مقالات مختارة حول مسألة بناء الدولة في سوريا وطرق التغيير، المعوقات والحلول

—————————
سياسات دولة أم انتقائية سوق؟/ سقراط العلو
عادة الإعمار كفرصة تاريخية للعدالة والإنصاف
11-08-2025
قبل أيام فقط من إعلان عقود الاستثمار المليارية بتاريخ السادس من آب (أغسطس) الجاري في دمشق، شاهدت مقطع فيديو لمحافظ دير الزور يتحدث أمام حشد من الأهالي، ناقلاً ما ادّعى أنه حوار دار بينه وبين الرئيس (أحمد الشرع) حول «الشعور بالتهميش» الذي يخيّم على محافظته. قال إنه أبلغ الرئيس بذلك، وإن الأخير ضحك قائلاً إن دير الزور وريف دمشق من أولويات الدولة، لكن الخزينة العامة اليوم شبه فارغة، والمستثمرون «أحرار في اختيار أماكن مشاريعهم». ولم تمضِ ساعات على إعلان الاستثمارات وجغرافيتها حتى انفجرت وسائل التواصل الاجتماعي بانتقادات لاذعة من أبناء دير الزور وشبيهاتها من المناطق المدمرة، متهمين الحكومة بإعادة إنتاج المركزية والتهميش، بعدما ذهبت معظم الاستثمارات إلى المدن غير المدمرة.
كلام المحافظ وردة الفعل على نتائج الإعلان يشكلان مدخلاً هاماً لفهم اللحظة الاقتصادية والسياسية الدقيقة التي تمر بها سوريا ما بعد النزاع. فهما يثيران أسئلةً جوهريةً عن شكل الدولة القادمة، وعن خيارات الحكومة الانتقالية في إعادة الإعمار، هل تُترك لمنطق السوق والمستثمرين؟ أم تتدخل الدولة لتستثمر العملية في تصحيح الخلل التاريخي بين المركز والأطراف؟ هذا ما سيحاول المقال الإجابة عليه من منظور الاقتصاد السياسي.
بعد ثمانية أشهر من سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول (ديسمبر) 2024، لا تزال معالم الاقتصاد السوري في مرحلته الانتقالية مضطربة وغير مكتملة، وهو أمرٌ ليس بغريب قياساً للمدة. فقد خلفت سنوات الحرب بنية تحتية متهالكة، ومجتمعاً مثقلاً بالانقسامات، واقتصاداً منهاراً في جوهره. وفقاً لأحدث تقرير صادر عن البنك الدولي حزيران (يونيو) 2025، فإن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لسوريا لا يزال أقل بنسبة تزيد عن 50 بالمئة مقارنة بما قبل 2011، فيما تقدر نسبة مَن يعيشون تحت خط الفقر بـ 67 بالمئة من السكان، ويعيش ربع السكان في فقر مدقع، ويعاني الاقتصاد من فجوة تمويلية مزمنة، كما يشير التقرير إلى أن قدرة الحكومة على الإنفاق العام محدودة للغاية. تعكس هذه المؤشرات حجم التحدي، وتكشف هشاشة أدوات الدولة الاقتصادية، وافتقارها للقدرة على التأثير في دورة الاقتصاد الكلي دون تدخل خارجي أو إصلاح جذري.
لكن سلوك الحكومة السورية لا يُعبّر عن أزمة في الموارد فقط، بل عن مشكلة في التصورات الاقتصادية والسياسية الحاكمة للمرحلة الانتقالية. فصنّاع القرار يبدون أقرب إلى منطق السوق الحر، ويتعاملون مع مرحلة ما بعد النزاع كما لو كانت سياقاً اقتصادياً عادياً، وليست لحظةً استثنائيةً تُبنى فيها الدولة، وتُعاد فيها هيكلة الاقتصاد، وتُشكَّل فيها موازين الشرعية السياسية من خلال السياسات الاقتصادية والاجتماعية.
فمرحلة ما بعد النزاع تفرض على الدولة أن تحسم خيارها بين أن تستخدم سلطتها لقيادة التعافي عبر توجيه الموارد إلى بناء مؤسسات شاملة وتوسيع قاعدة المستفيدين من النمو، أو أن تنزلق إلى مسار تعافٍ نخبوي يُعيد إنتاج الإقصاء والفوارق التي غذّت النزاع في المقام الأول. وهنا لا يتعلق الأمر فقط بالنمو الاقتصادي كمؤشر كمي، بل بمدى قدرة الدولة على استخدام أدوات الاقتصاد الكلي لإعادة التوازن بين الفئات والمناطق، وبناء الثقة، وتحقيق ما يسمى في أدبيات الاقتصاد السياسي بـ«الشرعية التوزيعية».
من هذا المنظور، فإن السياسة الاقتصادية ليست مجرد تقنية مالية بل ممارسة سيادية تُعبّر عن رؤية الدولة للعدالة والرفاه. ولذلك، فإن ميل الحكومة المؤقتة للاقتصاد الحر والخصخصة، وإعلانها الامتناع عن الاقتراض في ظل شبه انعدام مواردها الأخرى، وما يترتب عليه من عدم قدرتها على الإنفاق الاستثماري ليس قراراً مالياً محضاً، بل هو تعبير عن غياب رؤية سياسية لمرحلة ما بعد النزاع. فالحكومة، بتقاعسها عن تحمل عبء الإنفاق العام، تُحيل عملية التعافي إلى منطق الربحية والاستثمار الانتقائي، بدلاً من تبنّي مشروع اقتصادي يعيد بناء الشرعية الوطنية.
وفي هذا السياق، لا بأس في الرجوع إلى مقولة جون ماينارد كينز، رائد الاقتصاد الكلي الحديث، والتي ما تزال تحتفظ بوجاهتها رغم تطور المدارس الاقتصادية من بعده. فقد ذهب كينز إلى أن الدولة، حين تنعدم الثقة في الأسواق ويتراجع الطلب الكلي، ينبغي أن تتدخل حتى عبر وسائل تبدو غير عقلانية من منظور الكفاءة الاقتصادية، قائلاً: «على الدولة أن تدفع للناس ليحفروا حفراً ثم يردموها» لتحريك الاقتصاد وخلق فرص العمل. وفقاً لكينز، فالإنفاق العام، حتى لو لم يكن ذا مردودٍ اقتصاديٍ مباشر، يمكن أن يُنتج قيمة اجتماعية وسياسية من خلال خلق الطلب، وتعزيز الثقة، وإعادة تشغيل الاقتصاد. وصحيح أن النظرية الكينزية الكلاسيكية قد خضعت لاحقاً لنقد واسع، إلا أن تطبيقاتها في فترات ما بعد النزاع أو الكساد لا تزال تُعد من بين الأكثر تأثيراً ونجاعة في استعادة النشاط الاقتصادي.
واللافت أن الحكومة السورية المؤقتة، رغم إقرارها بحجم التحديات في سياق اقتصاد مُنهار، اختارت سياسة قائمة على الامتناع عن الاقتراض الخارجي، وتعويل مفرط على الاستثمار الأجنبي، متجاهلةً ضرورة وجود سياسات إنفاق عام واسعة النطاق تستهدف إعادة تأهيل البنية التحتية، وتوفير الخدمات الأساسية، وتحقيق العدالة الاجتماعية. والتبرير الرسمي لهذه المقاربة المتمثل بالخوف من المديونية، وإن بدا في ظاهره وجيهاً، إلا أنه في العمق يعكس خللاً في فهم المرحلة ودور الدولة كفاعل مركزي في إعادة إنتاج النظام الاجتماعي بعد الحرب.
يُعد غياب التمويل العام، خاصة من خلال الاقتراض بشروط مناسبة، حرماناً للدولة من أدواتها الأساسية في تفعيل الطلب الكلي، وتوليد الوظائف، وتحقيق الاستقرار. ويُحيل إدارة عملية الإعمار إلى القطاع الخاص الذي غالباً ما يتحرك بدافع الربح لا بدافع إعادة البناء الشامل. والنتيجة هي ما نراه اليوم، استثمارات متركزة في مناطق غير مدمرة، وفي قطاعات غير إنتاجية وليست من أولويات السوريين في المرحلة الحالية، مثل المطارات والعقارات الفاخرة والسياحة ومراكز التسوق، مقابل تهميش المناطق المنكوبة والمحرومة التي تحتاج إلى تدخل الدولة، لا إلى انتقائية المستثمرين.
لا بدّ من الوعي بأن عملية إعادة الإعمار في سوريا تُشكّل فرصةً تاريخيةً لتصحيح الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية المُزمنة في البلاد، بما يحقق قدراً أعلى من العدالة والتنمية المتوازنة بين المركز والأطراف. فهي ليست مجرد استجابة هندسية للدمار، بل هي أداة سياسية للعدالة الانتقالية من خلال إعادة إعمار المناطق المدمرة كنوع من جبر الضرر المجتمعي، ولإعادة دمج المناطق المهمشة، وتوفير البنية التحتية والخدمات وفرص العمل فيها، بما يسهم في إعادة بناء النسيج الوطني الممزق. وفي هذا السياق، يجب أن تكون خطة الإعمار مصممة ضمن رؤية تنموية شاملة، تضمن توجيه الاستثمارات نحو المناطق التي عانت من التهميش، وليس فقط تلك التي تملك جدوى تجارية فورية. فالتنمية المكانية العادلة في سوريا اليوم ضرورة لضمان الاستقرار المستدام.
وهنا من الأهمية بمكان توسيع الفهم للمجال العام ببعده الاقتصادي الاجتماعي وليس السياسي فقط، وأهمية دور الدولة في بنائه، ليس فقط كمقدم للخدمات، بل كمنظم للعيش المشترك. فالمجال العام هو الحيّز الذي تتفاعل فيه مختلف فئات المجتمع اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، وتُصاغ فيه الأولويات العامة وتُوزّع فيه الموارد بشكل عادل. وبناء المجال العام بعد النزاع يعني أن تتحمل الدولة مسؤولية إعادة الثقة بالمؤسسات العامة، وإنشاء البنى التحتية التي تتيح مشاركة جميع المواطنين في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، بغضّ النظر عن مناطقهم أو فئاتهم. هذا البناء لا يقتصر فقط على المدارس والمشافي والمساحات العامة، بل يشمل أيضاً السياسات التي تضمن المساواة في الفرص، والحماية الاجتماعية، والتمثيل السياسي. ومن دون هذا الحضور النشط للدولة، يبقى المجال العام هشاً ومغلقاً في وجه من هم خارج دوائر الامتياز.
وهذا الدور يفرض على الدولة انتهاج سياسة تمويل متوازنة تقوم على تنويع مصادرها بما يعزز استقلال القرار الاقتصادي ويُقلل من الارتهان لأي جهة بعينها. يمكن تحقيق ذلك عبر مزيج من القروض الميسّرة والمنح الدولية، والتمويل المشترك مع القطاع الخاص في مشاريع ذات طابع إنتاجي واجتماعي، بالإضافة إلى تعبئة الموارد المحلية من خلال إصلاح النظام الضريبي وتوسيع القاعدة الضريبية بشكل عادل. كما ينبغي استعادة الثقة بالمؤسسات العامة من خلال الشفافية والرقابة وتوجيه الإنفاق نحو مشاريع حقيقية تخلق القيمة وتوفر فرص العمل.
لا ينبغي أن تُفهم دعوة الدولة للعب دور مركزي في إعادة الإعمار على أنها دعوة لإقصاء القطاع الخاص أو المجتمع المدني. بل على العكس، من المهم أن يتم إشراك هذه الأطراف في عملية الإعمار ضمن إطار من الشراكات بين القطاعين العام والخاص. ولا سيّما في بعض المجالات مثل البنية التحتية والطاقة، ولكن يجب أن تكون هذه المساهمات تحت إشراف الدولة، وتخضع لآليات واضحة وشفافة لضمان أن تساهم هذه الاستثمارات في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
وفي الوقت نفسه، من الضروري إشراك المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية في هذه العملية، خاصة في المناطق التي عانت من النزاع بشكل أكبر. إذ يمكن لهذه المنظمات أن تلعب دوراً رئيسياً في تقديم الخدمات الأساسية، وكذلك في تحفيز النمو المحلي من خلال دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي يمكن أن تساهم في استعادة النشاط الاقتصادي في المناطق المتضررة.
إن نجاح عملية إعادة الإعمار أو فشلها، كما تخبرنا تجارب دول قريبة من الحالة السورية، كان رهناً بالخيارات الاقتصادية التي تبنتها تلك الدول. فالعراق كمثال لتراجع دور الدولة بعد العام 2003، انتهج سياسة ليبرالية تتشابه في خطوطها العريضة مع الرؤى والتصورات التي يُصرّح بها مسؤولو الحكومة السورية ومسشاروهم، من قبيل انسحاب الدولة، فتح الأسواق، وخصخصة الخدمات. وكانت النتيجة اقتصاداً هشاً قائماً على الريع، مع تزايد معدلات الفقر والبطالة وتضخم القطاع غير الرسمي.
أمّا لبنان، كمثال على عدم التوزيع المكاني العادل لثمار عملية إعادة الإعمار، فبالرغم من الخطة الطموحة التي قادها رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري، إلا أنها نجحت في المركز مثل وسط بيروت، في حين عمّقت التفاوت الاجتماعي والمناطقي، وخصوصاً مع الشمال والجنوب، وهي الثغرة التي استثمر فيها حزب الله لخلق دولته داخل الدولة.
وبالحديث عن التجارب الناجحة؛ لنختر رواندا، وهي مثال مُفضّل للسوريين هذه الأيام. على النقيض، شهدت منذ نهاية الإبادة الجماعية عام 1994 سياسة تنموية تقودها الدولة بقوة. اقترضت الحكومة من المؤسسات الدولية، وضخت الاستثمارات في الصحة والتعليم والبنية التحتية، مع وضع خطة مركزية لتنمية متوازنة مناطقياً. وتمكنت خلال عقدين من رفع معدل النمو السنوي إلى أكثر من 7 بالمئة، مع انخفاض كبير في معدلات الفقر. ولم يكن ذلك ممكناً دون توجيه صارم من الدولة، ورؤية متكاملة تربط الاقتصاد بالعدالة الاجتماعية.
وبالعودة إلى سوريا، فإن ملامح النهج الاقتصادي الحالي (كما بات يدرك معظم السوريين) تحمل مخاطر حقيقية لتكريس منطق «اقتصاد النخبة» الذي يُركّز المنافع في يد فئات محددة، ويترك الشريحة الأوسع من السكان في حالة انتظار مزمن. فالتوقيع على مشاريع بقيمة 14 مليار دولار في قطاعات غير إنتاجية، إن كانت واقعية، يُظهر إصراراً على إعادة إنتاج اقتصاد لا يخدم أغلبية السوريين، ولا يعالج أسباب النزاع الأساسية.
إذ يُظهر هذا النهج تقاطعاً خطيراً بين السياسة والاقتصاد، حيث تُستخدم الدولة كمنصة لإعادة دمج رأس المال الدولي والإقليمي والمحلي، دون أن تتولى مسؤولية إعادة بناء المجال العام. ورفض الاقتراض، في هذه الحالة، لا يعكس حكمة مالية، بل عدم رغبة في الشفافية التي تفرضها بصرامة شروط مؤسسات التمويل الدولية، وانسحاباً سياسياً من دور الدولة كفاعل مركزي في بناء العدالة بعد الحرب.
إن ما تحتاجه سوريا في هذه المرحلة ليس مجرد استثمارات خارجية، بل سياسة اقتصادية توحيدية، تعيد بناء الهوية الوطنية من خلال إعادة توزيع الفرص والموارد. وعلى الحكومة، إن كان لديها نوايا صادقة في هذا الاتجاه، أن تتبنى سياسة إنفاق عام توسعية، ممولة من خلال مزيج من القروض والمنح الدولية، وموجهة نحو بناء البنى التحتية، وتحفيز القطاعات الإنتاجية، وتطوير شبكات الأمان الاجتماعي. فكفاءة الدولة الاقتصادية لا تُقاس بمدى تقشفها وعزوفها عن الاقتراض، بل بقدرتها على خلق شروط الاستقرار والنمو المشترك. والتجارب المقارنة تشير بوضوح إلى أن الاقتصادات الخارجة من النزاع لا تنجح إلا إذا تولت الدولة قيادة عملية إعادة البناء، مالياً ومؤسسياً واجتماعياً.
والعدالة الاجتماعية في سياق دولة بوضع سوريا لا تأتي كنتيجة للنمو، بل تسبقه كشرط له. وإذا لم تعِ الحكومة السورية هذا المبدأ، فإن مشروع إعادة الإعمار سيتحول إلى مشروع إعادة إنتاج للانقسام، واللاعدالة، والهشاشة. وما لم تُستعاد الدولة كفاعل اقتصادي اجتماعي، فلن تكتمل لحظة التحرير، وسيُضاف الاقتصاد إلى جملة كوارث أخرى في الأداء الحكومي، قد تؤدي لعودة النزاع.
موقع الجمهورية
————————
في جذور أزمة الحكم والدولة في سورية الحديثة/ برهان غليون
11 اغسطس 2025
بعد أشهر معدودة على الحفاوة الجامعة التي حظي بها الحكم الجديد، تعصف بسورية اليوم رياح أزمة ثقةٍ كبيرةٍ تغذّيها مخاوف متباينة، مخاوف الغالبية على استقرار النظام ومن السعي إلى إسقاطه. وبالعكس، مخاوف قطاعات متزايدة من الرأي العام من احتمال سعيه إلى تأسيس سلطة طائفية محافظة تهدّد الحريات وتنتقص بشكل خاصّ من الحقوق القانونية للأقليات الدينية أو القومية وللنخب السياسية العلمانية. عوامل عديدة ساعدت على التدهور السريع في المناخ السياسي وتأزّم علاقات السلطة مع بعض القوى والنُّخب الاجتماعية، أبرزها التدخّلات الخارجية المتقاطعة أو المتناقضة التي تمارَس على السلطة الجديدة، وتُضعف من صدقيتها الاستراتيجية واستقلال قرارها وسيادتها. ثمّ فقدان هذه السلطة الوسائل والإمكانات المادّية والإدارية التي تمكّنها من معالجة الإرث الثقيل والدامي أكثر من نصف قرن من حكم الديكتاتورية والطغيان، بصورة سلسة وسليمة. لكن أكثر هذه العوامل أهمية، وأكثرها خطراً على مكانتها، الأخطاء الكبيرة التي ارتكبتها، كما تجلّت في مجازر الساحل وصحنايا والسويداء الكارثية، والتي أظهرت ضعف سيطرة الدولة على نفسها وعلى آلة العنف التي تملكها، وسوء تخطيط قياداتها الأمنية. لكن، فيما وراء هذه الأخطاء جميعاً وما يساعد ربّما على فهم أسبابها وتجاوزها، تكمن في بنية السلطة ذاتها، وأولوياتها، وطبيعة علاقتها مع المجتمع، أفراداً وجماعاتٍ.
وهنا أريد أن أميّز بين نمطين من السلطة، الأول قائم على منطق الجماعة/ العصبة (القبيلة أو الطائفة أو القومية الإثنية) الذي يقوم (بحسب ابن خلدون) على العصبية، فلا إمارة من دون عصبية قوية. والإمارات لا تقوم إلا من حول أمير يجسّد السلطة بأكملها، هو روح الكيان ومحرّكه وسيده، به تبدأ حياته وبه تنتهي. ما يسم السلطة في الإمارة أنها شخصية، مرتبطة بشخص الأمير أو الشيخ أو الولي الفقيه، وتستمدّ شرعيتها من الغلبة أو الوراثة أو الكاريزما الشخصية. ويكون الولاء فيها للزعيم أو للجماعة، وإرادة الزعيم هي القانون. والنتيجة: لا توجد مواطنة ولا حقوق سياسية ولا مشاركة من أي نوع في السياسة وإنما تبعية وموالاة، فالناس أتباع للأمير أو للشيخ أو للزعيم ومُواليهم. وفيها تتوزّع المصالح والامتيازات بحسب القرب من زعيم الجماعة، على مبدأ الأقربون أولى بالمعروف، لا بحسب الكفاءة أو الاستحقاق.
والثاني منطق الدولة، وقوامه فكرة القانون المجرّد. تتميز السلطة في الدولة الحديثة بأنها مؤسّسية، تستند في شرعيتها إلى القانون والدستور، ويكون فيها الولاء للقانون وللمؤسّسات، لا لشخص الحاكمين. وعلى عكس الجماعة القائمة على العصبية، لا تنتقل السلطة في دولة القانون إلى الأفراد أو المسؤولين عبر القرابة العضوية أو الروحية أو المصلحة الخاصّة، وإنما من خلال آليات قانونية (انتخابات، تفويض دستوري، مؤسّسات)، وتُمارَس وفق قواعد معلنة ومجرّدة، وليس بحسب مزاج الزعيم أو الشيخ أو ميزان القوى بين العصبيات. وفي منطق الدولة الحديثة، لا يكون القانون أداةً في يد الأقوى، بل هو مرجعية عليا يخضع لها الحاكم والمحكوم على السواء. وهذا ما يسمح بوجود “دولة القانون” التي تحمي الحقوق وتحاسب السلطة نفسها، بل تضعها ورجالاتها أمام المساءلة الدائمة. وعلى رجل الدولة أن يقدّم باستمرار حساباً لمحكوميه، لأنه مفوّض منهم، لا سيّداً عليهم.
انتشر نموذج الدولة الحديثة بين شعوب الأرض جميعاً بعد سقوط الإمبراطوريات، فحرّر الفرد من التبعية الآلية للسلطة، وحوّله قيمةً في ذاته، ووسّع دائرة اختياراته وإرساء أسس سلام اجتماعي مستدام وعدالة شفّافة، فكان لهذا النموذج الدور الأكبر في ازدهار الأعمال والأفكار والمعارف والنشاطات الفنّية والأدبية. لكن نجاحه لا يعني، بالضرورة، زوال العصبيات الطبيعية أو الأهلية واستحالة الارتداد، فالروح العصبوية يمكن أن تستعيد فاعليتها بسرعة في أثناء الأزمات الكبرى. وهذا ما نشهده في كلّ مرّة تفقد فيها الدولة سيطرتها أو تنهار سلطة القانون، فتولّد من جديد التضامنات الأهلية، وترسم حدود الجماعات بالدم، ويسود الفوضى ومنطق التوحّش والحرب. وهذا ما حصل (ويحصل) في عديد من الدول الأفريقية والعربية، ونحن منها، بالرغم من أن كليهما (العصبية والدولة) فقدا ديناميتهما الذاتية وأصبحا، في حالاتٍ كثيرة، أدواتٍ في أيدي الدول الكبرى والصراعات الجيوسياسية.
الهدف من هذا التمييز ليس فلسفياً، بل عمليٌّ يهدف إلى فهم وتحليل كيف انزلقت الدولة السورية، مثل دول عديدة في المنطقة، منذ عقود طويلة، من منطق الدولة إلى منطق الإمارة، ومن الإمارة إلى الجماعات العضوية أو الأهلية. وربّما يساعد على تحليل الأزمة التي يعيشها الاجتماع السياسي السوري منذ الاستقلال عام 1946. فبالرغم من أن سورية، رسمياً، أي شكلياً، أصبحت “دولة” منذ ذلك الوقت، إلا أن بنيتها الحقيقية بقيت تتأرجح بين منطقي الدولة والجماعة العضوية ما قبل الدولة. وقد انتهت الانقسامات المناطقية وجماعات المصالح الاقتصادية والتجارية، التي مزّقت النُّخبة الاستقلالية بين شمال وجنوب وريف ومدينة وانتماءات مذهبية أو طائفية في الدولة الوليدة، إلى العطالة الكاملة، ما دفع بعض قادتها العسكريين في 1958 إلى طلب الاندماج بالدولة المصرية من دون قيد أو شرط.
ولم يكن البديل بعد الانفصال عام 1961 إعادة ترسيخ أسس الدولة، وإنما صراعات لا تنتهي على أرضية أيديولوجية وطائفية انتهت بانتزاع حزب البعث السلطة، لتبدأ حقبة جديدة من صراع الأجنحة والتيارات داخل الحزب نفسه، قبل أن يحسم حافظ الأسد النزاع. وبقيت سورية بالمعنى الحرفي إمارة خاصّة، لم يتردّد في توريثها من بعده لمن استطاع من أبنائه. هكذا تحوّلت مؤسّسات الدولة إلى واجهة لسلطة شخصية لا مكان فيها لشعب ولا قانون ولا أحزاب. ووُضِعت أجهزة الدولة والحزب في خدمة شبكة ولاءات شخصية وعائلية وطائفية، خفيّة في البداية، ثمّ أكثر وضوحاً مع مرور الوقت، وبشكل أكبر في عهد وريثه. والأجهزة الأمنية التي كان من المفروض أن تعمل على إنفاذ القانون وحفظ النظام العام تحوّلت أدواتٍ لتعطيل القانون وممارسة القمع والابتزاز والتشليح والسرقة وإذلال الناس وتوزيع الحماية على الموالين والأنصار.
لذلك، لم يكن انتقال الحكم من الأب إلى الابن مجرّد حادث عرضي، بل كان تعبيراً فاقعاً عن تسيّد منطق الإمارة الشخصية القائمة على منطق العصبية حيث الحكم يُرى إرثاً طبيعياً، لا عقداً اجتماعياً بين الدولة والمجتمع. وبدلاً من أن يتمتّع المجتمع بحقّ منح الشرعية أو مراقبة السلطة، أصبح مطبّلاً إجبارياً للعصبة الحاكمة. واختُزلت السياسة في إكراه الناس، جمهوراً وحواشيَ، على تقديم فروض الطاعة والولاء، كما أصبحت المعارضة خيانة، والوطنية انتحاراً. وبتقويض منطق الدولة وإعدام السياسة ومعنى القانون، غاب مفهوم الشعب بالمعنى السياسي، وعاد منطق ما قبل الدولة، وأُعيد إحياء منطق الطوائف وجماعات المصالح والمافيات، وانتعشت المخاوف والأحكام المسبقة بين الجماعات والعصائب المتناحرة، ولم يبقَ لمفهوم المواطنة أثر يذكر. وكنت قد وصفت نظام الأسد في كتاباتي السابقة بأنه نظام الحرب الأهلية الكامنة، إذ أعيد تقسيم المجتمع بين طوائف وعصبيات تقف وجهاً لوجه في انتظار الشرارة التي لم تمنع اشتعالها إلا سطوة الأجهزة العسكرية والأمنية والعنف الاستثنائي، الذي قام عليه ردع المجتمع بأكمله، بما فيه الموالاة نفسها.
إدراك ثوار 2011 هذه الحرب الكامنة هو ما دفعهم إلى التركيز في شعارات توحيدية، مثل “الشعب السوري واحد” و”اللي بيقتل شعبه خاين”، وإلى تخصيص عناوين مظاهرات الجمعة بأسماء قادة وطنيين متعدّدي الطوائف والإثنيات. وكان ذلك بمثابة تحذير من السقوط في هذه الحرب. لكن النظام لم يتردّد، منذ الأيام الأولى، من التهديد بسلاحه، عندما استخدم الرصاص الحي لقتل المتظاهرين، ولم يوفّر مناسبةً ولا وسيلةً للاستفزاز من دون أن يستخدمها لإشعالها. وتقصَّد بث فيديوهات عن تعذيب النشطاء وقتلهم واغتصاب نسائهم وشتم عقائدهم وأديانهم لدفعهم إلى الاشتباك، بالرغم من عدم توقّفهم عن ترديد شعار “سلمية سلمية”، حتى تحت التعذيب.
هكذا تحوّلت الدولة نفسها عصبةً (بل عصابة) تستخدم الجميع للدفاع عن بقائها بما فيها الطوائف التي كانت تدّعي حمايتها. ودخلت البلاد في حربٍ دمويةٍ أعيد في لهيبها بناء الجماعات الأهلية والتضامنات المحلّية والطائفية والقومية، كما لم تعرفها البلاد من قبل. وتشكّلت الفصائل الأهلية التي تنازعت فيما بينها على الموارد والغنائم والنفوذ معتمدة على الولاءات الشخصية. ولم تنجح الثورة بسبب ذلك في تشكيل أي مؤسّسةٍ سياسيةٍ راسخة ومستقلّة أو جبهة وطنية. واختفى الحديث عن الشعب هُويَّةً سياسية، وحلّ في محله مفهوم “المكونات”، وهي بذور إمارات حرب تعيش على شحن العصبيات الأهلية واستغلالها لتقاسم السلطة والنفوذ.
تكرّر الأمر نفسه تقريباً بعد دخول تحالف فصائل “ردع العدوان” دمشق في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024. غمر الفرح جميع السوريين الذين شعروا أنهم تحرّروا من كابوس، واستعاد الناس بسرعة شعارات الوحدة، وساد الأمل بولادة سورية جديدة حرّة ومستقلّة يتعايش فيها الجميع من دون تمييز. وتنتهي فيها الفصائلية والتقسيمات الطائفية والعِرقية التي حالت دون قيام أيّ سلطة سياسية شرعية وموحّدة. ثم لم تمضِ إلا أشهرٌ على قيام الحكم الجديد، حتى تفجّر الصدام، كما لم يحصل في أي وقت، بين السلطة الجديدة والجماعات والفصائل المحلّية، التي أرادت الحفاظ على مزاياها واستقلالها. لم يعد الحديث عن حقوق عامة ومصالح وخيارات سياسية تعني الجميع، وكلّ سوري، وإنما عن “المكوّنات” وحقوقها الخاصّة، أي حقّ الفصائل والعصائب في تمثيلها والحديث باسمها. وأصبحت الدعوة إلى الفيدرالية واللامركزية عقيدة سياسية تخفي إرادة احتفاظ الفصائل بامتيازاتها ومكاسبها على حساب الدولة، لا قضيةً إداريةً مطروحةً للمناقشة الوطنية.
هل يمكن لفصيل مسلّح أن يبني دولة؟ … عوامل ثلاثة أدّت إلى تفجير هذا الصراع وعودة صراع العصبيات إلى الواجهة. الأول تخبّط الفصيل/ الفصائل المسيطرة في رسم طريق الانتقال من منطق الثورة (في الواقع عصبية الفصيل) إلى منطق الدولة، أي منطق السياسة، كما ذكر الرئيس أحمد الشرع في خطبه الأولى، وربّما أيضاً عدم إدراك قادة هيئة تحرير الشام حجم تلاشي مفهوم الدولة وتغلغل منطق العصبية في العقول والنفوس. والثاني الثقة المبالغ فيها بقدرة الدول الداعمة على تقديم مساعدة فعالة في عملية تفكيك قنبلة هذه العصبيات وإدماج رجالها في الدولة الجديدة. والثالث، الاعتماد على الأساليب الموروثة من عهد الإمارة، وربّما جهل أكثر كوادرها بمنطق الدولة ذاته. والرابع (الأكثر أهمية) التدخّل الخارجي العميق في تقرير المصير السوري، وتورّط عديد من القوى والجماعات العصبوية والسياسية فيه.
وبينما أقلق سلوك السلطة الجديدة، الذي لم يخرج عن الأسلوب العصبوي التقليدي، قطاعاتٍ واسعة من الجمهور السياسي، استفزّت مناوراتها الارتجالية العصائب الأخرى التي أدركت أن الهدف الأول للنظام الجديد تفكيكها. ونحن نشهد اليوم ما يشبه التمرّد لدى هذه العصائب على مشروع الدولة الوليدة، قبل أن تثبّت أركانها. وما سمّي “مؤتمر المكوّنات” في الحسكة هو الإعلان الرسمي عن رفض الاندماج، والمطالبة بتقاسم السلطة من خلال الاعتراف بإمارات خاصّة لكلّ عصبة وجماعة. هذا هو جوهر المأزق الذي نواجهه اليوم في انتقالنا السياسي الصعب والمعقّد. والسؤال المطروح بالفعل: هل يمكن لفصيلٍ اعتاد منطق الحرب أن يتخلّى عن سياسة التعبئة والحشد والمواجهة ويتبنّى منطق السياسة التي تستطيع وحدها إحراز تقدّم على طريق بناء دولة أو “الدولة”؟… لا شيء مستحيل، لكن ليس مؤكّداً. لا شيء مستحيل لأن كلّ الدول تكوّنت في البداية إمارات حرب أو وراثة، اعتمد فيها القائد أو الأمير على عصابةٍ تابعة له، وأحياناً على مرتزقةٍ يدينون له بالولاء، بل لا يمكن أن تُبنى الدولة، كما ذكر ابن خلدون، من دون عصبية قوية تقضي على منافسيها وتخضعهم لسلطتها، وتتحوّل إلى سلطة مركزية ذات سيادة. والسيادة أبرز ما يميّز الدولة من الإمارة. ولكن كي تنجح في التحوّل إلى دولة ينبغي، أولاً، أن تتمثّل مبادئ الدولة، وتلبس لباسها، وتتحوّل سيفاً في يدها، لا معولاً لهدمها. فهي لن تستطيع أن تفرض نفسها سلطةً مركزيةً للدولة على العصائب الأخرى، من دون أن تتبنى منطق الدولة، وتخضع لقواعد عملها، وتعمل من خلال مؤسّساتها الإدارية والقانونية. لا يستدعي ذلك بالضرورة أن تتخلّى عن عصبيتها، وهو مستحيلٌ عملياً، وإنما أن تخرج من جلد العصبية وتتعلّم وتتمثّل، إلى جانبها وإضافة لها، معنى الدولة ومبادئ الإدارة السياسية، وهي غير إدارة الحرب، فمنطق العصبية التنافس، بل التنازع مع مثيلاتها على المواقع والموارد، ولا تقبل الخضوع لسلطة أعلى منها أو التحالف معها إلا بالقوة. لذلك هي في احتراب دائم، والاحتراب مغذّيها ومبرّر وجودها. لذلك كي تنجح “عصبة الدولة” في إخضاع الفصائل المتمرّدة ينبغي أن تخرُج هي أولاً من منطق العصبية والحرب، وتطوّر في وعيها وسلوكها إلى جانب إدارة القوة، وأكثر فأكثر بدلاً منه، منطق الدولة والسياسة الذي يساعد وحده على الجمع بين تشكيلات وجماعات مختلفة ومتآلفة.
والسياسة، كما يروى عن معاوية بن أبي سفيان أنه قال عندما سئُل: “كيف حكمت الشام عشرين عاماً أميراً، ثمّ حكمت بلاد المسلمين عشرين عاماً أخرى خليفةً للمسلمين؟ فقال: “لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو كان بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، إذا مدّوها أرخيْتها وإذا أرخوها مددتُها”. ولا يعني هذا أن السياسة تصلح من دون قوة، لكنّه يشير إلى أهمية الاقتصاد في العنف لبناء حقل السياسة. ثمّ تقديم الوسائل السلمية بدل العسكرية ما أمكن، كعقد التحالفات والبحث عن التسويات، بما في ذلك إشراك الطرف أو الأطراف الأخرى في السلطة أو الثروة، أي إعطاء تعويضات أو مكافآت مادية أو سياسية. وهذه الشراكة التي تكسر الاحتكار هي التي تقوّي خيار الدولة على حساب التمسّك بالإمارة أو العصبة. هكذا تشكّلت الدول وولدت الأمم متعدّدة المشارب والعقائد والتجمّعات والعصائب والأحزاب، وصارت وطناً ترجع ملكيته لجميع أبنائه.
وثانياً، أن يتقمّص الحاكمون منطق الدولة ويساهموا في بناء مؤسّساتها الإدارية والسياسية التي لن تكون غنائم للمنتصرين، إنما تكون أداةً لتنظيم المصالح المشتركة للمجتمع، ومصهراً لإنتاج الوطنية. أما ثالثاً، فأن يعيدوا تأهيل عناصرهم ليتمكّنوا من إدارة هذه المؤسّسات، وليس لمجرّد السيطرة عليها ومنع الآخرين من الانتفاع منها. وهذا يستدعي أيضاً ألا تكون الوظيفة في دوائر الدولة حكراً على عصبية: طائفة أو قبيلة أو حتى طبقة، أو ملكية حصرية لجماعة حاكمة أو لائتلاف. وعليهم (رابعاً) أن يلبسوا لبوس الدولة، ويتمثّلوا قوانينها شكلاً ومضموناً، ويخضعوا هم أيضاً لقوانينها، ويتخلّوا عن عادات “الجاهلية”، أي العصبوية وأعرافها وأسمائها وأفعالها. وأن يسمّوا أصحاب المناصب والمسؤوليات بأسمائهم: موظفاً أو مسؤولاً أو مديراً أو رئيس دائرة، لا أخاً ولا شيخاً ولا معلماً ولا فقيهاً ولا إماماً، بما يشير إلى وظائف إدارية أو سياسية لا دينية ولا علمية.
وخامساً، ألا ينظروا إلى الجمهور بحسب انتماءاته الدينية أو القومية أو الجنسية، ولا نسبته إلى أقلية أو أكثرية، إنما شعباً. والشعب مجموع الأفراد الذين يكوّنون في مواجهة الدولة كياناً أو هُويَّة سياسية مستقلّة هي مصدر السلطة الشرعية، وسابقة عليها، وظيفتها مراقبة السلطة التي تمثلها ومساءلتها، وإذا اضطر الأمر سحب التأييد لها. لا يكون الجمهور شعباً إلا عندما يكون هو (ورمزياً كلّ فرد) مصدر السيادة والشرعية للقانون. وسابعاً، ينبغي إطلاق الحرّيات العامة والإقرار بحقوق الأفراد الشخصية أولاً، ثمّ العامّة: تشكيل الأحزاب والانتخابات النقابية وإقامة المنظّمات المدنية الثقافية والاجتماعية وتنظيم الدورات العلمية والتربوية. هذا هو في المرحلة الانتقالية الدليل على التوجّه نحو دولة تعدّدية والمشاركة السياسية وعدم التخطيط لاحتكار العمل السياسي والاجتماعي من فصيل أو فريق أو طبقة أوليغارشية. ثامناً، تثبيت حكم القانون وبناء المؤسّسات السياسية والإدارية والأمنية الرئيسة على أسس المواطنة الواحدة والكفاءة والاختصاص، لا على أساس الولاء والقرابة الشخصية أو الأيديولوجية أو المناطقية.
لن تخرج سورية من أزمة الحكم التي لا تزال مستمرّة منذ الاستقلال بسبب اختلاط منطق العصبية ومنطق السياسة وفسادهما معاً، التي دفعت إلى انهيار الدولة في الخمسينيّات، وإلحاقها بدولة أخرى، من دون قيد أو شرط، ثمّ قادت، بعد ستّة عقود من حكم الأسد، إلى انهيار الدولة واندلاع الثورة والحرب الأهلية وتفكّك البلاد، ما لم ينجح السوريون في الانتقال من منطق العصبة إلى منطق الدولة، فتأسيس مفهوم الدولة والولاء للقانون مقابل الولاء للجماعة (الطائفة أو القبيلة أو القوم، أو الطغمة الأوليغارشية) ينبغي أن يكون جوهر أيّ مشروع سياسي تحرّري في البلاد، وهو يتطلّب إعادة تعريف المواطنة بوصفها المصدر الأساس للحقوق وللشرعية، وبناء مؤسّسات شفّافة وخاضعة للمساءلة على جميع المستويات: من السلطة المحلّية إلى السلطة الرئاسية، ونشر ثقافة القانون والاعتراف بشرعية التنوّع الديني والثقافي والقومي والمناطقي، لا بوصفه قطيعةً وانفصالاً، وإنما تعدّداً مثرياً للروح والفكر والثقافة. وإلى أولئك المستعجلين إسقاط النظام القائم أقول: لا يكفي سقوط النظام للعبور نحو الحرية، بل لا بدّ من إسقاط منطق العصبة الذي شكّل نقطة ضعف الدولة الأسوأ، لعقود طويلة، في سورية منذ نشوئها، والذي لا يزال يعوق تشكّلها وانطلاقها. فالتحدّي الحقيقي هو بناء دولة، لا إسقاط نظام… دولة يتساوى فيها السوريون أمام القانون، وتُبنى فيها السلطة على إرادة الشعب لا على الغلبة. دولة تُنهي منطق “نحن” ضدّ “هم”، وتؤسّس لـ”نحن” الشعب الواحد الجامع.
وضعت، في التسعينيات، لأحد كتبي عنوان “نظام الطائفية… من الدولة إلى القبيلة”، حاولت فيه أن أصف كيف قوّض اختطاف الدولة، وإعدام السياسة، وانتحال الوطنية، ووضع البلاد في خدمة عصبة عسكرية طاغية، ميثاق الوطنية، وإعادة تفعيل المشاعر والعصبيات الطائفية والعرقية في صفوف جمهور السلطة والمجتمع معاً. ما هو مطلوب منا اليوم، إذا لم نشأ أن نعيد التجربة الماضية ونستمرّ في الدوران في الحلقة المفرغة ذاتها التي أودت بسورية إلى الهاوية، أن نفعل العكس: أي الانتقال من منطق القبيلة وحروبها إلى منطق الدولة وسيادتها وسلامها الضامن لوحدة مجتمعاتها. هذا هو ثمن التقدّم ولا شيء غيره ولا بديل منه. وإذا لم نعمل منذ الآن على إعادة القطار إلى هذه السكّة الصحيحة، فنحن نغامر بأن نضحّي بكلّ ما حقّقناه من مكاسب، بما فيها القضاء على حكم العصابة السابقة، وسنفتح الباب أمام إحياء وانفلات جميع العصبيات الراكدة أو الضعيفة وتشجيعها للتعويض عن غياب الدولة ومؤسّساتها الحامية والكافلة، وربّما تدشين دورة جديدة من الصراع الدامي بين العصائب والفصائل والمليشيات التي يشكّل النزاع والقتال (كما ذكرت) غذاءَها ومبرّر وجودها معاً. سيكون ذلك تجديداً لعصر الفوضى الضاربة، حيث لا سيادة في الأرض ولا احتكار للعنف، ولا لزوم للشرعية، ولا وجود لشعب، وإنما (كما درج على تسميته بعضهم) “مكوّنات”، أي جماعات وطوائف وعصبيات بعضُها يعادي بعضاً، وتتنازع على فتات اعترافات خارجية واهية، إن لم تكن مهينة.
العربي الجديد
——————————–
الثقافة واعادة انتاج المجتمع وطريق التغيير/ أحمد نظير أتاسي
القوى الاجتماعية التي تحكم حياتنا الاجتماعية موجودة في داخلنا. هذه القوى هي ايديولوجيات وعقليات واستعدادات وبروتوكولات وخطابات نتعلمها خلال مسيرة حياتنا، وعندما نقابل اشخاصا واوضاعا تحفز هذه القوة او تلك فاننا نعيد انتاج الافعال والخطاب الذي تتطلبه هذه القوى. هذا يعني اننا نستيقظ كل صباح ونعيد انتاج المعادلة الاجتماعية نفسها. فاذا اثرت فينا مثلا عواصف اشعاعية من الشمس، تلك التي تعطل كل اجهزة الاتصال والكمبيوترات، فحذفت جزءا من ذاكراتنا في الليل فاننا سنستيقظ في الصباح وننتج مجتمعا مختلفا عن ذلك الذي خبرناه في اليوم الماضي. ان الحياة الاجتماعية التي تتكرر كل يوم تعتمد اعتمادا كاملا ومطلقا على قدرتنا على تذكر ما فعلناه امس وتذكر القواعد والبروتوكولات والاجراءات التي تعيد انتاج قوى المجتمع وبنياته وكأن النوم لم يحصل. انها فعلا ظاهرة غريبة جدا. الحيوانات التي ليس لديها ذاكرة ليس لديها حياة اجتماعية الا اذا كانت مضمنة في جيناتها وغرائزها وهي حياة اجتماعية تقوم على افعال وردود افعال نمطية لا تفكير فيها.
ان هذا يعني ان الثقافة التي نستبطنها باجراءاتها وبروتوكولاتها وعقلياتها هي التي تسمح لنا باعادة انتاج العلاقات الاجتماعية كل يوم. هذه الثقافة هي ذاكرة تتحول من خلالنا ومن خلال افعالنا الى تبادلات مثل الاقتصاد والاسرة والصداقة والقبيلة والدولة والمهن والتعليم والادارة والمؤسسات. هذه الافعال وردود الافعال، مع ما نتبادله خلالها من رساميل اقتصادية واجتماعية وغيرها هي التي نسميها الديناميكة الاجتماعية او المعادبة الاجتماعية. وهي الطريقة الوحيدة تقريبا في تغيير الذاكرة وبالتالي في احداث التغيير الاجتماعي. اي اننا نعتمد على الذاكرة لانتاج التبادل الاجتماعي، واثناءه نقوم بتغيير ذاكرتنا جزئيا فنغير مثلا قائمة اصدقائنا واعدائنا ونغير كيفية تعاملنا مع اشخاص معيين وفي حالات معينة ونغير معارفنا ونغير توقعاتنا، اي نغير ثقافتنا. وكل يوم نحتفظ بهذه التغييرات الطفيفة وننام ونستيقظ في اليوم التالي لنعيد انتاج المعادلة الاجتماعية مع تعديلات طفيفة. هذه التعديلات مع الزمن تؤدي الى تغييرات جذرية في الافكار والمؤسسات والتعاملات. اي ان تغيير المجتمع يأتي من تغيير المعادلة الاجتماعية والتي تأتي من تغيير الذاكرة والثقافة التي هي مجموع كل الذاكرة عند كل الناس وتقاطعاتها.
هذا يعني انه اذا اردت تغيير المعادلة الاجتماعية فيجب ان تغير الثقافة وبالتالي الذاكرة عند اعضاء المجتمع. لكن الخطأ الكبير هو الاعتقاد ان تغيير الثقافة يتم عبر تغيير الذاكرة بالتعليم. يعني اذهب الى محطة ضخ ايديولوجي مثل المدرسة او الجامع او الكنيسة او الحزب وعلم الناس شيئا جديدا وبالتالي فانك ستغير المعادلة الاجتماعية التي نسميها المجتمع، لان هذا الضخ الفكري حسب الاعتقاد سيغير الذاكرة وبالتالي الثقافة وبالتالي المعادلة الاجتماعية. التعليم مهم جدا، ومحطات الضخ الايديولوجي مهمة جدا في الحفاظ على المجتمع لكنها لا تصنع ثقافة جديدة. انها في اغلب الاحيان تساعد في تكريس ذاكرة معينة وبالتالي ضمان اعادة انتاج معادلة اجتماعية معينة. لا يوجد تعليم يصنع ثوريين يريدون تغيير المجتمع باستمرار. التعليم غالبا محافظ وظيفته ضمان اعادة انتاج المجتمع كل يوم. قد نضخ في عقول اولادنا في محطات الضخ بعض الافكار الجذرية واحيانا الثورية، لكن القوى المحافظة في المجتمع تتحالف ضد هذه المحطات وتوقف عملها. لو انتجت الجامعات يساريين ثوريين كما يعتقد المحافظون الامريكان لما كانت الرأسمالية والليبرالية ممكنة. على العكس هذه الجامعات تعلم اسس الرأسمالية والليبرالية لانها ثقافة النخبة السائدة. المساجد والكنائس والمعابد كذلك، انها تعلم نسخا من الثقافة السائدة والطاغية والمحافظة. لا توجد جامعة او كنيسة او حزب معترف بهم يعلمون الناس ان هذا البلد مستحيل وفاشل وكافر ومنحل ومرفوض. وفي حال حصل ذلك كما في سوريا في خالة المساجد فان النهاية هي تفكك المجتمع كما رأينا. المساجد تعلم الرفض والطوائف تعلم الكراهية والدولة تعلم الاقصاء. وفي النهاية تتفكك المنظومة الاجتماعية.
اذن الثقافة تعمل على الشكل التالي:
ذاكرة، فعل ورد فعل، تفاعل اجتماعي، تغذية راجعة، تعلم، تغير في الذاكرة، انتاج معادلة معدلة
هذه هي الطريقة الوحيدة في التغيير. وهذه هي طريقة عمل المجتمعات. الثقافة تعيد انتاج المجتمع. مثلا في الحالة السورية هناك حرب، هناك دمار، وبعد ذلك نحاول اعادة الاعمار، فان مخطط اعادة الاعمار موجود في الذاكرة، في الثقافة التي يتم تفعيلها كل صباح لاعادة انتاج المجتمع بعد النوم. الذاكرة هي التي ستقود اعادة الاعمار كما تفعل كل صباح. اذا لم يتغير شيء في الذاكرة، ولم يتغير شيء في البيئة الا بعض الدمار والموت ونقص الموارد فان الذاكرة ستستخدم ما لديها وستعيد انتاج المنظومة القديمة. ألمانيا اعادت انتاج مجتمعها قبل الحرب، وسوريا وعيد انتاج مجتمعها قبل الحرب. ولذلك فان اعادة انتاج الديكتاتورية والطائفية والقمع والاسكات والفساد الاداري والاستغلال الاقتصادي لا مفر منه لان هذه المنتجات تعبر عن الثقافة السائدة. هل انتجت الديكتاتورية هذه الثقافة السائدة ام كانت موجودة قبلها وهي نفسها التي انتجت الديكتاتورية كاعادة انتاج لمنظومة قديمة؟ هذا ما ستكشف عنه الدراسات والمقارنات.
كتبت كثيرا عن الاستمرارية في حكم الاسد بالنسبة لما قبله. كتبت عن معارضة الاسد كيف تشبهه. ومن يعرف هجرة العقول في الاربعينات والخمسينات يعرف ان مجتمعاتنا ودولنا كانت طاردة للعقول منذ ذلك الزمن. وان انتفاضة الاخوان المسلمين من الستينات الى الثمانينات تدل على تشابه مع عقلية الاسد في فهم السياسة وفي الحكم وفي الطائفية. والطريقة التي تأقلم بها المجتمع السوري مع ديكتاتورية الاسد يثبت ان عقلية الاسد ليست مختلفة عن عقلية المجتمع. وعقلية الثورة السورية والمناصرين لها اثبتت مرارا ان الاسد ليس الا وليد هذا المجتمع. وما نراه اليوم من التشبيح للجولاني واسكات المعارضين له وتخوينهم وارهابهم هي ممارسات تتخفى وراء ادعاءات الفلول وحماية مكتسبات الثورة والحكمة والانتظار لكنها في الحقيقة تعبر تماما عن عقلية اجتماعية رافضة للاختلاف وحرية الرأي ومحبة جدا للخنوع والاستزلام والعنف ضد المختلفين. لقد حان الوقت ان نقبل اننا نصنع مصيرنا واننا نعيد انتاج ثقافتنا ودولنا ومجتمعاتنا وممارساتنا التي ليست الديكتاتوريات الا صورا عنها.
لا اقبل مقولة المجتمعات التي لا تتغير، لكني اقول اننا لم نتغير بعد. ولا اقبل مقولة الامراض الاجتماعية، وانما هي اعادة انتاج لما هو مقبول من الجميع. لا توجد مجتمعات فاشلة الا من ناحية ان ثقافتها لم تساعدها على الاستمرار فأصابها التفكك. والمجتمع السوري هو احدى هذه الحالات. البيئة المحيطة تغيرت لكن المجتمع السوري تابع انتاج وصفته القديمة حتى ادت الى حرب اهلية. ولا اقول ان الناس تحب الحرب والقتل. لا ابدا لكن الحرب تحصل عندما يتعذر الاستمرار وتتاح الوسائل. جريمة القتل لا تحصل الا بوجود النية وايضا بوجود السلاح. المجتمع السوري كان فقط بانتظار السلاح ليتفكك، النية والعقلية كانت موجودة منذ زمن طويل واعدنا انتاجها بمثابرة حتى جاءت فرصة السلاح.
بالطبع، وفي مجتمع يخاف المجابهة ويمتهن ما يسميه التفاؤل كطريقة للهروب من الواقع سيقول لي الجميع، اذا كنت بهذا الذكاء فلماذا لا تعطينا وصفة التغيير حتى نوقف التفكك. في الحقيقة فان طلب مثل هذه الوصفة هو جزء من القوى الرافضة للتغيير. لقد ذكرت بان التغيير يأتي من تغيير الذاكرة او الثقافة، وان هذا التغيير لا يأتي بالتعليم المؤسساتي وانما بالتفاعل الاجتماعي الذي يحفز تغير الذاكرة. اعتقد ماركس انه اكتشف حجر الفلاسفة التي ستساهم في تغيير المجتمعات. قال اكتشفت محرك التغيير، انه نمط الانتاج. قوموا بتغيير نمط الانتاج وسيتغير المجتمع. لا بل وجههم الى نمط الانتاج المثالي الذي سيغير المجتمع في الاتجاه المثالي. انتقلوا من الرأسمالية الى الشيوعية وستتغير الثقافة والمعادلة الاجتماعية وستعيشون في تبات ونبات.لم يختلف ماركس في هذه الفكرة عن الانبياء المهدويين: غيروا ما بأنفسكم كما اقول لكم وستصبحون المجتمع المثالي الذي سيدخل الجنة. في هذه الناحية كان ماركس مثاليا لا بل صوفيا الى ابعد الحدود. ونمط الانتاج هو ما اسميه هنا البيئة. وهي الواقع المادي خارج العقل والثقافة. لقد جعل ماركس كل ما هو ثقافي تابعا لكل ما هو مادي بطريقة جذرية تشبه طريقة المثاليين الذين اعتقدوا بان الفكر والعقل يحكم كل شيء. هذا ما قاله هيجل حسب فهمي وزعم ماركس انه فهم مقلوب فقام بتجليسه، لكنه قلبه على رأسه المادي بعد ان كان مقلوبا على رأسه الثقافي او العقلي. وانا هنا اقدم لكم نظريتي عن التغيير: يجب ان يجتمع القطبان المادي والمعنوي، يجب ان تجتمع البيئة مع الثقافة او الذاكرة ضمن معادلة التفاعل الاجتماعي التي ذكرتها اعلاه. انها حلقة مغلقة يحصل التغيير ضمنها من خلال التفاعل الاجتماعي. وهذا التفاعل يتطلب الذاكرة والبيئة المحيطة حتى يضطر الانسان الى اتخاذ افعال وردود افعال مخالفة للمعتاد مما يؤدي الى تغيير في الذاكرة لتتماشى مع التغير في المعادلة.
من اين تأتي محفزات التغير في الذاكرة والبيئة؟ الموارد الطبيعية وتغيراتها، المناخ، الاوبئة، تعداد السكان، الهجرات، انتقال الخبرات، التكنولوجيا الجديدة، نمط الانتاج، التعليم والتعلم، التبادل الثقافي، التغيرات الطفيفة، التعددية، والخطأ في اعادة انتاج المجتمع، كلها مصادر للتغير. الطفرات الجينية مثلا هي اساس التغير في طبيعة الانسان والكائنات وهي اساسا اخطاء في اعادة الانتاج. الثورات الدينية مثلا تبدأ كتغيير في تفسير النصوص، لكن هذا التغيير هو في الاساس اخطاء تدعي انها تصحيحات. لا احد يعرف المعنى الاولي للنص، الجميع يخطئون في التفسير لكنهم يقدرون على تعميم الخطأ كاصلاح فكري. التصحيح الوحيد الذي يمكن ان يزعم انه تصحيح هو العلم وهذا لسبب واحد ان العلم يعتمد على الطبيعة وليس على العقل البشري. وكل تصحيح علمي هو خطأ في انتاج العلم القديم لكنه مدعوم بقياسات. الدين يعتمد على عقلية مشابهة، انا اكتشفت الدين الحقيقي لان الله الهمني الحقيقة الطبيعية الاولية وكل ما هو اقدم هو خاطئ، في حين ان القديم يرى الجديد مجرد خطأ بالتفسير. اذا نظرنا مثلا الى كل نظريات محمد شحرور، انها اخطاء بالتفسير، لكنها باعتقاده تصحيحات. لكن كيف تصمد اخطاء مثل تفسيرات محمد شحرور؟ البيئة الجديدة تغيرت بشكل يلائم النظرية الجديدة.
اذن اذا اردت تغيير المجتمع فلا تقتصر على فتح مدارس ضخ ايديولوجيا، عليك ان تغير البيئة المحيطة. ولا اخفيكم ان التعليم مؤثر جدا سواء كان المدارس الدينية او في المدارس التقنية او في المدارس النقدية، كل تعليم له اثر، لكنه باعتقادي اثر مساعد. اذا لم تتغير المعادلة الاجتماعية بكل عناصرها فلن يحصل تغيير في الذاكرة. مدارس الصحوة الدينية في سوريا السبعينات لم تنتج التغيير نحو الاسلمة والمحافظة، بل تضافرت عوامل كثيرة منها توقف الاقتصاد، وابعاد النخب السنية المدينية عن الساحة السياسية والاقتصادية، والهجرة الى الخليج، وادخال التعليم الديني في المدارس، وتراجع البرجوازية السورية عن ليبراليتها غير القديمة جدا بالتزامن مع فقدانها لثرواتها من خلال التأميم، وصعود الطبقات الوسطى من خلال التعليم الحكومي مع سماح الاسد بانتشار نمط تعليم ديني معين، كل هذه عوامل قدمها المشايخ والاخوان على انها عودة الشعب الى ديانته وتراثه.
اذن يجب ضخ مدخلات جديدة في كل مفاصل المعادلة الاجتماعية: تعليم تقني، اختصاصات نقدية، اعلام جديد، انفتاح اقتصادي، انفتاح ثقافي، وسائل انتاج جديدة، مهن جديدة، اختلاط اجتماعي، هجرة من الريف وهجرة من المدينة، كسر سيطرة الاسرة الممتدة، كسر الهوية الحضرية الضيقة، العمالة المهاجرة، استيراد التكنولوجيا، تحسين الزراعة، تحسين الثروة المائية، فن جديد، قبول التعددية والاختلاف، التسامح مع الاخطاء، قبول بذور جديدة، السماح بالمنافسة، السماح بالتجمع، قبول الفضيحة، التعامل مع تحديات البيئة، التأقلم. كل بذرة تستطيع ان تنمو وان تتصارع مع عطالة المنظومة القائمة هي نواة تغيير. اذا استطعت ان تبني مصنع بطاريات في مجتمع يستورد البطاريات وان تتأقلم وتتابع الانتاج فأنت نواة تغيير. اذا استطعت ان تعلم علوم سياسية وسوسيولوجيا في مجتمع يعشق الطب والوجاهة واستطعت ان تجلب زبائن فأنت نواة تغيير. اذا استطعت ان تصبغ شعرك احمر في مجتمع يرفض الاختلاف وان تستمر لانك تقدم خدمة فأنت نواة تغيير. اذا استطعت ان تبني مدرسة لا تعتمد الطاعة والاخضاع وان تسوق لها فانت نواة تغيير. اذا اقنعت الناس بان ضرب الطفل والولد سينتج حمقى واتباع فأنت نواة تغيير. كل هذا ليس سهلا. عطالة الذاكرة هائلة وعطالة الثقافة هائلة. وحتى لو تحرر الناس من ديكتاتورية دموية فانهم سيعيدون انتاجها كما نرى ذلك بوضوح اليوم.
——————————–
جردة حساب لسوريا الجديدة: قراءة لثمانية أشهر منذ سقوط النظام الأسدي/ عبدالله تركماني
08-08-2025
التغيير في 8 كانون الأول (ديسمبر) 2024 أدخل سوريا في المرحلة الأولى للتحوّل من الدولة التسلطية لآل الأسد إلى دولة الحق والقانون، ويبقى السؤال عن المراحل اللاحقة لنجاح العملية بعد ثمانية أشهر. إذ يبدو أنّ إجراءات قيادة المرحلة الانتقالية، التي تواصل العمل بفلسفة «من يحرّر يقرّر»، كشفت أنّ المردود العام متواضع، إذ هناك مؤشرات تُنذر بتراجع تدريجي للرصيد الإيجابي.
ولا شك إنّ التغيير المفاجئ حمل في طياته، كأي انتصار، فرصاً ومخاطر. الفرص بأن تعمل كل قوى المجتمع السوري، وفي مقدمتها قيادة المرحلة الانتقالية، لينعم السوريون بالأمن، والحرية، والسلام الأهلي، والتنمية الاقتصادية، والتموضع في إقليم الشرق الأوسط والمجتمع الدولي. وفي هذا السياق يحتاج الحكم الانتقالي لاعتماد مقاربة الحلول السياسية أكثر من الحلول الأمنية، فالأولى تبقى دائماً مضمونة، خصوصاً أنّ المبادر هو الحاكم، فيما خطورة الثانية تكمن في تعدّد اللاعبين، المحليين والإقليميين والدوليين، القادرين على أداء دور سلبي فيها، وهو ما يفرّغ المرحلة الانتقالية من مضمونها، وتعود سوريا إلى عهود الظلام.
ويبقى على السوريين ترتيب أولوياتهم لتعظيم الفرص والحدِّ من المخاطر، تعبيراً عن تقاسم توقعاتهم نزعات الأمل والقلق في آن واحد حول التغيير في سوريا الجديدة، وقد يكون من الصعب أن نقول: إنّ عملية التغيير تملك حلولاً سحريةً لكل مشاكل السوريين. خاصة أنّ سوريا ورثت تركة ثقيلة: دولة متأخرة، ونفوذ جماعات تتسلط على مصالح البلاد والعباد، وإدارة اقتصادية غير حكيمة في إدارة الموارد الاقتصادية والبشرية بشكل عقلاني لإنتاج عناصر تطوير وتعظيم لها، وسجل حافل بانتهاكات حقوق الإنسان.
إنّ سوريا الجديدة أمام تحديات حقيقية تستوجب تفعيل الخيارات الممكنة، من خلال إرادة سياسية صلبة، وإدارة عقلانية لكل الإمكانيات المتوفرة، بهدف التعامل مع الوقائع القائمة كما هي لا كما تتخيلها رؤى أيديولوجية مبسطة. فليس من الواقعية والعقلانية أن نُغمضَ أعيننا عن مختلف القدرات التي يمتلكها الشعب السوري بكل مكوّناته، والخيارات المتاحة التي تشمل إعادة صياغة كل أسس قوته، بترتيب أوضاعه الوطنية، وإعادة ترتيب العلاقات مع العالم والموازين الإقليمية والدولية.
لقد أسهم الصراع في سوريا وعليها في زيادة التحديات التي ستواجه عملية بناء دولة الحق والقانون، حيث تنتشر بين السوريين مفاهيم تقليدية تنتمي إلى هويات تقليدية، العشيرة والدين والمذهب، لم تصل إلى حدِّ الهوية الوطنية الجامعة في ظل الدولة الوطنية الحديثة. إذ ثمة تركة الدولة التسلطية، ووهم سهولة التحوّل، ومحدودية الثقافة الديمقراطية لدى النخب السورية، وقصور وعي التيارات السياسية، ونفور أغلب السوريين من السياسة، والتعصب القومي والطائفي والمذهبي، وقصور الخطاب الإسلامي السلفي السائد، وتعدد السرديات بين ثنائيات عديدة، وتحدي جمع السلاح.
فطالما أنّ أغلب الفصائل العسكرية تعتاش على الفوضى وغياب سيطرة الدولة، فإنّ فتح آفاق دولة الحق والقانون يتطلب جمع السلاح ووضعه تحت تصرّف دولة الحق والقانون. إذ إنّ سقوط النظام التسلطي لا يضمن عملية التحوّل نحو هذه الدولة، بل يمكن أن يسفر عن مظاهر من الفوضى والعنف.
كما أنّ السنوات الأربع عشرة للثورة كانت كاشفة لتمزّق النسيج الوطني، مما يؤكد ضرورة الانتقال إلى بيئة قانونية في سوريا الجديدة، تضمن الحقوق لكل مكوّنات الشعب السوري، من خلال إعادة بناء الدولة السورية، استناداً إلى الشرعية الدستورية والرضا المجتمعي. وهنا تبرز طريقة قيادة المرحلة الانتقالية في إدارة الدولة كعامل رئيسي، فإذا كانت تعمل على حماية مبدأ التنوّع ضمن إطار الوحدة، وتضمن الحريات الفردية والعامة والمساواة أمام القانون، يكون التنوّع والتعدد فرصة لتوظيف إمكانيات كافة مكوّنات الدولة في سبيل التنمية والتقدم والازدهار.
ومما يُؤسَف له أنّ مجزرتي الساحل والسويداء أثبتتا أنّ سلطات الأمر الواقع ليست في وارد اعتبار التنوّع السوري غنىً، وظهر ذلك من خلال الفزعات التي أطلقها ممثلوها للعشائر وقوى أمنها وجيشها. كما يظهر هذا الاستهتار بهذا التنوّع من خلال «تسييس العدالة» في تشكيل لجنتي التحقيق في المجزرتين، حيث غلب عليهما الطابع الأيديولوجي المنسجم مع التوجهات الإسلاموية للسلطة.
مما يستلزم مراجعة موضوعية ومتزنة لما تحقق حتى الآن، لمسارٍ يُفترض أن يقود البلاد نحو مرحلة استقرار سياسي، واقتصادي، واجتماعي، يتزامن فيه ترسيخ السلم الأهلي مع تحقيق تقدم ملموس في إطار العدالة الانتقالية، في ظل فكر مؤسساتي عصري يبني سلطات الدولة. وللأسف ما زلنا نجد استمراراً للعنف والقتل خارج إطار القانون. كما يُلاحظ وجود معاناة شديدة للأهالي العائدين، حيث يُشار إلى وجود إهمال خدميّ واضح لهم في الكهرباء والماء والسكن والتعليم. إنّ التجديد الحقيقي هو ذلك الذي يقترن بخطوات متكاملة مع تحسين البنية التحتية، وخدمات النقل، والطاقة، والتعليم، وبناء مؤسسات دولة عصرية تضمن شمولية التحوّل وتوازنه.
وبعد أن حوّلت سلطة آل الأسد الدولة من فضاء عام لكل المواطنين إلى فضاء خاص لأهل الولاء للسلطة الأمنية، تَكمُن أهمية تقديم رؤية سياسية أخرى لسوريا الجديدة، تتمحور حول أسئلة السياسة الرئيسية: تأكيد حيادية الدولة باعتبارها دولة كل مكوّنات المجتمع السوري، والتعاطي مع أسئلة الدولة والمواطنة والحريات العامة والفردية، والسياسة الخارجية التي تخدم مشروع إعادة الإعمار. ولا شك أنّ الأمر يتطلب إعادة هيكلة النظام السياسي، وإطلاق حرية تشكيل الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، وبناء جيش وطني حديث، تنخرط فيه كل مكوّنات الشعب السوري – وليس الفصائل العسكرية التي اجتمعت في «مؤتمر النصر» فقط – إضافة إلى عدالة انتقالية، ومصالحة وطنية.
كما أنّ نجاح عملية التحوّل مرهونة بتوفّر التوعية السياسية المكثفة لقطاعات واسعة من الشباب والنساء، وتشكيل كتلة تاريخية واسعة من القوى السياسية العاملة من أجل نجاح هذا الخيار، والاستفادة من الدعم الدولي لما يخدم عملية الانتقال. مما يفرض على قيادة المرحلة الانتقالية تجاوز العصبية الأيديولوجية، من أجل إعادة بناء الدولة الوطنية السورية الحديثة، إذ لم يعد – في عالم اليوم – ممكناً البقاء بعيداً عن ثورة الحرية والكرامة للمواطن السوري.
إنّ توافقاً بين هذه القيادة والتيارات السياسية والمجتمعية قد يُساهم بتطوير آليات التغيير المجدية، خاصة إذا تم التوافق على تشكيل مجلس للوفاق والإنقاذ يضم ممثلين عن كل المكوّنات الفكرية والسياسية للشعب السوري، بما يُساعد على توسيع رقعة الحريات العامة، وتحريك وعي الجماهير، ودفع شرائح واسعة منها إلى الانغماس في خضم العمل السياسي العام. مما يفرض على قيادة المرحلة الانتقالية الدعوة الشاملة إلى الحوار الوطني المفتوح والمجدي والعملي مع القوى السياسية والمدنية والثقافية الأساسية، مما يرفع من شأنها في أعين المجتمع، ويفتح المجال لتجسيد قيم التغيير وحاجاته في الواقع.
ومن جهة أخرى، باعتبار أنّ المنطقة مقبلة على تحوّلات تضبطها توازنات إقليمية وشروط القوى الدولية الكبرى، ثمّة إمكانية لرسم جديد لأدوار دول المنطقة. وفي هذا السياق، تندرج فرصة مكانة سوريا الجديدة، إذ إنّ الاحتضان الدولي والإقليمي لها يندرج ضمن إطار إعادة التموضع في الشرق الأوسط، مما يشكّل فرصة للسوريين يجدر بهم عدم تفويتها.
إنّ السوريين يأملون أن تتمكّن قيادة المرحلة الانتقالية من اغتنام فرصة إعادة التموضع في الشرق الأوسط الجديد، من خلال حرصها على ملاءمة خطابها البراغماتي في السياسة الخارجية مع سياسات داخلية تنتمي إلى قيم العالم المعاصر. كما يبدو أن مستقبل الاحتضان الإقليمي والدولي مرهون بمدى انتقال القيادة السورية الجديدة من الثورة إلى دولة الحق والقانون، وإقلاعها عن الرهان على مقولة «من يحرّر يقرّر»، ونجاحها في توظيف كل الموارد الاقتصادية والبشرية السورية، على قاعدة أهل الكفاءة – لا أهل الولاء – في إعادة الإعمار.
وفي سياق هذه الالتزامات والضغوط المتعدّدة عليها، يمكن تفهّم ميلها للتهدئة مع إسرائيل، ضمن إطار مقاربة ناضجة، تأخذ بعين الاعتبار موازين القوى الحالية، إضافة إلى حاجة سوريا إلى الأمن والاستقرار لإعادة عجلة الاقتصاد وتلبية الحاجات الضرورية للمواطن السوري. وهنا يبرز السؤال عن المدى الذي يُمكن أن تصل إليه عملية «التطبيع الناعم» تلبيةً للضغوط الأميركية والإقليمية، وهل تبقى في إطار تفادي التصعيد الإسرائيلي على أمل تفعيل اتفاقية «فك الاشتباك» لعام 1974، وتأجيل الحديث عن الانضمام إلى اتفاقيات «السلام الإبراهيمي» ريثما يُفتح أفق السلام العادل، القائم على ضمان وحدة الأراضي السورية؟.
وفي هذا السياق، تواجهنا عدة أسئلة وتحديات: هل ستكون الجمهورية السورية الثالثة دينية أم مدنية؟ ما مدى ضمانها للحريات الفردية والعامة بما فيها حرية المعتقد؟ وكيف يتم تأمين تداول السلطة والفصل بين السلطات الثلاث. كما يتطلب طمأنة تلك الدول، بأن الهدف الأساسي للسياسة الخارجية السورية هو المساهمة في خلق وضع إقليمي ودولي، يتمتع بالتعاون المُشترك من أجل التنمية، والاحترام المتبادل، والشراكات الاستراتيجية، ونبذ التطرف.
إنّ تجاوز مرحلة الاستبداد، وإعادة السلم الأهلي ووحدة المجتمع، يتطلبان تهيئة النفوس بردِّ المظالم وإعادة الحقوق لأصحابها، والتعويض للمتضررين، والكشف عن مصير المفقودين، وتحديد المسؤوليات، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات والجرائم ضد الإنسانية. وأكثر ما يهدد هذه العدالة هو العمى الأيديولوجي لدى البعض والتعصب الفئوي لدى البعض الآخر، اللذان ينذران بنشوء بؤر متفجرة للنزاعات الطائفية والقومية، ما يفسح في المجال أمام احتمال إسقاط مشروع التغيير السياسي في أتون الفوضى والصراع الأهلي. إذ إنّ العدالة الانتقالية في سوريا تهدف إلى إطلاق المصالحة المجتمعية الشاملة، لكي تتمتع الأجيال المقبلة ببيئة اجتماعية سليمة، غير مشوّهة بأحقادٍ أو مساعٍ للثأر. كما أنها المدخل اللازم لنجاح عملية الانتقال السياسي، والاعتراف بحقوق ضحايا النظام التسلطي وقوى الأمر الواقع الأخرى، خصوصاً مجزرتي الساحل والسويداء وتفجير كنيسة مار الياس في ريف دمشق، ومنع تكرار ما حدث.
المخاطر التي أظهرتها الشهور الماضية
بعد ثمانية أشهر من التغيير بدا حصاد «سلق» الحوار الوطني، وتجاهل أهمية عقد مؤتمر وطني حقيقي، واستبعاد المشاورات مع المنظمات السياسية والحقوقية، ومخالفة الإعلان الدستوري الذي صادق عليه الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، حيث تمت مخالفته مؤخراً من خلال إصدار مرسومين، كما ذكر مختصون في الشؤون الاقتصادية: أولهما، ينص على إحداث مؤسسة تحت مسمى «الصندوق السيادي» وتتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، وترتبط مباشرة برئاسة الجمهورية. وثانيهما، آخر يعدل فيه قانون الاستثمار، يسمح للرئاسة بالتصرف بممتلكات القطاع العام والاستثمار بمعزل عن الوزارات أو السلطة التشريعية. مما يعكس إطاراً قانونياً غير خاضع للمساءلة، إذ لا توجد أي جهة رقابية مستقلة، ولا إلزام بنشر تقارير مالية دورية. وبهذه الطريقة، يُعاد تسويق مركزية السلطة كخطوة «إصلاحية»، لا كعامل خطر على مستقبل الاقتصاد السوري.
كما أدى تعطيل قانون الأحزاب، إلى تسييس أدوار مشايخ الدين وعملقتها في الفضاء العام، كناطقين رسميين باسم السلطة. إنّ الخلط بين الدين والدولة يُنتج سلطة لا تُحاسب، لأنها تستمد شرعيتها من السماء لا من الناس. وفي مثل هذه السلطة، لا يمكن للمعارضة أن تكون سلمية، لأنها لا تواجه قراراً إدارياً، بل مواجهة يُراد لها أن تبدو كُفراً بالقيم الأسمى. بل إنّ القرار 53 الصادر عن وزارة الخارجية، في 27 آذار (مارس) الماضي، بإنشاء «الأمانة العامة للشؤون السياسية»، باعتبارها بوابة لتنظيم العمل السياسي، يُصادر القانون الذي ينتظره نشطاء الشأن العام، والذي كفله الإعلان الدستوري، في 13 آذار (مارس)، حيث ورد في المادة 14 «تصون الدولة حق المشاركة السياسية وتشكيل الأحزاب على أسس وطنية وفقاً لقانون جديد، وتضمن الدولة عمل الجمعيات والنقابات». في حين أننا أحوج ما نكون إلى عدم احتكار العملية السياسية، والبحث عن أوسع توافق بين أغلب التيارات السياسية الفاعلة، على قاعدة الحلول الواقعية للتعاطي مع تحديات هذه المرحلة الصعبة.
كما يبدو أنّ هناك فصائل متطرفة مسلحة ذات أيديولوجيات سلفية جهادية تعمل في إطار مقولة «الولاء والبراء»، ترفض الانخراط في المؤسسات الأمنية للدولة السورية الجديدة، مما يعكس عجزاً لسلطة المرحلة الانتقالية عن السيطرة على هذه الفصائل، ويهدد بالمزيد من المخاطر الأمنية. مع العلم أنّ التاريخ السوري المعاصر يُشير إلى أنّ الفكر السلفي الجهادي غريب عن البنية الثقافية لمسلمي المجتمع السوري، ومما يؤسف له أنّ العديد من المشايخ في مواقع المسؤولية يبررون القتل الطائفي بوصفه سلوكاً فردياً لعناصر غير منضبطة، بالرغم من تهديده للسلم الأهلي ولمستقبل سوريا الجديدة.
ومما يؤسف له أنّ السوريين كانوا ينتظرون إعلان هيئة مستقلة للعدالة الانتقالية ذات مصداقية، ولكنهم فوجئوا بالعفو عن العديد من مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية في العهد البائد، وبتعيين بعضهم في لجان السلم الأهلي!! الأمر الذي جعلهم يشككون في احتمال تطبيق مبادئ العدالة على «إخوة المنهج»، والعمل الجدي على منع ازدهار خطاب التطرف، التدخل في الحريات الفردية والعامة للمواطنين، بذريعة «الخصوصية الثقافية»، التي تراها قوى التطرف وأجهزة الأمن في ملبس ومشرب السوريين والسوريات، وكأن هذه الحريات هي مصدر تهديد للسلم الأهلي وليس قوى التطرف والإرهاب.
ويمكن للتعصّب والإرهاب أن يكون سبباً في تفكك الدولة والمجتمع، فعندما تكون «الهوية الدينية» عاملاً وحيداً للتماسك الاجتماعي، لاسيما في المجتمعات متعددة المكوّنات الدينية والمذهبية والقومية، كما هو الحال في سوريا، فإنها تصبح مورد التعبئة والتحشيد العام الوحيد لأصحاب مشروعات الهوية المغلقة.
كيف نعظّم الفرص ونحدُّ من المخاطر
تتطلب المرحلة الانتقالية إدارة رشيدة للتعاطي المجدي مع تحديات بناء دولة الحق والقانون، دولة يكون فيها المواطنون أحراراً ومتساوين في الحقوق والواجبات، طبقاً لمؤسسات وقيم التحوّل المتدرج. مع العلم أنّ نجاح عملية التحوّل مرهون بتوفّر: التوعية السياسية المكثفة لقطاعات واسعة من الشباب والنساء، وتشكيل «كتلة تاريخية» واسعة من القوى السياسية العاملة من أجل نجاح هذا الخيار، والاستفادة من الدعم الدولي لما يخدم خيار هذا البناء، وقطع الطريق على قوى الثورة المضادة. وهذا يدعونا إلى القول إنه من دون معارضة وطنية حقيقية تُسهم في ترشيد سلوك السلطة، وتهذّب نزعات الاستبداد الكامنة فيها، وتساعدها في حماية مصالح البلد من التهديدات والتحدّيات الداخلية والخارجية، يغدو مصير سوريا، فعلاً وقولاً، في مهبّ الريح.
إنّ تحديات كثيرة ستواجه سوريا في المرحلة الانتقالية، مما يتطلب تأسيس أحزاب سياسية نوعية ومختلفة، حاضنتها الاجتماعية من شابات وشباب سوريا، وبوصلتها المصالح العليا للشعب والوطن، ترفع ألوية الفكر والسياسة والواقع، بدل الأيديولوجيا التي قتلت الفكر والروح، تتبنى الديمقراطية منهجاً وقيماً وسلوكاً وعملاً، تؤمن بالعمل المشترك مع الآخرين، وتعمل بالعقلية المؤسساتية، بما تقتضيه من فرق عمل متناغمة ومتكاملة وذات جدوى، تقيم حياة حزبية داخلية ديمقراطية، مؤسسة على الشفافية والمحاسبة والنقد والمراجعة، والانتشار الأفقي بين مختلف المكوّنات السورية، على أساس برامج تستجيب لتطلعاتها.
إذ إنّ المعارضة السياسية المشروعة تشكّل متنفّساً للمجتمع لممارسة حقّه في التعبير عن رأيه، عبر ممثليه في المؤسّسات الوطنية أو عبر وسائل الإعلام، لأن البديل يكون، عادة، اللجوء إلى الشارع، مع ما يعنيه ذلك من احتمال الانزلاق إلى العنف والفوضى. بهذا المعنى، تؤمّن المعارضة طرقاً شرعية، سلمية ومنظّمة، للتعبير عن الرأي المخالف، والضغط عبر الإعلام، والرأي العام، والأحزاب السياسية، لتبنّي سياسات بديلة، تقيّد الاستبداد، بما في ذلك طغيان الأغلبية السياسية المُنتخَبة.
في هذا السياق، يجدر بالمعارضة السورية بكل أطيافها، أن تبحث عن أشكال متطورة للحضور الشعبي الكثيف، خاصة من الشباب والنساء، في فعالياتها السلمية، كي تضمن استكمال عملية التحوّل المطلوب. بعد أن أصبح إنجازه، في كافة البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، ضرورة للتمكن من التعاطي المجدي مع تحولات العالم المعاصر طبقاً للمصالح الوطنية السورية العليا. ولعلَّ برنامجاً تشاركياً شاملاً يساعد على الخروج من خيارات الماضي – الذي يفتقد حرارة التواصل مع الحاضر والمستقبل – إلى خيارات المستقبل التي تفتح الأفق أمام انطلاق مبادرات كل مكوّنات الشعب السوري.
ولا شكَّ أنّ نجاح أي مشروع للتغيير مرتبط بإجراء إصلاح سياسي شامل، مقدماته الضرورية تقوم على إلغاء كل القيود على الحريات الفردية والعامة، وتقوم أيضاً على الدعوة إلى استقلال القضاء وسيادة القانون، إضافة إلى كل أسس النظام الديمقراطي، بما يضمن قيام دولة حق وقانون قوية وعادلة.
ومن غير الممكن تصوّر سوريا لكل مواطنيها بمعزل عن عودة الروح إلى المجتمع المدني، وضمان مؤسساته المستقلة عن سلطة الدولة، بما يخدم إعادة بناء الدولة السورية الحديثة. إذ من الصعوبة بمكان إعادة بناء الدولة السورية الجديدة، بعد ديمومة الاستبداد لـ 54 سنة، دون فضاء سياسي ومدني تعددي، يقطع مع الاستبداد وينهي حكم الميليشيات العسكرية، ويمنع إدارة المرحلة الانتقالية بعقلية فئوية.
فهل تستجيب قيادة المرحلة الانتقالية للمخاطر الكبرى، خاصة التفرد في السلطة، وهيمنة الديني على السياسي، وسيطرة قادة أجانب على مفاصل أساسية في مواقع الجيش والأمن. بحيث نقتنع أنّ الدولة فضاء عمومي لكل المواطنين يحكمه القانون المتوافق عليه، مما يفترض تقديم أهل الكفاءة والوطنية والمصداقية على أهل الولاء الذين يدّعي بعضهم حصوله على شهادات جامعية.
نحن اليوم لا نحتاج إلى مجرد دولة جديدة، بل إلى مجتمع جديد. إذ إنّ أيَّ مشروع سياسي بدون قاعدة اجتماعية واعية، سيفشل كما فشلت المشاريع السابقة.
موقع الجمهورية
——————————–
وهم المقارنة وهوى التقسيم/ محمد خالد الرهاوي
2025.08.10
في خضم النقاشات الدائرة حول مستقبل سوريا، ومع تعقيدات المشهد الميداني والسياسي، تبرز على السطح مصطلحات ومفاهيم يُعاد تدويرها وتوظيفها لخدمة أجندات متباينة، ولعل من أبرزها النموذج الإماراتي الذي تستدعيه قسد وبعض الميليشيات الخارجة عن القانون في السويداء، وفلول النظام الساقط في الساحل، للترويج والتسويغ لمشاريعهم اللاوطنية المشبوهة تحت أسماء اللامركزية أو الفيدرالية، لكن نظرة متأملة فاحصة تكشف أن هذه المقارنة ليست فقط في غير محلها، وإنما هي مقارنة مضللة تخفي وراءها هوى لتقسيم سوريا وتفتيتها تحت ذرائع واهية.
إن طرح الأطراف المذكورة آنفا النموذج الإماراتي في السياق السوري الراهن لا يعدو أن يكون محاولة لتغليف مشروع انفصالي بغلاف وحدوي جذاب؛ تحت شعار منع تكرار المظلوميات والتهميش الذي كان على أيام النظام الساقط، مستشهدة بنجاح تجربة الإمارات العربية، لكن هذا الاستشهاد يتجاهل عن عمد أو عن جهلٍ ثلاثة اختلافات جوهرية كفيلة بنقض هذه الادعاءات على نحوٍ يجعل المقارنة بين الحالتين ضرباً من العبث السياسي والتاريخي والاجتماعي.
الاختلاف الأول: منطق الوحدة مقابل منطق التفتيت
يكمن الاختلاف الجوهري الأول والأكثر أهمية في فلسفة النشأة ومنطق التكوين في أن دولة الإمارات هي قصة نجاح في الاتحاد، وليست في الانفصال، فقد قامت الدولة عام 1971 على أساس اتحاد طوعي بين سبع إمارات كانت مستقلة ذات سيادة محدودة، وكانت كيانات منفصلة، قرَّر حكامها التوحد في دولة واحدة قوية، إدراكاً منهم بأن في الاتحاد قوة ومنعة وازدهارا، وكان الدافع هو الانتقال من حالة التجزئة إلى حالة الوحدة، ومن الضعف إلى القوة، من أجل بناء دولة عصرية قادرة على مواجهة تحديات المستقبل.
على النقيض تماما، فإن ما تطرحه قسد والميليشيات الإجرامية في السويداء هو عملية عكسية تماما، فهي لا تسعى إلى توحيد كيانات منفصلة، وإنما إلى تفكيك دولة موحَّدة، وإلى اقتطاع محافظات سورية وتحويلها إلى أقاليم شبه مستقلة أو مستقلة تماما ويكون الانتماء إلى سوريا شكليا، ولا يد للحكومة المركزية عليها.
إذن، فالنموذج الإماراتي قام على فلسفة (التوحيد)، وتقوم المشاريع المطروحة في سوريا على فلسفة (التفتيت)، والأول بنى دولة من إمارات، والثاني يريد أن يبني إمارات من دولة. ولا شك أن هذا التناقض الجذري يجعل أي مقارنة بينهما مضللة وتهدف إلى خداع الرأي العام، فما يطالبون به ليس لامركزية وفق النموذج الإماراتي، وإنما تقسيم مقنع بأسماء مظللة وشعارات خدّاعة.
الاختلاف الثاني: أساس التكامل الوطني مقابل أساس المحاصصة العرقية والطائفية
الفارق الجوهري الثاني يتعلق بالأساس الذي قام عليه الاتحاد؛ فالنموذج الإماراتي لم يقم على أساس عرقي أو طائفي، وإنما على أساس التكامل الوطني والمصير المشترك، فالإمارات السبع رغم خصوصية كل منها تشترك في هوية عربية وإسلامية واحدة وتاريخ مشترك ورؤية اقتصادية متكاملة، ولم ينشأ الاتحاد ليعطي لكل قبيلة أو عائلة كانتونا خاصا بها، ولكن ليدمج الجميع في هوية وطنية جامعة هي الهوية الإماراتية، فالهدف كان تجاوز الخصوصيات المحلية لصالح هوية وطنية أسمى وأشمل.
وفي المقابل، نجد أن المشاريع المطروحة في سوريا تنطلق من رؤية تقسيمية بحتة؛ فمشروع قسد ذو طابع عرقي واضح، ويسعى إلى إنشاء كيان خاص بالأكراد في شمال شرقي سوريا مع أن العرب هم الأكثرية في تلك المنطقة، ولا تتجاوز نسبة الأكراد 25 % في الحسكة، ولا وجود لهم في دير الزور والرقة (عدا عدد محدود من قراها). وأما دعوات فلول الساحل وعصابات السويداء فتنطلق من منطلق طائفي ضيق، وتسعى إلى استغلال الخصوصية الدينية لخلق كيان طائفي خاص بها منفصل عن محيطه الوطني السوري، متجاهلة أن سوريا كانت دائما وطنا لكل أبنائها بمختلف أطيافهم وانتماءاتهم وأن قوتها تكمن في هذا التنوع ضمن إطار دولة واحدة موحَّدة. ولا يخفى أن هذه المشاريع القائمة على العرق أو الطائفة هي وصفة مضمونة لإشعال حروب أهلية لن تنتهي، وللتخلي عن الهوية السورية الجامعة لصالح هويات فرعية متناحرة، وهذا عكس ما فعله النموذج الإماراتي الذي صهر الهويات المحلية في هوية وطنية واحدة وقوية.
في مواجهة هذه المشاريع التقسيمية المدمرة، طرحت الحكومة السورية الجديدة رؤية واضحة وبديلة؛ وهي اللامركزية الإدارية من دون المساس بالمركزية السياسية، وهذا هو الحل العقلاني والوطني الذي يلبي الحاجة إلى التنمية المحلية من دون التضحية بوحدة الدولة وسيادتها
الاختلاف الثالث: المركزية السياسية والعسكرية مقابل الفوضى المسلحة
قد يظن بعض هؤلاء أن دولة الإمارات العربية المتحدة تفتقر إلى حكومة مركزية قوية لأنها دولة اتحادية، وهذا هو الوهم الثالث الذي يسوِّقه دعاة الانفصال، ويجهلون أو يتجاهلون أنها تتمتع بمركزية سياسية وعسكرية صارمة بقيادة العاصمة أبوظبي، رغم لامركزيتها الإدارية والاقتصادية الواسعة، وتتجلى المركزية في جملة أمور من أبرزها:
أن الأمور السيادية الكبرى مثل السياسة الخارجية والدفاع والأمن القومي هي حكر بيد الحكومة الاتحادية، ولا يمكن لأي إمارة من الإمارات الست الأخرى التواصل مع الدول لأغراض سياسية أو عسكرية أو أمنية فضلاً عن أن تعقد اتفاقيات سياسية أو عسكرية معها بشكل مستقل.
أن لديها جيشا واحدا موحدا لا سبعة جيوش، وقيادته وإدارته وتسليحه والإنفاق عليه يتم بشكل مركزي من أبو ظبي، ولا يمكن لأي إمارة أن تشكل جيشا خاصا بها، سواء أكان مستقلا أم داخل الجيش الإماراتي الموحد.
وهنا يكمن التناقض الصارخ مع ما تطالب به قسد والميليشيات الإجرامية الانفصالية الأخرى، فهي تطالب بلامركزية سياسية وعسكرية كاملة وليست لامركزية إدارية فقط، وتريد بناء جيوش خاصة داخل الجيش السوري الموحد، وقوى أمنية مستقلة داخل وزارة الداخلية، وهذا بلا شك ليس نظاما فيدراليا وإنما تقسيم للدولة الواحدة إلى إمارات متحاربة، فوجود جيوش متعددة قائمة على أساس طائفي وعرقي داخل دولة واحدة يعني غياب الدولة نفسها واستمرار الصراع والفوضى إلى ما لا نهاية، وإن استقرت مؤقتا فلن تلبث أن تعود فتشتعل من جديد عند أول شرارة طائفية أو عرقية.
والأخطر من ذلك هو أن هذه الميليشيات (قسد، فلول الساحل، عصابات السويداء) لا تخفي أجنداتها المعادية للحكومة المركزية في دمشق ولم تتوقف عن التآمر عليها علنا، ولا عن التنسيق والتواصل العلني مع أعداء سوريا التاريخيين، وفي مقدمتهم الكيان الصهيوني، بل قد وصل بهم إلى الطلب منه قصف دمشق، وقد كان في خيانة لا يمكن أن تنسى، وستظل وصمة عار على جبينهم مدى الدهر.
لكن أمام هذه الطروحات المشبوهة ما البديل الوطني؟ هل نكتفي برفضها والتنديد بها؟
في مواجهة هذه المشاريع التقسيمية المدمرة، طرحت الحكومة السورية الجديدة رؤية واضحة وبديلة؛ وهي اللامركزية الإدارية من دون المساس بالمركزية السياسية، وهذا هو الحل العقلاني والوطني الذي يلبي الحاجة إلى التنمية المحلية من دون التضحية بوحدة الدولة وسيادتها؛ فاللامركزية الإدارية تعني منح المحافظات والمجالس المحلية صلاحيات أوسع في إدارة شؤونها الخدمية والتنموية والاقتصادية في إطار ثوابت وطنية لا يمكن تجاوزها، أهمها:
وحدة الأرض والشعب، فسوريا دولة واحدة غير قابلة للتجزئة كما صرح بذلك الرئيس أحمد الشرع وكما هو المنطق، فنحن في عصر تتكتل فيه دول قوية في اتحادات وليس في عصر تفتيت الدولة الواحدة إلى كيانات ضعيفة متناحرة.
مركزية القرار السيادي بأن تبقى السياسة الخارجية والدفاع والأمن القومي والسياسة النقدية واتخاذ وتوقيع الاتفاقيات والمعاهدات ومذكرات التفاهم، وقرار الحرب والسلم في يد الحكومة المركزية في دمشق.
جيش واحد بأن تكون القوات المسلحة السورية هي المؤسسة العسكرية الشرعية الوحيدة المخوَّلة بالدفاع عن الوطن وحماية حدوده وما يستلزم ذلك من احتكار امتلاك السلاح المختلفة وتصنيعها واستيرادها.
هذا هو الفرق بين مشروع بناء الدولة ومشاريع هدمها، ومشروع تقويتها وتكاملها ومشاريع تفتيتها، فاللامركزية الإدارية تقوّي الدولة وتزيد من فعاليتها وتكاملها، واللامركزية السياسية التي تطالب بها الميليشيات مشاريع للتقسيم وتأسيس كانتونات طائفية وعرقية تكون خناجر غدر في ظهر الدولة. ولست أشكُّ ولو للحظة أن استدعاء قسد وأمثالها للنموذج الإماراتي بتشجيع صهيوني صريح ومفضوح هو محاولة يائسة للعب على وتر المظلومية التاريخية، ولإلباس مشروع خيانة وطنٍ ثوبَ الديمقراطية وحقوق الأقليات والعدالة وما إلى ذلك من كلام معسول قد دُسّت فيه كل أنواع السموم، ولست أشك ولو للحظة واحدة أن السوريين -الذين قدموا تضحيات جسيمة لتحرير بلدهم من النظام الساقط ومن الاحتلالين الروسي والمجوسي وميليشياته الطائفية العابرة للحدود- يمتلكون من الوعي الكافي ما يستطيعون به إفشال كل المخططات التي تستهدف وطنهم واستقلالهم، فهم يدركون تماما الفرق بين الدعوات الصادقة للتطوير والإصلاح، وبين المشاريع المشبوهة التي تخدم أجندات خارجية تهدف إلى تدمير سوريا دولةً وهويةً وتاريخا وحاضرا ومستقبلا، ولن تنطلي عليهم مثل تلك الدعوات والشعارات وإن تزينت بأسماء براقة وأضغاث أحلام، وسيحافظون على وحدته مهما كان الثمن غاليا ورغم كل التحديات الداخلية والخارجية.
تلفزيون سوريا
—————————–
سوريا.. الدولة المتعثرة وصعود الطائفية والشعبوية/ د. عماد العلي
2025.08.10
بعد الأحداث الأمنية المؤسفة في الساحل السوري قبل بضعة أشهر، تواصلت الخلافات بين القيادة السورية الجديدة وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ثم جاءت أحداث السويداء في جنوبي سوريا لتكون شاهدة على استمرار المآساة السورية بعد معاناة استمرت لسنوات من ويلات إجرام نظام الأسد البائد.
والفارق اليوم أن حالة الخلافات الحالية تنذر بمزيد من التشظي المجتمعي. وليس سراً أن نشوة الفرح بسقوط نظام الأسد كانت مصحوبة بقلق من المستقبل، فالتوترات التي نشهدها اليوم هي أعراض متوقعة لمخاض ولادة عسير للدولة السورية الجديدة. لا نهدف في هذه المقالة لتوصيف ما يجري لأننا نعتقد أن في ذلك مضيعة للوقت، فالجميع يعرف أن البلد يشهد أزمة سياسية وأمنية حقيقية، ولا بد من العمل لمواجهتها ومنع تفاقهما. كما لن ندخل في تفاصيل التدخلات والتحديات الإقليمية والدولية الخارجية، انطلاقاً من القناعة الراسخة بأن مشروع الدولة هو مشروع سوري خالص لن يقوم به إلا السوريون أنفسهم بشرط توفر الإرادة القوية لذلك. بناءً عليه، سنحاول الدخول في عمق أسباب الأزمة (وليس توصيفها) لتعريف أصلها، ما قد يساعد في تحديد الأدوات لمعالجتها. باختصار، نسعى لوضع إصبعنا على الجرح السوري، لتحديد موطن الأزمة وتبعاتها والمخارج المستدامة منها.
الطائفية وانسداد المشروع الوطني
إذا أردنا تصدير قراءة تقديرية عميقة للواقع السوري الراهن، فإننا نجد أنفسنا مجبرين على مواجهة إرث ثقيل من الإشكاليات التي لا مفر من معالجتها بشكل مباشر من دون مراوغة بالكلمات، والطائفية هي واحدة من أهم هذه الإشكاليات التي لا يمكن تجاهلها. بالفعل، يصعب إنكار وجود مشكلة طائفية في سوريا، لكنها ليست وليدة اليوم، إنما قديمة متراكمة منذ عقود وتنامت وتجذرت في ظل حكم الأسدين الأب والابن كونها كانت “العصبية” – وفقاً لمصطلح ابن خلدون – التي قادت لبناء منظومة سياسية أساسها الانتماء الطائفي وليس الوطني. بهذه الطريقة، نجح الأسد الأب بخلق طائفية مستترة غير مُعلنة. والأسوأ أن النظام لعب على الوتر الطائفي بتولية شخصيات من الطائفة العلوية لمفاصل الدولة وأركان القيادة، وجذب أطراف من الأقليات الدينية والعرقية الأخرى ليشكل جماعة سياسية تمثل الأقليات بالدرجة الأولى لمواجهة الأكثرية السُنية التي كان يرى فيها تهددياً لوجوده.
نشدد هنا على أمرين: الأول أن هذا لا يعني التسليم بأن الأقليات كانت منخرطة في هذا التحالف الطائفي، لأن الأعضاء المتحالفين لم يمثلوا بالضرورة المكون أو الطائفة التي ينتمون إليها أو لأن النظام حصل على شرعيته من هذه المكونات بمجرد قبولها به من دون أن تكون جزءاً منه؛ والثاني أنه لا يمكن إنكار إجادة نظام الأسد للوجه القذر من اللعبة السياسية بجذبه لشخصيات من السُنة في محاولة منه لشرعنة سلطته. والمؤكد بطبيعة الحال أن مجرد نشوء هكذا تحالف كان تعبيراً عن الجو السياسي المشحون وعن غياب مشروع الدولة الوطنية آنذاك. كانت الوطنية مجرد شعار لا قيمة له أمام الواقع المرير المُعاش، وفي حين كانت السجون تعج بالناشطين السياسيين، كانت أدوات النظام الإعلامية تتغنى بالوطن وأكذوبة “الوطن للجميع”.
بدأت ملامح الطائفية المستترة تتكشف مع انطلاق الثورة عندما استشعر نظام الأسد أن وجوده أصبح مهدداً، فاهتزت بنية النظام بسبب محاولة الطوائف والمكونات التفكير بمصالحها بمعزل عن النظام، ما أحدث أول صدع حقيقي في بنية نظام الحكم وأبان الضعف والهشاشة المجتمعية التي تسبب بها نظام الأسد نفسه – وهذا يبرأ طبعاً الثورة من اتهامها بتأجيج الطائفية. كان هذا الصدع اجتماعياً بالدرجة الأولى، لأن حتى الشخصيات الرفيعة العاملة تحت أمرة نظام الأسد لم تكن مُمَثلة عن صوت أو موقف الطائفة بالمعنى الفعلي للكلمة.
بعد سقوط النظام، انكشفت طائفية النظام بشكل جليّ. فما يحدث اليوم هو استمرار لأزمة طائفية تتمثل بسعي كل طائفة للحديث عن نفسها وحقوقها بمعزل عن الوطن وعن بقية مكونات الوطن. يمثل هذا تهديداً للهوية الاجتماعية والثقافية والسياسية للدولة السورية، وتهديداً حقيقياً في استحالة التوصل لنوع من الإجماع السياسي إذا لم يتم حل الأزمة سياسياً وبما يتناسب مع طبيعة المرحلة والخصوصية السورية.
مسؤولية السلطة
في خضم هذا الوضع المتوتر، يتولد الشعور بأن السلطة السورية الجديدة تقف عاجزة أمام هذه الأزمة. قد نعذرها ونجد المبررات لها لأنها ورثت هذه الأزمة. لكن عليها أن تعي أن شرعيتها مرهونة بقدرتها على التعامل مع هذه القضية على وجه التحديد، لأن شرعيتها اليوم ليست شرعية ثورية فقط، إنما شرعية سياسية واجتماعية ووظيفية وخدمية.
إن معالجة الأزمة الطائفية تتطلب شجاعة بالاعتراف بوجود الأزمة. مارس نظام الأسد الكذب والتضليل كل الوقت بحديثه عن تماسك النسيج الوطني، وكان بالفعل متماسكاً، لكن بحكم القوة والكبت والقهر، فكان تماسكاً شكلياً كاذباً. لا ينبغي علينا اليوم التغني بالتماسك الوطني ونحن نعلم أنه غير موجود، بل ينبغي وضع سردية واقعية تعكس مشروعاً وطنياً حقيقياً قادراً على توليد الإحساس الوطني الجمعي. هذه مهمة القيادة السورية الجديدة، لأن ما نراه اليوم يؤكد أنه لم يتم ملئ الفراغ السياسي والأمني بشكل كامل بعد سقوط نظام الأسد.
لا يمكن الخروج من حالة الانسداد السياسي والتغلب على الفراغ السياسي والأمني إلا بانتهاج عقلية دولة حديثة تلبي طموحات المواطنين ومتطلباتهم وتصون حقوقهم وكرامتهم. يحتاج بناء هذه الدولة لعملية تمتد
لسنوات لتطوير المؤسسات ولدعم الوعي بالدولة، وهذه باعتقادنا مسألة في غاية الأهمية، لأننا لا نتردد في الزعم بأن سوريا اليوم تقف على عتبة المحاولة الأولى لبناء الدولة. ما كان موجوداً في عهد الأسد هو سلطة حاكمة قمعت الدولة وحولتها لأداة في يدها ثم أطلقتها ضد المجتمع، ونتج عن ذلك أن أصبحت الدولة مجرد مرادف للتعسف والطغيان.
يقع العبء الأكبر اليوم على السلطة السورية الجديدة التي أسقطت نظام الأسد ووضعت نفسها في موقع المسؤولية أمام الشعب السوري. وهي مسؤولة اليوم عن كل ممارسة أو عمل بصفتها ممثلة للدولة السورية. من المؤكد أن القيادة تحتاج لوقت لتدارك الأخطاء التي ارتكبتها في الأشهر الماضية، سواء تعلق ذلك بما سمته القيادة نفسها بـ “التجاوزات الأمنية الفردية” أو ببعض القرارات السياسية التي أثارت جدلاً في الرأي العام السوري (بعض التعيينات في المواقع والمناصب مثلاً)، علاوة عن إحجامها – حتى الآن – عن تقديم تصور واقعي وملموس عن شكل النظام السياسي المستقبلي.
وحتى يكون طرحنا منطقياً وموضوعياً، نميل للقول إن هذا التعثر طبيعي وكان ليحدث مع أية قيادة جديدة. ما نقصده هنا هو أن هذه الأخطاء ليست بسبب “إسلامية” القيادة الحالية كما يحاول البعض تصويره (وخاصة من الجناح المتطرف في اليسار الشيوعي السوري). وإذا كنا قد قلنا إن هذه القيادة ارتكبت وترتكب أخطاء وعليها أن تتحلى بالنزاهة والشفافية في علاقتها مع أبناء المجتمع، فإننا نقول بالوقت ذاته أيضاً إنه ينبغي على المعارضين لها أن يخرجوا من صناديق أوهامهم الأيديولوجية وأن يواجهوا الواقع بشجاعة كذلك. يمكن تفهم الموقف السياسي للمعارضين لوجود قوة إسلامية حاكمة، وهذا حق سياسي طبيعي طالما أنه في إطار التنافس السياسي، إلا أنه لا يجوز أن يكون هذا الحق مبنياً على الاعتقاد بأنه لا يحق للإسلاميين أن يكونوا في موقع الحكم، فهذا الاعتقاد يعني الخروج عن قواعد اللعبة السياسية الحرة والنزيهة وليس من الديمقراطية التي يتهمون الإسلاميين بإنكارها.
إن الواقع يوضح أن السلطة الحالية تتمتع بمقبولية لدى شريحة واسعة من المُكَوِّن السُنّي الذي يشكل الغالبية في المجتمع السوري، وفي حين أنه على السلطة إثبات أنها لا تمثل فقط السُنّة، بل كل السوريين، فإنه ينبغي على معارضيها الاعتراف والتصالح مع معطيات الأمر الواقع الذي تغيّر. ما نراه ضرورياً وحتى حتمياً اليوم هو أن تعيد القوى السورية الأيديولوجية التفكير بأفكارها ومشاريعها وخطاباتها لتتناسب مع الواقع الجديد. وكما أنه على الإسلاميين في السُلطة مراعاة التنوع المجتمعي والثقافي السوري في سياسات الحكم والقرارات، فإنه على المعارضين لهم تفهم وجود شريحة مجتمعية غير قليلة تؤمن بالمشروع الإسلامي
—————————–
سورية من اللَّامركزية إلى المحَاصَصة/ رانيا مصطفى
09 اغسطس 2025
صحيحٌ أن من الأسلم لسورية وجود نظام حكم مركزي يوحّد البلاد ويحميها من خطر التقسيم، إلا أن فهم السلطة الحالية (كما سابقتها) لهذا الخيار ينطلق من إعادة إنتاج الديكتاتورية، وهذه المرَّة بوجه إسلامي سلفي، رغم أنَّها أتت إلى الحكم بعد ثورة شعبية ضدّ نظامٍ شمولي. لكن إعادة مركزة السلطة في بلد ممزَّق جغرافياً واجتماعياً واقتصادياً، وينتشر فيه سلاح الفصائل غير الخاضعة لسلطة موحّدة، إذا لم يكن فيه توسيع للمشاركة في صناعة القرار، سيحمل مخاطر استمرار الصراع والحرب الأهلية، إذ يعتقد الرئيس السوري أحمد الشرع أن مركزة السلطات كلّها بيده ضمن إعلان دستوري للمرحلة الانتقالية، إضافة إلى سيطرته على بيروقراطية الدولة عبر تعيين أشخاصٍ مضموني الولاء، كفيلٌ بتحقيق السيطرة المطلقة، في ظلّ توافر دعم دولي وإقليمي وعربي، فيما ستُواجه كلّ الصعوبات السياسية والأمنية عبر الحلّ الأمني (الطائفي؟)، وغير المنضبط.
كشفت الصراعات الدامية التي شهدتها البلاد في أكثر من منطقة بعد سقوط نظام الأسد هشاشة المشروع السياسي للسلطة الجديدة، والدخول في حالة استعصاء سياسي، برز في السويداء خصوصاً، واتّخذ منحىً طائفياً بالتوازي مع تدخّلاتٍ إسرائيلية تحت ذرائع أمنية، وقبلها مجازر وانتهاكات مستمرّة في الساحل ووسط سورية، إضافة إلى التحشيد المستمرّ لمعركة متوقَّعة بين القوات الحكومية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، المدعومة من الولايات المتحدة، وغيرها من دول التحالف الدولي، في ظلّ عدم تحقيق تقدّم ملموس في تطبيق بنود اتفاق مارس/ آذار الماضي بين الرئيس أحمد الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي، الذي سيُعرقَل إذا ما ثبّت اتفاق الحكم الذاتي في السويداء. ويضاف إلى ذلك الدور الغامض الذي يلعبه قائد مليشيا الدفاع الوطني في نظام الأسد فادي صقر في الساحل السوري وفي لجنة السلم الأهلي، في ما يخصّ مصير ضبّاط علويين في جيش النظام السابق، ومنهم محتجزون في سجون إدلب، ما يوحي بأن صقراً هذا هو واجهة لشخصيات في النظام البائد، ومفروضة على سلطة دمشق ضمن تسوية تحريرها في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024.
رغم أنَّ الموقف العربي في دول الخليج داعم لسلطة دمشق، ولتمكينها من السيطرة على سورية موحّدة، إلا أن واقعاً جديداً بدأ يظهر أمراً لا يمكن مواجهته، يتمثّل في قدرة الاحتلال الإسرائيلي، بعد ضرباتٍ موجعةٍ استهدفت سيادة الدولة السورية، على فرض اتفاق على الحكومة يقضي بأن يكون لمحافظة السويداء حكم ذاتي، وأن تخلو من وجود القوات الحكومية العسكرية والإدارية، مع تأمين الحكومة مخصَّصاتها من الرواتب والصّحة والوقود والطحين. وباتت دول الخليج العربي قلقةً من حالة عدم الاستقرار في سورية، ومن التدخّلات والمشاريع الإقليمية، الإيرانية والإسرائيلية والتركية، ومن عدم قدرة السلطة في دمشق على السيطرة، خصوصاً على الفصائل المنضوية ضمن وزارة الدفاع، وعلى مأسستها ضمن جيش وطني، وبدأت تُطرح خريطة طريق للحلّ، لم تنضج بعد، تتمثّل بشكل من أشكال المحاصصة بين مراكز النفوذ لقوى الأمر الواقع، والقوات الحكومية هي واحدة منها.
تركيا غير سعيدة بالنفوذ الإسرائيلي في الجنوب السوري، وترفض ترسيخ أشكالٍ من الإدارة الذاتية، وتدعم سلطة موحّدة بيد الشرع، وقد تكون لها مصلحة ما في دفعه إلى تعزيز العلاقة مع روسيا، في ما يبدو أنه حلف تركي روسي جديد في سورية، وقد يقوّي فرضية ترتيبات أمنية جديدة للساحل السوري. وجملة هذه التدخّلات الدولية والإقليمية في سورية، الداعمة لمناطق نفوذ محدّدة، سيقود تنافُسُها وتضاربُ مصالحها إلى صراعات دموية وحروب أهلية، طائفية وقومية، وقودها السوريون. وكما كان الاتفاق حول السويداء دولياً، وليس سورياً، فإن أيّ عقد اجتماعي جديد للخروج من حالة الاستعصاء السياسي هذه سيمرّ عبر صراعات كسر عظم بالوكالة بين الدول المتدخّلة حتى يكتمل. وواضح أنّ نظاماً قائماً على المحاصصات هو الوصفة التي يفضّلها الغرب لدول المنطقة. جُرّبت في اتفاق الطائف في لبنان، وجرّبت في العراق عبر دستور بول بريمر بعد احتلالها وإسقاط نظام صدّام حسين، الوصفة التي تُبقي المنطقةَ في حالة صراع على حصص الفرقاء المدعومين خارجياً، وترسّخ التفكّك الاجتماعي عبر تسييس الطوائف ومأسسة الطائفية، وتجعل إمكانية النهوض الاقتصادي مستحيلةً، وتعزّز سلطة زعامات الأمر الواقع، بشكلها الفردي: الشرع وعبدي وحكمت الهجري وآخرين.
رغم أنّ معظم السوريين الدروز في محافظة السويداء سعداء بالاتفاق الذي يمنحهم إدارة شؤونهم، حلّاً لأزمة وجودية بالنسبة إليهم، إلا أنّه لن يكون في مصلحتهم، فعلى المدى المنظور لن يتحقّق الاستقرار، إذ يفرض الاتفاق أن تبقى القرى الغربية، حيث منابع المياه التي تغذّي المحافظة، وبعد تهجير سكّانها الدروز والمسيحيين، بيد القوات الحكومية والعشائر المهاجمة، وتستمرّ الاشتباكات شمالاً قرب الطريق الواصل إلى دمشق. وعلى المدى البعيد، المحافظة الفقيرة بالموارد شبه محاصرة، ومن الصعب أن تصمد طويلاً في ظلّ إغلاق الطرق أمام حركة البضائع. والأشدّ خطراً تعويم شخصية الهجري في المحافظة قائداً درزياً، فيما بات توجّه المجلس العسكري، الذي تبنَّى طرح الإدارة الذاتية بدعم من “قسد”، الذي لا يخفي اتصالاته مع الاحتلال الإسرائيلي، هو المسيطر نتيجة التأييد الشعبي المستجدّ لهذا التوجّه، للخلاص من تهديدات الحكومة المستمرّة. وهذا يعني أنه سيكون هناك قرار موحّد، بطابع ديكتاتوري، ودعم خارجي (صهيوني)، سيُفرَض على أبناء المحافظة، في سيرورة الصراع مع سلطة دمشق، وسيكون هو المقرّر والمستفيد في حال فُرض على السوريين عقد اجتماعي قائم على المحاصصة. وهذا ينسحب على شرق الفرات وربّما مناطق أخرى.
يتطلب الخروج من هذا المأزق السياسي من سلطة دمشق تقديم حلّ وطني عبر توسيع المشاركة، وهذا لا يخصّ الطوائف والأقليات وقوى الأمر الواقع، بل يستند إلى جوهر الديمقراطية، والأخيرة هي الأساس الذي يساعد في تحقيق الشفافية والمساءلة، أي أن يستند إلى تعزيز عمل النقابات وسنّ قانون للأحزاب، وانتخاب مجالس محلّية والعمل وفقاً لقانون الإدارة المحلّية في عهد النظام السابق، الذي يعطي المحافظات السورية لامركزيةً مقبولةً لا تستند إلى الطوائف والأعراق. هذا التوسيع في المشاركة السياسية، إذا ما ارتبط بخطط تنموية، وبآلية رقابة مركزية، إلى جانب فصل حقيقي للسلطات، وتحييد الدين عن مؤسّسات الدولة، خاصّة العسكرية والأمنية، سيحقّق لامركزية معقولة تُدخل الشعب في دائرة الفعل السياسي والإنتاج، وتكفل سحب الذرائع من قوى الأمر الواقع التي تطالب بالحكم الذاتي وتستقوي بالأجنبي.
العربي الجديد
———————————-
انكشاف الدولة وصعود الانتماءات الأولية في سوريا/ د. طلال المصطفى
2025.08.09
تشهد محافظة السويداء في الجنوب السوري واحدةً من أكثر حلقات العنف الأهلي تعقيدًا في المشهد السوري، بعد تراجع سلطة الدولة المركزية. ولا يمكن فهم ما يجري بوصفه صراعًا على السلطة بالمعنى الكلاسيكي لماكس فيبر حول “السلطة العقلانية القانونية”، ولا كصدام أيديولوجي بين مشاريع سياسية متعارضة، بل كتجلٍّ لانهيار البنى الحداثية للدولة، وانكشاف المجتمع السوري أمام خطر التفكك الوطني.
ما يحدث، وفق “نظرية الانحراف البنيوي” لعالم الاجتماع روبرت ميرتون، يمكن تفسيره بوصفه نتاجًا للتوتر بين الأهداف الثقافية العامة للمجتمع والوسائل المشروعة المتاحة لتحقيقها، ما يدفع الأفراد نحو أنماط انحرافية من التكيّف، من بينها الانكفاء الطائفي والانخراط في العنف الأهلي، كردّ فعل على فقدان الأمان والضمانات المؤسسية.
الهوية الوطنية في مواجهة التفكك
السويداء، التي شكّلت نموذجًا خاصًا في الحراك السوري، مالت إلى السلمية والاستقلالية، ورفضت الاصطفافات المسلحة للنظام البائد والمعارضة على حد سواء. لكن، ووفقًا لنظرية التفكك الاجتماعي واللامعيارية لدى عالم الاجتماع إميل دوركهايم، فإن المجتمعات التي تفقد تماسكها الأخلاقي والمؤسسي سرعان ما تُنتج حالات من التفكك والانحراف الجماعي. ما نشهده اليوم هو لحظة “أنومي” Durkheimian بامتياز، حيث ينهار النظام القيمي، وتُستبدل التراتبية الاجتماعية التعاقدية بأنماط ما قبل حداثية من الانتماء. وهو ما يتقاطع مع ما يسميه إدوارد شيلز “عودة الهويات الأولية”، حين تنهار الهويات الحداثية المرتبطة بالدولة القومية المركزية، وتطفو على السطح انتماءات طائفية وعشائرية تتغذى على الخوف وغياب الأمان.
من الهوية الحداثية إلى “الهوية الحامية”
في ظل غياب الدولة كضامن قانوني وأخلاقي، يلجأ الأفراد إلى الجماعة الأولية، لا انطلاقًا من وعي طائفي مؤدلج، بل كردّ فعل دفاعي يحاكي ما وصفه بيير بورديو بـ”رأس المال الرمزي”، الذي يمنح حامله مكانة أو حماية ضمن جماعة محددة.
وتتحول الانتماءات الطائفية أو العشائرية إلى أشكال بديلة من رأس المال الرمزي، توفر شعورًا بالانتماء والأمان في زمن تتهاوى فيه الشرعيات الوطنية. وهذا لا يكشف فقط عن فشل الدولة، بل عن إخفاق مشروع “الأمة” ذاته، الذي لم يتحول إلى عقد اجتماعي جامع في السياق السوري ما بعد الاستعمار.
أزمة المثقف بين الخوف والانكفاء
من أبرز مؤشرات الأزمة الراهنة في السويداء موقف النخب السياسية والثقافية، التي فشلت في بلورة خطاب نقدي يُفكّك البنى العصبوية، واكتفت بمواقف تبريرية تعزز الانغلاق الهوياتي، تحت ذرائع الخصوصية أو الواقعية السياسية.
هذا التراجع الفكري يعكس ما أسماه أنطونيو غرامشي “أزمة الهيمنة”، حيث تعجز النخب عن إنتاج مشروع تفسيري جامع، وتفقد بالتالي قدرتها على القيادة الثقافية، لتتحول من منتجة للمعنى إلى أدوات تبرير للانقسام. فالهيمنة، في تصور غرامشي، ليست قسرًا فقط، بل قدرة على تشكيل وعي الجمهور عبر الرضا الطوعي. وعندما تفشل النخب في ذلك، ينهار التماسك المجتمعي وتُفتح الأبواب أمام الفوضى والعنف.
الطائفة كملاذ وجودي في مواجهة الخوف
لا يمكن تفسير تراجع المثقف إلى داخل طائفته أو جماعته المغلقة بوصفه موقفًا واعيًا دائمًا، بل هو غالبًا انعكاس لما يسميه زغمونت باومان “تفكك الإطار الأخلاقي” في المجتمعات السائلة. ففي هذه المجتمعات، تنهار الهياكل الاجتماعية المستقرة، وتُستبدل القيم الفردية بقيم الجماعات الأولية التي توفر الحماية في ظل الاضطراب.
وبذلك يصبح الحفاظ على الوجود الشخصي، وليس فقط المعيشي، أولوية تتقدم على الالتزام القيمي، ما يفسّر الانجذاب نحو الانتماءات الأولية في ظل تهديد الوجود والهوية.
صعود الهويات الطائفية في ظل الفراغ السيادي
لفهم صعود الهويات الطائفية، لا بد من العودة إلى مفهومي “العنف الرمزي” و”رأسمال الهوية” عند بورديو. فعندما تُسحب الشرعية من الدولة وتُترك المجتمعات في فراغ سيادي، تسعى الجماعات إلى إعادة إنتاج هوية قادرة على خلق حد أدنى من الأمان والانتماء.
وتتحول الهويات الأيديولوجية الكبرى (القومية، اليسارية، الدينية) إلى مجرد شعارات، ما لم تتجسد في مؤسسات حقيقية، كما أشار ميشيل فوكو مرارًا إلى تلازم الخطاب والسلطة.
وفي الحالة السورية، يمكن فهم كثير من خطابات الحكومة أو بعض الجماعات الطائفية بوصفها تمارس عنفًا رمزيًا، حين تفرض تعريفًا أحاديًا للوطن، أو تُقصي الآخر المختلف ثقافيًا أو دينيًا.
في هذا السياق، تصبح الطائفة فاعلًا سياسيًا، ليس لأنها تمتلك مشروعًا سلطويًا واضحًا، بل لأنها تمثل ملاذًا أخلاقيًا للفرد في زمن انهيار العقد الاجتماعي. وهو ما عبّر عنه توماس هوبز في مؤلفه الشهير اللفياثان (Leviathan, 1651)، حين ربط بين الخوف والأمن، مؤكدًا أن غياب الضامن (الدولة) يؤدي حتمًا إلى تفكك المجتمع وصعود ولاءات أولية بديلة.
من الدولة إلى اللا-دولة
ما يجري في السويداء لا يمكن عزله عن السياق السوري الأشمل، فهو يعكس ما أسماه شارل تيلي “الحرب الأهلية منخفضة الكثافة”، الناتجة عن تآكل مؤسسات الدولة وفقدانها لاحتكار العنف المشروع. فقد أسهم النظام السوري السابق، عبر تفكيكه المتعمد للمجال العام وتحويل الوطنية إلى أداة تطويع، في إعادة إدخال “القبيلة والطائفة إلى المجال السياسي”، وظهور سلطات أمر واقع.
ويصف المفكر الفرنسي أوليفييه روا هذا التحول بأنه انحسار للهويات السياسية الكبرى (القومية، الأممية، الإسلام السياسي)، مقابل صعود “الهويات الصغرى” كالطائفة والقبيلة والعرق، بوصفها هويات اضطرارية يلجأ إليها الأفراد كدرع حماية وجودي في ظل غياب الأفق السياسي الجامع.
هذه “اللا-دولة” ليست فراغًا سياسيًا فحسب، بل حالة اجتماعية ممتدة من التذرر والانقسام، تتطلب مساءلة شاملة لمفهوم الوطنية ذاته، وعلاقته بالمواطنة والانتماء والعقد الاجتماعي.
من النقد إلى التأسيس
هذه الحالة لا تمثل فقط فراغًا سياسيًا، بل تذررًا اجتماعيًا ممتدًا، يُحتم مساءلة المفاهيم التقليدية للوطنية والمواطنة والعقد الاجتماعي. إذ لا يكفي تفكيك اللحظة الطائفية، بل لا بد من تقديم بدائل حقيقية قادرة على إعادة إنتاج المجال العام، كما نظّر يورغن هابرماس في مفهومه لـ”الفضاء التداولي”، الذي يُبنى على الحوار العقلاني والاعتراف المتبادل، لا على القسر أو فرض الهويات من الأعلى.
غياب هذا الفضاء في سوريا، نتيجة الاستبداد ومن ثم الحرب، أدى إلى تهميش المواطن كفاعل حر، وأعاد إنتاجه بوصفه تابعًا لجماعته. وبالتالي، فإن قيام ديمقراطية حقيقية مرهون بإحياء هذا المجال العمومي.
إمكانية بناء مشروع وطني جامع؟
إن ما يجري في السويداء ليس حدثًا محليًا معزولًا، بل مؤشرًا بنيويًا لانفجار اجتماعي متكرر في عموم الجغرافيا السورية كلما غابت الدولة، وانكمشت النخب، وتراجعت الفكرة أمام العصبية.
السؤال المحوري لم يعد: من سينتصر في صراع جزئي؟ بل: هل لا يزال ممكنًا، سوسيولوجيًا، إعادة بناء مشروع وطني جامع؟ وهل يمكن تجاوز “اللحظة الطائفية” لصالح عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة الفاعلة؟
إن الجواب لا يكمن فقط في الحقل السياسي، بل يتطلب إعادة صياغة سوسيولوجية شاملة للعلاقات الاجتماعية والهويات والانتماءات، تعيد تعريف السياسة بوصفها ممارسة مدنية تشاركية، لا مجرد انعكاس لصراع الهويات المغلقة.
تلفزيون سوريا
———————————-
عن إعادة تشكيل الدولة في سوريا التي تطيّفت/ أحمد عيشة
2025.08.10
تشكلت الدولة الحديثة في الغرب عبر عملية تدريجية وعلى مدار زمن طويل وعبر صراعات متعددة المستويات، وفي الماضي، نشأت في أماكن أخرى من العالم نماذج عدة للعلاقة بين الحاكم والمحكوم، حيث وجدت الجماعات المتفرقة، في بعض الظروف، أن خطر الغزاة مهدد لوجودها، فاضطرها ذلك إلى الاتحاد دفاعًا عن وجودها ومصالحها، أو كان ذلك نتيجة لإرادة زعيم تلك الجماعة، وبالتالي تشكلت وحدات جديدة أكبر في مكان يمكنها الدفاع عنه.
اليوم، لم تعد المطالبة باتباع النموذج الأوروبي في بناء الدولة ونظامها السياسي تفهمًا لتجربة تاريخية مختلفة، بل أصبحت اشتراطات يتوجب على دول وحكومات العالم أن تتبعها سعيًا للاعتراف والقبول.
تشير تجارب معظم الدول إلى أنها نشأت نتيجة للقسر والتفوق العسكري لجماعة على جماعات أخرى، حيث يكون وجود سلطة مركزية ورئاسة واحدة هو علامة أساسية لبدايات تشكل الدولة، ومن دونها لا وجود لدولة، بل لجماعات تتقاسم السلطة كلٌّ في مكانه، أما مسألة ممارسة العنف ووظيفته ومشروعيته، فتصبح سؤالاً مشروعًا بعد تأسيس الدولة، وليس قبل نشوئها، حيث تبدأ عملية توزيع السلطة ضمن الدولة المركزية القائمة (حتى الفيدرالية تكون ضمن دولة مركزية)، لكن توزيع السلطة في بلد لم تتشكل دولته عبر مؤسسات بعد هو مقدمة لتقسيم الدولة والبلاد.
في سوريا اليوم، التي تشير معظم الوقائع واتجاهات الصراع وتغيراته إلى أن الانقسام المهيمن فيها هو الانقسامات الطائفية، وهذا لا ينفي وجود انقسامات أخرى أو مستويات أخرى من الصراع، فهي دائمًا قائمة، ولا بد من أخذها في الحسبان عند تحليل أي ظاهرة اجتماعية، لكن ثمة عامل يهيمن بين فترة وأخرى تبعًا لظروف عديدة، محلية ودولية. ومن الضروري البحث عن نموذج آخر غير النموذج القائم على العقد الاجتماعي في تأسيس الدولة الحديثة، لا يقوم على المحاصصة الطائفية والإثنية، فما حدث في العراق المجاورة يوفر مثالًا واضحًا للفوضى التي قد تنتج عن اتباع مثل ذلك النموذج.
استلمت السلطات الجديدة بلدًا مفككًا تنخره الانقسامات الطائفية، بفعل طبيعة السلطة الأسدية التي تمأسست على شبكات الولاء داخل طائفة محددة (العلويين)، احتكرت مواقع القرار الفعلي من خلال أجهزة الأمن والجيش، بينما أُنيطت واجهات سلطوية بنخب سنية ورجال أعمال وزعامات دينية وقبلية. هذا التوزيع الطائفي للسلطة لم يكن بعيدًا عن مكونات المعارضة التي انزلقت، في بعض جوانبها، إلى إعادة إنتاج منطق المحاصصة والتمثيل الطائفي، وكانت في بعض الأحيان أحد أسباب تشظيها أكثر، فثمة شخصيات وتيارات تعارض جديًا نظام الأسد، لكنها بكل تأكيد – على عكس ادعاءاتها بالديمقراطية والمواطنة المتساوية – تشترط بقاء السلطة في أيدي “جماعتها”. باختصار، كانت سوريا الأسد حطامًا بكل معنى الكلمة.
تعرضت الجماعة الأكبر، بحكم تكوين البلاد، لمظالم مختلفة ولأشكال من “الإبادة” خلال ثورة 2011، ولعنف معمم، على عكس تعامل النظام الواعي مع بقية المعارضين ومناطق المعارضة الأخرى، إذ يجري اعتقال المعارضين فقط، ولا تُقصف مناطقهم. اليوم، مع قيادة هيئة تحرير الشام السلطة، التي باتت تُعد من قبل شرائح واسعة من أبناء هذه الجماعة أنها ممثلة لمصالحهم، وتنظر إلى نفسها بأنها لها الأحقية في احتكار السلطة، نتيجة التضحيات التي قدمتها، ما عمق الطابع الهوياتي للصراع، الذي يتجلى في أشكال عدة من خلال تشكيل أركان الدولة الأساسية (الجيش)، إضافة إلى الخطاب الذي يشير، في أكثر من مرة، إلى “نحن ونا” الدالة على الجماعة (“دمشق لنا إلى يوم القيامة”). من دون تعريف لماهية الجماعة، وخاصة كونها أصبحت السلطة التي يتوجب تقديمها باسم الكل (السوريين)، يغدو التفسير الطائفي هو الأقرب.
في المقابل، وسط هذا الصراع على إعادة تشكيل الدولة، يبرز الصراع الذي تقوده الجماعات والطوائف الأخرى كجهات تقاوم السلطات، تعبيرًا عن عمق الانقسامات وفرصة للمحافظة على امتيازات موهومة، حيث تتناقل سرديات شفوية وأخرى مكتوبة تروي تاريخهم بوصفهم أصحاب قيم غائبة عن غيرهم (أصحاب الكرامة ورموز التحرر والسلم)، ويذهب البعض بعيدًا حتى إنه يطلب تشكيل كيانات خاصة تحت يافطات الحداثة، بما تحمله من قيم الحريات والديمقراطية والمدنية والعلمانية، والمفارقة أنها تحت زعامة الطائفة وشيوخها، التي يباركها حتى “نخبها” العلمانية التي تدعي رفضها للطائفية، وتطالب بحيادية الدولة. الواضح أنه، وفقًا لتصورات النخب تلك، لا تتجلى الطائفية سوى لدى “السنّة”، أما بقية الطوائف، فهي مثال للتقدم والحداثة، وهو ما يعبّر بصدق عن مدى بؤس الوعي السياسي وزيف الأيديولوجيا، حيث تبرز أيضًا الأنا الطائفية طاغية. باختصار، تغلبت الطائفة على الأيديولوجيا!
الركن الأساسي في تشكيل الدولة يعتمد على إقرار الدول بالحدود، وقبول المجتمع الدولي لمؤسساتها، وهي الرؤية التي اتبعتها السلطة الجديدة بغية ترتيب الوضع الداخلي، لكن عمق الانقسامات الطائفية والإثنية وتضارب المصالح الدولية حول شكل سوريا الجديدة، جعل هذه الرؤية استراتيجية مشوبة بكثير من المخاطر، فأمام الانقسام الجغرافي القائم اليوم والمدعوم بانقسام أعمق طائفي وإثني، مع رعاية أجنبية له تحت بند حماية الأقليات الاستعماري، تظهر مسألة مهمة: هل من فرصة لإعادة بناء الدولة في سوريا المعروفة بحدودها منذ قرن من الزمن؟
لا بد من فرض السلطة المركزية أولًا على كامل تراب سوريا، وهذا الفرض لا يعتمد على العنف فقط، بل يجب استخدام كل الوسائل السياسية والدبلوماسية، ولهذا الهدف أثمان قد تكون باهظة، لكن لا بد منها. فمن دون سلطة مركزية، لا وجود لدولة، بل لإمارات موزعة خاضعة لتدخلات الأجنبي ومصالحه وتناحراته. وهذا لا يعني تجاهل أو رفض مطالب الجماعات وتخوفاتها، لكن لا بد من إدراك أن مصالحها ومطالبها لا يمكن أن تتحقق إلا ضمن دولة تحكمها سلطة واحدة، حيث تغدو جميع المطالب والمطالبة بها أمرًا مشروعًا وضروريًا. ومن ناحية أخرى، لا بد من استبعاد منطق الاستفراد في الحكم، بل يجب أن تكون جميع المجموعات قادرة على المشاركة بشكل مفيد في صنع القرار والمساهمة في تشكيل إعادة بناء الدولة والبلد.
ولتجاوز خطر الصراع الطائفي وما يجلبه من كوارث خبرها السوريون جيدًا، فإن عملية العدالة والمصالحة الانتقالية الواسعة هي الطريقة الوحيدة لمنع “الفائزين” من السعي للانتقام، واستعادة درجة من تماسك النسيج الاجتماعي، حيث لا يمكن لأي مشروع وطني أن يقوم على الرغبة في الانتقام أو إعادة إنتاج الهيمنة الطائفية، هذا المشروع الذي لا يمكن أن يتأسس من دون دولة تبسط سلطتها على كامل أراضيها، توفر المجال لحياة سياسية عمادها الديمقراطية وحكم القانون.
لدينا الآن فرصة لوضع حد لسنوات من الطائفية، ولإعادة بناء دولة تسعى لتأمين حياة حرة وكريمة وتؤسس لهوية وطنية مشتركة تحتوي الهويات الفرعية، وتجعل منها عنصر تنوع وغنى، لا عنصر تفتيت وتدمير كما يجري اليوم، وهذا يتطلب الحفاظ على الحريات الأساسية أولًا والحياة السياسية، وهي مهمة الحكومة والمجتمع. فإعادة بناء الدولة تستلزم وجود مجتمع سياسي، والعكس أيضًا.
—————————-
البلاد الحائرة بين بناء السلام وبناء الدولة/ جمعة حجازي
12 آب 2025
في خضم التحولات العميقة التي تشهدها المجتمعات الخارجة من النزاعات، يبرز سؤال محوري: هل ينبغي أن تبدأ عملية إعادة البناء بالسلام أم بالدولة؟ يعكس السؤال صراعاً بين منطقي الاستقرار والشرعية، الحاجة إلى تهدئة الجراح المجتمعية، والحاجة إلى تأسيس بنية مؤسسية قادرة على إدارة التعدد، وتعزيز المؤسسات.
تسعى هذه المقاربة إلى تفكيك هذا الإشكال الجدلي من خلال تحليل فلسفي وسوسيولوجي لتجارب ما بعد النزاع، مع التركيز على الحالة السورية نموذجاً معقداً تتقاطع فيه الحاجة إلى السلم مع الحاجة إلى الدولة، في ظل هشاشة البنى، وتعدّد الفاعلين، وتآكل الثقة المجتمعية. ومن أجل توطيد عملية بناء السلم والانتقال الآمن بسورية إلى مرحلة ما بعد الحرب، لا بد من تطوير آليات تؤكّد حق الملكية الوطنية والمشاركة الشعبية في التحكّم بالعملية السياسية، والتأسيس لنظام اقتصادي– اجتماعي يقف ضد موروث الإقصاء الاجتماعي، ويضع الحجر الأساس لحوكمة رشيدة وإصلاح أمني شامل يتحكّمان بعمليات الإصلاح السياسي وبناء المؤسّسات الديمقراطية في إطار دولة القانون.
يمكن القول إن هناك ترابطاً عضويّاً بين المرحلتين، بحيث إن مخرجات المرحلة الأولى تُعد مدخلات للمرحلة الثانية، وإن هناك تغذية راجعة وعمليات تأثير وتأثر فيما بينهما. وعندئذٍ، لا يمكن القفز للحديث عن متطلبات بناء الدولة بعد النزاع وإغفال متطلبات مرحلة الانتقال، أي مرحلة بناء السلم وتوطيده؛ فالقفز مباشرة باتجاه بناء الدولة لا يضمن بالضرورة بناء السلم، في حين أن العكس هو الصحيح، أي إن توطيد مرحلة الانتقال (بناء السلم) والتأسيس للاحتكام للقانون هو ما يوفّر الأرضية الصلبة والنقلة الآمنة إلى مرحلة التحوّل المجتمعي (بناء الدولة).
بلا شك، لكل مرحلة متطلباتها ومستويات لمعالجاتها، ولها كذلك عدساتها في رؤية الواقع، وهي متشابكة مع بعضها ولا تعني أنها منفصلة زمنيّاً، بمعنى الانتهاء من المرحلة الأولى للبدء بالثانية، إذ إنها كلٌّ مترابط. ويعتمد الوزن الذي يُعطى لأهمية كل مرحلة وأولوياتها عادةً على تحليل الحالة في المجتمع، إذ يأتي من خلال تبيان حجم (وأهمية) التركيز على المرحلة قصيرة الأمد المعنية ببناء السلم والانتقال، مقابل حجم (وأهمية) التركيز على المرحلتين متوسطة وبعيدة الأمد (بناء الدولة والتحوّل المجتمعي).
مهام مرحلة بناء السلام
المقصود بهذه المرحلة تبنّي منظومة السياسات والتدخلات المصممة أساساً لتوفير الانتقال الآمن لمرحلة ما بعد النزاع، ومنع احتمالات الانتكاس من جديد إلى حالات العنف. وبتعبير أدقّ، تهدف النشاطات التي تؤمن بها الوطنية لمستقبل سورية في هذه المرحلة، بالدرجة الأساس، إلى التصدّي لجذور النزاع، ومعالجة تداعياته الإنسانية والتنموية، والتأسيس لواقع مجتمعي جديد يضمن الحوار وحل النزاعات بصورة سلمية.
يتقاطع هذا التوجّه مع ما طرحه عالم الاجتماع النرويجي يوهان غالتونغ في كتابه “Peace by Peaceful Means”، حيث ميّز بين “السلام السلبي” بوصفه غياباً للعنف و”السلام الإيجابي” بوصفه حضوراً للعدالة الاجتماعية والإنصاف، مؤكداً أن بناء السلام لا يقتصر على وقف العنف، بل يتطلب إعادة هيكلة العلاقات الاجتماعية على أسس جديدة من التضمين والمساواة.
تعمل هذه المرحلة على إعادة تأهيل عمل المؤسّسات والجماعات المحلية والأفراد، لضمان مجتمعات محلية آمنة سياسيّاً واجتماعيّاً واقتصاديّاً، بعد مرورها بحالة طويلة من الرعب وعدم الاستقرار، فالمجتمع الخارج من النزاع لا يمكنه أن ينهض من دون إعادة ترميم بنيته النفسية والمؤسّسية، وهو ما يتطلب إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وبين الأفراد أنفسهم.
وهنا تبرز أهمية ما أشار إليه عالم الاجتماع الأميركي تشارلز تيلي في كتابه Coercion, Capital, and European States، حين اعتبر أن الدولة الحديثة لا تُبنى إلا من خلال صراعات تُنتج مؤسّسات لا تكتسب شرعيتها إلا بقدرتها على الاستجابة لحاجات الناس.
ورغم أن هذه المرحلة تُعد قصيرة المدى بطبيعتها، إلا أنها تعمل على توطيد عملية الانتقال، كي تقود إلى التحوّل المجتمعي المرتبط ببناء الدولة على البعدين، المتوسط والطويل، فبناء السلام ليس مجرد مرحلة تمهيدية، بل هو الأساس الأخلاقي والسياسي الذي تُبنى عليه الدولة الحديثة.
وهذا ما يتقاطع مع رؤية عالم الاجتماع البريطاني أنتوني غيدنز، الذي يرى في كتابه The Third Way: The Renewal of Social Democracy أن التحول الديمقراطي لا يمكن أن يتحقق دون مؤسسات قوية، وثقافة سياسية ناضجة، ومجتمع مدني فاعل. فالدولة ليست مجرد جهاز إداري، بل هي تعبير عن توافق اجتماعي عميق، لا يمكن أن يتبلور دون المرور بمرحلة سلم حقيقي، لا مجرد هدنة مؤقتة.
تختلف أهمية مرحلة بناء السلم من سياق إلى آخر، ومن حالة إلى أخرى، بالنسبة للبلدان التي مرت بصراعات. ففي البلدان التي خلّف فيها النزاع آثاراً إنسانية فادحة، كما هو الحال في سورية، تبقى الأولوية لفترة ليست بالقصيرة للعمل الإنساني، وإعادة الإدماج والتوطين، وما يتبع ذلك من نشاطات لتحسين مستوى الحياة، وتلبية الحاجات الإنسانية للملايين من المتضررين. بينما تكون الأولوية في بلدان أخرى باتجاه إعادة بناء البنى التحتية، والنهوض بمستوى الخدمات العامة، والإجابة عن أسئلة: من، وكيف، ولمن، وبواسطة من يجب توفير تلك الخدمات. مثل هذه الأولوية لها مساس مباشر بحياة المواطنين في الحالة السورية، وتقع على سلم الأولويات، لكنها لا يمكن أن تتجاوز أولوية العمل الإنساني والإنمائي في المراحل الأولى لانتهاء النزاع.
تتضمّن عملية بناء السلم في سورية ما بعد النزاع إنجاز مهام مرحلتين أساسيتين:
• مرحلة الطوارئ والعمل الإنساني، وتشمل: العمل الإغاثي، إعادة التوطين والإدماج، نزع السلاح، التسريح، الإصلاح الأمني، المصالحة الاجتماعية، توفير حلول سريعة لتوليد الدخل، الحماية الاجتماعية للمتضررين، إعادة المهجّرين، توسيع القدرة الاستيعابية للمدارس، توفير الرعاية الصحية الأولية، والمرافق والخدمات العامة بالحد الأدنى، وغيرها.
• مرحلة إعادة التأهيل وإعادة بناء البنى التحتية المادية والاجتماعية، والعمل على إصدار التشريعات المتعلقة بكتابة الدستور، استقلال القضاء، قوانين الانتخابات والإعلام، المجالس الدستورية، وأنظمة الرصد والمساءلة والتقييم التي تضمن الشفافية، وإرساء قواعد التنمية القائمة على الحوكمة الرشيدة، وحقوق الإنسان، والتحرّر من الخوف الذي خلّفته سنوات النزاع، والتغلب على العوز، وتبني مفهوم الأمن الإيجابي الذي يساوي الأمن الإنساني بشموليته.
يتحقق بناء السلم بمرحلتيه بصورة كفؤة إذا ما استندت مرحلة ما بعد النزاع إلى تعبئة اجتماعية شاملة، تُفعّل فيها طاقات المجتمع المدني والحركات الاجتماعية، وتُستمد فيها المبادرات من القيم المحلية، لا من وصفات جاهزة. وكما أشار عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، فإن “التحوّلات الاجتماعية لا تُفرض من فوق، بل تُنتج من داخل الحقول الاجتماعية ذاتها”، وهو ما يجعل من التمكين المحلي شرطاً لا غنى عنه في أي مشروع لبناء السلام.
لا يقتصر فهم دينامية النزاع على تحليل أسبابه الظاهرة، بل يتطلب الغوص في بنيته العميقة، وتفكيك آلياته الرمزية والمادية، وتقديم بدائل مبتكرة تتجاوز منطق الترضيات السطحية. وهنا تبرز أهمية ما طرحه ميشيل فوكو حول “السلطة كشبكة علاقات”، حيث لا يكفي تغيير الوجوه، بل يجب إعادة تشكيل العلاقات التي تنتج الهيمنة.
كما يتحقق بناء السلم إذا ما تمكن صانعو القرار من ضمان أربعة شروط أساسية:
1. رؤية مشتركة بين الأطراف الفاعلة لعملية الانتقال والتغيير، لأن غياب التوافق يُبقي المجتمع في حالة تعليق سياسي. وقد أشار يورغن هابرماس إلى أن “الشرعية لا تُبنى إلا من خلال الفعل التواصلي”، أي من خلال حوار عقلاني بين الفاعلين.
2. وضع نسق واضح للأولويات الانتقالية، يوازن بين الاستعجال السياسي والحاجة إلى التدرّج، لأن غياب الأولويات يؤدي إلى تشظي الجهود.
3. الربط الواعي بين السياسات قصيرة المدى ومتوسطة المدى وبعيدة المدى، تجنباً لما يسميه أنتوني غيدنز “سياسات اللحظة”، التي قد تُرضي الحاضر لكنها تُقوّض المستقبل.
4. ضمان المشاركة الشعبية الواسعة في صنع القرار، ليس فقط بوصفها حقاً ديمقراطياً، بل بما هي شرط لبناء الثقة. وكما قال تشارلز تيلي: “الدولة التي لا تُشرك مواطنيها في القرار، تفقد قدرتها على احتكار الشرعية”.
سلامٌ يُولد من الداخل
تعتمد عملية بناء الدولة في سورية ما بعد النزاع على ثلاث ديناميات متفاعلة: لتسوية السياسية وتحقيق التوافق والإجماع الوطني بين الفرقاء. تحديد الرؤية المستقبلية وإطار التحرك نحو المستقبل. ضمان الجاهزية والاستجابة لبنود العقد الاجتماعي. … ومن أجل ترجمة ذلك إلى خطط وبرامج عملية، يجب وجود القدرة على تعبئة الموارد وخلقها وتوظيفها في القطاعات الإنتاجية والخدمية، وخصوصاً في القطاعات التي قد ينتفع منها الفقراء والشرائح الاجتماعية الضعيفة، والمناطق المتضرّرة من النزاع أكثر من غيرها.
تشهد سورية منذ أكثر من عقد دورات متصاعدة من العنف، والتهجير، وتفاقم الأزمات الإنسانية، وتدهور عمل المؤسّسات العامة، وتراجع دور الدولة في إدارة الشأن العام. ليست هذه الظواهر مجرّد نتائج مباشرة للنزاع، بل هي انعكاس لتحولات اجتماعية واقتصادية وسياسية وديموغرافية عميقة، أفرزها الصراع، وأعادت تشكيل بنية الدولة والمجتمع على نحو غير مسبوق.
وفي ظل سعي سورية إلى الانخراط في أجندة التنمية المستدامة 2030، فإن بناء السلام يجب أن يُعاد تعريفه أولوية وطنية، لا خياراً إنسانياً فقط، فالعنف لم يعد محصوراً في الجغرافيا، بل أصبح عابراً للمجتمع، يتغذى من هشاشة الدولة، ويُغذيها في آنٍ واحد. وهنا تبرز الحاجة إلى رؤية سورية جماعية، تطالب المجتمع الدولي بدور فاعل في منع النزاعات، وتعمل في الوقت نفسه على تطوير آليات وطنية لإدارة الأزمات واحتوائها.
لم تعد مقوّمات السلام، من أمن، وتنمية، وعدالة، ترفاً، بل ضرورة استراتيجية، فغيابها في سورية لا يهدّد فقط استقرارها الداخلي، بل يُضعف قدرتها على التعافي، ويُبقيها رهينة الهشاشة، حيث لا تزال آثار النزاع ماثلة في الجغرافيا والذاكرة، تبرز الحاجة إلى مقاربة جديدة لبناء السلام، لا تكتفي بترميم ما تهدّم، بل تسعى إلى إعادة تخيّل الدولة والمجتمع معاً. لم يعد كافياً أن نُسكت صوت السلاح؛ بل يجب أن نُعيد بناء المعنى، وأن نُعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، بين الفرد والجماعة، بين الماضي والمستقبل.
لقد كشفت سنوات الحرب عن هشاشة البنى، ليس فقط في المؤسسات، بل في الثقافة السياسية، وفي الثقة، وفي القدرة على التفاهم. وكأننا أمام سؤال وجودي: كيف نُعيد بناء وطنٍ لم يعد يتفق أبناؤه على تعريفه؟ كيف نُعيد لُحمة تمزّقت، ونُحيي أملاً خفت؟
حين يُصبح السلام شرطاً للدولة والدولة حارساً له
في التجربة السورية، كما في تجارب الشعوب الخارجة من النزاعات، لا يمكن فصل بناء السلام عن بناء الدولة؛ فهما ليسا مسارين متوازيين، بل جدليتان متداخلتان، تتغذّى كل واحدة منهما من الأخرى. السلام بدون دولة يبقى هشّاً، عاطفيّاً، قابلاً للنكوص، والدولة بدون سلام تتحوّل إلى جهاز قمع، لا إلى عقد اجتماعي.
بناء السلام هو لحظة الاعتراف، لحظة الإصغاء إلى الألم، إلى التمزّق، إلى ما لم يُقل بعد. أما بناء الدولة، فهو لحظة التنظيم، لحظة تحويل هذا الاعتراف إلى مؤسّسات، إلى قوانين، إلى ضمانات. وكما قال ماكس فيبر، لا تُقاس الدولة الحديثة فقط بقدرتها على احتكار العنف المشروع، بل بقدرتها على تحويل القوة إلى شرعية، والشرعية إلى ثقة.
في سورية، لا يمكن أن تُبنى الدولة على أنقاض مجتمع مفكك، ولا يمكن أن يُبنى السلام في ظل مؤسّسات فاقدة للثقة. نحن بحاجة إلى سلام يُؤسس للدولة، ودولة تحمي السلام؛ إلى مشروع وطني لا يبدأ من القصر، بل من الحي، من المدرسة، من المحكمة، من السوق، من الذاكرة.
الدول الحديثة، كما تُظهر تجارب أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية، لا تتشكّل في لحظة ثورية مطلقة، بل من خلال تراكم التحولات الصغيرة، وتعزيز المؤسّسات، وتطوير الثقافة السياسية. وفي الحالة السورية، لا يمكن الانتقال من الفوضى إلى دولة حديثة دون مراحل تأسيس تدريجية، تبدأ من الإدارة المحلية الفعّالة، وتعزيز مبدأ سيادة القانون، وصياغة دستور جديد تشاركي.
السلطة الجديدة، إذا أرادت تجاوز التبعية أو التكرار، يمكنها أن تبدأ بوضع اللبنات الأولى لبنية سياسية صحّية: برلمانات محلية منتخبة، قضاء مستقل، إعلام حر، ومؤسسات مدنية تمثيلية. وهي بذلك لا تكرّس نفسها سلطةً انتقاليةً فحسب، بل بما هي سلطة تأسيس.
العربي الجديد
———————————–
=====================



