إشتباكات السويداءالأحداث التي جرت في الساحل السوريالعدالة الانتقاليةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعن أشتباكات صحنايا وجرمانا

العدالة الانتقالية تحديث 12 آب 2025

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي

العدالة الانتقالية في سوريا

————————–

 ما وراء البحث عن الحقيقة برعاية الدولة.. كيف يتم تصميم لجان تحقيق وطنية موثوقة؟/ فضل عبد الغني

 الجزء الأول

2025.08.05

تحتل لجان التحقيق الوطنية مكانةً مميزةً ضمن البنية المؤسسية للعدالة الانتقالية ومسارات الحوكمة الديمقراطية، حيث تُعدّ من الآليات التي تلجأ إليها الدول للتحقيق في الإخفاقات المؤسسية، وانتهاكات حقوق الإنسان، والقضايا ذات الاهتمام العام.

وتُجسّد هذه الهيئات التحقيقية، التي تلتقي عندها الأبعاد القانونية والسياسية والاجتماعية، توترًا متأصلًا يكمن في طبيعة وجودها: فهي مبادراتٌ برعاية الدولة، إلا أنها في الوقت نفسه مُكلّفةٌ بالتحقيق في إخفاقات وانتهاكات نُسبت إلى الدولة ذاتها، وهو ما يُشكّل ما يُمكن تسميته “مفارقة الشرعية” التي ترافق تصميمها وآليات عملها.

وقد شهدت سوريا عام 2025 تشكيل ثلاث لجان وطنية رئيسية جاءت استجابةً للتطورات الأمنية والاجتماعية في منطقتي الساحل والسويداء. ففي آذار من العام ذاته، صدر قرارٌ رئاسي بتشكيل لجنة وطنية مستقلة للتحقيق وتقصي الحقائق في أحداث العنف الطائفي والانتهاكات الجسيمة التي شهدتها محافظات اللاذقية وطرطوس وحماة، في أعقاب تصاعد العنف في هذه المناطق. وبالتزامن مع تشكيل لجنة التحقيق، أُنشئت لجنة عليا للسلم الأهلي تهدف إلى احتواء التوترات وتعزيز التماسك المجتمعي في المنطقة. وفي تموز، ومع تفاقم الأحداث الدامية في محافظة السويداء، جرى تشكيل لجنة تحقيق خاصة للنظر في ملابسات هذه التطورات، وتقديم التوصيات المناسبة لمعالجة آثارها على المجتمع والدولة.

ولكي تتمتع لجان التحقيق الوطنية بالمصداقية والقبول المجتمعي، ينبغي أن تستند إلى مجموعة من المبادئ والمعايير الأساسية التي أثبتتها التجارب التاريخية والدراسات القانونية. وفي هذا المقال، الذي يأتي في جزأين، نؤكد على أنه من دون الالتزام بهذه المبادئ والخطوات الإجرائية، تفقد هذه اللجان جزءًا كبيرًا من مصداقيتها، مهما بلغ مستوى الجهد والمهنية خلال عملها.

المبادئ الأساسية لتصميم لجان التحقيق الوطنية: الاستقلالية، التمثيل، وضوح التفويض

الاستقلالية المؤسسية:

يشير الاستقلال الهيكلي إلى وجود نصوص دستورية أو تشريعية تؤسس اللجنة ككيان مستقل عن السلطة التنفيذية، وتحصّنها ضد أي شكل من أشكال التدخل السياسي. إلا أن هذا الاستقلال القانوني لا يُعد كافيًا بحد ذاته في غياب استقلالية تشغيلية فعلية، أي امتلاك القدرة العملية على إدارة التحقيقات بحرية، وتخصيص الموارد اللازمة، وإصدار النتائج بشفافية، من دون قيود أو ضغوط مباشرة أو غير مباشرة من السلطة التنفيذية.

تشكّل السيادة المالية جانبًا أساسيًا من جوانب الاستقلالية التشغيلية، ولا تقتصر على توفير ميزانية كافية فحسب، بل تشمل أيضًا الاستقلال في اتخاذ قرارات الإنفاق وتخصيص الموارد. وقد أظهرت التجارب السابقة أن اللجان التي تتمتع بميزانية مستقلة مع صلاحيات إنفاق تقديرية تُبدي كفاءةً وفعاليةً تحقيقيةً أكبر مقارنةً باللجان التي تعتمد على تمويل حكومي دوري. ومن الضروري إنشاء إطار مالي مستقل ومضمون منذ البداية، لأن المحاولات اللاحقة لضمان استقلالية مالية بعد انطلاق التحقيقات عادةً ما تواجه مقاومة سياسية قوية، لا سيما إذا ظهرت نتائج قد تكون مثيرةً للجدل.

تُشكّل الأطر القانونية التي تحدد صلاحيات التحقيق ركيزةً أساسيةً أخرى في ضمان استقلالية اللجان، ومن أبرز هذه الصلاحيات: سلطة استدعاء الشهود، وتوفير الحماية لهم، والوصول إلى الوثائق الرسمية والسرية. ومن الأهمية بمكان أن تكون هذه الصلاحيات مُرسّخة في الدستور أو التشريع، وليست خاضعةً لتقدير أو تدخل السلطة التنفيذية. ويُطلق فقهاء القانون على هذا الإطار القانوني مصطلح “مناطق الاستقلالية”، التي تمنح اللجان مساحةً آمنة للعمل بعيدًا عن التدخلات القضائية أو السياسية المحتملة. وفي السياقات العملية، فإن قدرة اللجان على الوصول إلى الحقيقة تعتمد بشكل كبير على كيفية تعاملها مع التشريعات القائمة، مثل قوانين أسرار الدولة أو الامتيازات الخاصة بالسلطة التنفيذية، التي غالبًا ما تشكّل عقبات كبيرة أمام كشف الانتهاكات الجسيمة.

كما تبرز عملية تعيين أعضاء اللجنة كمفارقةٍ أساسية: فاللجنة تحتاج إلى تفويض وموارد من الدولة كي تتمكن من أداء مهامها، إلا أن شرعية عملها تعتمد بشكل كبير على استقلالها عن السلطات نفسها التي قامت بتشكيلها. وتشير الدراسات المقارنة إلى أن عمليات التعيين التشاركية والمتعددة الأطراف توفر الحل الأمثل لهذه المفارقة، عبر إشراك المجتمع المدني والهيئات البرلمانية ومختلف القوى الاجتماعية والسياسية في إجراءات اختيار أعضاء اللجنة. وتتميز عمليات التعيين الشفافة – التي تشمل آليات واضحة للترشيح، والتدقيق، والمشاورات العامة، وبناء التوافق – بمستويات ثقة مجتمعية أعلى بكثير مقارنةً باللجان التي تُعيَّن بقرار تنفيذي منفرد. ويقوم هذا النهج التشاركي بوظيفة مزدوجة؛ فهو من جهة يعزز شرعية اللجنة، ومن جهة أخرى يخلق دوائر مجتمعية حريصة على الدفاع عن استقلاليتها ضد أي ضغوط أو تدخلات سياسية محتملة.

الشمولية التكوينية والتنوع المعرفي

يتجاوز تكوين اللجان مجرد التمثيل الديموغرافي ليشمل التنوّع المعرفي، أي احتواء طرق متعددة لمعرفة وفهم الظواهر موضوع التحقيق. فشرعية اللجان لا تُستمد من التمثيل الوصفي فقط (أي أن يكون أعضاء اللجنة مشابهين ديموغرافياً للفئات المتضررة)، بل تستمد أيضًا من التمثيل الجوهري (أي قدرة الأعضاء على التعبير بفاعلية عن مصالح ووجهات نظر مجتمعية متنوعة). تستوجب هذه الرؤية معايير اختيارٍ تعطي الأولوية للتوازن بين الخبرة المهنية والقدرات التحليلية.

ويبرز في هذا السياق توتّرٌ مستمر بين ضرورة توافر الخبرة الفنية من جهة، وبين أهمية الشرعية المجتمعية من جهة أخرى، إذ تشير تجارب لجان التحقيق السابقة إلى أن هيمنة الخبراء الفنيين على عضوية اللجان تؤدي عادةً إلى تحدياتٍ في كسب الثقة المجتمعية وإشراك الجمهور، في حين يؤدي التركيز على التمثيل المجتمعي على حساب الخبرة الفنية إلى نتائج تحقيقية ضعيفة قد تفتقر إلى المصداقية القانونية والدقة العلمية. ويبدو أن أفضل الحلول هو تشكيل هجينٍ متعمّد يجمع بين ذوي الخبرة الفنية والمعرفة التجريبية والقبول المجتمعي في آنٍ معًا. تُمكّن هذه التعددية اللجان من التحرك بسلاسة بين أنظمة المعرفة المختلفة، ما يضمن دقة التحقيق والشرعية المجتمعية في آنٍ واحد.

كما تتجاوز مشاركة المجتمع المدني في اللجان مجرد الدور الاستشاري، لتصبح قوةً دافعةً تؤثر جوهريًا في نتائج التحقيق، فقد بيّنت تجارب عديدة أن منظمات المجتمع المدني الوطنية تمتلك خصائص لا غنى عنها في هذا الإطار، أهمها: الروابط المجتمعية التي تعزز مشاركة الضحايا، والخبرة في توثيق انتهاكات حقوق الإنسان، والسلطة الأخلاقية التي اكتسبتها من العمل الحقوقي المستمر. ويضمن إشراك ممثلي المجتمع المدني كمفوّضين يتمتعون بصلاحيات كاملة وليس كمجرد مستشارين، وجود داعمين داخليين للنهج القائم على

مركزية الضحايا، ويوفر ذاكرة مؤسسية قادرة على ردم الهوّة بين الإجراءات الرسمية وتجارب المجتمع المحلي. ويسهم هذا النهج التشاركي في إضفاء طابع ديمقراطي على عملية إنتاج المعرفة، ويحدّ من التراتبية التقليدية التي تُفضّل المعرفة الرسمية على المعرفة المجتمعية والتجريبية.

ولا يقتصر التنوع الجندري والعرقي والمناطقي على الالتزامات الرمزية بقيم الشمولية فحسب، بل يُعد ضرورةً عملية لضمان تحقيقٍ فعّال، وللحدّ من النزاعات المحتملة. وتؤكد الدراسات المتعلقة بلجان تقصي الحقائق وجود علاقة وثيقة بين التكوين الشامل والمتنوع للجنة، وبين نجاحها في تخفيف التوترات الاجتماعية بعد مباشرة عملها. إذ يعمل التنوع عبر آليات متعددة، فهو يعزز قدرة اللجان على إشراك مختلف الفئات، ويرفع شعور الفئات المتأثرة بعدالة الإجراءات، ويضمن أن تعكس نتائج التحقيق وجهات نظر متعددة تجاه الأحداث محل الخلاف. وتفرض الطبيعة المتداخلة للهوية (intersectionality) ضرورة الانتباه لكيفية تقاطع عوامل مثل النوع الاجتماعي، والعرق، والطبقة، والانتماء الإقليمي، في تحديد أنماط الضحايا وتوقعاتهم للعدالة.

وضوح التفويض وتحديد الحدود الزمنية

يتطلّب تحديد صلاحيات لجان التحقيق التعامل مع التوتر بين خصوصية التفويض (أي درجة دقته وتحديد نطاقه بوضوح)، وبين المرونة اللازمة التي تسمح بمتابعة الخيوط الجديدة والأنماط الناشئة في أثناء التحقيق، لذا يُعتبر وضوح صلاحيات اللجنة أمرًا بالغ الأهمية، لأنه يوفر للمفوّضين توجيهًا دقيقًا، ويضع توقّعات واضحة لدى الجمهور بشأن نطاق التحقيق وحدوده، ويمنع تجاوز اللجان لصلاحياتها أو التقصير في مهامها. وفي الوقت نفسه، فإن التحديد المفرط لصلاحيات اللجنة قد يقيّد قدرتها على تتبع الأدلة وكشف الأنماط المنهجية التي قد تمتد خارج حدود التفويض الضيقة.

أما تحديد الحدود الزمنية لعمل اللجان فهو أمرٌ بالغ التعقيد، إذ يتطلّب موازنة دقيقة بين ضرورة إنجاز تحقيق شامل، وبين مراعاة القيود العملية من حيث الوقت والموارد ومدى اهتمام الجمهور، وتؤكد التجارب أن الحدود الزمنية المثلى تكون نابعة من تقديرات واقعية لمدى تعقيد التحقيق، مع ضرورة تجنب الجداول الزمنية المفتوحة التي من شأنها تبديد الزخم وإضعاف المشاركة العامة. ومن هنا فإن وضع مواعيد نهائية واضحة مع إمكانية تمديدٍ محدودة، يولّد ضغطًا إيجابيًا يدفع نحو تحقيقٍ فعّال، مع تجنّب الإطالة التي قد تقوّض الثقة العامة. مع ذلك، يجب أن تأخذ الحدود الزمنية بعين الاعتبار الطبيعة التكرارية للبحث عن الحقيقة، خاصة في حالات التحقيق في الانتهاكات المنهجية التي قد تشمل جهاتٍ متعددة ومؤسسات مختلفة.

كما يجب أن تكون الصلاحيات القانونية مضبوطة بعناية بحيث تتلاءم مع طبيعة التحقيق ومقتضياته، مع تجنّب كلٍ من نقص التحديد (الذي يُضعف قدرة اللجان على إلزام الأطراف بالتعاون)، أو المبالغة في التحديد (التي تجعل الإجراءات شبه جنائية من دون توفير الضمانات الإجرائية اللازمة). فصلاحيات التحقيق يجب أن تكون متناسبة مع مدى التفويض، بحيث إن التفويضات الواسعة تتطلّب صلاحيات قانونية قوية، تشمل عادةً: سلطة استدعاء الشهود والوثائق، وإمكانية إجراء عمليات التفتيش والمصادرة تحت الإشراف القضائي، إضافةً إلى توفير تدابير حماية الشهود والضحايا. ويجب أن تحكم ممارسة هذه الصلاحيات قواعد إجرائية واضحة تضمن التوازن بين كفاءة التحقيق وحماية حقوق الأفراد، مما يمنح اللجان ما يمكن وصفه بـ “سلطة تقديرية مقيدة”، أي مرونة في العمل ضمن حدودٍ قانونية واضحة.

في الجزء الثاني من هذا المقال، سوف نستكمل مناقشة ديناميات عمليات التحقيق، مع التركيز على مشاركة الضحايا، والعدالة الإجرائية، وآليات تنفيذ التوصيات.

—————————-

الجزء الثاني

 ما وراء البحث عن الحقيقة برعاية الدولة.. كيف يتم تصميم لجان تحقيق موثوقة؟ (2)/ فضل عبد الغني

2025.08.10

نستكمل في هذا الجزء ما بدأناه من مناقشة المبادئ الأساسية التي ينبغي أن تستند إليها لجان التحقيق الوطنية في سوريا (الاستقلالية، التمثيل، وضوح التفويض)، مع التركيز على ديناميكيات العمليات، وخاصةً مشاركة الضحايا، والعدالة الإجرائية، ومسارات التنفيذ.

نظرية المعرفة المرتكزة على الضحية وآليات المشاركة

يمثل الانتقال من اعتبار شهادة الضحية مجرد دليل إجرائي إلى الاعتراف بها كسلطة معرفية، تحولاً في المناهج التقليدية لعمل لجان التحقيق، إذ يُعيد هذا التحول تعريف العلاقة بين مؤسسات البحث عن الحقيقة وبين الأشخاص الأكثر تضررًا من الانتهاكات. ويتجاوز هذا التحول التعديلات الإجرائية البسيطة، ليشمل ما يمكن وصفه بنظرية معرفية متمركزة حول الضحية؛ وهي الاعتراف بأن الضحايا يمتلكون معرفةً استثنائية بطبيعة الانتهاكات المنهجية التي يصعب الوصول إليها من خلال أساليب التحقيق التقليدية وحدها. لذا، فإن المشاركة الفعالة للضحايا تستلزم وجود آليات مؤسسية تُمكّن الناجين من تحديد أولويات التحقيق بأنفسهم، والتعرّف على أنماط الانتهاكات التي قد تغيب عن رؤية المراقبين الخارجيين، والمشاركة في تفسير النتائج وتحليلها قبل الإعلان عنها للجمهور.

تفعيل دور الضحايا لا يمكن أن يتحقق بمجرد آلياتٍ استشاريةٍ محدودة، بل يستلزم بناء هياكل تشاركية تُدمج بشكلٍ منهجي وجهات نظر الناجين وخبراتهم في جميع مراحل التحقيق، ويشمل ذلك تمثيلًا حقيقيًا للضحايا في الهيئات الاستشارية التي تحدد مسار التحقيق وأولوياته، ومشاركتهم في وضع بروتوكولات الإدلاء بالشهادة، إضافةً إلى منحهم فرصًا مُنظمةً لمراجعة النتائج الأولية والتعليق عليها. وتؤدي هذه الآليات عدة وظائف مهمة؛ فهي تعزز الدقة في نتائج التحقيق من خلال دمج المعرفة الذاتية للناجين، وتزيد من مصداقية النتائج لدى المجتمعات المتأثرة، كما تسهم في تمكين الضحايا وجعلهم جزءًا فاعلًا وأساسيًا في مسارات العدالة. ويجب تصميم هذه الهياكل التشاركية بشكلٍ يراعي تفادي إعادة تعريض الضحايا للصدمة، ويعظم في الوقت ذاته من مستوى مشاركتهم وتمكينهم، لينتقل من مفهوم «الشهادة السلبية» إلى «المشاركة المُمكَّنة».

وتُشكّل إمكانية الوصول (Accessibility) بنية تحتية ضرورية لضمان المشاركة الفعّالة للضحايا، ما يستدعي اهتمامًا بأبعاد متعددة تشمل: البُعد الجغرافي، واللغوي، والثقافي، والاقتصادي، بالإضافة إلى البُعد المادي، فاللجان التي تسعى لتحقيق مشاركة واسعة من الضحايا، تستثمر في إنشاء قنوات وصول متنوعة ومتعددة، مثل جلسات الاستماع المحلية التي تتيح للجنة الوصول إلى الضحايا في أماكن تواجدهم بدلًا من اشتراط سفرهم إلى مقار اللجنة. كما تتطلب الفئات الأكثر هشاشة – ومن بينها الأطفال، وكبار السن، وذوو الإعاقات، وضحايا العنف الجنسي – توفير مساحات آمنة للمشاركة، تأخذ بعين الاعتبار تنوّع القدرات وخصوصية احتياجات الدعم.

كما يُعد توفير الدعم النفسي عنصرًا رئيسيا في النهج الذي يتمحور حول الضحايا، بدءًا من التدخل الفوري في حالات الأزمات، ووصولًا إلى توفير الدعم النفسي المستدام طوال مراحل عمل اللجنة، وتتجاوز الإجراءات المراعية للصدمات مجرد تقديم الاستشارات النفسية، لتشمل جميع مراحل الإجراءات؛ مثل التصميم المادي لقاعات الإدلاء بالشهادة، وتدريب مُتلقي الشهادات على التعرّف على أعراض الصدمة وآليات التعامل معها، وتطوير إجراءاتٍ مرنةٍ في تقديم الإفادات، تسمح للضحايا بالتحكم في سرعة السرد ومستوى الإفصاح عن التفاصيل المؤلمة.

ويتضح التوتر القائم بين الحفاظ على كرامة الضحية وضرورات كشف الحقيقة بشكلٍ أوضح في القرارات التي تخص جلسات الاستماع العلنية مقابل الخاصة، وفي مستوى التفاصيل المطلوبة عن الانتهاكات، وكذلك في حماية هوية الضحايا في التقارير المنشورة، وهذا التوازن لا يتحقق من خلال قواعد جامدة، بل يتطلب اعتماد أطرٍ إجرائية مرنة تُعطي الأولوية لاحترام استقلالية الضحية، مع ضمان نزاهة التحقيق في آنٍ واحد. ويتضمّن ذلك توفير خيارات متنوعة للشهادة، تشمل جلساتٍ علنيةً لمن يرغبون في الاعتراف العلني بمعاناتهم، وجلساتٍ خاصةً لمن يطلبون الحفاظ على سرية هوياتهم، بالإضافة إلى إتاحة الشهادات المكتوبة لمن لا يستطيعون أو لا يرغبون في تقديم شهادات شفهية. ويجب أن تحكم مبدأ «الموافقة المستنيرة» جميع أشكال المشاركة من قِبل الضحايا، مع تقديم إيضاحات شفافة حول كيفية استخدام شهاداتهم، والتدابير المتوفرة لحمايتهم، والمخاطر التي قد تظل قائمةً رغم تلك الضمانات.

الضمانات الإجرائية وضرورات الشفافية

يفرض الطابع شبه القضائي للعديد من لجان التحقيق متطلباتٍ معقدة للعدالة الإجرائية، الأمر الذي يستلزم تحقيق توازنٍ دقيق بين مرونة التحقيق من جهة، وبين حماية الحقوق القانونية والإجرائية للأفراد المتهمين أو المشتبه بتورطهم في الانتهاكات من جهة أخرى. وتعمل لجان التحقيق في مساحةٍ حدودية تجمع بين إجراءات التحقيق الجنائي والتوثيق التاريخي، ما يتطلب صياغة أُطرٍ إجرائية تستعير من كلا المجالين، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بطابعٍ مستقلٍ ومميز. وتشمل متطلبات ضمان العدالة الإجرائية عادةً الإخطار المسبق بالادعاءات، وتوفير فرص كافية للرد على الأدلة التي تدين أو تضرّ بالمتهمين، والحق في الحصول على تمثيل قانوني في أثناء تقديم الإفادات، إضافةً إلى إمكانية الوصول إلى الوثائق ذات الصلة بالتحقيق. وتحقق هذه الضمانات غرضين رئيسيين: فهي تحمي الأفراد من الإجراءات التعسفية التي قد تتخذها اللجنة، كما أنها تعزز من مصداقية نتائج التحقيق من خلال إظهار الالتزام بمعايير العدالة الإجرائية.

وتُعد معايير الأدلة ومنهجيات التوثيق من الجوانب الفنية الأساسية التي تحدد مدى موثوقية نتائج التحقيق ومدى الاستفادة منها لاحقًا في إجراءات المساءلة، لذا، ينبغي للجان التحقيق أن تضع أُطرًا إثباتية واضحة تميّز بوضوح بين درجات اليقين المختلفة؛ بدءًا من المؤشرات الأولية التي تستوجب مزيدًا من التحقيق، ووصولًا إلى النتائج المدعومة بأدلة قاطعة. كما يجب أن توازن متطلبات التوثيق بين ضرورة ضمان الموثوقية وبين التحديات الواقعية التي قد تنجم عن تدمير الأدلة أو إرهاب الشهود في حالات الانتهاكات المنهجية واسعة النطاق. وقد دفع ذلك إلى تطوير منهجيات توثيقٍ متقدمة تقوم على التثليث بين الشهادات الشفهية، والأدلة الوثائقية، والتحليلات الجنائية والطب الشرعي. كذلك تتطلب الطبيعة الاحتمالية لكثير من نتائج التحقيقات، التي يتم التعبير عنها بلغة «الاعتقاد المعقول» بدلًا من «اليقين الجنائي»، صياغة دقيقةً وحذرةً لتجنب الالتباس أو سوء الفهم، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الدقة والوضوح التحليلي.

وتتجاوز استراتيجيات المشاركة العامة مجرد نشر المعلومات إلى فتح قنوات حوار فعّال مع مختلف قطاعات الجمهور حول أهداف اللجان وإجراءاتها ونتائجها، وتتطلّب المشاركة العامة الناجحة اعتماد استراتيجيات اتصال متنوعة ومتعددة الوسائط تأخذ بعين الاعتبار تفاوت الجمهور في الوصول إلى المنصات الإعلامية، واختلاف مستويات الثقافة والمعرفة. ويشمل ذلك استخدام وسائل الإعلام التقليدية عبر المؤتمرات الصحفية والإحاطات الدورية، إضافةً إلى المنصات الرقمية التي تسمح بالتحديث المستمر والوصول إلى الوثائق الأساسية، والتواصل المباشر مع المجتمع عبر شبكات منظمات المجتمع المدني والهياكل المجتمعية التقليدية. وفي هذا الإطار، فإن توقيت الإفصاح عن المعلومات وتسلسل الإعلان عنها يُعتبران عاملين حاسمين؛ إذ قد يؤدي الكشف المبكر للمعلومات إلى تهديد سير التحقيقات، في حين أن السرية الزائدة قد تثير الشكوك وتؤدي إلى انتشار نظريات المؤامرة.

أما الشفافية فتتجاوز كونها مجرد مبدأ تنظيمي أو إجرائي، لتصبح آليةً رئيسية لبناء الشرعية والثقة المجتمعية، وتؤسس لملكية عامة واسعة النطاق لعمليات اللجان ونتائجها، وعلى الرغم من أهمية تطبيق مبدأ الشفافية، فإن ذلك ينبغي أن يتم بمراعاة دقيقة لضرورات السرية المشروعة في بعض مراحل التحقيق. وتتضمن الشفافية أيضًا نشر المنهجيات والإجراءات التي تعتمدها اللجان في عملها، وإصدار تقارير دورية توضح تقدم التحقيق مع المحافظة على المصلحة العامة من دون الإضرار بسير التحقيق، إضافةً إلى ضمان أن تحتوي التقارير النهائية على تفاصيل كافية حول الأدلة والمنهجيات بحيث يستطيع الجمهور تقييم نتائج التحقيق بشكل موضوعي. وقد أتاحت الثورة الرقمية إمكانات جديدة لتحقيق مستويات متقدمة من الشفافية، وذلك عبر إنشاء مستودعات إلكترونية للشهادات وقواعد بيانات قابلة للبحث، ومنصات تفاعلية لتعزيز المشاركة العامة، مع ضرورة تحقيق التوازن بين هذه الإمكانيات وبين متطلبات حماية الضحايا والتحديات المرتبطة بالموارد.

هندسة تعبئة الموارد وآليات تنفيذ التوصيات

تتجاوز كفاية الموارد المالية للجان التحقيق مجرد توفير الميزانيات الكافية إلى ضمان توافر هذه الموارد في الوقت المناسب، والتمتع بمرونة التخصيص، وحمايتها من أشكال التلاعب أو الضغوط السياسية المحتملة من خلال آليات تمويل شفافة ومستقلة. وقد أكدت العديد من التجارب السابقة أن اللجان التي تُعاني من نقص الموارد تواجه عقباتٍ متلاحقة تُضعف من فعاليتها وقدرتها على إنجاز مهامها؛ فعدم توافر الموارد اللازمة لتوظيف كوادر مؤهلة يؤدي إلى تأخيرات في عمليات التحقيق، كما أن ضعف الدعم المُقدَّم للضحايا يحد من مشاركتهم، وتؤدي أنظمة التوثيق الضعيفة إلى فقدان العديد من الشهادات المهمة أو الحد من إمكانية الاستفادة منها في عمليات مساءلة مستقبلية. لذا، ينبغي أن يشمل التخطيط المالي الكامل للجنة مختلف مراحل دورة حياة التحقيق، مع مراعاة العناصر التي قد تُغفل غالبًا، مثل خدمات نسخ الشهادات، والترجمة، وأنظمة إدارة الوثائق، وكذلك صيانة الأرشيفات بعد انتهاء عمل اللجنة. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن يراعي التخطيط المالي تخصيص احتياطيات طارئة لتغطية التغيرات المفاجئة في مسار التحقيق، أو تمديد الجداول الزمنية، أو تعزيز الاحتياجات الأمنية المستجدة.

أما متطلبات التوظيف المهني فلا تقتصر على أعضاء اللجنة وحدهم، بل تشمل أيضًا بناء بنية تحتية تقنية وفنية متكاملة تُعزز من كفاءة التحقيقات وفاعليتها، ويتطلب ذلك توظيف محققين ذوي خبرة واسعة في توثيق انتهاكات حقوق الإنسان، ومحللين قادرين على التعرف على الأنماط العامة من خلال التعامل مع مجموعات البيانات الضخمة، وباحثين قانونيين مُلمين بآليات القانون المحلي والدولي، ومسؤولي اتصال متخصصين في التواصل مع الضحايا وتدريبهم على التعاطي مع حالات الصدمة النفسية، إضافةً إلى موظفين إداريين محترفين قادرين على إدارة العمليات اللوجستية المعقدة المرتبطة بالتحقيقات. وينبغي أن يحقق اختيار الكوادر توازنًا دقيقًا بين الكفاءة الفنية من جهة، والحساسية الثقافية من جهة أخرى، الأمر الذي يتطلب في كثير من الأحيان جهودًا واعية لاستقطاب الموظفين من المجتمعات المتضررة، مع الحفاظ على معايير الاختيار المهني. وتُشكّل الطبيعة المؤقتة لأعمال اللجان تحديًا إضافيًا في استقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها، مما يستدعي توفير حزم تعويض تنافسية ووضع مسارات واضحة للتطوير المهني المستقبلي.

وفي السنوات الأخيرة، تطورت متطلبات البنية التحتية التقنية تطورًا ملحوظًا مع التقدم التكنولوجي؛ لتشمل استخدام أنظمة متقدمة لإدارة قواعد البيانات وتنظيم الشهادات وأرشفتها، وتقنيات تحليل الأدلة الجنائية المستخدمة في التحقيقات الميدانية (مثل المقابر الجماعية)، وأنظمة الأمن الرقمي لحماية البيانات الحساسة والمعلومات السرية، ومنصات التواصل التي تتيح التنسيق الفعال بين العمليات التي تجري في مناطق جغرافية متعددة ومتباعدة.

وربما تمثّل آليات متابعة تنفيذ التوصيات الجانب الأكثر تحديًا وتعقيدًا في عمل لجان التحقيق؛ إذ إن ترجمة نتائج التحقيقات إلى إصلاحات مؤسسية ملموسة، وبرامج تعويض للضحايا، وإجراءات للمساءلة، يتطلب ما هو أكثر من صياغة توصيات مُحكمة فقط. فالتنفيذ الفعّال يحتاج إلى إنشاء آلياتٍ مؤسسية مستقلة ومتخصصة لمراقبة مدى التزام الجهات المسؤولة بتنفيذ هذه التوصيات، بالإضافة إلى استمرار الضغط السياسي لضمان إنجاز الإصلاحات المطلوبة، مع القدرة على تكييف التوصيات مع الظروف المتغيرة، وعادةً ما تشمل هذه الآليات تأسيس هيئات متابعة خاصة ذات صلاحيات واضحة وموارد مخصصة، وإنشاء آليات رقابة برلمانية دورية، ودعم مبادرات المجتمع المدني لرصد ومتابعة التنفيذ، كما تستدعي الفترة الزمنية الممتدة بين إعلان النتائج وتنفيذ التوصيات اهتمامًا خاصًا؛ للحفاظ على الزخم العام واستمرار جذب انتباه المجتمع والإعلام للقضية.

أما حفظ الذاكرة المؤسسية، فيتجاوز الوظائف التقليدية للأرشفة ليشمل التنظيم الفعّال للمواد التي أنتجتها اللجنة بهدف استخدامها في أغراض متعددة، مثل إجراءات المساءلة المستقبلية، والأبحاث التاريخية، والمبادرات التعليمية، وأنشطة تخليد ذكرى الضحايا. وتُظهر الخبرات الدولية ضرورة التوازن بين إتاحة الوصول إلى هذه المواد للأغراض المشروعة، وبين حماية خصوصية الضحايا وضمان عدم إساءة استخدام شهاداتهم أو بياناتهم الشخصية، وتوفر تقنيات الحفظ الرقمي فرصًا هامةً لتطوير أرشيفاتٍ إلكترونية قابلة للبحث، مع إمكانية الوصول إليها عن بُعد، شرط الالتزام الصارم ببروتوكولات أمن المعلومات وضمان استدامة هذه الأرشيفات على المدى الطويل. كما يُمثّل إنشاء أرشيفات «حيّة» تواصل جمع الشهادات وتحديث النتائج ممارسةً ناشئةً تؤدي إلى إطالة أمد تأثير اللجنة إلى ما بعد انتهاء فترة عملها الرسمي، مع ضرورة توفير التمويل المستدام والدعم المؤسسي الكافي لضمان استمرار هذه الجهود.

خاتمة

يؤكد هذا المقال أن نجاح لجان التحقيق الوطنية في السياق السوري يعتمد على هندسة مؤسسية دقيقة، ورغم أن اللجان وحدها قد لا تضمن تحقيق المصالحة أو تطبيق المساءلة، فإنها تظل قادرة على خلق مساحاتٍ حيويةٍ لكشف الحقائق، والاعتراف بالضحايا، وتعزيز التعلم المؤسسي والمجتمعي، مما يسهم في دفع مسار التحولات الاجتماعية والسياسية الأوسع قدمًا.

وعليه، فإن إنشاء لجان تحقيق موثوقة ومقبولة اجتماعيًا هو مشروع سياسي في جوهره، يهدف إلى خلق توافقٍ كافٍ بين أصحاب المصالح المتباينة، يضمن أن يكون البحث عن الحقيقة مُعبّرًا عن المصلحة الجماعية للمجتمع ككل بغض النظر عن خلفياته وتنوعاته.

تلفزيون سوريا

——————————

لجان التحقيق في سوريا الجديدة.. في دائرة الشك!/ معاذ الحمد

لجان التحقيق في سوريا الجديدة: بين وعود العدالة وشكوك الشارع

2025-08-10

منذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، تبنّت الحكومة السورية الجديدة شعار “المحاسبة والعدالة الانتقالية”، وأعلنت عن تشكيل لجان وطنية للتحقيق في أبرز الانتهاكات التي تلت انهيار الدولة الأمنية. إلا أن ثلاث محطات مفصلية – الساحل، الدويلعة، والجنوب السوري – وضعت فعالية هذه اللجان واستقلاليتها أمام علامة استفهام كبيرة، وسط اتهامات بتأخير العدالة، انتقائية التحقيق، والتغطية على الفاعلين الفعليين.

وبعد سلسلة من الأحداث الدامية التي شهدتها البلاد منذ مطلع العام الجاري، صدرت قرارات رئاسية بتشكيل لجان تحقيق مستقلة شملت جميع مواقع الانتهاكات الكبرى (الساحل – الدويلعة – السويداء)، وركّزت على الرصد الميداني، تدوين الشهادات، التحقيقات التقنية، قبول الشكاوى، والتعاون مع منظمات حقوقية أممية. ورغم تأكيد الحكومة على استقلالية هذه اللجان، امتنعت عن نشر تقارير مفصلة، واكتفت بإعلانات موجزة حرصاً – بحسب قولها – على سلامة الشهود، ودون أن تُثمر عن نتائج ملموسة أو محاسبة واضحة، ما أثار تساؤلات واسعة حول جدواها.

ويأتي ذلك في وقت تمرّ فيه البلاد بمنعطف سياسي حاد، كما يشير بعض المحللين، مع تعاظم التنافس الدولي على النفوذ في سوريا، وارتباط الاستقرار الداخلي بملفات إعادة الإعمار والاستثمار الدولي، التي يرى كثيرون أنها أحد دوافع النظام الجديد لتأكيد شرعيته داخلياً وخارجياً.

الساحل

بين 6 و10 آذار/ مارس الماضي، اندلعت مواجهات عنيفة في مناطق الساحل السوري (اللاذقية، طرطوس، حمص، حماة) بين فلول النظام السابق وقوات الأمن الجديدة، أسفرت عن مقتل 1,426 شخصاً بينهم 90 امرأة، بحسب لجنة التحقيق الوطنية. وشهدت هذه الفترة انتهاكات موثقة شملت إعدامات ميدانية، قتل جماعي، سرقة وحرق ممتلكات، واعتداءات على مدنيين وموظفين حكوميين.

الحكومة دفعت بأكثر من 100,000 عنصر لتعزيز أمن الساحل، وفرضت حظر تجوال شامل. وقد زارت اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق 33 موقعاً، وتواصلت مع أسر الضحايا، واستجوبت الموقوفين. وتم التعرف على نحو 298 مشتبهاً بهم، واعتقال 38 شخصاً حتى نهاية التحقيق. وأعلنت نتائجها في مؤتمر صحفي بدمشق، مع التأكيد على عدم نشر كل التفاصيل حرصاً على سلامة الشهود.

ورغم الإعلان الرسمي، يرى محللون أن تشكيل هذه اللجان لم يكن كافياً لطمأنة الشارع أو تبديد الشكوك. فقد اعتبر الكاتب والمحلل السياسي أحمد الزين في تصريحات لـ”963+” أن إنشاء لجان تحقيق وطنية خطوة “تُظهر نية واضحة من الحكومة الجديدة، بقيادة أحمد الشراع، في تبني نهج ديموقراطي”، لكنه يحذّر من أن “هذه اللجان لا تبدو مستقلة بالكامل، وقد تتخذ إجراءات غير مألوفة لترسيخ النظام الوليد، خصوصاً في ظل تحديات أمنية وسياسية كبرى”. ويضيف أن “الأحداث الدامية في الساحل مثلت تحدياً خطيراً دفع بالحكومة لاتخاذ إجراءات سريعة، لكن أداء اللجان سيكون المحك الحقيقي لقياس مصداقية الخطاب الرسمي”.

هذا الموقف يلاقيه تخوف حقوقي واضح، يعبّر عنه الناشط ثائر حجازي، الذي يشير إلى أن الاعتراف الرسمي بوقوع الانتهاكات “يُعد تطوراً إيجابياً من حيث المبدأ”، إلا أنه يحذر من أن تكون هذه اللجان “مجرد أدوات شكلية لامتصاص الغضب الشعبي”.

ويؤكد أن “نتائج التحقيق في أحداث الساحل، رغم تسليمها إلى رئاسة الجمهورية، لم تُترجم حتى الآن إلى خطوات قضائية ضد المرتكبين، رغم وجود أدلة مرئية وموثقة، وهو ما يثير الريبة بشأن جدية الدولة في تطبيق العدالة”.

تفجير كنيسة مار إلياس

في 22 حزيران/ يونير الماضي، فجر انتحاري حزامه الناسف داخل كنيسة مار إلياس بحي الدويلعة في دمشق أثناء القداس، ما أدى إلى سقوط 25 قتيلاً و63 جريحاً، وتدمير جزئي للكنيسة.

الحكومة السورية حمّلت المسؤولية لتنظيمات متشددة مثل “داعش” و”سرايا أنصار السنة”، بينما يشير بعض المحللين إلى احتمال تورط بقايا النظام السابق أو جهات إقليمية.

أجهزة الأمن فرضت طوقاً مشدداً واعتقلت عدداً من المشتبه بهم، بينهم قائد الخلية وخمسة أعضاء، كما تم تشكيل لجنة تحقيق برئاسة قادة الأمن الداخلي، مع فتح المجال أمام مشاركة مجتمعية في جمع الشهادات.

ورغم هذه الإجراءات، تبقى الشكوك قائمة بشأن مدى فاعلية هذه اللجان في كشف الحقائق أو محاسبة الجهات الفاعلة. ويرى مراقبون أن استخدام “شماعة الإرهاب” قد يُستخدم لتبرير تقصير الدولة في الحماية أو تحويل الانتباه عن فشل استخباراتي محتمل.

اشتباكات السويداء

في 12 تموز/ يوليو الماضي، اندلعت مواجهات في محافظة السويداء بين مجموعات درزية ومسلحين بدو، وسط فراغ أمني.

النزاع أسفر عن مقتل المئات وتوترات طائفية متصاعدة، قبل إعلان وقف شامل لإطلاق النار في 19 يوليو بوساطة أميركية وعربية.

وقد شكّلت وزارات الدفاع والداخلية والعدل لجان تحقيق متخصصة، فتحت قنوات مباشرة مع الأهالي لتلقي الشكاوى. اللجنة، برئاسة القاضي حاتم النعسان والمحامي عمار عز الدين، باشرت عملها بصلاحيات كاملة، مع تعهد بتقديم تقريرها النهائي للحكومة والأمم المتحدة.

لكن بحسب حجازي، فإن هذه الإجراءات “لا تكفي إن لم تُترجم إلى محاكمات شفافة”، مشدداً على أن “أخطر ما رافق هذه الأحداث هو التجييش الإعلامي وظهور جماعات مسلحة ترتكب انتهاكات علنية دون ردع، وهو ما يعيد إنتاج العنف ويهدد النسيج المجتمعي”.

ويؤكد الزين على أن “مستقبل سوريا السياسي سيتأثر مباشرة بأداء هذه اللجان”، مشيراً إلى أن “مدى شفافيتها ومهنيتها سيكون الحكم الفاصل في تحديد ما إذا كانت البلاد تتجه فعلاً نحو نظام ديموقراطي موحد، أم نحو نهج انتقائي في إدارة الأزمات”.

ويرى الزين أن “التحولات الجيوسياسية – من زيارة الشيباني إلى موسكو، إلى بروز التنافس الأميركي والتركي – كلها تجعل من أداء اللجان ليس مجرد قضية داخلية، بل ورقة في صراع النفوذ الإقليمي والدولي”.

من جانبه، يشدد حجازي على أن “إشراك الضحايا في مسار العدالة الانتقالية، وتمثيلهم الفعلي في لجان الحقيقة والمحاسبة، هو السبيل الوحيد لضمان عدم تكرار الجرائم”. ويعرب عن خشيته “من أن يتم توظيف هذه اللجان لصرف الانتباه عن انتهاكات مستمرة عبر استثمارات سطحية أو وعود اقتصادية غير محققة”.

بين التصريحات الرسمية التي تعد بالعدالة، والانتقادات التي تحذر من التسويف، تبدو لجان التحقيق الوطنية في سوريا أمام اختبار مزدوج: إثبات الجدية في كشف الحقيقة، وتقديم عدالة لا تُجزأ ولا تُؤجل.

وفي ظل زخم إقليمي ودولي متداخل، تتحول هذه اللجان إلى مرآة تعكس نوايا النظام الجديد، ومقياسًا للمواطنين لمعرفة ما إذا كان المسار الذي تسلكه البلاد هو فعلاً نحو دولة قانون، أم مجرد تبديل للأدوار داخل لعبة لم تتغير قواعدها.

+963

———————

تفاصيل مؤامرة النظام المخلوع لسرقة ثروات المواطنين في سوريا/ فضل عبد الغني

12/8/2025

يمثل صدور المرسوم التشريعي رقم 16 لعام 2025 عن الحكومة السورية الانتقالية خطوة في مسار سوريا الناشئة نحو تفكيك الإطار القانوني للمصادرة الممنهجة، التي كانت سمة بارزة لنظام حكم الأسد.

وقد صدر المرسوم في 10 مايو/أيار 2025، استنادا إلى المادة 48 من الإعلان الدستوري الصادر في 13 مارس/آذار من العام نفسه، بهدف إلغاء جميع قرارات الحجز الاحتياطي الصادرة بين 2012 و2024. وبذلك يسعى إلى معالجة أحد أخطر أشكال انتهاكات حقوق الملكية التي مارستها الدولة في تاريخ الشرق الأوسط الحديث.

 وتشير بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى توثيق ما لا يقل عن 40 ألفا و602 قرار حجز ومصادرة، طالت قرابة 320 ألف مواطن سوري خلال تلك الفترة، ما يجعل هذه القضية شرطا أساسيا لإعادة بناء العقد الاجتماعي في سوريا ما بعد الأسد.

يقسم هذا المقال تحليله إلى محورين رئيسيين: يتناول الأول الخلفية التاريخية والإطار القانوني الذي أفضى إلى صدور هذا التدخل التشريعي، أما المحور الثاني فيقدم قراءة نقدية للمرسوم رقم 16 من حيث مضمونه وإطاره المؤسسي، محددا مكامن الإصلاح التي جاء بها، إلى جانب الثغرات التشريعية التي تعيق تحقيق عدالة شاملة.

القسم الأول: الإطار القانوني والسياق التاريخي

إرث المرسوم التشريعي رقم 63 لعام 2012: صدر هذا المرسوم في سبتمبر/أيلول 2012، في أوج حملة القمع العنيفة التي شنها نظام الأسد ضد الحراك الشعبي الذي بدأ في مارس/آذار 2011، مجسدا تحول القانون من أداة للحكم إلى وسيلة مركزية لتحويل مؤسسات الدولة إلى آلية منظمة للمصادرة التعسفية ذات الدوافع السياسية والأمنية، خارج أي إطار قضائي منصف.

وقد منح المرسوم وزير المالية صلاحية غير مسبوقة لإصدار قرارات الحجز التحفظي بناء على “طلب مسبب” من الأجهزة الأمنية فقط. هذه الصيغة، التي صيغت عمدا بعبارات فضفاضة، مكنت من حجز الأموال المنقولة وغير المنقولة لأي شخص يُشتبه في ارتكابه “جرائم إرهابية” دون وضع معايير دقيقة للاشتباه، أو توفير ضمانات للمراجعة، أو الاعتراض، أو إحالة القضايا إلى القضاء.

وبذلك، رسخ انتهاكا ممنهجا لمبدأ الحصرية القضائية في تقييد الملكية، إذ استحوذت السلطة التنفيذية على صلاحيات قضائية من دون أي تفويض دستوري أو ضمانات إجرائية.

تكشف الأدلة التي وثقها تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان النطاق الواسع لهذا التوظيف السياسي للقانون؛ فبين 2012 و2024، سُجل ما لا يقل عن 40 ألفا و602 قرار صادر عن وزارة المالية تتعلق بأصول وممتلكات مواطنين سوريين، شملت تجميد الأصول المنقولة وغير المنقولة، وأوامر الحجز الاحتياطي، والمصادرة، والتجميد الدائم للحسابات المصرفية.

ويظهر التحليل الديمغرافي للسكان المتضررين أن هذه الإجراءات استهدفت، بشكل مدروس، المعارضين السياسيين، والمعتقلين السابقين، والمختفين قسرا، واللاجئين، والنازحين، وبشكل خاص أفراد أسرهم، في انتهاك صارخ للمبدأ القانوني الأساسي للمسؤولية الفردية المكرس في كل من التقاليد الدستورية السورية والقانون الدولي.

الأساس الدستوري للمرسوم رقم 16 لعام 2025

يستمد المرسوم التشريعي رقم 16 لعام 2025 تفويضه من المادة 48 من الإعلان الدستوري الصادر في 13 مارس/آذار 2025، التي تكرس صلاحية إلغاء القوانين وآثارها بالنظر إلى الطبيعة الممنهجة للانتهاكات القانونية في ظل النظام السابق، بما يقتضي ليس فقط إصلاحا مستقبليا، بل أيضا تصحيحا بأثر رجعي للمظالم المتراكمة.

ويستند مبدأ التصحيح بأثر رجعي، الوارد في المرسوم، إلى قاعدة قانونية مفادها أن “القرارات الباطلة لا تترتب عليها آثار قانونية، ولا تستلزم الطعن القضائي لإبطالها، بل تُلغى بإجراء تنظيمي فور ثبوت سبب البطلان”.

ويجسد الأثر الرجعي، كما نصت عليه أحكام المرسوم التنفيذية، مبدأ التصحيح الإداري المباشر للقرارات الباطلة، عبر إبطال جميع الآثار القانونية الناشئة عن قرارات الحجز الملغاة، بما في ذلك شطب القيود العقارية، وإلغاء التجميد الإداري في السجلات الرسمية، وإعادة الوضع القانوني للأصول المحجوزة إلى حالتها السابقة.

ومع أن هذا المبدأ يتمتع بسلامة قانونية، إلا أن تطبيقه العملي يصطدم بتحديات معقدة في سياق مصادرات استمرت لأكثر من عقد. فقد أدى تحويل الحجز الاحتياطي إلى مصادرة دائمة، ونقل الملكية إلى أطراف ثالثة مرتبطة بالنظام السابق أو المليشيات التابعة له، وتسجيل الممتلكات باسم الدولة، إلى خلق أوضاع قانونية متشابكة تتجاوز مجرد التراجع الإداري.

ولذلك، فإن تفعيل هذا المبدأ الدستوري يتطلب ابتكار آليات قانونية متقدمة لمعالجة الانتهاكات متعددة المستويات، وتسوية المطالبات المتعارضة، والتعامل مع حالات الاستحالة المادية لاستعادة الحقوق.

القسم الثاني: التقييم النقدي لمحتوى الإصلاح والثغرات المؤسسية

يكشف المرسوم التشريعي رقم 16 لعام 2025 عن بنية متناقضة؛ فهو من جهة يقر بالانتهاكات القانونية الممنهجة، ومن جهة أخرى يحد من نطاق الانتصاف بطرق تحد من أثره الإصلاحي.

فالمادة الأولى منه تحصر الإلغاء صراحة في قرارات الحجز الاحتياطي الصادرة “استنادا إلى المرسوم التشريعي رقم 63 لعام 2012” دون مرجع قضائي أو تعليمات أمنية مباشرة.

ورغم أن هذه الصيغة تعالج الشريحة الكبرى من عدد الانتهاكات، فإنها ترسخ استثناءات تُضعف إلى حد كبير الأثر الإصلاحي للمرسوم.

ومن أبرز هذه الاستثناءات استبعاد قرارات الحجز القضائي الصادرة عن النيابة العامة أو قضاة التحقيق أو المحاكم المختصة، رغم أن كثيرا منها استند إلى الإطار ذاته من التجريم المبهم والدوافع السياسية الذي وسم قرارات الحجز الإدارية.

يمثل هذا الاستبعاد للضبط القضائي إشكالية عميقة في ضوء واقع القضاء السوري تحت حكم الأسد، إذ أصدرت السلطات القضائية، في كثير من الحالات، أوامر ضبط وفق المنطق القانوني نفسه القائم على التلاعب السياسي والغموض التشريعي.

كما أن قانون مكافحة الإرهاب رقم 19 لعام 2012، الذي منح النائب العام أو من ينوب عنه صلاحية تجميد الأصول، عمل ضمن الإطار الأمني ذاته الذي أسس له المرسوم رقم 63.

ورغم أن وزير العدل قد شكل لجنة قضائية خاصة لمراجعة أحكام محكمة مكافحة الإرهاب، فإن غياب نصوص صريحة في المرسوم رقم 16 لربط هذه القرارات القضائية بإلغاء الإطار الاستثنائي الأوسع يترك مساحة واسعة من أوامر الضبط وتجميد الأصول قائمة ونافذة.

وتتضاعف الإشكالية باستثناء المرسوم للإجراءات التي تحولت إلى حجز تنفيذي أو إلى مصادرة نهائية، بما في ذلك العقارات التي حُول حجزها الاحتياطي إلى مصادرة دائمة، أو التي سُجلت باسم الدولة، أو نُقلت ملكيتها إلى أطراف ثالثة، غالبا ما تكون جهات مرتبطة بالنظام السابق أو المليشيات الموالية له.

ويعد هذا النقل أحد أخطر الأساليب التي اعتمدها نظام بشار الأسد لشرعنة المصادرة السياسية، إذ جرى نقل ملكية آلاف العقارات من أصحابها الأصليين دون مراعاة الأصول القانونية.

وعلى الرغم من الأهمية القانونية لمبدأ الأثر الرجعي الذي نص عليه المرسوم، فإن تصميم آلية تطبيقه يعاني من قيود هيكلية واضحة. فالمادة الثانية تنص على شطب تسجيلات العقارات الناتجة عن القرارات الملغاة، وإلغاء التجميد الإداري في السجلات الرسمية، وإعادة الوضع القانوني للأصول إلى حالتها السابقة، غير أن تحليل الشبكة السورية لحقوق الإنسان يؤكد أن هذا التصحيح الإداري لا يواجه التعقيدات القانونية المتراكمة عبر أكثر من عقد من نزع الملكية.

وتشمل هذه التعقيدات العقارات التي خضعت لعمليات بيع أو نقل ملكية متعددة، أو التي أُدمجت في مشاريع تطوير، أو فُقدت أو أُتلفت وثائقها الأصلية، وهي حالات تتجاوز إمكانية المعالجة عبر مجرد التراجع الإداري.

أما على صعيد التنفيذ، فقد أُنيطت المهمة بوزارة المالية بالتنسيق مع وزارتي العدل والداخلية، وهو ما يكشف عن قصور في الإحالة التنفيذية ومحدودية في البنية المؤسسية، فرغم أن المادة الثانية تفوض صلاحيات التنفيذ، فإنها لا تحدد جدولا زمنيا واضحا، ولا إجراءات مفصلة، ولا آليات للمساءلة، ما يجعل التطبيق عرضة للبطء أو التعطيل.

ويؤدي هذا الغموض المؤسسي إلى خطر أن يبقى المرسوم بلا أثر عملي ملموس، خصوصا في غياب جهة إدارية مستقلة تُعنى بمراقبة التنفيذ ومعالجة المظالم الناشئة.

القصور التشريعي: تقييم منهجي للقيود الهيكلية

يبرز الخلل التشريعي الأهم في أن المرسوم رقم 16 لم يُلغِ صراحة المرسوم التشريعي رقم 63 لعام 2012. ورغم أن المرسوم الجديد علق فعليا تطبيق جزء أساسي من أحكام المرسوم رقم 63، فإن إبقاءه في المنظومة القانونية، ولو معطلا، يترك الباب مفتوحا لإحيائه قانونيا مستقبلا، وهو ما يتناقض مع متطلبات العدالة الانتقالية التي تستدعي قطعا حاسما مع البنى القانونية الاستبدادية.

كما يشكل عدم معالجة المرسوم للإجراءات الصادرة بموجب قانون مكافحة الإرهاب رقم 19 لعام 2012 ثغرة تشريعية أخرى، إذ تبقى قرارات تجميد الأصول الصادرة عن النائب العام أو من ينوب عنه، والتي غالبا ما استندت إلى السياق ذاته من التجريم السياسي والغموض القانوني، خارج نطاق الإلغاء.

هذا النهج الانتقائي في تفكيك الإطار التشريعي الأمني يعكس ما يمكن تسميته بـ”التجزئة والتأويل” في مسار العدالة الانتقالية، تاركا مساحات واسعة من الانتهاكات ذات الدوافع السياسية دون معالجة قانونية.

ولا يتضمن المرسوم أي نصوص تتعلق بالمحاسبة المؤسسية أو الفردية للمسؤولين عن إصدار أو تنفيذ قرارات الحجز الباطلة، سواء كانوا موظفين في وزارة المالية، أو ضباطا في الأجهزة الأمنية، أو قضاة متواطئين بالصمت أو الدعم.

كما يغيب عن المرسوم أي تنظيم لمسألة التعويضات، سواء الرمزية أو المادية، وعدم إنشاء آليات لتقييم الخسائر أو صرف تعويضات مالية في حال تعذر استعادة الممتلكات.

ويجب أن يظل رد الممتلكات الخيار الأول والأساسي لجبر الضرر، على أن يقتصر التعويض المالي على الحالات التي تثبت فيها استحالة الرد قضائيا.

وإلى جانب ذلك، يفتقر المرسوم إلى أحكام واضحة بشأن الشفافية والوصول إلى المعلومات؛ فهو لا يُلزم وزارة المالية أو الجهات المختصة بنشر قوائم المتضررين، ولا ينص على آليات تمكنهم من الاطلاع على ملفاتهم، أو تقديم اعتراضات، أو استرجاع وثائقهم العقارية.

الآثار المترتبة على السكان المتضررين: التحديات الجغرافية والقضائية

تتجسد القيود العملية للمرسوم بوضوح عند النظر إلى واقع التشتت الجغرافي للسكان المتضررين وتجزؤ الولاية القضائية عليهم، حيث يقصي إطار التنفيذ فعليا الفئات الأكثر تضررا من نظام الاستيلاء السابق، مثل اللاجئين، والنازحين داخليا، وسكان المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة الانتقالية.

وهنا تظهر ثغرة حرجة تتعلق بـ”الأشخاص المتضررين المقيمين خارج البلاد أو في مناطق خارج سيطرة الحكومة الانتقالية، مثل المناطق الخاضعة للإدارة الذاتية (قوات سوريا الديمقراطية)”، حيث يواجه هؤلاء صعوبات كبيرة في الوصول إلى السلطات المختصة.

ويؤثر هذا الاستبعاد الجغرافي على ملايين السوريين الذين صُودرت ممتلكاتهم غيابيا كإجراء عقابي على معارضتهم المزعومة للنظام، فيما يحرمهم غياب أي ترتيبات استثنائية أو إجراءات بديلة من الاستفادة من المرسوم، رغم الإلغاء الرسمي لقرارات الحجز.

وتتخطى العقبات الإجرائية حدود التحديات الجغرافية لتشمل صعوبات تتعلق بالوثائق والإثبات، إذ فقد كثير من المتضررين أوراق ملكياتهم أو اضطروا للتخلي عنها أثناء النزوح، بينما أُتلفت سجلات آخرين في العمليات العسكرية، أو أُزيلت عمدا من قبل الأجهزة الأمنية.

ويؤدي غياب أي نصوص في المرسوم بشأن معايير الأدلة البديلة، أو القرائن القانونية لصالح المالكين المسلوبين، أو إجراءات مبسطة لمعالجة أنماط الانتهاكات الشائعة، إلى تحميل الضحايا أعباء إثبات ثقيلة.

ويضاف إلى ذلك بعد زمني يزيد من تعقيد الوضع، إذ لا يحدد المرسوم مهلا زمنية للتنفيذ أو آجالا لتقديم الطلبات، كما لا ينص على قواعد للتقادم تحمي حقوق المتضررين.

هذا الغموض، مقترنا بغياب إلزامية الإخطار العام، يجعل كثيرا من الضحايا يجهلون حقوقهم بموجب المرسوم، أو يفوتون مهلا غير معلنة لاتخاذ الإجراءات اللازمة.

خاتمة

يحتل المرسوم التشريعي رقم 16 لعام 2025 موقعا إشكاليا في مسار العدالة الانتقالية السورية؛ إذ يجمع بين كونه اعترافا رسميا بالانتهاكات المنهجية لحقوق الملكية التي ارتكبها نظام الأسد، وبين قصوره الواضح كإجراء جزئي غير كافٍ لمعالجة الاستبداد القانوني الراسخ.

إن استعادة حقوق الملكية تمثل ركيزة أساسية لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وضمان عودة ملايين السوريين إلى ممتلكاتهم ومجتمعاتهم بسلام وكرامة.

ويتطلب تحقيق ذلك الشروع في مراجعة شاملة لجميع القوانين والمراسيم التي أقرها النظام السابق والتي شرعنت المصادرة والنهب، مع تبني مسارات تشريعية واضحة وملزمة تضمن تحقيق العدالة والمساءلة، وتؤسس لقطيعة حقيقية مع الممارسات القانونية الاستبدادية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

سس ومدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان

    مؤسس ومدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، حاصل على الماجستير في القانون الدولي، ومتوّج بالجائزة الفرنسية الألمانية لحقوق الإنسان عام

الجزيرة

—————————–

 الشرع لتسمية “هيئة العدالة” بعضوية سيدات وعلويين وأكراد ومسيحيين/ خالد العنزي

مصادر “العربية.نت”: القوائم اختيرت بعناية ولم تؤسس على المحاصصة

11 أغسطس ,2025

كشفت مصادر حكومية رسمية لـ”العربية.نت” أن دمشق ستعلن قريباً عن تشكيلة أعضاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، التي ستصدر بمرسوم رئاسي من الرئيس السوري أحمد الشرع، وستتضمن أسماء سيدات، وأفرادا من الطوائف العلوية والكردية والمسيحية وغيرها من مكونات الشعب السوري.

قفص العدالة

كما أشارت المصادر التي فضلت عدم الكشف عن هويتها أن الهيئة التي شُكلت بأمر من الرئيس السوري في مايو (أيار) الماضي، من أجل تحقيق العدالة الانتقالية وضبط من يثبت تورطه في ارتكاب جرائم بحق الشعب السوري إبان عهد الرئيس السابق بشار الأسد، لا سيما في أعقاب الثورة السورية التي اندلعت عام 2011، اقترحت عدة أسماء رُفعت إلى الرئاسة السورية

ولفتت إلى أن الرئاسة ستتولى الرئاسة مسؤولية وضع التشكيلة النهائية التي سيتم تسميتها عبر إصدار مرسوم رئاسي يحدد القائمة النهائية

لجنة فنية

وحسبما شرحت المصادر، استقبلت لجنة فنية جميع المرشحين المؤهلين للقيام بهذا الدور، من قضاة وعدليين، فاق عددهم المئة شخص، من رجال وسيدات، من جميع الطوائف.

غطاء رئاسي

ومن المقرر أن تعمل الهيئة بناء على غطاء رئاسي، يمنحها ديناميكية ومرونة الحركة، ووضع كل من يثبت تورطه تحت طائلة القانون والعدالة، أياً كان تواجدهم، داخل أو خارج البلاد.

انتقاء بحذر

إلى ذلك، أكدت المصادر أيضاً أن انتقاء الأسماء المرشحة تم بعناية، مع تفادي الانسياق إلى “المحاصصة الطائفية أو الإثنيه”، حتى لا يكون ذلك عرفاً يعتاد عليه الشعب السوري.

رفض المحاصصة

كما شدد على رفض المحاصصة، بالقول: “لا نريد تعميم هذه الفكرة. نؤمن أن التنوع مطلوب. وأن الجميع له حق المشاركة، لكن تركيبة المحاصصة لن تخدم السوريين. هي فكرة سياسية تؤسس لنظام لا يقبل غير هذا النمط. وبالنظر إلى تجارب البعض، فالاستنتاج غير مفيد. إنه أسلوب يمنح الأرضية للاستقواء على الدولة، بل إنه يقوضها ويحد من سلطتها، وهذا لا يتناسب مع سوريا الجديدة التي يتطلع لها الشعب السوري، لذلك اعتمدنا نموذج الكفاءات. نحن نسعى ونهدف لتحقيق المساواة بين الجميع”.

بشار وماهر الأسد

وكان عبد الباسط عبد اللطيف رئيس الهيئة الذي سماه الشرع، أكد في حديث سابق لـ”العربية.نت”، الأسبوع الماضي، فتح جسور تواصل مع “الإنتربول” وجميع الهيئات الدولية المعنية، بهدف ملاحقة الجناة من أسرة الأسد وغيرهم من الهاربين ممن ثبت تورطهم في التنكيل والقتل بحق الشعب السوري.

ملاحقة رموز النظام

وينتظر السوريون خلال أيام، صدور مرسوم من رئاسة الجمهورية لاعتماد أعضاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية التي من شأنها ملاحقة رموز نظام الأسد ممن يثبت عليهم ممارسة الجرائم بحق الشعب السوري.

جبر الضرر

يذكر أنه من صميم عمل الهيئة، جبر ضرر السوريين مادياً، من خلال إنشاء صندوق لتعويض من تعرضوا للضرر، ممن فقد حياته عبر مساعدة ذويه، ومن تعرض للإبادة والإعاقة، ومن دُمر منزله، بالإضافة إلى من تعرض للتعذيب في أقبية سجون نظام الأسد، وكذلك من تم تغييبه قسرياً. ولا يقتصر مفهوم جبر الضرر الذي تنتهجه الهيئة على الدعم المادي، بل يتجاوز إلى المعنوي، من خلال تنفيذ برامج تقوم على الدعم النفسي والاجتماعي، تخلص إلى دمجهم في المجتمع بالاعتماد على تخفيف الآلام التي تعرضوا لها على يد النظام السابق ورموزه.

محاسبة الجميع.. وحزب الله أولاً

وكانت الهيئة قطعت على لسان رئيسها، وعوداً بعزمها على معاقبة كل من يثبت تورطه بالجرائم والانتهاكات والتحريض على الشعب السوري، وتسبب بانتهاكات جسيمة بحق السوريين، بما في ذلك من عمد لتبرير جرائم النظام الأسدي، كمقاتلي حزب الله، والميليشيات التي أوغلت في قتل الشعب السوري، وآخرين من مؤسسات أو رجال أعمال، وجميع أشكال المنتفعين من الأزمة السورية التي دامت أكثر من 14 عاماً، وانتهت بفرار رأس النظام ورموزه.

إصلاح القضاء والأمن

وفقاً لتصريحات عبد اللطيف لـ”العربية.نت”، يتضح أن هذا الكيان العدلي – السياسي -، يضع نصب عينه إصلاح مؤسسة القضاء، وإعادة هيكلتها لما سماه حينها “بما يعتريها من ظلم وفساد”، ولن يتوقف عند هذا الحد بل طال في انتقاده “السجون والمؤسسات العسكرية والأمنية” التي يجب أن تسير وفق ترسيخ حقوق الإنسان، وتجنت بالانتهاكات بحق الشعب، بناء على إرساء القانون والعدالة التي يخضع لها جميع السوريين بعيداً عن طوائفهم وانتماءاتهم الدينية والسياسية.

مشاورات مع الداخل والخارج

فيما استند تشكيل الهيئة إلى لقاءات ومشاورات مع الضحايا المصابين من الشعب السوري، أو ممثليهم، ومنظمات المجتمع المدني، ولم يُغفل في ذات الوقت سماع الرأي للمنظمات الدولية، وطيف واسع من الأكاديميين والحقوقيين والشخصيات الوطنية.

تجارب دولية

كما نظرت الهيئة إلى تجارب دولية عديدة للخروج بصورة نهائية، تؤسس لكيان يمكنه تحقيق العدالة الانتقالية، ومن المفترض أن تشمل جميع أنحاء الجمهورية العربية السورية دون استثناء أو إغفال لطائفة أو فئة أو إثنية عرقية، اعتماداً على أن الجميع يجب أن يمتثل تحت قانون المواطنة الذي تفرضه الدولة على كل مكونات الشعب السور

—————————-

الشبكة السورية”: دفن جثث مستشفى السويداء دون توثيق يهدد بطمس الأدلة وإخفاء هوية القتلة/ محمد كركص

22 يوليو 2025 هارالملخصicon

أعادت مشاهد الجثث التي عُثر عليها داخل مستشفى السويداء الوطني، بعد أيام من انتهاء الاشتباكات بين فصائل محلية وعشائر البدو، الجدل حول الجهة المسؤولة عن عمليات التصفية والدفن غير الموثّق، وسط اتهامات صريحة لمليشيات تابعة للشيخ حكمت الهجري بارتكاب مجزرة داخل المستشفى. التقرير الصادر عن منصة “إيكاد” للتحقيقات، والذي استند إلى تقنيات استخبارات المصادر المفتوحة، كشف تسلسلاً زمنياً يربط بين محاصرة المستشفى من قبل الفصائل المسلحة واقتحامه، وصولاً إلى تصفية من كان بداخله، ثم استعادة قوات الحكومية السورية السيطرة على المبنى واكتشاف الجثث.

وسط هذه التطورات، حذّرت منظمات حقوقية من طمس الأدلة، واعتبرت أن ما جرى لا يمكن التعامل معه باعتباره حادثاً عابراً، بل جريمة يجب أن تُوثّق وفق المعايير الجنائية الدولية.

وفي السياق، قال مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، في حديث لـ”العربي الجديد”: “في الحقيقة، مستشفى السويداء تحوّل إلى ساحة جريمة، وبالتالي، هذه الجثث الموجودة فيه نعم تُدفن، ولكن يجب أن تُوثّق بشكل احترافي ودقيق جداً، وتُصوَّر، ويكون هناك توثيق لها، من حيث أماكن الدفن وكل التفاصيل، لأنه يجب أن تُصوَّر من جهات مختلفة، ومكان وجودها، وما كانت ترتديه، والفيديو والصور من الجهات الأربع، كل واحدة منها، مع الوجه. يعني هناك معايير، لأنها ليست وفيات طبيعية، بل عمليات قتل. فكان من المفترض أن تجري الاستعانة بمؤسسات حقوقية، محلية أو دولية، للقيام بهذا الأمر”.

وأضاف عبد الغني: “وبالتالي، إذا لم يجر التعامل مع مسارح الجريمة بطريقة مدروسة وحساسة، فهذا يعني أن هناك تخوفاً من أن يؤدي ذلك إلى طمس مسارح الجريمة، وهوية الجثث، ومن قام بذلك، وما إلى ذلك من تفاصيل. ولهذا، كان يجب أن يؤخذ هذا الوضع بعين الاعتبار من قبل المجلس العسكري السويدي، باعتباره الجهة التي سيطرت على المستشفى. ولكن، يبدو أن هذا الأمر لم يجر بالطريقة الصحيحة، وبالتالي، نحن نعتقد أن ما حصل يُعد انتهاكاً لمسرح الجريمة، إذ لم يُنفذ بالطريقة التي تحدّثت عنها”.

وكشف تقرير نشرته منصة “إيكاد” للتحقيقات، الأحد، عن تورط فصائل تابعة للشيخ حكمت الهجري في ارتكاب مجزرة داخل مستشفى السويداء الوطني، وذلك باستخدام تقنيات “استخبارات المصادر المفتوحة”. ووفقاً للأدلة التي جمعتها المنصة وجرى تحليلها زمنياً، فإن الفصائل المحسوبة على الهجري قامت بمحاصرة المستشفى الذي كان يضم -بحسب تصريحات صادرة عنها- عناصر من الجيش السوري والأمن العام، قبل أن تقتحمه وتسيطر عليه، معلنة لاحقاً تصفية من كان بداخله. وفي وقت لاحق، استعادت قوات الحكومة السورية السيطرة على المستشفى، لتتكشف معها تفاصيل المجزرة والجثث التي وُجدت داخل المبنى، والتي تضمنت مدنيين، إضافة إلى عناصر من الأمن والجيش.

من جانبه، تحدث الحقوقي عاصم الزعبي لـ”العربي الجديد” عن الإجراءات القانونية الواجبة لإجراء عملية دفن الجثث في مستشفى السويداء الوطني، موضحاً أنه “بالنسبة لما جرى في مستشفى السويداء الوطني، يمكن تقسيم الأمر إلى مرحلتين: الأولى: كان المستشفى يوجد فيه أسرى من البدو والأمن العام، وجرى قتلهم من قبل مليشيا الهجري قبل انسحابهم من المستشفى، وقبل دخول العشائر. أما الثانية: فكانت لاحقاً، حيث وُجدت جثث خارج المستشفى وداخله، وجرى اتهام العشائر والحكومة بقتلهم”.

وأضاف الزعبي: “أي عمليات قتل خارج نطاق القانون، حتى لو كانت ضمن حالة اشتباكات مسلحة، لا بد من الكشف عن الجثث من قبل الحكومة عبر أطباء شرعيين، أو من قبل منظمات مختصة معترف بها دولياً أو محلياً، تقوم بالكشف عن الجثث، وتوثيق سبب وفاة كل شخص، ومكان الإصابة، وهل الإصابة أدت إلى الوفاة، وتحديد ساعة الوفاة، وغير ذلك من النقاط المعتمدة في الطب الشرعي”.

وأكد الزعبي أن دفن جثث القتلى في مستشفى السويداء لم يُراعَ فيه هذه الأمور، لافتاً إلى وجود احتمالين لذلك، وقال: “إما أن الجثث بدأت بالتفسخ ولا توجد طواقم مختصة، وبالفعل كانت مليشيا الهجري قد منعت وزير الصحة والدفاع المدني والوفد الطبي من الدخول للاطلاع عليها، وجرى دفنها منعاً لانتشار الأوبئة، وهذه جريمة بمنع جهة طبية من ممارسة عملها، أو أن مليشيا الهجري تريد إخفاء جرائم قامت بارتكابها، خاصة مع وجود عدد كبير من المفقودين، من أبناء السويداء الدروز، والبدو، ومقاتلي العشائر”.

—————————————

فيديو الإعدام في مستشفى السويداء يحيي نقاشات الانتهاكات وضعف المحاسبة/ حسام رستم

12 اغسطس 2025

أعاد مقطع فيديو انتشر أول من أمس، وأظهر إعدام شاب متطوع مع الكادر الطبي في مستشفى السويداء الوطني، تم التعرف إليه بأنه المهندس محمد بحصاص، على أيدي عناصر يرتدون الزي العسكري السوري، وذلك عند دخول قوات الجيش والأمن المدينة منتصف الشهر الماضي، تساؤلات عن أسباب تكرار هذه الانتهاكات وسبل إيقافها ومحاسبة مرتكبيها.

ويُظهر مقطع الفيديو، الذي التقطته كاميرات المراقبة في مستشفى السويداء الوطني، احتجاز المسلحين عاملين فيه في 16 يوليو/ تموز الماضي، وإطلاق النار على الشاب بعد تعرضه لاعتداء من أحد العناصر ثم دفاعه عن نفسه لينشب عراك بينه وبين العناصر الأمنية قبل تحييده على الأرض، ثم إعدامه ميدانياً، وجر جثته بعيداً عن الطاقم المحتجز. وعبّرت وزارة الداخلية السورية، في بيان على منصة تليغرام أمس الاثنين، عن إدانتها واستنكارها للحادثة، مشيرة إلى أن “سيتم محاسبة الفاعلين وتحويلهم إلى القضاء لينالوا جزاءهم العادل، بغض النظر عن انتماءاتهم”. وقالت إنه بتوجيه من وزير الداخلية أنس خطاب، كُلف اللواء عبد القادر الطحان، المعاون للشؤون الأمنية، بالإشراف المباشر على مجريات التحقيق لضمان الوصول إلى الجناة وتوقيفهم بأسرع وقت ممكن.

فيديو مستشفى السويداء

ورغم هذا الإعلان شكك سوريون بتحقيق العدالة، مستندين في رأيهم إلى تجاوزات حصلت خلال الفترة الماضية، بعضها مصورة على يد قوى أمنية دون أن يعلن عن اعتقال الفاعلين ومحاسبتهم. وقال مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، لـ”العربي الجديد”، إن عملية القتل التي ظهرت في الفيديو “مدانة دون أي تبرير”. وأضاف: “من غير المقبول القول إن بعض العناصر انتقموا لأصدقاء لهم قتلتهم مجموعات تابعة لـ(أحد زعماء الطائفة الدرزية في سورية حكمت) الهجري”. وشدد على أن على الحكومة السورية التحرك، ويجب على وزارة الداخلية تسليم القاتل إلى النائب العام ومحاسبته فوراً، كما يجب فتح تحقيق موسع من قبل لجنة التحقيق الدولية التي تعمل في سورية، والتي أنشأها مجلس حقوق الإنسان، وأن تحقق في كل الانتهاكات التي ارتكبتها جميع الأطراف، سواء كانت من عناصر الأمن الداخلي أو مجلس السويداء العسكري أو المسلحين من البدو والعشائر.

لا قبول للجنة التحقيق

وبين عبد الغني أن لجنة التحقيق الوطنية المشكلة للتحقيق في السويداء “لا تحظى بالقبول والموثوقية من قبل أهالي السويداء. وهذا الرفض المجتمعي الكاسح لها في السويداء، لا يُمكنها من العمل”. ودعا الحكومة للطلب رسمياً من لجنة التحقيق الأممية الدخول إلى السويداء والقيام بتحقيقاتها والتحرك لاعتقال مطلق النار ومحاسبته. ولفت إلى أن الفيديو “الذي سرب، والذي يظهر عنصراً من الأمن الداخلي التابع لوزارة الداخلية يقتل أحد الأشخاص يرتدي زي الكادر الطبي جزء من تسجيلات طويلة لما وقع في مستشفى السويداء الوطني، والجهة المسيطرة عليه، وهي مجلس السويداء العسكري بقيادة الهجري، هي من تتحكم بنشر ما يناسبها من هذه المقاطع”. وأكد أن كاميرات المراقبة سجلت قدراً كبيراً من الانتهاكات والمطلوب الحصول على كل المقاطع المصورة وليس مقاطع معينة فقط. وأضاف أن هناك مؤشرات على عمليات قتل قام بها “مجلس السويداء العسكري”، لا سيما أن هناك جثثاً لمدنيين من البدو وعناصر أمنية أيضاً. ولفت إلى أن القوى المسيطرة في السويداء عبثت بمسرح الجريمة من خلال إزالة الجثث ودفنها دون أي توثيق أو تصوير، أو أخذ عينات، ودون وجود أي جهة مختصة، وهو ما يقوض جهود التحقيق.

وفي 17 يوليو الماضي، أعلنت وزارة الصحة السورية العثور على عشرات الجثث لمدنيين وعناصر أمن داخل المستشفى، وذلك بعد انسحاب ما وصفته بـ”المجموعات الخارجة عن القانون” منه. ولاحقاً، سيطرت فصائل محلية في السويداء على المستشفى. في المقابل، قالت صفحة “السويداء 24” يومها إن الجثث التي عُثر عليها في مستشفى السويداء هي لعناصر من وزارتي الأمن والدفاع لم يكن من الممكن نقلها إلى مستشفيات درعا، متهمة الأمن العام باقتحام المستشفى في 15 يوليو الماضي وإحضار عناصر الأمن الجرحى للعلاج فيه. ودفنت أكثر من 80 جثة مجهولة الهوية في مقابر جماعية بمكان لم يُعلن عنه في 23 الشهر الماضي. وكانت الجثث موجودة في مستشفى السويداء الوطني، وقد دُفنت من دون أي تحقيق رسمي أو إشراف من أي جهة قضائية أو حقوقية.

من جهته، قال الصحافي المتحدر من السويداء نورس عزيز، لـ”العربي الجديد”، إن فيديو الإعدام في المستشفى كان ضمن مئات الفيديوهات التي وثقت جرائم ضد الإنسانية قامت فيها قوات منضوية تحت مظلة حكومية داخل قرى ومدينة السويداء وبتوجيه من “قيادات متشددة”. وأكد أن عشرات الفيديوهات انتشرت لمقاتلين ينتمون لوزارة الدفاع يحملون مقصات ويرتكبون انتهاكات بحق الأهالي. وتساءل: “الحكومة التي شكلت لجنة تحقيق هي نفسها المتهم، فكيف يقوم المتهم بالجناية بلعب دور القاضي أو المحقق؟”. وتابع: “لا يوجد في مجتمع السويداء أي ثقة أو اعتراف بالحكومة، ولا أي شيء يصدر عنها، ولن يُسمح لها بدخول السويداء بحسب ما فهمته من عدة مصادر على الأرض”. ورأى أن السبيل لتحقيق العدالة هو وجود لجنة دولية مستقلة تماماً، ولا يوجد فيها أي ممثل عن الحكومة أو ممثل عن السويداء وأن تكون مستقلة وتستطيع فعلاً الوصول لتوثيق كل الجرائم وتحدد المسؤول الحقيقي عنها.

وحول آليات تحقيق العدالة وسبل وقف الانتهاكات في سورية، قال المحامي غزوان قرنفل، لـ”العربي الجديد”، إن الحكومة السورية “لم تظهر جديتها، ويبدو أنها لا تملك القدرة والإرادة لمحاسبة مرتكبي الجرائم والانتهاكات”. وقال: “هل حاسبت الحكومة أحداً ممن ارتكبوا جرائم في الساحل؟”. ورأى أن الحكومة الحالية لن تسمح بأي لجنة تحقيق سوى لجنتها، لأن سقفها منخفض، ولا تجرؤ على كشف الأمور كما هي في الواقع. وكانت وزارة العدل السورية شكلت، بداية الشهر الحالي، لجنة للتحقيق في أحداث السويداء الأخيرة، وذلك بعد 10 أيام من تسليم لجنة التحقيق الخاصة بأحداث الساحل تقريرها للرئيس أحمد الشرع. وحددت وزارة العدل، في قرارها، مهام لجنة التحقيق في أحداث السويداء الأخيرة، “بكشف الظروف والملابسات التي أدت إلى الأحداث، والتحقيق في الاعتداءات والانتهاكات التي تعرض لها المواطنون، وإحالة من يثبت مشاركته في الاعتداءات والانتهاكات إلى القضاء”.

ضرورة ملحة للمحاسبة

ورأى الخبير القانوني السوري أحمد حاج خليل، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن اعلان الحكومة المتكرر عن لجان تحقيق في كل حادثة تنتشر دون رؤية الناس لمحاسبة حقيقية وعزل قيادات أمنية مسؤولة يضعف ثقة السوريين بهذه الإجراءات ويجعلها تتكرر. وأكد أن الانتهاكات لا تتعلق بالأجهزة الأمنية فقط، فهناك مسلحون في السويداء من مختلف الأطراف ارتكبوا أيضاً انتهاكات واسعة ولا ينبغي للرأي العام التوقف فقط على ما جرى تصويره. ورأى أن هناك ضرورة ملحة لتفعيل المحاسبة من أي شخص يرتكب انتهاكات وعلى الحكومة أن تتحمل مسؤولياتها في هذا الأمر، وأن تدرب قواتها على الالتزام بحقوق الإنسان، وتفصل وتعاقب كل مسيء، مشدداً على ضرورة ضمان حيادية القضاء وعدم تسييسه في مثل هذه القضايا.

وكانت وزارة الداخلية السورية دانت في بيان في 22 يوليو الماضي، ما أظهرته تسجيلات متداولة لتنفيذ إعدامات ميدانية خلال أحداث السويداء، من أشخاص وصفتهم بمجهولي الهوية. واعتبرت أن هذه الأفعال تمثّل “جرائم خطيرة يُعاقب عليها القانون أشد العقوبات”. ومن جانبها، قالت وزارة الدفاع، في بيان، إنها تابعت تقارير حول انتهاكات “صادمة وجسيمة ارتكبتها مجموعة غير معروفة ترتدي الزي العسكري”. وتعهدت باتخاذ “أقصى العقوبات بحق الأفراد المرتكبين للانتهاكات في مدينة السويداء، بعد التعرف إليهم، حتى لو كانوا منتسبين إلى تشكيلات الدفاع”.

وكانت قد انتشرت مقاطع مصورة تداولها نشطاء، تظهر عمليات إعدام ميدانية بحق أشخاص غير مسلحين من جانب أشخاص يشتبه بانتمائهم لقوات الحكومة السورية أو مجموعات عشائرية موالية. وبدأت أحداث السويداء الدامية بعمليات اختطاف متبادلة بين فصائل محلية في السويداء وعشائر من البدو، ما دفع القوات الحكومية للتدخل في 14 يوليو الماضي، والتي تصدت لها الفصائل المحلية بعد ورود أنباء عن انتهاكات من قبل القوات الحكومية. وبحسب تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فقد أسفرت هذه الأحداث عن “مقتل 1013 سورياً، من مدنيين وعسكريين من مختلف الأطراف”.

—————————————

=========================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى