“برّاك العرب”: مندوب سامي في القرن الواحد والعشرين !/ قتيبة الرفاعي

09.08.2025
هبط علينا توماس برّاك السبعيني ذو البزّة الأنيقة وهاتف آيفون 16، حاملاً في تقاسيم وجهه الشرقي ابتسامة استثمارية تُخفي خلفها إعلان نهاية عهد الخرائط، هو “المندوب السامي الأميركي” نسخة الألفية الجديدة، المنقّحة والمعدّلة حسب مقاييس السوق وشبكة الـ 5G.
بعد أكثر من مائة عام على اتّفاقية “سايكس- بيكو”، وبينما لا يزال الطلاب يدرسون خرائط الانتداب الفرنسي والبريطاني في كتب الجغرافيا المدرسية؛ يهبط علينا رجل سبعيني ببزّة أنيقة (لمْ يتسنَّ لنا تحديد دار الأزياء التي صمَّمتها) وهاتف آيفون (لم يكن هناك شكُّ في تحديد أنه 16) حاملاً في تقاسيم وجهه الشرقي ابتسامة استثمارية، تُخفي خلفها إعلان نهاية عهد الخرائط.
توماس إدوارد برّاك، رجلُ الأعمال الشهير، وصديق ترامپ، ومبعوث أميركا إلى سوريا وبلاد الشام. لكنَّه تعريف بحاجة إلى تعديلات عصرية تُحاكي مقتضيات المرحلة التاريخية. إنه المندوب السامي الأميركي، نسخة الألفية الجديدة، المنقّحة والمعدّلة حسب مقاييس السوق، وشبكة الـ 5G.
لم تعد حدود الخرائط – اليوم- مرسومةً بأقلام القرن التاسع عشر، في اجتماعات سرّية داخل أروقة وزارة المستعمرات البريطانية والفرنسية؛ بل صارت حدودها خطوط غاز وشراكات أمن سيبراني، واستثمارات خليجية وتركية وأوروپية… وأميركية طبعاً.
ولم يعد هناك من حاجة إلى تجنيد “لورانس عرب” جديد، مع كلّ عقد طفولته، وشعريّته الحالمة؛ ليقتحم على أهل الصحراء خيامهم، وينشر الثورة باسم العروبة ووعود التحرّر من العثمانيين، قبل أن يسلّم مفاتيحها لـ اللورد ألّنبي؛ بل الحاجة اليوم إلى منصّة Zoom يدير فيها ضابط رفيع من الاستخبارات الاجتماع بأطراف الاتّفاق.
ولن يكون تصريح المندوب السامي الجديد: “إن مستقبل سوريا يجب أن يُصنَع بالتعاون بين تركيا والخليج وأوروپا… وبالطبع نحن”، تدخّلاً في الشأن الداخلي السوري وحسب، بل هو طاولة مستديرة تحيط بها دول الجوار والأوروپيون، بينما سوريا في المنتصف ليست أكثر من “وجبة سناك”، يتلقّفها المجتمعون عند أوّل “بريك”.
في الوقت الذي كان فيه لورانس يناقش أطروحته في التاريخ الكلاسيكي والآثار في جامعة أوكسفورد؛ كان العرب النائمون باستغراق في “الفَيْ” العثماني، يستقبلون أولى الوعود الكاذبة من الإمبراطورية البريطانية: ساعدونا في حربنا ضدّهم وستنالون- بضمانتنا- الحرّية والاستقلال!
هرب لورانس من نشأته الهامشية، وإحساس الدونية والوضاعة الذي لاحق طفولته وسنين شبابِه الأولى؛ هو الذي كان ابناً غير شرعي لخادمة إيرلندية تعمل في منزل أحد نبلاء ويلز، حاملاً معه شغف البطولة والتمرّد، وعشقه للقلاع الصليبية في بلاد الشام، والتحق بمكتب المخابرات البريطانية في القاهرة، فجال في سوريا وفلسطين متنكّراً كباحث أثري، أخفى تحت عباءته العربية المشروع الاستعماري البريطاني، وصار مع الوقت الوجه الإعلاني للثورة العربية الكبرى، مستخدماً لغته الرومانسية، وسرديّته الشرقية، ليقنع العرب- النائمين- أنهم سيقاتلون من أجل دولة موحّدة: “لقد أعطينا العرب كلمات من ذهب، لكنّ أيدينا كانت تكتب الخرائط السرّية في پاريس ولندن”.
وأدرك لاحقاً أنه لم يكن إلا مزيجاً من المثقّف الجاسوس، والفنّان التائه، وواجهة ناعمة لسياسة تقسيم وتفتيت، فكتب: “لقد خدعتهم، كما خدعت نفسي”. كانت تلك الشخصيّة المأساوية التي غدا عليها فعّالة استراتيجياً، ونقلت فكرة المشروع الاستعماري من مجرّد هيمنة عسكرية إلى وهم تحرّري ممسرح.
لقد كان لورانس مشروعاً مركّباً، بطلاً ملحمياً في كتب الغرب، وخديعة لذيذة في عيون العرب، استخدم لغته وشعره وملامحه الشقراء ليلعب دور “الصديق المخلص”، لكنّه لم يكن أكثر من خادم لعيون سايكس وبيكو: “كنت أعرف أنّنا – إذا انتصرنا – لن نحترم الوعود، كنت خائفاً أن أكون خائناً”.
أقنع الشريف حسين وأولاده بالثورة، ثمّ تركهم على قارعة خرائط پاريس منتظرين، تماماً كما نحن اليوم في الداخل السوري (واللبناني ربما) متروكون على قارعة البريد الإلكتروني المرسل من وزارة الخزانة الأميركية، أو كونغرسها.
طور برّاك – أو مشغّلوه- كوفيّة لورانس، واستبدلها بربطة عنق ناعمة، وكما روّج لورانس لوحدة العرب، ثم صمت حين وقّعت بلاده سرّاً اتّفاقية التقسيم؛ فإن برّاك الذي قال يوماً: “إن الغرب فرض خرائط وانتدابات وحدوداً مرسومة بالقلم، وإن سوريا والمنطقة قُسّمت لصالح إمبريالي، وليس للسلم. وهذا خطأ لن نُكرّره”، يقترح اليوم إعادة تشكيل المنطقة كفسيفساء مصالح بواجهات استثمارية؛ محاولاً إقناع العرب – والسوريين على وجه الخصوص- بأنه مختلف عن السياسيين الأميركيين السابقين. فهو مندوب سرّي على هيئة رجل أعمال، يعرض المساعدة في مقابل الولاء، ويقدّم “مناخاً دولياً مناسباً” لمن يلعب وفق قواعد السوق، وقواعد واشنطن.
وكأنّنا به يخطب بنا: “لم آتكم على ظهر بارجة ولا دبابة، ولم أنزل إليكم حاملاً بارودة أو مدفعاً، بل منظومة استقرار موعود، تُدار من “الأپليكيشن” (ويُشيرُ إلى هاتفه الآيفون 16) أعدكم بمستقبل يشبه دالاس، لكن بنكهة مشرقية، تعكس ما يزيد على خمسة آلاف سنة من تاريخ دمشق… (جزء من الترجمة مفقود)”.
وبعد خطبته – وفي الاجتماعات المُغلقة، يفتح ملفاً كُتب على غلافه: “سوريا الجديدة، منصّة الاستثمار الإقليمي الجديد”.
ها قد عدنا يا صلاح الدين ؟
وطأت قدما هنري غورو أرض الشام في الزمن الكلاسيكي للانتداب، مبعوثاً من قِبل فرنسا، ليقصفها قليلاً في الليل؛ قبل أن يُنزل العلم العربي، ولم يتهيّأ للسوريين أسباب الانتباه مجدّداً؛ فغافلتهم الإمبراطورية الفرنسية، وأعلن مندوبها الساميّ “الأوّل” تأسيس “دولة لبنان الكبير”، و”دولة العلويين” في الشمال الغربي، و”دولة الدروز” في الجنوب، فقاوموها، واستفاق الدمشقيون قبل مائة عام من اليوم، ومنشورات تملأ حواريهم، موقّعة باسم “قائد الجيوش الثورية السورية”، قرأوا فيها: “نحن لسنا طائفة منعزلة، نحن أبناء سوريا، ولن نكون أداة لتقسيمها”.
لم يكن الضابط الأرستقراطي مجرّد جنرال حرب في ذلك العهد، بل مهندس تفتيت، ومؤسّساً للمحاصصة الطائفية التي يحاول خطاب العقل السوري- من هنا وهناك- نبذها اليوم، وكان ناقلاً لخطاب “تمدين المشرق” بالقوّة، عبر سرديّات حماية الأقلّيات، تماماً كما اختزلت جملته الشهيرة: “ها قد عدنا يا صلاح الدين!” الانتقام الرمزي والتاريخي، لكن باسم الحضارة.
لا تحمل لهجة برّاك- النسخة الجديدة من المندوب السامي- نبرة الثأر ذاتها، فقد تجاوزت علاقاته جذوره اللبنانية التي أتت سرديّة غورو بدوافع حمايتها، كما تجاوز أجهزة الدولة الأميركية التقليدية، إلى رجل المال والمصالح في الخليج، وربما في إسرائيل أيضاً.
يتسلّل بخفّة إلى الغرف الخلفيّة للمفاوضات، ملوّحاً بخطط إعادة الإعمار، وهو يقترح رسم خارطة جديدة من التحالفات تحت مسمّى “شرق أوسط جديد”.
لقد تمّت صياغة مهمّة “برّاك العرب” بطريقة تجعلها تبدو كأنّها مبادرة شراكة اقتصادية، بينما هي في الجوهر ضبط سياسي، وتحكّم بالأولويات حسب منظور ترامپ. يقدّم نفسه على أنّه “الصوت الواقعي لا الأيديولوجي”، وينسج شبكة علاقاته الإقليمية في تركيا والإمارات والسعودية، وحتى مع قادة الفصائل في شمال شرق سوريا، لا توحي تصريحاته بأنّه يفرض شروطاً، لكنّه – وبشكل عملي- يضع خارطة الطريق لإعادة تشكيل النفوذ الغربي في المنطقة؛ لا عبر الاحتلال المباشر، بل بإرساء المعادلات الداخلية بتمويل من الأطراف الصديقة، دون كُلف تذكر.
تجديد “الخطاب السامي”
كان المندوب السامي يأتي محمولاً على ظهر امبراطورية استعمارية، واليوم يجلس إلى طاولة مع مجموعة من التكنوقراط، طارحاً بيانات بنكية لا عسكرية، حتى وإن ظلّت الوظيفة واحدة: توليف الداخل وفق مصالح الخارج، سواء باسم “الحضارة والتمدّن، وحماية المسيحيين” كما فعل غورو، أو باسم “الوحدة والتحرّر” كما فعل لورانس، أو باسم الاستقرار والازدهار كما يفعل برّاك اليوم.
إن ما تغيّر هو شكل السيطرة لا مضمونها، فلم تعد هناك خرائط ترسم بحبر سميك في غرف لندن وپاريس، بل لوبيّات ترسم سياسات نقدية، ومناخات استثمارية؛ وُضعت ملامحها في واشنطن ودبي والرياض. تبدّلت الأسماء، لكنّ الجوهر ظلّ على حاله: المركز يوزّع المهامّ، والهامش يفاوض على شروط بقائه؛ نحن الهامش. الهامش الذي يعجز اليوم عن تأمين حتى مترجم مؤهّل ينقل لجمهور المسرحيّة مفردات خطبة المندوب السامي الجديد من “خيمة الشعب”، التي سيخرج منها حاملاً مفاتيح صحرائنا “المحرّرة القاحلة”، إلى اللوردات الذين سيدرس أبناء أبنائنا أسماءهم في كتب تاريخ مدارسهم نهاية القرن الحادي والعشرين.
توماس برّاك ليس شخصاً؛ بل هو ظاهرة سمتها الجدّة والعصرنة: تجلٍّ جديد لوظيفة المندوب السامي، التي لم تختف أبداً، بل تطوّرت.
نستعدّ اليوم للعيش تحت انتداب شفّاف؛ لن نراه، لكنّه سيحدّد من يحكم ومن يعاقب، من يموّل ومن يُستبعَد. وإذا كان لورانس قد خدع أجدادنا بشعره وشغفه بالقلاع السورية، وهنري غورو قد خدع آباءنا بالتمدّن والحضارة وحماية الأقلّيات؛ فإن برّاك يحمل معه ذلك الملفّ الغامض الذي يضمّ بين طيّاته أسباب خداعنا المستقبلية كلّها، مع ابتسامة المغترب ذي الجذور المشتركة مع أبناء الأرض.
ويبقى السؤال الضارب أطنابه في عمق مأساتنا: إلى متى سيُمعن الآخرون في خداعنا المفاجئ مع كلّ مندوب سامٍ على رأس كلّ مائة عام؟ وهل سنكتشف قريباً الحقيقة الفجّة: من لا يكتب دستوره بيده، ويخلق شروط وحدته الذاتية، ستُفرَض عليه أشكال “المندوب” جميعها، حسب تبدّل الزمان والظرف؟
وكما كنّا نرفع أعيننا إلى الخيل تحمل “لورانس العرب” وسط رمال الصحراء المادّة ذراعيها للاستباحة؛ وكما كنّا نُشيح بناظرينا – بيأس وعجز- عن مدافع غورو المصوّبة إلى جذور وجودنا؛ نمسك اليوم هواتفهم الذكيّة، بانتظار تغريدة هنا، وخبر عاجل هناك: مندوب جديد، وخرائط لا كالخرائط، وكذبة نبيلة تليق بزمن الشراكة الاستثمارية!،اللعبة ذاتها… بثيمة أخّاذة، وهوّية بصرية full HD.
– كاتب وصحافي سوري
درج



