منوعات

كيف نسج أولادُ الجبلِ الهويةَ الدمشقية بالحب؟/ آلاء عامر

12 اغسطس 2025

سلطان باشا الأطرش، ناجي جبر، محمود جبر، وأبناؤهما، أسمهان وفريد الأطرش، فهد بلّان، وعشرات ومئات غيرهم من أبناء الجبل. كانوا صنّاعاً للهوية السورية، ومساهمين في هوية عاصمتها.

في نسيج الهوية الدمشقية، هناك خيوط إذا فُكّت انهارت معها الحكاية الشريرة كلها. من بين تلك الخيوط المتينة، التي حيكت عبر عقود من الدم والثورة والحب والفن والموسيقى، تمتد خيوط دمشقية درزية لا يمكن فصلها.

خيوط نسجت علاقة وجدانية وعميقة بين أهل الشام وأبناء السويداء وجرمانا وصحنايا، حيث لم يكن الدروز للدمشقيين مجرّد جيران أو أبناء طائفة، بل شركاء في تشكيل الذاكرة، ومؤرخين للهجة، ومقاتلين في الساحات، وفنانين علقوا في الروح.

حين اشتعلت الثورة السورية الكبرى عام 1925، لم يكن جبل العرب وحده من هبّ، بل كانت دمشق أول من قال “نعم” لنداء سلطان باشا الأطرش. لم يرَ الدمشقيون فيه زعيم جبل، بل قائد وطن. فتحوا له أبوابهم، وطبعوا المنشورات، وخبّأوا الثوار، وكتبوا على جدران مدينتهم: “عاش سلطان باشا قائد الثورة السورية”.

أصدر سلطان باشا الأطرش بيان الثورة الشهير في 21 يوليو/ تموز وقال فيه: “أيها العرب السوريون: تذكّروا أجدادكم وتاريخكم وشهداءكم وشرفكم القومي، تذكّروا أن يد الله مع الجماعة، وأن إرادة الشعب من إرادة الله، وأن الأمم المتمدّنة الناهضة لن تنالها يد البغي، لقد نهب المستعمرون أموالنا واستأثروا بمنافع بلادنا، وأقاموا الحواجز الضارّة بين وطننا الواحد، وقسمونا إلى شعوب وطوائف ودويلات، وحالوا بيننا وبين حرّية الدين والفكر والضمير وحرّية التجارة والسفر حتى في بلادنا وأقاليمنا. إلى السلاح، أيها الوطنيون، إلى السلاح، تحقيقاً لأماني البلاد، إلى السلاح، تأييداً لسيادة الشعب وحرّية الأمة، إلى السلاح بعدما سلب الأجنبي حقوقكم واستعبد بلادكم ونقض عهودكم، ولم يحافظ على شرف الوعود الرسمية، وتناسى الأماني القومية”.

انطلقت الثورة من السويداء إلى صلخد والكفر، ثم إلى قرية المزرعة التي شكّلت معركة فاصلة، ثم امتدت الثورة نحو الغوطة ودمشق، حيث قاتل الدمشقيون إلى جانب أبناء الجبل في المليحة، ويلدا، وببيلا، والنبك، وغيرها. ومن بين أولئك الذين انضموا إلى القتال في صفوف الثورة من دمشق، كان جدّي المجاهد الدمشقي محمد محسن عامر ابن حي العمارة، الذي قاتل في الغوطة تحت راية سلطان باشا الأطرش، تأكيداً على التحام الجبل بالعاصمة.

كان لحزب الشعب بقيادة شخصيات دمشقية، مثل عبد الرحمن الشهبندر وتوفيق الحلبي وأسعد البكري، دور أساسي في التنسيق مع سلطان باشا، وقد ذهب وفد من الحزب لمقابلته في كفر اللحف للاتفاق على خطّة لمهاجمة الفرنسيين في دمشق. ورغم تعذر تنفيذ الهجوم نتيجة احتشاد الجنود الفرنسيين المدجّجين في دمشق، إلا أن هذا التنسيق كان تتويجاً لعلاقة نضالية تاريخية بين الجبل والشام.

هذه ليست مجرد صفحة من تاريخ الثورة السورية الكبرى، بل قصة وطن تجاوز أبناؤه اختلافاتهم، ليصبحوا درعاً واحداً يحمي سورية؛ الأرض التي لطالما احتضنت الجميع والتي أثبتت دوماً قدرتها على التغنّي بتنوّع أبنائها.

أبو عنتر… القبضاي الشامي بروح جبلية بملامحه القاسية وصوته الأجش، دخل ناجي جبر بيوت السوريين من أوسع أبوابها بدور القبضاي الشامي “أبو عنتر”.

لكن ما لا يعرفه كثيرون أن هذا الوجه الشامي حتى العظم هو ابن السويداء، ابن الجبل، الذي حمل لهجة الشام في فمه كأنها وُلدت فيه، وجعل من شخصية “القبضاي” صورة جامعة بين حارات دمشق وحجارة الجبل. لم يكن أبو عنتر مجرّد شخصية فكاهية، بل جزءاً من الهوية الدمشقية، فجمل أبو عنتر الشهيرة مثل: “يا باطل”، “مالا فكاهة”، “بري عليك”، و”بيتزنزل بدني” بقيت خالدة في الذاكرة الدمشقية وصوره ما زالت تزيّن مقاهي في دمشق القديمة.

أسمهان.. الأميرة التي آنس صوتها سهرات الدمشقيين

وُلدت أسمهان في جبل العرب، وماتت في مصر، لكن صوتها كان يُقيم في دمشق. عندما كانت تغنّي كانت تفتح نوافذ البيوت، وتُطفأ الأنوار، ويجلس الدمشقيون أمام الراديو.

في وقتٍ كانت فيه المرأة تُحاصَر بالصمت والقيود، شقّ صوت أسمهان طريقه كالسهم، غنّت للحب، للموت، للحرية، وتحولت من أميرة سوريّة إلى نجمة عربية. ولم يكن سحرها محصوراً في الجبل، ولا في طبقته الفنية النخبوية، بل كانت حارات دمشق الشعبية تهواها أيضاً، إذ كانت تباع أسطواناتها في سوق الحميدية، ويتردّد صداها في مقاهي الشام القديمة، ويُروى عن صوتها كما يُروى عن المعارك والانتصارات.

نسيج سوري يستحيل تفكيكه

دمشق، حين تتحدّث عن نفسها، لا يمكن أن تنسى أولاد الجبل، ولا يمكن أن تُنتزع من نسيجها خيوط قيادة الثورة السورية التي حملها سلطان باشا الأطرش، أو محو صور أبو عنتر القبضاي الذي لطالما أضحك الدمشقيين من على جدران المقاهي، كما لا يمكن أن ينسى الدمشقيون عباراته التي صارت جزءاً من نكاتهم، ومن المستحيل أيضاً إسكات صوت أسمهان وأغانيها، فهي ستبقى تنبض في وجدان المدينة؛ هذه الخيوط متشابكة بقوة في نسيج دمشق لا بل في نسيج سورية، ولو فُكّ أي خيط منها، لانهارت اللوحة كلها.

حتى بعدما ظنّ نظام الأسد الساقط أنه أطفأ نار الثورة، وأن عبارات الحرية التي انطلقت من الشام ودرعا قد سكتت، عادت السويداء تردّد أغاني ثوار الشام وسورية، مؤكّدةً أن الجبل سيظلّ منارةً للكرامة والحرية، وأن نيران الثورة ستبقى مشتعلة في وجدان أبنائها كما كانت دوماً حاميةً لوحدة الوطن وهويته النابضة بالحياة.

الهوية ليست فقط جغرافيا نحتلها، بل هي تاريخ وشعور وروح تتنفس فينا، تجمع بين أبناء الوطن، وتكتب حكاية وطن لا يُفكك بسهولة.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى