
2025.08.12
ماذا لو تركنا التحليل السياسي النقدي والبحثي الأكاديمي البارد رقمياً وفكرياً قليلاً؟ ماذا لو أطلقنا عنان الخيال للحظات وتركنا حناجرنا تصرخ على ملء صدورنا من قهر! ماذا لو خرجنا عن مألوف القول والتحليل وتوقفنا عند نماذج قهرنا المتمددة لليوم، أجل لليوم! فنحن كنا ولا زلنا ننشد ونعمل للحرية والتحرر، لكن مسار الهدم والموت القهري الجزافي يعلن أنه ذاكرة جمعية وعمل يتكرر في حياة الشعوب كما قرأناه في كتب التاريخ، ويبدو أن فرصة للنجاة لا تُرجى بعد.
لم يعد يذهلني أن كل ما كتبناه وقدمناه تحليلاً ونقداً وتصويباً لم يلقَ آذاناً صاغية، فالقصة قصة موت ومسار نفسي قهري بات ثقافياً لا يمكن لأدوات التحليل السياسي والفكري الإلمام به! وهذا ما عاشته شعوب قبلنا حين أدركت أن ثقافة الموت لا تجلب إلا الموت، ولا تكفيها أدوات السياسة لحلها طالما أن ثقافة الموت هي المهيمنة!
فلنحطم العقل، هكذا كتب جورج لوكاش بعد الحرب العالمية الثانية، ولنخرج من جلودنا المصنَّعة سلفاً من تيبُّسنا العقائدي، ولنعش حياة الدادائيين وفنون السريالية الخارجة عن كل مألوف، ولنبحث في مكامن النفس البشرية كما فعل فرويد وفيلهلم رايش وغوستاف لوبون. فما يجري في سوريا اليوم هو إعلان فصيح عن استمرار ثقافة الموت، لا يمكن تجميلها أو نكرانها، ولا تكفيها أدواتنا التحليلية السياسية مهما كانت متقدمة وحديثة في تفسيرها وإيجاد حلول لها.
وأنا أراجع بضعاً من مدوَّنات لم أنشرها، يوم كان أطفال الغوطة وحلب يتعرضون للموت الجزافي، يصدمني أن ذات المشاهد تتكرر، وليت الرصاصات التي مرت أمامي لم تخطئني حتى لا أقع في فجوة الزمن هذه. فزمن الفاجعة في تاريخنا القريب تلاه وجداننا وشهادتنا وحضورنا في موقع الحقيقة التي عشناها.
واليوم، وجداننا هو المصاب بالطعنات في صفائه، عذاباته، صعقاته المتتالية، والمقارنة تفقدنا التوازن: فليت الله وملائكته نظروا في أعينهم، وحاول ممتهنو القول الموزون شعراً وأدباً وسيل فرضيات نظرية وأداليج، ليتهم توقفوا على أطلالهم لحظة! ماذا لو سُمعت أصواتهم وشوهدت صورهم؟ ماذا لو مرّوا على أحلامهم تعزف على أوتار الكون، وتسيل نهراً من أنهار الأرض، لتنبت أزهار الربيع البري؟ كانوا أطفالاً وشباباً وجيلاً بأكمله لكنه اختفى… يا ليته كان كابوساً ينقضي بانقضاء ليله؛ عتمته كانت حقيقة، حقيقة وحاضر أمة وعصر شهد على مستقبل يُباد، على طفل ظل يردد “أمانة عيوني” وآخر “يا بابا شيلني” حين قطعت قذيفة قدميه، وآخر يموت واقفاً بصعقة كيماوية، وتظنه لعباً أو دلعاً، لكنهم كانوا ضحايا الموت الحرام، وكانوا قطاراً من النجوم نحو الكون. كانوا يبحثون عن موقع لوجودهم الغض، لحلمهم الصغير، أطفالاً تلعب وتلهو، تدرس وتشاغب، يناجون بعضهم ضحكاً ومرحاً، فتصل ضحكاتهم أعناق السماء فيبسم الله على حُسن صنعته، وفجأة تقطفهم آلة الحرب وثقافة الموت.
وتقارير الأمم تقول إن عشرات آلاف الأطفال قضوا بين معتقل وقتيل، ومليون طفل سوري يتيم، ومثلهم معاق، ومليونين وربع بلا تعليم.
هكذا تكلمت قلوبنا وهكذا عشنا زمن الفاجعة! وهكذا يتكرر المشهد اليوم في السويداء وكأنه يحدث تماماً في الغوطة، في داريا، في حلب، في درعا والدير لسنوات خلت، واليوم يتكرر المشهد في السويداء. وكأن يوم 8/12/2024 لم يحدث أي أثر فينا بعد! ويبدو أن امتهان ثقافة الموت هو إعلان فصيح عن موت ثقافة الحياة، ويا لرعب هذه النتيجة!
البحث في الأسباب السياسية وصراع مشاريع التنافس على السلطة والحكم والنفوذ بات فعلاً دون مستوى الحدث، وربما متأخراً عنه! والسبب في هذا بسيط جداً ويتعلق بالتحليل النفسي للرغبات الجامحة في السيطرة والهيمنة وإزاحة الآخر، ليس سياسياً وحسب، بل وجودياً وحياتياً! وسيكون مريحاً الاكتفاء بتحليلات جاهزة ومصنَّعة سلفاً، وكل فريق يحمّل الطرف الآخر مسؤولية ما يجري، ولكن من دون الوصول إلى نتيجة سوى المزيد من التحليلات والتأويلات والتفاسير وتعميق الجراح الشعبية والأهلية والوطنية، وليس ذلك فقط، بل ازدياد فاتورة الموت وتمدد ثقافتها! وأعلم تماماً أن كل جهة اليوم تريدك أن تصطف بجانبها وتلعن الطرف الآخر، وإلا لعنتك بذاتك ووجهت إليك سيل تهم الخيانة ذاتها!
ليس عجباً، فأمام حرمة الدم وصرخات الطفولة والأمهات الثكلى والقرى المحروقة وقد تجاوزت الثلاثين، وسيل الضحايا والمفقودين، ليس عجباً أن تنحاز لإنسانيتك وترفض كل ثقافة الموت هذه أياً كانت أسبابها ومبررات حدوثها الجزافية. فكما كان الانتصار لحق الشباب والأطفال والأمهات السوريات أياً كان انتماؤهم العرقي أو الديني، والوقوف في وجه قاتليهم ومشرّديهم حقاً إنسانياً ووطنياً دفعنا ثمنه أمام مطرقة الاستبداد سنوات عجاف طويلة، فإن الوقوف اليوم مع مظالم الناس في السويداء حق إنساني وواجب وطني، ولا يعني أبداً أنك طائفي أو منغلق أو تعلن قطيعتك المزعومة مع السوريين! ويا لقهرنا المتوالد حين نكتشف حقيقة أن تصنيفنا قبائل ومللاً متناحرة لم تُنجز بعد موقعها النفسي والثقافي المتوازن تجاه حق الحياة والمشاركة والتوافق! وإن كانت حقيقة سياسية، فلماذا لم نسعَ لتجاوزها؟ لماذا لم نفتح جراحنا بالحوار والكلمة؟ لماذا لم نواجه ثقافة الموت هذه بلغة الحياة؟ لماذا لم نعمل على تعافينا النفسي والإنساني قبل البحث في تعافينا السياسي والاقتصادي والدولي، متعامين عن لعنة الموت المتحركة في النفوس؟
أجل، ثمّة ثقافة للموت لا يمكن أن تعالجها السياسة منفردة، بل إن السياسة هي إحدى أهم مغذياتها. فحجم القهر النفسي الذي عايشه السوريون لسنوات من قتل وتدمير وتشريد، وكل ما يفوق الوصف في انهدام القيم الإنسانية، للأسف كان السبب الرئيسي لنمو ثقافة الموت هذه بكل تفرعاتها. وأهم سماتها: الكراهية، رغبات الانتقام الجامحة، التشفي النفسي، وتحليل لغة القتل الجاهلية وحروب القبائل وداحس والغبراء وناقة البسوس. وهذا ما يجب طرق ناقوس خطره العمومي، فرقعة الموت ذاتها تتسع باتساع ثقافتها ذاتها.
كما النباتات والأشجار كنا وكانوا في رحلة التطاول نحو الشمس، النور والحياة أول الربيع. وآلة السحق البشري لم تتوقف، تعمل في جذوعنا وجذورنا، حرائقاً وموتاً جماعياً، تهجيراً وشتاتاً، باصاً يتلوه باص! وزلزال العنف يهدر في أرضنا، يحطّب أغصان أشجارنا وهي تحاول التبرعم والانعقاد ثمراً، وتنتشر في كل أصقاع البسيطة، على البعد، رائحة الشواء. وتتكرر تقارير الموت في المعتقلات والمختفين قسراً وأعداد الملايين الثلاثة عشر وما يزيد، وأخبار حفرة التضامن وشاهد كوبلنز، ولكن يتبدل المكان اليوم ويصبح السويداء، ويردد الطفل في صدورنا: ألم نكتفِ بعد!
اليوم أكرر اللحن ذاته، ويا لقهرنا الموصوف، فأنا على ظلي، فإذا مالت شمسي وأخذ العمر في الغروب تطاول الظل وباتت الكتابة غمراً: هي ثورة، والثورة لحظة رفض كبرى، واللحظة زمن يمتد ما فتئت تتسع لألف من المتغيرات، وكانت اتساعاً شعبياً، لكنها باتت أسيرة انكشاف عرينا الملّي والنحلي والطائفي، وسياسات النفي والبغي والنهي والأمر، وأخشى أن الموت بات ثقافة تبتلعنا، وكأن ذواتنا الحرة قطاةً وقعت في أشراك الأشواك والرماح من كل أصناف المكر والعهر السياسي والهرم الأيديولوجي… وكأننا اخترنا الموت بأيدينا، رغم أننا أردنا الحياة ثقافة، والسلام درباً! ويبدو أن ثقافة الموت مرجَّحة لليوم ما لم تقل الضحايا ذاتها: كفى تكراراً، وكفى بحثاً عن ضحايا غيرنا، فجميعنا ضحايا ثقافة الموت وعهر السياسة.



