تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

عن القضاء في سوريا

ماذا بقي من قضاء نظام الأسد في سوريا الجديدة؟/ سلطان الإبراهيم

الرئيس السوري أحمد الشرع أحال مؤخراً عشرات القضاة في النظام السابق إلى التحقيق

2025-08-09

تمثّل إعادة إصلاح وترميم النظام القضائي في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، أحد أبرز الملفات الإشكالية في الدولة السورية الجديدة، على اعتبار أن السلطة القضائية واحدة من السلطات الثلاث الأساسية بالبلاد إلى جانب التنفيذية والتشريعية، وتنظيمها وهيكليتيها تنساق على ملفات ومؤسسات أخرى أساسية وشائكة، كالعدالة الانتقالية ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات وصولاً إلى تطبيق سلطة القانون، وسط تقارير عن فساد كبير كانت تشهده هذه السلطة خلال عهد النظام المخلوع.

انتهاكات وفساد

ومن بين أبرز التحديات التي تواجه السلطة القضائية وإعادة تشكيلها بما يضمن سلطة القانون، إرث النظام السابق والانتشار الأفقي الكبير لقضاة محسوبين على النظام أو مقربين منه، واتهام كثيرين منهم بالضلوع في انتهاكات ارتكبت على مدى سنوات الأزمة عبر إصدار قرارات بناءً على أهداف سياسية وتتماهى مع توجهات السلطة.

وتحدثت تقارير عن أن وزارة العدل ركزت جهودها باتجاه إرضاء الأجهزة الأمنية بدلاً من السعي لضمان سير العمل القضائي، إلى جانب الفساد الكبير الذي فرضته بنية المؤسسات والأزمة الاقتصادية خلال سنوات الحرب، ما يجعل محاولات إعادة السلطة القضائية إلى مسارها الصحيح تتطلب جهوداً مضاعفة وتجاوز عقبات كبيرة.

إحالة قضاة للتحقيق

ومنتصف حزيران/ يونيو الماضي، أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع مرسوماً رئاسياً، أحال بموجبه 20 قاضياً إلى مجلس القضاء الأعلى لمحاكمتهم على الأخطاء والمخالفات القانونية المنسوبة إليهم، نظراً لورود أسمائهم في تقرير إدارة التفتيش القضائي رقم 72 لعام 2025، وبناءً على أحكام قانون السلطة القضائية الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 98 لعام 1961، وأحكام قانون الموظفين الأساسي، وكان من بين الأسماء المحالة للتحقيق القاضية كندا، ابنة الأمين القطري المساعد لـ”حزب البعث” في عهد النظام المخلوع محمد سعيد بخيتان.

وأفادت تقارير إعلامية، أن القضاة الـ20 المحالين للمحاكمة أمام مجلس القضاء الأعلى عملوا في محاكم القضاء المدني والقضاء الجزائي، ولم يعملوا في محاكم الإرهاب ولا القضاء العسكري، وأن التهم المنسوبة لهؤلاء القضاة الذين عملوا في عهد النظام المخلوع تتعلق بالفساد وتلقي الرشى وارتكاب تجاوزات ومخالفات قانونية.

كما أصدر الشرع في اليوم ذاته، مرسوماً آخر عزل بموجبه 67 قاضياً وتصفية حقوقهم وفقاً للقوانين والأنظمة النافذة، وهم القضاة الذين سبق لهم العمل في محاكم قضايا “الإرهاب” الملغاة، وسبق ذلك إصدار وزارة العدل السورية قراراً بـ”كف يد” 10 قضاة استناداً لقرار صادر عن مجلس القضاء الأعلى.

وفي مقابل ذلك، أصدر الرئيس السوري مطلع يونيو الماضي، مرسوماً قضى بطي مراسيم العزل والقرارات بحكم المستقيل بحق عدد من القضاة، وإعادتهم إلى العمل القضائي، وشمل المرسوم 63 قاضياً من المعزولين في الفترة بين 2017 و 2019، على أن يباشروا عملهم خلال شهر واحد من تاريخ صدور المرسوم، فيما قالت وزارة العدل إن المرسوم يشمل فقط القضاة المنشقين عن النظام المخلوع، معتبرةً أن “الخطوة مهمة في مسار الإصلاح القضائي، وإنصاف القضاة الذين تعرضوا للإقصاء، وتعكس حرص الدولة على إعادة الثقة بالمؤسسة القضائية وتعزيز العدالة”.

وينظر إلى هذه الإجراءات على أنها محاولة لإعادة إصلاح النظام القضائي في ظل التقارير المؤكدة عن الفساد المستشري في المؤسسة القضائية، لكن هذه الخطوات اعتبرت أيضاً غير مبنية على تحقيقات كاملة وشفافة، ولم يتم إفساح الوقت والمجال للتأكد من ضلوع بعضهم في إصدار أحكام على أسس سياسية وليست قضائية، أو ضلوعهم في عمليات فساد ورشى، ما يجعل وضع خطة لإعادة بناء هذا النظام الأساسي شرطاً مهماً وأساسياً لبناء الدولة.

محاولات للإصلاح

يقول المحامي السوري والمدير التنفيذي لمنظمة “عائلات للحقيقة والعدالة” أنس دللو المقيم في تركيا، إنه “لا يمكن الجزم بشكل قاطع بكيفية إدارة السلطة القضائية في سوريا بعد سقوط النظام، لكن النقاشات والمقترحات تدور حول فكرة الإصلاح الشامل للمنظومة، وإعادة هيكلتها، وتحديد مصير القضاة الحاليين على أساس مهني وقانوني، مع الأخذ في الاعتبار أهمية العدالة الانتقالية”.

ويشدد خلال تصريحات لـ”963+”، على أن “السلطة القضائية تعتبر منقسمة ومسيسة، وفقدت ثقة المجتمع بها بسبب سنوات من التوظيف الأمني وتدخلات أطراف النزاع، ما حولها إلى أداة للقمع، لذلك فإن بناء دولة مستقرة يتطلب إصلاحاً جذرياً لهذه المؤسسة”.

ويؤكد على أن “التعامل مع القضاة الحاليين يجب أن يتم عبر عملية فرز وتدقيق شاملة وشفافة تقوم على معايير موضوعية، ومن الضروري التمييز بين القضاة المتورطين بشكل مباشر في إصدار أحكام جائرة أو أعمال فساد، والقضاة الأكفاء الذين حافظوا على استقلاليتهم المهنية، وهذا يتطلب إعادة بناء القضاء على أسس سليمة، مع توفير برامج إعادة تأهيل للقضاة لتعزيز حيادهم واستقلاليتهم”.

ماهي الإجراءات المطلوبة؟

وتؤكد الخبيرة في القانون الجنائي الدولي المحامية ديالا شحادة المقيمة بالعاصمة اللبنانية بيروت، أن “إصلاح القضاء جزء لا يتجزأ من العدالة الانتقالية في الدول التي تخرج من حالة الحرب، وهذا لا يتحقق بعزل القضاة جميعاً الذين كانوا على عهد النظام السابق، وعليه فإن الأساس يمكن أن يبدأ من إعادة النظر بالقانون المتعلق بالقضاء العدلي، من حيث دخول القضاة إلى معهد القضاء ونجاحهم ومعايير العدل، أي تشريع النظام العدلي”.

وتقول في تصريحات لـ”963+”، إن “القضاة الذين جعلهم ارتباطهم بالنظام السابق أن يكونوا فاسدين، وأصدروا أحكاماً حسب مرجعيتهم السياسية أو الأمنية أو تأثير أصحاب النفوذ وليس حسب القانون، يجب إزاحتهم من مناصبهم وفق إجراء قانوني وإخضاعهم لمجلس تأديب ومحاكمة ومنحهم جميع الحقوق للدفاع عن أنفسهم، أما من ثبت عليهم تهم فساد فيمكن إزاحتهم إلى مناصب أخرى غير قضائية مثل مستشار في وزارة العدل أو إحدى المؤسسات الأخرى، ومن يتم تعيينهم محلهم لا يكفي أن يكونوا يدينوا بالولاء للسلطة الجديدة، بل بعدلهم ونزاهتهم”.

وكشفت تقارير صادرة عن وزارة العدل السورية الجديدة بعد سقوط النظام، أن القضاء في عهد النظام شهد انتهاكات جسيمة لحقوق المواطنين، إلى جانب إزاحة أو نقل قضاة رفضوا تنفيذ أوامر لوزير العدل مبنية على مرجعيات سياسية وليست قضائية، إلى جانب الفساد في نقابة المحامين التي كانت تدار بشكل كامل من “حزب البعث” والأفرع الأمنية، وإجراء انتخاباتها عبر ما يسمى “الاستئناس الحزبي”، ومن أوجه الفساد التي كانت منتشرة دعاوى تثبيت بيع العقارات الإقرارية، حيث يلجأ الطرفان إلى المحكمة لإنجاز عملية البيع، ثم تنفيذ الحكم لدى مديرية المصالح العقارية لتسجيل البيع، لتجنب الحوالة البنكية المطلوبة، وهي عملية مرهقة ومكلفة”.

ورغم أن العديد من القضاة العاملين في عهد النظام المخلوع ما زالوا يمارسون مهامهم في وزارة العدل والقصر العدلي وعدد من المحاكم، إلا أن تقارير تؤكد أن عددهم تقلص بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة، خاصةً أولئك المرتبطين بمحاكم الإرهاب أو الذين عملوا خارج ملاك الوزارة وكانوا مندوبين لشغل مناصب في “حزب البعث” ومجلس الشعب، في مقابل إعادة عدد من القضاة المنشقين طوعاً، أو الذين اختاروا الذهاب للعمل في مناطق فصائل المعارضة قبل سقوط النظام.

عدم توفر البدائل

ويعتبر دللو، أن “صرف الجهاز القضائي وعزله بأكمله كما يطالب البعض، بحجة أنهم يمثلون مرحلة مظلمة من تاريخ سوريا، ستكون له عواقب وخيمة على الوضع في البلد، في ظل عدم توفر بديل جاهز يؤمّن استمرار المحاكم في عملها، مما سيؤدي إلى انهيار المنظومة القضائية، خاصة في ظل نقص القضاة وضعف البنية التحتية للمحاكم، وصعوبة تجهيز وإعداد قضاة جدد، ويتم ذلك بتجاوز إشكالية محاسبة القضاة غير الفاسدين وإجراء عملية فرز شفافة من قبل هيئة مستقلة غير سياسية، وأن تستند إلى معايير موضوعية، وبدلاً من العزل الجماعي يمكن تطبيق درجات مختلفة من المساءلة، مثل المحاسبة الجنائية والعزل الإداري لمن خضعوا للضغوط، وإعادة تأهيل من لم يثبت تورطهم بالفساد”.

يشار إلى أن الرئيس السوري أحمد الشرع، كان قد وافق في آذار/ مارس الماضي، على الإعلان الدستوري، الذ تضمّن في أحد بنوده أن السلطة القضائية مستقلة ولا سلطان على القضاة إلا للقانون وبالقانون، كما فصل الإعلان بين القضاء العادي والقضاء الإداري، إذ يشرف مجلس القضاء الأعلى على القضاء العادي والعسكري، بينما يتولى مجلس الدولة الإداري منه، وهو هيئة قضائية واستشارية مستقلة.

+963

—————————-

 استقلالية القضاء في سوريا.. بين إرث النظام المخلوع وتحديات المرحلة/ عمار زيدان   

إصلاح القضاء السوري: ضرورة في ظل إرث الفساد وسيطرة الأجهزة الأمنية

عمار زيدان      

2025-08-11

بين إرث النظام المخلوع وتحديات المرحلة الانتقالية مازال جهاز القضاء في سوريا يمر بمرحلة بالغة الحساسية والصعوبة بعد عدة أشهر على انهيار نظام الأسد. فالنظام القضائي في أي بلد يشكل الضمان الرئيسي للمسار السياسي والانتقال الديموقراطي وخطوة نحو إقامة مشروع وطني لإعادة بناء مؤسسات الدولة التي تحولت في سوريا خلال العقود الماضية إلى أداة بيد السلطة الحاكمة وهيمنة الأجهزة الأمنية.

وأكدت الأحداث والتطورات التي وقعت في سوريا خلال الأشهر الماضية على أهمية وضرورة إيجاد نظام قضائي مستقل ونزيه يحافظ على سيادة القانون ويحمي حقوق الموطنين بعيداً عن عمليات الضغط والتضييق التي كانت تمارس على هذا الجهاز سابقاً مما يؤثر على أدائه بشكل سلبي ويغذي عمليات الفساد المتفشي إلى حد كبير في هذا الجهاز الحيوي.

ويقول المحامي مالك المحمد لـ “963+”، إن “عملية إصلاح القضاء في سوريا تحتاج إلى جهود كبيرة من قبل الحكومة وفترة زمنية قد تمتد لسنوات عدة خاصة أن هذا الجهاز كان مغيباً ومعطلاً في فترة النظام المخلوع وكافة القرارات الصادرة عنه تتدخل بها الأجهزة الأمنية ناهيك عن قضايا الفساد والتي يعلم عنها كافة السوريين”.

ويضيف المحمد، من “الضروري خلال المرحلة الحالية أن يكون للسلطة القضائية صلاحيات واسعة وأن لاتكون خاضعة فعلياً للسلطة التنفيذية كما كان الحال في عهد النظام المخلوع إلى جانب رفد هذا الجهاز بالكوادر المناسبة وذوي الخبرة مع عزل الفاسدين ومنح نقابة المحامين ومنظمات المجتمع المدني دوراً في مراقبة أداء القضاء مع توفير رواتب عادلة للقضاة لضمان استقلاليتهم، وتقليل احتمالية وقوعهم في الفساد بسبب الضغوط المادية، ومنحهم امتيازات قانونية”.

وفي كانون الثاني / يناير الفائت، أعلنت وزارة العدل السورية عن عزل جميع القضاة الذين عملوا خارج ملاك الوزارة، وكانوا مندوبين لشغل مناصب في “حزب البعث” ومجلس الشعب.

 وكان ترتيب سوريا على مؤشر الفساد العالمي في عام 2010 بالمرتبة 124 من أصل 180 دولة، لكن سرعان ما تفاقمت الظاهرة بعد عام 2011 حيث انتشرت المحسوبيات والرشاوى وتضليل المعلومات وفقًا لتحليل صادر عن مركز الحوار السوري عام2024. وأشارت المفوضية السامية لحقوق الإنسان إلى أن الفساد يؤثر بشكل مباشر على حقوق الإنسان كونه يعوق توفير الخدمات الأساسية ويقوض شرعية المؤسسات ما يؤدي إلى تفكيك ثقة المجتمع بالدولة وقدرتها على تحقيق العدالة والتنمية.

بدوره، يؤكد الناشط الحقوقي فضل عباس أن “السوريون بحاجة اليوم إلى إصلاح شامل لكافة مؤسسات الدولة وفي مقدمتها القضاء وأن يقوم هذا الإصلاح على خطة مدروسة تضمن استمرارية عمل هذا الجهاز وفي الوقت نفسه تسيير أمور المواطنين مع تفعيل سلطة القانون عبر القضاء لا عن طريق الفوضى”.

ويقترح عباس في تصريحات لـ “963+” إنشاء هيئة رقابية مستقلة مهمتها إجراء تقييم للقضاة الحاليين خاصة ولكافة العاملين في السلك القضائي بشكل عام بالإضافة إلى مراجعة مدى نجاعة القوانين المستخدمة سابقاً وإمكانية تحديثها بما يتلائم مع الوضع الحالي الذي اعتبره بالغ الحساسية فالفترة الراهنة تحتاج إلى سريان حكم القانون على الجميع وضبط كافة الأعمال والانتهاكات من أي مؤسسة أو فرد لضمان السلم الأهلي بالدرجة الأولى وفرض حكم القانون فقط”.

ويُعد جهاز القضاء في أي دولة ركيزة أساسية لضمان سيادة القانون وتحقيق العدالة، إلا أن تجربة القضاء في سوريا تحت نظام الأسد السابق شهدت تحكمًا شديدًا من قبل السلطة التنفيذية، مما قيد استقلاليته وأضعف من دوره الحيوي في حماية حقوق المواطنين.

وخلال عقود حكم النظام المخلوع، كان القضاء في سوريا في الغالب تابعًا للسلطة التنفيذية، حيث فرضت الأجهزة الأمنية والسلطات السياسية تأثيرها المباشر على قرارات المحاكم. وقد تجلى هذا التداخل في العديد من الحالات التي شهدت تدخلًا مباشراً من الأجهزة الأمنية في سير العدالة، لا سيما في القضايا ذات الطابع السياسي، حيث تم استخدام القضاء كأداة لقمع المعارضين وإسكات الأصوات المنتقدة.

وأسفر هذا الوضع عن فقدان مصداقية الجهاز القضائي في أوساط السوريين، الذين رأوا أن القضاء لا يمارس مهامه بحيادية، بل يخضع للضغوط السياسية والمصالح الحزبية. هذا التداخل العميق بين السلطة القضائية والتنفيذية أدى إلى تراجع ثقة المواطنين في مؤسسات العدالة، حيث باتت تحكمهم قرارات غير عادلة وأحكام متحيزة، ما أضعف مكانة القضاء كمؤسسة وطنية حامية للحقوق والقانون.

ويأتي هذا الإرث القضائي في سوريا كعقبة كبيرة أمام المرحلة الانتقالية الحالية التي تسعى إلى بناء دولة القانون والمؤسسات، حيث تبرز الحاجة الملحة إلى إصلاح القضاء وتحريره من هيمنة الأجهزة السياسية والأمنية، لضمان استقلاله ونزاهته بما يضمن حماية حقوق المواطنين وتعزيز سيادة القانون.

—————————–

====================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى