
12 اغسطس 2025
منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، ثم الحرب التي مزّقت البلاد، ثم الأحداث وأعمال العنف التي تلت سقوط النظام في بعض المناطق، وخصوصاً في الساحل والسويداء، بعد ذلك كله، تظهر اليوم سردية مشتركة بين السوريين على اختلاف طوائفهم ومواقفهم: الكل يرى نفسه ضحية، والكل يتهم الآخر بارتكاب الجرائم. هذا التمركز حول الذات المظلومة لم يكن مجرّد انفعال عابر، بل أصبح اليوم ركيزة متجذّرة في الخطاب السوري العام، حيث تنزع كل جماعة نحو تقديم نفسها كـ”ضحية نقية” لم ترتكب خطأ، فيما الآخر وحده مسؤول عن الخراب.
السبب في سيادة هذا النمط من التفكير أن الكارثة السورية لم تُبقِ بيتاً إلا وتركته مثقلاً بالخسارة، سواء في الأرواح أو البيوت أو الكرامة. لذلك من الطبيعي أن يبحث الناس عن سردية تساعدهم على الصمود النفسي.
يمنح دور “الضحية” المرء شعوراً بالعدالة الأخلاقية، ويمنح شعوراً بالتفوّق الأخلاقي وسط عالم مشوّه. ففي لحظات الانهيار وضعف الدول والمجتمعات وتمزّقهما بسبب الحروب، يُعاد ترتيب القيم على أسس جديدة، أهمها من يمتلك سردية المعاناة الأكبر، ومن دفع الثمن الأكبر، وبهذا، تتحوّل المظلومية من حالة إنسانية إلى رأسمال رمزي للجماعة، يُستخدم لتبرير الماضي، وصياغة الحاضر، والسيطرة على الرواية والحضور الدعائي على وسائل الإعلام ومنصّات السوشيال ميديا.
لكن هذا الاستخدام المفرط لموقع “الضحية” يترافق مع إنكار جماعي للمسؤولية. سوريون كثيرون يتعاملون مع أخطاء جماعاتهم المسلحة، أو مجتمعاتهم المحلية، باعتبارها أحداثاً ثانوية أو مبرّرة. حتى الجرائم الواضحة يتم الالتفاف عليها بخطاب “نحن كنا مضطرّين”، أو “هم أجبرونا”، أو كان ذلك مجرّد “أخطاء فردية”. بينما تُضخّم جرائم الآخرين، وتُحكى بلغة الاتهام المطلق. لا مراجعة ذاتية، ولا محاسبة داخلية، بل إصرار على الطهارة الكاملة.
في هذا السياق، لا تعود الضحية مجرّد حالة؛ بل تتحوّل إلى هوية. الطائفة السنّية ترى نفسها ضحية القمع والاعتقال والتهميش، والعلويون يتحدّثون عن شيطنة وخوف من انتقام جماعي، والمسيحيون عن تهجير واستهداف، والكرد عن إنكار قومي طويل، والدروز عن عزل ومجازر وتخوين. الجميع ضحية، ولا أحد يريد الاعتراف بأن في “جانبه” من مارس العنف، وصمت عن القتل، وحرّض على الكراهية.
هذا الإنكار المتبادل لا يهدّد فقط الحقيقة، بل يُجهض أي محاولة للعدالة الانتقالية أو المصالحة. فكيف يمكن لجماعة أن تعترف بألم الآخر وهي تنكر وجود خطأ من جانبها؟ وكيف يمكن بناء مستقبل مشترك في ظل ذاكرة جماعية متنافرة، تُروى من طرف واحد؟
لا يحدث هذا الإنكار الجمعي عبثاً. إنه ينبع من بنية ثقافية ترى في الاعتراف بالذنب ضعفاً، بل خيانة. فأن تقول “لقد أخطأنا” يعني بالنسبة لبعضهم أنك تبرّئ الآخر، أو أنك تطعن في ظهرك. لذا، تتحوّل كل محاولة للنقد الذاتي إلى تهمة بالتواطؤ، ويُكافأ من يُحسن رواية المظلوميّة أكثر ممن يجرؤ على مواجهة الذات.
الاعتراف لا يعني تساوي الجرائم، لكنه شرط ضروري لأي تعافٍ جماعي. لا يمكن لسورية أن تخرج من دوّامة الصراع ما لم تتخلّص من “هوس الضحية” وتدخل في مرحلة الاعتراف المتبادل، لأن هذا الاعتراف يعني أولاً الخروج من منطق الطهارة الجماعية. كذلك، لا يمكن بناء سورية جديدة على أساس أن أحداً لم يخطئ، وأن الآخر وحده من يتحمّل الخراب.
الحقيقة التي يجب الاعتراف بها والانطلاق منها اليوم، هي أن لا ضحية نقية في حرب داخلية طويلة، بل بشر ارتكبوا، وصمتوا، وباركوا، وندموا، وتورطوا. والفرصة الوحيدة للخروج من هذا المستنقع تبدأ من الاعتراف والمسؤولية المشتركة.



