تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

هل من فرصة للشريعة لحكم دولة متعدّدة الأعراق والأديان؟/ حسن يوسف فخور

12 آب 2025

أعلنت الدولة الفرنسية قطيعتها النهائية مع الماضي إثر انتصار ثورتها التي غيّرت نظام الحكم فيها، من خلال إعلان خطيبها ميرابو الشهير “سنشنق آخر ملك بأمعاء آخر قسيس”.

لم تستطع ثورات العالم العربي الانسلاخ عن تراثها الإسلامي بعد سقوط أنظمة الحكم فيها، بل خرجت أصواتٌ تشدّد على سنّ القوانين الموضوعة ببيئةٍ مختلفةٍ في عهد انهيار الدول العربية الذي سبّبته الخلافة العشائرية والخلافات القبلية للعرب الذين قال عنهم ابن خلدون في مقدمته إنهم “أصعب الأمم انقياداً إلا إذا كان الحكم بالدين والولاية”.

فكرة الدولة الإسلامية “إشكاليةٌ” من وجهة نظر أستاذ العلوم السياسية في جامعة صوفيا محمد عبد الله الأحمد؛ لأن “الإسلاميين سيختلفون حول ذلك، أي إسلامية؟ السلفية أم الإخوانية أم الصوفية؟ وهل نأخذ الأزهر كمقياسٍ عام؟”، يجد مؤلف كتاب “اليتيمة: في منهج الإسلام ومعضلة الإسلام السياسي” هنا “معضلةً كبيرة، الكثير من الأمور التي علقت بالتراث الإسلامي خصوصاً في السياسة والدولة، فهناك مذاهبٌ مختلفة”، عدا عن أنّ “تاريخنا الإسلامي كان عامل الغلبة والسيف يلعب دوراً رئيسياً فيه بهدف حسم الأمور بدل الحوار والنقاش والوصول إلى توافقاتٍ عامة”، وبالتالي لا يعتقد صاحب رواية “الأرض” أنّ “قيام دولةٍ دينيةٍ في سورية فيه خير للسوريين”؛ لذلك يرى أنّه “علينا إقامة دولة تضع مسافةً عاقلةً بين الدين والسياسة، فهذا إكرامٌ للدين؛ لأن الدين أنزه وأرقى من السياسة، علينا ألا ندخله في زواريبها، ففي ذلك خطرٌ على المجتمع وعلى عقائد الناس، إقامة دولةٍ يستطيع فيها المتدينون ممارسة طقوسهم بحيث لا يقوم أحدهم بالاعتداء على الآخر خيرٌ للناس، وثبت هذا الأمر بعد المقتلة الإجرامية التي قام بها النظام وهجرتهم إلى أوروبا حيث مارسوا عباداتهم دون أي مشكلة”.

يفضل الأستاذ في كلية الحقوق في جامعة اللاذقية نزار حسن “المدنية للدولة متعدّدة الأعراق والمذاهب (سورية مثالاً) مع إعطاء الشريعة الإسلامية مكانةً مميزة كما جرى الحال في غالبية الدساتير السورية السابقة”، مؤكداً انّ هوية الدولة لا تؤثر على “تقدمها ورقيّها عندما لا يُفرض نظامها بشكلٍ غير ديمقراطي على شعبها الذي يُفترض أنه من يحدد شكلها العام وإطارها الأساسي عبر انتخاب لجنة تأسيسيّة لوضع الدستور الدائم الذي يعد قانون القوانين فيها”.

“لم يعرف التقليد الإسلامي ظهور سلطة دينية منظمة وموحدة، وغالباً ما نجح الحكام في إخضاع الدين لغاياتهم وليس العكس”؛ لذلك لم يرَ المفكر برهان غليون في التاريخ السياسي الإسلامي “دولاً ثيوقراطية إلا في العصر الحديث”، حتى في إيران “الشيعية كانت الدولة أوتوقراطية يسعى فيها السلطان إلى استخدام علماء الدين أو بعضهم لإضفاء القداسة على سياساته، بخلاف ما حصل في أوروبا القرون الوسطى”، فتحقيق حرية الفرد والمجتمع تكون “بمنع السلطة الدينية من استخدام السياسة وتأكيد استقلال السلطة الدينية لا العكس”. ويعرّف أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة السوربون السلطة الدينية “المختلفة عن الدين بأنها سلطة تأويل النصوص الدينية التي يملكها علماء الدين”، ويلخّص صاحب كتاب “المحنة العربية: الدولة ضد الأمة” خبرته بالقول إنّه “بمقدار ما نحرم السلطان السياسي من استخدام هؤلاء أو إخضاعهم لإرادته السياسية نضمن استقلال السلطة الدينية ونمنع استخدامها لغير أهدافها، كما نعزّز شروط إخضاع السلطة السياسية لإرادة الناس ونركز اهتمامها على الرد على حاجاتهم، أي نحرم الحاكم من وسيلةٍ إضافيةٍ لتبرير الاستبداد وشرعنته، ونضمن حرية الاعتقاد ونخضع السياسة للمساءلة والمحاسبة ونبني مفهوم المسؤولية الجماعية التي لا توجد من دونها سياسة وطنية”.

يقول الباحث علي إسبر “الإسلام دين عظيم، ويشمل مذاهب عديدة، وتجارب روحيّة كبرى، استطاع المسلمون في عصر الخلفاء الراشدين أن يؤسِّسوا دولة مترامية الأطراف، واستمرت الدولة الإسلامية في العصرين الأموي والعباسيّ، وبلغت العلوم والفلسفات أوج ازدهارها بسبب حركة الترجمة في العصر العباسيّ، وظهرت تيارات فكريّة متنوِّعة فلسفية وكلاميّة وصوفيّة وفقهيّة”. لكنه يقف عند تطور الحياة في هذا العصر، إذ يجد “مشكلةً كبيرةً وهي كيف يمكن إيجاد صيغة عصريّة من نظام حكم إسلاميّ لا يُقصي الآخرين ويحافظ على حقوقهم ويحمي حريّاتهم ويراعي عاداتهم، وينسج علاقات طبيعيّة مع دول العالم تحديداً مع الدول الغربيّة التي تجاوز مثقفوها الآن التنظير لمرحلة ما بعد الحداثة؟”، معتقداً أنّه “إذا أصبح نظام الحكم في سورية إسلاميّاً واستطاع الانفتاح على المواطنين وقبولهم في مختلف توجُّهاتهم ومواقفهم ومواكبة التطور العالميّ لا يمكن الاعتراض على نظام حكم من هذا القبيل، بل يصبح مطلوباً، أما إذا ظهر نظام حكم إسلامي يقوم على الانغلاق بإزاء الانفتاح العالميّ الراهن، والاستئثار بالسلطة وإقصاء الآخرين، وقمع الحريّات، والقضاء على حريّة التعبير، فسيكون مآله إلى الفشل، وسيُلاقي مصير الأنظمة الغابرة في العالم العربيّ”.

“النَص على أنّ دين الدولة الإسلام أو أنّ الشريعة هي من مصادر التشريع موجود في 55 دولة في العالم الإسلامي من أصل 57 هي الدول المنتظمة في منظمة التعاون الإسلامي”. لذا لا يعتقد مؤسس مركز الدراسات الإسلامية محمد حبش أنّ “هناك سبباً للخوف من هذه المادة، فهذه الدول التي تنصّ دساتيرها على حضور الإسلام لم تنتج مجتمعاتٍ معقدةً، بل هي مجتمعاتٌ منفتحةٌ مثل دول الخليج، حققت تنميةً وانفتاحاً رائعاً جداً، وفيها حرّيات على مستوى المجتمع والمستوى الأخلاقي والفكري أيضاً مع أنها ليست دولاً ديمقراطيةً بالطبع، ولكنها لم تخنق الحريات بسببٍ من القيد أو الانتماء للإسلام”، مشدّداً على ضرورة أن “نخفف من الإسلاموفوبيا غير المبرّرة”. ويرى صاحب كتاب “نظام الحكم في الإسلام” أنّ “الدستور عندما ينصّ على حضور الإسلام في التشريع، يمكن أن يكون طالبانياً أو أردوغانياً، ويمكن أن يكون بينهما؛ إذاً النضال هو في التنوير”، نافياً “وفق كل المعايير أنّ أياً من الشعوب في منطقة منظمة التعاون الإسلامي الدولي يرحّب بالتخلي عن الانتماء للإسلام، هي مسألة هويه، والإسلام منجم فقهٍ كبيرٍ جداً”، مستشهداً بقول شيخ الأزهر القاضي محمد المراغي للفقهاء الحقوقيين في مِصر “اكتبوا القانون الذي يناسب مِصر بحريةٍ تماماً، واتركوا الدليل الشرعي عليه، لدينا خياراتٌ فقهيةٌ لكل ما تختارونه مما ينفع الناس”، مؤكداً وجوب التحلّي “بالواقعية، وألا نرى في الانتماء للإسلام خطراً على الحرّيات ولا على الهوية، هناك خطرٌ من الديكتاتوريات، هناك خطرٌ من التشويه أو التفسير المتطرف للدين، وهذا ما يجب أن نقاومه بكل الوسائل”.

عَلَتْ أصواتٌ إسلامية في سورية أخيراً تطالب بإقامة دولةٍ تقوم على الشريعة الإسلامية؛ إلا أنّ هذا “محالٌ ولا يمكن تطبيقه”، حسب المؤرّخ سامي مروان مبيّض، مستشهداً بتنوّع مكونات الشعب السوري “الدينية والعرقية والاختلاف بالمشارب السياسية والفكرية، فسورية هي مهد المسيحيين، صحيح أنّ العثمانيين كانوا دولةً إسلاميةً، وأخذوا شرعيتهم من كونهم خلفاء للمسلمين، لكن تغيّر الزمان وتغيّرت الظروف”. وعلى أي نظامٍ جديدٍ في سورية من وجهة نظر رئيس مجلس أمناء مؤسسة تاريخ دمشق أن “يأخذ بعين الاعتبار هذا المكون المسيحي الصغير بعدده لكنه عبر التاريخ كبير بفعاليته، فيجب أن نهجر فكرة الأقلية التي بدأوا التعامل مع أنفسهم على أساسها بين ثلاثينيات القرن الماضي وخمسينياته مع المد القومي العربي، وأي نظامٍ جديدٍ يحب أن يأخذ هذه العوامل بعين الاعتبار”.

ويتصوّر أستاذ الفلسفة في كلية الآداب بجامعة دمشق علي أسبر معيار صلاحيّة نظام حكم إسلاميّ في سورية هو “إظهار الإسلام في صورته العظيمة الشاملة”، ويشير إلى مسألةٍ مهمةٍ، “أنَّ غالبية سكان سورية من المسلمين، فإذا توجّهوا نحو صناديق الانتخابات وصوَّتوا لصالح نظام حكم إسلاميّ، فهذا ممكن حدوثه”، ويحذّر من أنَّه “ما لم يُبْنَ هذا النظام على فهم المحيط العالميّ والتكيُّف معه والاحترام الكامل والمطلق على مستوى الداخل لخصوصيات الآخرين وإفساح المجال للحريات الحقيقيَّة في مختلف أشكالها فسندخل في متاهة مرعبة؛ إذ لا يصح فهم أنَّ مناصرة قيام دولة دينيّة في سورية قضيّة يمكن أن تنجح إذا تبنتها دولة خارجيَّة أو جماعة داخليّة. معيار النجاح يكمن في بناء دولة تعطي الحقوق لكل أفراد شعبها وتنسج علاقات صحيحة مع مختلف دول العالم، وإذا فعلت ذلك، فهنا لا يمكن مهاجمة هذه الدولة لمجرد كونها ذات نظام حكم دينيّ، بل يجب مساندتها”، مؤكداً أنّ المشكلة ليست في “أن الدولة علمانية أو دينيّة. المشكلة في وجود إرادة لبناء الدولة، فإذا كان نظام الدولة دينيّاً، وكانت هناك إرادة حقيقيَّة لبنائها وتطويرها وتحقيق العدالة بين أفراد شعبها ورفعها إلى مستوى حضاري إنسانيّ يحترم الحريات ويستوعب مختلف التوجُّهات، فأين المشكلة؟ أما إذا كان نظام الدولة علمانيّاً، ولكنها كانت تقوم على حكم استبداديّ ديكتاتوري لفردٍ واحد لا يصغي إلا لنفسه فهذه العلمانية لا تحمل أدنى قيمة، إنها في هذه الحالة علمانيَّةٌ وهميَّةٌ لا معنى لها”، مشيراً إلى “التجربة التركيّة في بناء الدَّولة التي تدلّ على أنَّه لا يوجد تناقض بين العلمانيّة والدِّين، فالشَّعب التُّركي شعب متدِّين مثل الشعوب العربيّة، لكنه منفتح على الحداثة، ولا يوجد فيه انغلاق بسبب التشدُّد أو التعصُّب الدِّينيّ. وتحوَّل تركيا من الخلافة الإسلاميَّة إلى الدولة الدينيَّة-العلمانيّة على نحوٍ متوازٍ درسٌ تاريخيّ يجب الاستفادة منه”.

بالبحث في تأثير هوية الدولة على تقدمها، نلاحظ أنّ المشكلة تكمن في العقل العربي الذي يقدس تراث أجداده على أنه مبدأٌ لا يمكنه التخلي عنه، وتحويله من نقطة ارتكاز للانطلاق نحو المستقبل إلى هدفٍ يطمح بالوصول إليه من التوسّعات والانتصارات، ويشعر بأهمية التفكير بالآلية القبلية السائدة في ذاك الزمن، بدل اعتبار الماضي مرحلةً تجريبيةً يجب تلخيصها واختزالها، لكن العقل العربي يرتدي اليوم قبعةً إفرنجيةً صُنعَت بأحدث الأجهزة الغربية، ويفكّر باحتلال العالم بالأدعية والسيوف التي كانت تحسم قضايا التاريخ الكبرى لصالح صاحب القبضة الأقوى، وهي أبرز الأسباب التي أدّت إلى سقوط الخلافة الإسلامية وانهيار حلم الدولة العربية الكبرى مع تصاعد النزعات العشائرية والقبلية والطائفية منذ أكثر من 14 قرناً. ولم تخلُ بنية الأنظمة العربية الحديثة من مكامن الضعف التي يحللها أدونيس بالقول: “مشكلتنا حضارية وليست سياسية فقط، فالعرب منذ سنة 1950 لم يفعلوا شيئاً سوى تغيير الأنظمة، وكلما كان النظام يتغير كان المجتمع في المقابل يزداد انهياراً وتفسخاً؛ إذ كان همهم تغيير السلطات لا تغيير المجتمع، تغيير السلطة بحد ذاته لا يعني شيئاً، المهم أن نغيّر المجتمع بنيةً وثقافةً وعلاقات”.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى