدنا أن نفعل؟ هي الكبرى وهي الأدرى بمصلحتنا.

تلك النقطة العميقة هي نقطة ضعفنا الأخطر. وهي الثقب الذي سينفذ منه خرابنا القادم، كما نفذ منه كل خرابٍ سابقٍ مرّ علينا.

طوال حكم البعث، وحكم الأسد الأب خصوصاً، كان النظر إلى فوق والإشارة بطرف العين إلى أعلى كافياً لحسم أي نقاش، وإيقاف أي تفكير. وكان الإيحاء بأن الأمر جاء من فوق الأداة الأكثر فعالية لإسكات أي صوتٍ معترض. واليوم مع انتهاء تلك الحقبة السوداء، لم تنتهِ التقنية، بل انتقلت نظرة العين طبقةً أخرى نحو الأعلى، فبدلاً من القيادة القُطرية وقصر المهاجرين، صارت النظرة تشير إلى الخارجية الأميركية وإلى البيت الأبيض. وبدلاً من حافظ الأسد صار دونالد ترامب، وبدلاً من عبد الحليم خدّام صار توم برّاك.

الأشياء تأتي من فوق، ونحن لسنا سوى ولاية صغيرة تنتظر الأوامر أو الفرمانات من الصدر الأعظم، ننتظر أن تتوضح مهمتنا المقبلة لنقوم بها بدأب والتزام يثيران إعجاب السادة الجدد.

لا فرق في هذا الانتظار بين أي فردٍ أو جماعةٍ منّا، فالجميع ينظر إلى مركز الإمبراطورية، ولا أحد يشعر بأن القصة كلها هنا، وأن نقطة قوّته الحقيقية هي أبناء بلده، وليس التسابق لإرضاء الخارج. الخطاب كله موجّهٌ إلى هناك، خطاب السلطة التي تمتّن وجودها الآن، وتبنيه عبر بناء علاقاتٍ خارجيةٍ مقبولة، وخطاب معارضي السلطة الذين يبيعون للغرب ما يظنّون أنه يرغب بشرائه.

وبين هذا وذاك، ها هي فرصتُنا النادرة تضيع، والأمل الذي لاح قبل ثمانية أشهر بأن الوقت قد حان لبناء بلد حقيقي لأبنائه جميعاً، ها هو يخفُت ويتلاشى في سراب الأوامر القادمة من فوق.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى