مقالات تناولت الاعمار في سوريا

سوريا: كوكب مذكرات التفاهم السعيد/ عمر قدور
السبت 2025/08/09
مرة أخرى شهدت دمشق، يوم السادس من آب الحالي، احتفالاً بتوقيع مذكرات تفاهم استثمارية. إعلان النوايا الاستثمارية أتى بقيمة 14 مليار دولار، حصة دمشق منها تزيد عن الـ60%، ومن المشاريع المعلن عن نوايا تنفيذها في دمشق مشروعُ المطار بقيمة 4 مليارات دولار، ومشروع خط مترو بتكلفة ملياري دولار، وبناء أبراج سكنية بقيمة تزيد عن مليارين ونصف دولار. في حين كان نصيب مدينة دير الزور النيّة في إنشاء فندق سياحي، أما العاصمة الاقتصادية حلب، فكان من نصيبها تجمّعٌ سكني ومول تجاري.
فور الإعلان رسمياً عن “إعلان النوايا الاستثمارية”، تتبَّع نشطاء سوريون الشركات الموقِّعة عليه، فأمكن بسرعة الكشف عن أن الشركة الإيطالية التي وقعت اتفاقية إنشاء أبراج في دمشق، بقيمة ملياري دولار، أُنشئت قبل ثلاث سنوات فقط، وكانت خاسرة في سنتها الأولى، وفيها حتى الآن موظّف واحد حسبما تُظهر المعلومات المتوفرة عنها. وكانت جريدة “المدن” قد نشرت عنها بعض التفاصيل، مع تأكيدٍ من مصادر سورية على الشروع في التحقيق في أمر الشركة!
المعلومات عن الشركة الإماراتية التي يُفترض بها تنفيذ مشروع المترو ليست بأفضل من نظيرتها الإيطالية، وبالطبع مع التنويه في الحالتين بأن مكان الترخيص الذي لا علاقة له بحكومَتي البلدين، حتى إذا استُغلّ للإيحاء بصلة ما. والمعلومات عن الشركات، بالأحرى نقص المعلومات، لا شأن عظيماً له، بما أن الأمر برمّته متعلّق بإعلان مذكرات تفاهم، لا بإعلان عقود مُلزِمة لطرفيها أو أطرافها. ولعلّ هذا يُعفي أيضاً من البحث في قانونية ما يحدث، لجهة الخروج عن القواعد المعروفة؛ من إجراء مسابقات ومناقصات لدراسة المشاريع الاستثمارية، ثم لتنفيذها. إذ في العديد من الحالات لا تكون عقود الدراسة مقترنة بالتنفيذ. وغنيّ عن القول إن الدراسات والتصاميم الأولية قائمة على العديد من الدراسات لمكان المشروع، وليست مجرد تصاميم يمكن لأيّ هاوٍ الحصول عليها بسهولة بمساعدة الذكاء الاصطناعي.
إذاً، طغى التركيز على تفاصيل مذكرات التفاهم، باستثناء خريطتها الموعودة جغرافياً، وهكذا لم يُلاحظ (كما يليق بهذا) غياب الحسكة والقامشلي الواقعتين حالياً تحت سيطرة قسد والإدارة الذاتية، وغياب السويداء ودرعا أيضاً بما يحمله من دلالات راهنة. فالسويداء، كما هو معلوم، تعرّضت لهجوم أودى بعدد من القتلى لم يتسنَّ بعدُ معرفته بدقة من مصادر موثوقة، وأصابع الاتهام موجَّهة من قبَل الأهالي لقوات وزارتَي الداخلية والدفاع، ثمّ لما عُرِف بالفزعات العشائرية، ولا معلومات أيضاً (دقيقة أو رسمية) عن الخسائر في صفوف القوات والعشائر. في كل الأحوال، خرجت السويداء عن السيطرة الحكومية، ولا معلومات عمّا تتجه إليه الأوضاع مستقبلاً، حيث القناعة الشائعة هي ربط ذلك بالإرادات والتفاهمات الدولية حول سوريا.
ومن المحتمل أن يكون غياب درعا عن الخريطة الاستثمارية لتبرير استثناء السويداء، لكن ربما يكون متصلاً بموضوع الإرادات والتفاهمات التي لم تنعقد، وبغيابها تحضر القوات الإسرائيلية التي تستبيح الجنوب السوري بأكمله. مع ذلك يبقى الغياب مصدر تساؤلات مشروعة، لأن غياب مناطق قسد والسويداء تحديداً يمكن تفسيره بتخلّي المركز عن واجباته إزاء كافة المناطق السورية، ومنها العمل على خريطة استثمارية متوازنة، وعدم تكرار أخطاء العهد البائد بحذافيرها لجهة التركيز على دمشق، وهو ما لم يكن دائماً ميزة لصالحها؛ لتسببه بشدة الضغوط الإدارية والسكانية والخدمية عليها.
مع انعقاد احتفالية إعلان مذكرات التفاهم، كانت محافظة السويداء تستغيث لأن مخزون المياه نفد، وهناك مئات الألوف ممّن هم بحاجة لمياه الشرب، وكانت الاستغاثات قد صدرت منذ أسابيع، بلا استجابة، بسبب نقص مياه الاغتسال. المنطق، ضمن ظروف اعتيادية، يقتضي نظرياً توجيه الاهتمام للاستثمار في مشروع للمياه يروي عطش السويداء. لكن الواقع، كما هو معلوم، يجافي ذلك المنطق الوطني المجرَّد والبريء.
الواقع نفسه يجعل من إقامة احتفالية كبرى، بينما يعطش أطفال على مسافة 100 كيلومتر، شأناً لا يثير الانتباه حتى. بل قد لا يجافي الواقعَ القولُ بوجود رابط من نوع آخر بين السويداء واحتفالية إعلان النوايا الاستثمارية، فالثانية أتت إثر ما يُنظر إليه كهزيمة للسلطة الحالية في سعيها للسيطرة عسكرياً على السويداء، على الأرجح جراء حسابات خارجية خاطئة، وهي بحاجة إلى إثبات رسوخها، والتأكيد على أن نكسة السويداء لا تعكس تراجعاً في الدعم الخارجي بدلالة هذا الرقم الاستثماري الكبير.
يُراد القول إن الوضع في سوريا مستقر، بما يكفي لجذب رأس المال الذي يوصف بالجبان عادة. إلا أن التدقيق في الأمر يشي بغير ذلك، فالنوايا الاستثمارية معلَّقة؛ يشرح هذا كونها مذكّرات تفاهم لا قيمة لها كقيمة عقود الاستثمار، ولا تبعات جزائية في حال التنصّل منها لاحقاً. وإذا أخذنا الأمر بأكمله على محمل حسن النية، فتأويل النوايا الاستثمارية الإيجابية يكون مرتبطاً بدوره بما ستؤول إليه الأوضاع في البلد. بعبارة أخرى، تكون الشركات الموقّعة على مذكرات التفاهم قد حصلت على أفضلية، فيما لو سمحت الظروف لاحقاً بإبرام عقود بناء على المذكرات، ولا تخسر شيئاً فيما لو حدث العكس.
في المحصلة، لا شيء يبقى خافياً، وهو حال التفاهمات الاستثمارية السابقة التي لم تبدأ ترجمتها العملية، في حين أن المساعدات السعودية لتسديد ديون مترتبة على سوريا، لصندوق النقد الدولي، كانت واضحة تماماً، وكذلك كانت ملموسةً آثارُ المساعدة القطرية لتغطية رواتب العاملين في القطاع الحكومي، حيث أمكن رفع الرواتب بنسبة 200%. وقد لا تفسّر المصادفة وحدها أن تكون المشاريع المعلن عنها غير ذات صلة بالشرائح الاجتماعية الأوسع، فهذا يجعلها سهلة النسيان من جهة، ومن جهة أخرى يجعل للإعلان عنها وقع يتوخّى التأثير السريع أو الإبهار.
العامل الثاني بارز إلى درجة شديدة الوضوح، فالإعلان عن مطار بهذه الضخامة ليس من الأولويات المعيشية، ولا يُتوقع في المدى المنظور أن تكون دمشق وجهة سياحية واقتصادية لما يزيد عن ثلاثين مليون زائر. أيضاً الإعلان عن برجيات يتواتر، وكان قد بدأ بكلام عن إنشاء برج ترامب في دمشق، والهوس بفكرة الأبراج لا يفسّره سوى التطلع لإنجاز بارز بالمعنى البصري المباشر، لا من ناحية التأثير العميق المديد. ونشير هنا إلى أن النمط البرجي ليس مرغوباً في العديد البلدان الغربية؛ تلك القادرة على الوفاء بالبنية التحتية اللازمة للأبراج.
لعل ما تحتاجه سوريا هو نمط آخر من الاستثمارات، تستطيع السلطة التشجيع عليه لو شاءت، هو النمط الملائم لإعادة الإعمار وللتنمية المستدامة. وللتشجيع على قدوم استثمارات حقيقية يجب تحقيق السلم الأهلي والبيئة القانونية الجاذبة، المضمونة بأنها لا تخضع للأهواء، وهذا ما لا يحققه الخارج، ولا التلميحات بأن الأخير يدعم الحكم الجديد. يستطيع الخارج أن يجزل الوعود، وتستطيع السلطة أن تجزل له الوعود في المقابل، إلا أن مذكرات التفاهم تبقى في إطار النوايا ليس إلا، بينما الحاجة ماسة إلى عقود حقيقية، أولها عقد من نوع آخر، هو العقد الاجتماعي السوري.
المدن
————————-
سياسات دولة أم انتقائية سوق؟/ سقراط العلو
عادة الإعمار كفرصة تاريخية للعدالة والإنصاف
11-08-2025
قبل أيام فقط من إعلان عقود الاستثمار المليارية بتاريخ السادس من آب (أغسطس) الجاري في دمشق، شاهدت مقطع فيديو لمحافظ دير الزور يتحدث أمام حشد من الأهالي، ناقلاً ما ادّعى أنه حوار دار بينه وبين الرئيس (أحمد الشرع) حول «الشعور بالتهميش» الذي يخيّم على محافظته. قال إنه أبلغ الرئيس بذلك، وإن الأخير ضحك قائلاً إن دير الزور وريف دمشق من أولويات الدولة، لكن الخزينة العامة اليوم شبه فارغة، والمستثمرون «أحرار في اختيار أماكن مشاريعهم». ولم تمضِ ساعات على إعلان الاستثمارات وجغرافيتها حتى انفجرت وسائل التواصل الاجتماعي بانتقادات لاذعة من أبناء دير الزور وشبيهاتها من المناطق المدمرة، متهمين الحكومة بإعادة إنتاج المركزية والتهميش، بعدما ذهبت معظم الاستثمارات إلى المدن غير المدمرة.
كلام المحافظ وردة الفعل على نتائج الإعلان يشكلان مدخلاً هاماً لفهم اللحظة الاقتصادية والسياسية الدقيقة التي تمر بها سوريا ما بعد النزاع. فهما يثيران أسئلةً جوهريةً عن شكل الدولة القادمة، وعن خيارات الحكومة الانتقالية في إعادة الإعمار، هل تُترك لمنطق السوق والمستثمرين؟ أم تتدخل الدولة لتستثمر العملية في تصحيح الخلل التاريخي بين المركز والأطراف؟ هذا ما سيحاول المقال الإجابة عليه من منظور الاقتصاد السياسي.
بعد ثمانية أشهر من سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول (ديسمبر) 2024، لا تزال معالم الاقتصاد السوري في مرحلته الانتقالية مضطربة وغير مكتملة، وهو أمرٌ ليس بغريب قياساً للمدة. فقد خلفت سنوات الحرب بنية تحتية متهالكة، ومجتمعاً مثقلاً بالانقسامات، واقتصاداً منهاراً في جوهره. وفقاً لأحدث تقرير صادر عن البنك الدولي حزيران (يونيو) 2025، فإن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لسوريا لا يزال أقل بنسبة تزيد عن 50 بالمئة مقارنة بما قبل 2011، فيما تقدر نسبة مَن يعيشون تحت خط الفقر بـ 67 بالمئة من السكان، ويعيش ربع السكان في فقر مدقع، ويعاني الاقتصاد من فجوة تمويلية مزمنة، كما يشير التقرير إلى أن قدرة الحكومة على الإنفاق العام محدودة للغاية. تعكس هذه المؤشرات حجم التحدي، وتكشف هشاشة أدوات الدولة الاقتصادية، وافتقارها للقدرة على التأثير في دورة الاقتصاد الكلي دون تدخل خارجي أو إصلاح جذري.
لكن سلوك الحكومة السورية لا يُعبّر عن أزمة في الموارد فقط، بل عن مشكلة في التصورات الاقتصادية والسياسية الحاكمة للمرحلة الانتقالية. فصنّاع القرار يبدون أقرب إلى منطق السوق الحر، ويتعاملون مع مرحلة ما بعد النزاع كما لو كانت سياقاً اقتصادياً عادياً، وليست لحظةً استثنائيةً تُبنى فيها الدولة، وتُعاد فيها هيكلة الاقتصاد، وتُشكَّل فيها موازين الشرعية السياسية من خلال السياسات الاقتصادية والاجتماعية.
فمرحلة ما بعد النزاع تفرض على الدولة أن تحسم خيارها بين أن تستخدم سلطتها لقيادة التعافي عبر توجيه الموارد إلى بناء مؤسسات شاملة وتوسيع قاعدة المستفيدين من النمو، أو أن تنزلق إلى مسار تعافٍ نخبوي يُعيد إنتاج الإقصاء والفوارق التي غذّت النزاع في المقام الأول. وهنا لا يتعلق الأمر فقط بالنمو الاقتصادي كمؤشر كمي، بل بمدى قدرة الدولة على استخدام أدوات الاقتصاد الكلي لإعادة التوازن بين الفئات والمناطق، وبناء الثقة، وتحقيق ما يسمى في أدبيات الاقتصاد السياسي بـ«الشرعية التوزيعية».
من هذا المنظور، فإن السياسة الاقتصادية ليست مجرد تقنية مالية بل ممارسة سيادية تُعبّر عن رؤية الدولة للعدالة والرفاه. ولذلك، فإن ميل الحكومة المؤقتة للاقتصاد الحر والخصخصة، وإعلانها الامتناع عن الاقتراض في ظل شبه انعدام مواردها الأخرى، وما يترتب عليه من عدم قدرتها على الإنفاق الاستثماري ليس قراراً مالياً محضاً، بل هو تعبير عن غياب رؤية سياسية لمرحلة ما بعد النزاع. فالحكومة، بتقاعسها عن تحمل عبء الإنفاق العام، تُحيل عملية التعافي إلى منطق الربحية والاستثمار الانتقائي، بدلاً من تبنّي مشروع اقتصادي يعيد بناء الشرعية الوطنية.
وفي هذا السياق، لا بأس في الرجوع إلى مقولة جون ماينارد كينز، رائد الاقتصاد الكلي الحديث، والتي ما تزال تحتفظ بوجاهتها رغم تطور المدارس الاقتصادية من بعده. فقد ذهب كينز إلى أن الدولة، حين تنعدم الثقة في الأسواق ويتراجع الطلب الكلي، ينبغي أن تتدخل حتى عبر وسائل تبدو غير عقلانية من منظور الكفاءة الاقتصادية، قائلاً: «على الدولة أن تدفع للناس ليحفروا حفراً ثم يردموها» لتحريك الاقتصاد وخلق فرص العمل. وفقاً لكينز، فالإنفاق العام، حتى لو لم يكن ذا مردودٍ اقتصاديٍ مباشر، يمكن أن يُنتج قيمة اجتماعية وسياسية من خلال خلق الطلب، وتعزيز الثقة، وإعادة تشغيل الاقتصاد. وصحيح أن النظرية الكينزية الكلاسيكية قد خضعت لاحقاً لنقد واسع، إلا أن تطبيقاتها في فترات ما بعد النزاع أو الكساد لا تزال تُعد من بين الأكثر تأثيراً ونجاعة في استعادة النشاط الاقتصادي.
واللافت أن الحكومة السورية المؤقتة، رغم إقرارها بحجم التحديات في سياق اقتصاد مُنهار، اختارت سياسة قائمة على الامتناع عن الاقتراض الخارجي، وتعويل مفرط على الاستثمار الأجنبي، متجاهلةً ضرورة وجود سياسات إنفاق عام واسعة النطاق تستهدف إعادة تأهيل البنية التحتية، وتوفير الخدمات الأساسية، وتحقيق العدالة الاجتماعية. والتبرير الرسمي لهذه المقاربة المتمثل بالخوف من المديونية، وإن بدا في ظاهره وجيهاً، إلا أنه في العمق يعكس خللاً في فهم المرحلة ودور الدولة كفاعل مركزي في إعادة إنتاج النظام الاجتماعي بعد الحرب.
يُعد غياب التمويل العام، خاصة من خلال الاقتراض بشروط مناسبة، حرماناً للدولة من أدواتها الأساسية في تفعيل الطلب الكلي، وتوليد الوظائف، وتحقيق الاستقرار. ويُحيل إدارة عملية الإعمار إلى القطاع الخاص الذي غالباً ما يتحرك بدافع الربح لا بدافع إعادة البناء الشامل. والنتيجة هي ما نراه اليوم، استثمارات متركزة في مناطق غير مدمرة، وفي قطاعات غير إنتاجية وليست من أولويات السوريين في المرحلة الحالية، مثل المطارات والعقارات الفاخرة والسياحة ومراكز التسوق، مقابل تهميش المناطق المنكوبة والمحرومة التي تحتاج إلى تدخل الدولة، لا إلى انتقائية المستثمرين.
لا بدّ من الوعي بأن عملية إعادة الإعمار في سوريا تُشكّل فرصةً تاريخيةً لتصحيح الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية المُزمنة في البلاد، بما يحقق قدراً أعلى من العدالة والتنمية المتوازنة بين المركز والأطراف. فهي ليست مجرد استجابة هندسية للدمار، بل هي أداة سياسية للعدالة الانتقالية من خلال إعادة إعمار المناطق المدمرة كنوع من جبر الضرر المجتمعي، ولإعادة دمج المناطق المهمشة، وتوفير البنية التحتية والخدمات وفرص العمل فيها، بما يسهم في إعادة بناء النسيج الوطني الممزق. وفي هذا السياق، يجب أن تكون خطة الإعمار مصممة ضمن رؤية تنموية شاملة، تضمن توجيه الاستثمارات نحو المناطق التي عانت من التهميش، وليس فقط تلك التي تملك جدوى تجارية فورية. فالتنمية المكانية العادلة في سوريا اليوم ضرورة لضمان الاستقرار المستدام.
وهنا من الأهمية بمكان توسيع الفهم للمجال العام ببعده الاقتصادي الاجتماعي وليس السياسي فقط، وأهمية دور الدولة في بنائه، ليس فقط كمقدم للخدمات، بل كمنظم للعيش المشترك. فالمجال العام هو الحيّز الذي تتفاعل فيه مختلف فئات المجتمع اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، وتُصاغ فيه الأولويات العامة وتُوزّع فيه الموارد بشكل عادل. وبناء المجال العام بعد النزاع يعني أن تتحمل الدولة مسؤولية إعادة الثقة بالمؤسسات العامة، وإنشاء البنى التحتية التي تتيح مشاركة جميع المواطنين في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، بغضّ النظر عن مناطقهم أو فئاتهم. هذا البناء لا يقتصر فقط على المدارس والمشافي والمساحات العامة، بل يشمل أيضاً السياسات التي تضمن المساواة في الفرص، والحماية الاجتماعية، والتمثيل السياسي. ومن دون هذا الحضور النشط للدولة، يبقى المجال العام هشاً ومغلقاً في وجه من هم خارج دوائر الامتياز.
وهذا الدور يفرض على الدولة انتهاج سياسة تمويل متوازنة تقوم على تنويع مصادرها بما يعزز استقلال القرار الاقتصادي ويُقلل من الارتهان لأي جهة بعينها. يمكن تحقيق ذلك عبر مزيج من القروض الميسّرة والمنح الدولية، والتمويل المشترك مع القطاع الخاص في مشاريع ذات طابع إنتاجي واجتماعي، بالإضافة إلى تعبئة الموارد المحلية من خلال إصلاح النظام الضريبي وتوسيع القاعدة الضريبية بشكل عادل. كما ينبغي استعادة الثقة بالمؤسسات العامة من خلال الشفافية والرقابة وتوجيه الإنفاق نحو مشاريع حقيقية تخلق القيمة وتوفر فرص العمل.
لا ينبغي أن تُفهم دعوة الدولة للعب دور مركزي في إعادة الإعمار على أنها دعوة لإقصاء القطاع الخاص أو المجتمع المدني. بل على العكس، من المهم أن يتم إشراك هذه الأطراف في عملية الإعمار ضمن إطار من الشراكات بين القطاعين العام والخاص. ولا سيّما في بعض المجالات مثل البنية التحتية والطاقة، ولكن يجب أن تكون هذه المساهمات تحت إشراف الدولة، وتخضع لآليات واضحة وشفافة لضمان أن تساهم هذه الاستثمارات في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
وفي الوقت نفسه، من الضروري إشراك المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية في هذه العملية، خاصة في المناطق التي عانت من النزاع بشكل أكبر. إذ يمكن لهذه المنظمات أن تلعب دوراً رئيسياً في تقديم الخدمات الأساسية، وكذلك في تحفيز النمو المحلي من خلال دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي يمكن أن تساهم في استعادة النشاط الاقتصادي في المناطق المتضررة.
إن نجاح عملية إعادة الإعمار أو فشلها، كما تخبرنا تجارب دول قريبة من الحالة السورية، كان رهناً بالخيارات الاقتصادية التي تبنتها تلك الدول. فالعراق كمثال لتراجع دور الدولة بعد العام 2003، انتهج سياسة ليبرالية تتشابه في خطوطها العريضة مع الرؤى والتصورات التي يُصرّح بها مسؤولو الحكومة السورية ومسشاروهم، من قبيل انسحاب الدولة، فتح الأسواق، وخصخصة الخدمات. وكانت النتيجة اقتصاداً هشاً قائماً على الريع، مع تزايد معدلات الفقر والبطالة وتضخم القطاع غير الرسمي.
أمّا لبنان، كمثال على عدم التوزيع المكاني العادل لثمار عملية إعادة الإعمار، فبالرغم من الخطة الطموحة التي قادها رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري، إلا أنها نجحت في المركز مثل وسط بيروت، في حين عمّقت التفاوت الاجتماعي والمناطقي، وخصوصاً مع الشمال والجنوب، وهي الثغرة التي استثمر فيها حزب الله لخلق دولته داخل الدولة.
وبالحديث عن التجارب الناجحة؛ لنختر رواندا، وهي مثال مُفضّل للسوريين هذه الأيام. على النقيض، شهدت منذ نهاية الإبادة الجماعية عام 1994 سياسة تنموية تقودها الدولة بقوة. اقترضت الحكومة من المؤسسات الدولية، وضخت الاستثمارات في الصحة والتعليم والبنية التحتية، مع وضع خطة مركزية لتنمية متوازنة مناطقياً. وتمكنت خلال عقدين من رفع معدل النمو السنوي إلى أكثر من 7 بالمئة، مع انخفاض كبير في معدلات الفقر. ولم يكن ذلك ممكناً دون توجيه صارم من الدولة، ورؤية متكاملة تربط الاقتصاد بالعدالة الاجتماعية.
وبالعودة إلى سوريا، فإن ملامح النهج الاقتصادي الحالي (كما بات يدرك معظم السوريين) تحمل مخاطر حقيقية لتكريس منطق «اقتصاد النخبة» الذي يُركّز المنافع في يد فئات محددة، ويترك الشريحة الأوسع من السكان في حالة انتظار مزمن. فالتوقيع على مشاريع بقيمة 14 مليار دولار في قطاعات غير إنتاجية، إن كانت واقعية، يُظهر إصراراً على إعادة إنتاج اقتصاد لا يخدم أغلبية السوريين، ولا يعالج أسباب النزاع الأساسية.
إذ يُظهر هذا النهج تقاطعاً خطيراً بين السياسة والاقتصاد، حيث تُستخدم الدولة كمنصة لإعادة دمج رأس المال الدولي والإقليمي والمحلي، دون أن تتولى مسؤولية إعادة بناء المجال العام. ورفض الاقتراض، في هذه الحالة، لا يعكس حكمة مالية، بل عدم رغبة في الشفافية التي تفرضها بصرامة شروط مؤسسات التمويل الدولية، وانسحاباً سياسياً من دور الدولة كفاعل مركزي في بناء العدالة بعد الحرب.
إن ما تحتاجه سوريا في هذه المرحلة ليس مجرد استثمارات خارجية، بل سياسة اقتصادية توحيدية، تعيد بناء الهوية الوطنية من خلال إعادة توزيع الفرص والموارد. وعلى الحكومة، إن كان لديها نوايا صادقة في هذا الاتجاه، أن تتبنى سياسة إنفاق عام توسعية، ممولة من خلال مزيج من القروض والمنح الدولية، وموجهة نحو بناء البنى التحتية، وتحفيز القطاعات الإنتاجية، وتطوير شبكات الأمان الاجتماعي. فكفاءة الدولة الاقتصادية لا تُقاس بمدى تقشفها وعزوفها عن الاقتراض، بل بقدرتها على خلق شروط الاستقرار والنمو المشترك. والتجارب المقارنة تشير بوضوح إلى أن الاقتصادات الخارجة من النزاع لا تنجح إلا إذا تولت الدولة قيادة عملية إعادة البناء، مالياً ومؤسسياً واجتماعياً.
والعدالة الاجتماعية في سياق دولة بوضع سوريا لا تأتي كنتيجة للنمو، بل تسبقه كشرط له. وإذا لم تعِ الحكومة السورية هذا المبدأ، فإن مشروع إعادة الإعمار سيتحول إلى مشروع إعادة إنتاج للانقسام، واللاعدالة، والهشاشة. وما لم تُستعاد الدولة كفاعل اقتصادي اجتماعي، فلن تكتمل لحظة التحرير، وسيُضاف الاقتصاد إلى جملة كوارث أخرى في الأداء الحكومي، قد تؤدي لعودة النزاع.
موقع الجمهورية
————————
من وعود الأبراج الزجاجية إلى واقع العشوائيات ومخيمات اللجوء/ عمر عبد العزيز الحلاج
12 اغسطس 2025
تُطرح الاستثمارات الأجنبية وكأنها الحل السحري لأزمة السكن في سورية. تتكرّر صور الأبراج والمدن الحديثة باعتبارها رموزاً للتعافي، فيما تُقدَّم المؤتمرات والوعود الكبرى بوصفها المدخل إلى مستقبل أفضل. خلف هذه الوعود يبرز سؤال أساسي: هل تكفي هذه المشاريع الكبرى لمعالجة أزمة سكن تراكمت عبر عقود وتفاقمت بفعل الحرب، أم أن السوريين أمام وهم جديد يكرّس التفاوت الاجتماعي تحت لافتة الإعمار؟
ما يُغفل في هذا الخطاب أن إعادة الإعمار في بلدٍ أنهكته الحرب تختلف جذرياً عن معالجة نقص المساكن في اقتصادٍ مستقر. ففي البيئات المستقرة، ترتكز الاستراتيجيات على بنية تحتية قائمة ونظام مالي يعمل وقدرة دفع معقولة للأسر، أما في الحالة السورية فالمعادلة مختلفة: انهيار البنى الأساسية، تراجع الدخول، هشاشة حقوق الحيازة، وأولوية إعادة الخدمات الأساسية لتحريك الاقتصاد المحلي قبل أي أحلام عمرانية كبرى.
لماذا لا تكفي الاستثمارات الكبرى لحلّ أزمة السكن؟
تبدو فكرة الاعتماد على رؤوس الأموال الكبيرة والمشاريع الاستثمارية الضخمة مغرية لأي بلد يسعى إلى النهوض من كارثة، فهي تحمل وعوداً بالبنية التحتية الحديثة وضخ السيولة وإيحاد فرص عمل. لكن التجارب تظهر أن هذا الخيار، حين يُعتمد باعتباره مساراً رئيسياً، يواجه تحدّياتٍ تحدّ من أثره، خصوصاً في سياقات ما بعد النزاع.
أولى المشكلات القدرة على تحمل التكاليف: تقوم هذه المشاريع على منطق استرداد الكلفة وتحقيق الربح، ما يجعل منتجاتها موجهة في الغالب إلى الشرائح المقتدرة، فيما تبقى الفئات الأشد حاجة، وهي الغالبية في سورية، خارج المعادلة. النتيجة أن فجوة السكن للفقراء لا تُسد مهما بلغت قيمة الاستثمارات.
المشكلة الثانية الزمن: حتى في الاقتصادات المستقرّة، تحتاج المشاريع الكبرى سنوات قبل أن تنتج وحدات سكنية بأعداد كافية، أما في بيئة ما بعد الحرب، حيث تزداد الحاجة بفعل العودة الجماعية والنمو الديمغرافي، فإن هذا البطء يعني توسّع البناء العشوائي ومخاطر اجتماعية أكبر.
ثم هناك الآثار الجانبية: ضخ استثمارات عقارية كبيرة في سوق عقاري هشّ قد يؤدّي إلى تضخّم أسعار الأراضي وتصاعد المضاربة وتكوين فقاعاتٍ لا علاقة لها بالإنتاج الفعلي، ما يفاقم الاختلالات بدل تحقيق الاستقرار. وغالباً ما تهمل هذه النماذج الأبعاد الاجتماعية للتخطيط، إذ تُصمم وفق منطق السوق لا وفق حاجات الأسر الممتدة وأنماط العيش المحلية، ما يضعف شبكات الدعم التي يعتمد عليها الفقراء للبقاء.
الواقع السوري أكثر تعقيداً
لم تدمّر الحرب الحجر فحسب، بل أيضاً أضعفت منظومة الاقتصاد برمتها. تفيد التقديرات بأن سورية ستحتاج ما بين 108 و242 ألف وحدة سكنية سنوياً لتعويض الدمار (خلال 5 إلى 12 سنة)، إضافة إلى 160 ألف وحدة أخرى لتلبية النمو الطبيعي، أي ما يفوق قدرة القطاعين العام والخاص بمرات. حتى إذا نُفذت جميع المشاريع الاستثمارية المعلنة، فلن تغطي سوى جزء ضئيل من هذه الحاجة، وغالباً ستستهدف الشرائح المقتدرة. وحدها كلفة إعادة المساكن قد تصل إلى 30 مليار دولار، من دون احتساب البنية التحتية أو المساكن الجديدة المطلوبة للشباب، في حال تولّى السكان البناء الذاتي. أما إذا نفّذتها الشركات الاستثمارية، فقد تتضاعف الكلفة إلى أضعاف.
في الوقت نفسه، تدهورت القدرة الشرائية للأسر السورية بشكلٍ حاد، إذ انخفض متوسّط الدخل بأكثر من 60% مقارنة بما كان عليه قبل الحرب. حتى قبل 2011، كان امتلاك منزل يتطلب أضعاف دخل الأسرة السنوي، فما بالك اليوم؟ أي مشروع استثماري سيعتمد على منطق استرداد التكاليف وتحقيق الربح، ما يجعل هذه الوحدات خارج متناول الغالبية.
أما الإطار القانوني فليس مجرد عائق يجب تجاوزه، بل شبكة أمان لحقوق الحيازة. أي تعديل متسرع، خصوصاً في المناطق العشوائية، قد يفتح الباب أمام حرمان واسع، في ظل فقدان الوثائق وتعدد المرجعيات القانونية. الحفاظ على هذه الحقوق ضرورة، لأن المساس بها يعني موجات جديدة من الإقصاء والتوتر الاجتماعي.
كما لا يمكن تجاهل الآثار الاقتصادية لمشاريع ضخمة في بيئة هشّة. ضخ استثمارات عقارية بهذا الحجم سيرفع أسعار الأراضي، ومع مبدأ تناقص العوائد سترتفع الأسعار أسرع من القيمة الحقيقية، ما يفتح الباب أمام المضاربات ويهدد بنزوح اقتصادي قد يفوق في قسوته النزوح الذي فرضته الحرب، ويخلق أحزمة فقر جديدة حول المدن.
عامل الوقت لا يرحم
تحتاج المشاريع الكبرى وقتاً طويلاً قبل أن تسلّم أول وحدة سكنية لساكنيها. من تخصيص الأرض إلى تسليم المفاتيح، قد تمتد الدورة إلى سنوات طويلة، وقد تطول الدورة إذا كان نموذج الحل يقتضي أن تبيع الشركات أولى منتجاتها وأن تستخدم أرباحها لتوسيع العمل وتوفير مزيد من المساكن في دورات لاحقة. بينما تواجه سورية ضغطاً متزايداً من موجات العودة وطفرة شبابية غير مسبوقة تدخل سوق السكن أول مرة منذ عشية الربيع العربي. فهل يمكن لملايين السوريين الانتظار عقداً جديداً في المخيمات أو في مساكن مؤقتة؟
يثبت الواقع الميداني أن السوريين لم ينتظروا ولن ينتظروا. من يملك القدرة رمّم منزله أو أضاف غرفة جديدة بمساعدة الجيران والأقارب، حتى في أحلك ظروف الحرب. تفرض هذه الدينامية حقيقة واضحة: الناس سيتصرّفون بمواردهم الذاتية مهما كانت شحيحة، سواء أدرجتهم الخطط الرسمية أم أهملتهم. تجاهل ذلك يعني انفجار البناء العشوائي بكل مخاطره على السلامة العامة والخدمات، وإعادة إنتاج التهميش الذي كان أحد أسباب النزاع في الأصل.
ما البديل الواقعي؟
لا يكمن الحل في استنساخ تجارب الآخرين ولا في انتظار استثماراتهم، بل في صياغة مقاربة سورية واقعية تنطلق من موارد المجتمعات المحلية وقدراتها. وأبرز ملامحها:
• تمكين البناء الذاتي التدريجي: (Self-Help) بدلاً من محاربة البناء الذاتي أو تركه عشوائياً، يجب تقنينه عبر كودات إنشائية مرنة تحدد معايير السلامة، وتسهيل التراخيص وربط المناطق السكنية بحد مقبول من الخدمات وعدم المبالغة في الوعود التي لا يمكن تحقيقها عبر معايير التخطيط الدولية.
• دعم الحيازة وحماية الحقوق: إن أي تعديل قانوني لحقوق الحيازة يجب أن يتم بحذر شديد لحماية حقوق الحيازة الهشة لأغلب النازحين واللاجئين. أغلب مناطق السكن العشوائي تملك نوعاً من إثباتات الحيازة، ولكنه غير كاف لاستصدار تراخيص بناء أو الوصول إلى فرص التمويل الصغير. تثبيت تلك الحقوق قد يعطيها الضمانات اللازمة لتبدأ في البناء.
• تمويل موجه للأسر لا للمشاريع الضخمة: عبر منح صغيرة، قروض دوارة، وضمانات حكومية تقلّل المخاطر، مع إنشاء صناديق إسكان محلية بتمويل مشترك من البلديات والقطاع الخاص والمغتربين.
• إشراك السلطات المحلية والمجتمع: البلديات يجب أن تكون في قلب القرار لتحديد الأولويات بواقعية، بعيداً عن التخطيط المركزي الذي فشل سابقاً في تلبية الاحتياجات. ومن غير المتوقع أن ينجح مجدّداً إذا استمر بالنهج المركزي نفسه مستقبلاً.
• ضبط السوق العقارية للحد من التضخم: من خلال ضرائب عادلة وآليات رقابة تمنع المضاربات التي من شأنها أن تدفع آلاف العائلات خارج المدن إلى أحزمة الفقر بسبب التضخّم.
إذاً، هل يمكن الرهان على الاستثمارات الخارجية لتكون الحل السحري لأزمة السكن في سورية؟ التجارب تقول لا. هذه النماذج، حتى في بيئات مستقرة وغنية، لم تنجح في سد فجوة السكن للفئات الأشد حاجة، وهي الفئات التي تشكّل اليوم الشريحة الأكبر والأكثر إلحاحاً في سورية. الخطر لا يكمن في طول فترة الانتظار أو ارتفاع الكلفة فحسب، بل في ما يمكن أن تخلقه هذه الاستراتيجيات من تضخم في الأسعار، ومضاربات عقارية، ونزوح اقتصادي جديد يزيد تعقيد التحدّيات الاجتماعية، ويضع عراقيل أمام مسار التعافي والاستقرار على المدى الطويل.
يجب ألا يُختزل إعمار سورية في أبراج عاجية وألا يتحوّل إلى مشروع للنخبة، بل ينبغي أن يكون مساراً يشارك فيه الجميع، يراعي العدالة والقدرة الاقتصادية، ويضع الإنسان قبل الإسمنت. عندها فقط يمكن الحديث عن تعافٍ حقيقي يخدم السوريين جميعاً، لا عن وهم جديد عنوانه الإعمار.
العربي الجديد
————————
سورية بين وعود الإعمار ومأزق الواقع البنيوي/ جمال حمور
09 اغسطس 2025
دخلت سورية مرحلة جديدة في ديسمبر/كانون الأول 2024، عنوانها العريض هو التغيير، وإن كانت ملامحه لا تزال غير مكتملة. فقد تزامنت التحولات السياسية التي شهدتها البلاد مع محاولة جديدة لرسم صورة أكثر استقراراً وانفتاحاً أمام الخارج، وخصوصاً في ما يتعلق بالملف الاقتصادي. وفي هذا السياق، أعلنت السلطة الجديدة في دمشق سلسلة من الاتفاقيات الاستثمارية التي وُصفت بأنها تمثل بداية مرحلة إعادة الإعمار، وبوابة العودة الفعلية لسورية إلى الخريطة الاقتصادية الإقليمية.
المشاريع المعلنة بدت لافتة في أرقامها، وفي الجهات التي وقعتها، وكذلك في المجالات التي تغطيها. فقد أُعلن مشروع لبناء مطار دولي جديد بتمويل قطري يُقدّر بأربعة مليارات دولار، ومشروع مترو في العاصمة بتمويل إماراتي يصل إلى مليارين، إلى جانب مجمعات عقارية وتجارية كبرى مثل Damascus Towers ومشروعات سكنية مثل Baramkeh Towers، فضلاً عن العديد من المشاريع الموصوفة بأنها صغيرة أو متوسطة، لكنها تحمل رمزية واضحة على المستويين السياسي والاقتصادي.
في الواقع، ما وُقِّع في معظم الحالات ليس عقود تنفيذ قانونية ونهائية، بل مذكرات تفاهم، وهي بطبيعتها غير ملزمة. هذه الصيغة من الاتفاقات تُستخدم عادة في المراحل الأولية من التعاون، وتعبّر عن نيات استثمارية قد تتحقق أو لا تتحقق، بحسب ما تقتضيه الظروف. ومن هنا، فإن النظر إلى هذه المذكرات على أنها مشاريع قيد التنفيذ الفعلي، قراءة متفائلة أكثر من اللازم، وقد تخدم أغراضاً سياسية أكثر مما تعكس واقعاً اقتصادياً. فالمستثمر، سواء كان من الخليج أو من أي مكان آخر، لا يضخ أموالاً في بيئة لا تزال غير مستقرة، ولا توجد فيها ضمانات كافية لحماية رأس المال، ولا آليات قضائية تتيح له تحصيل حقوقه في حال النزاع. رأس المال، بطبيعته، يميل إلى الحذر، ويتجنب المغامرة في البيئات غير المضمونة. لذلك، من الخطأ النظر إلى بطء التنفيذ باعتباره إخلالاً من طرف المستثمر، بل هو، في جوهره، انعكاس لواقع داخلي لا يزال بعيداً عن الجاهزية.
الواقع الأمني أول العوائق أمام هذه المشاريع. فعلى الرغم من أن السلطة الجديدة تسعى لتقديم صورة مختلفة عن الوضع الأمني في البلاد، إلا أن الوقائع على الأرض تشير إلى هشاشة حقيقية في الاستقرار، حتى في المناطق التي يُفترض أنها تحت السيطرة الكاملة للدولة. ولا تزال حوادث إطلاق النار، والاشتباكات المحلية، والتوترات الأمنية تظهر بين حين وآخر، خصوصاً في مناطق الجنوب، حيث لا تزال السويداء ودرعا تعيشان وضعاً هشاً لا يُطمئن السكان ولا المستثمرين. وفي الشمال، تظل العلاقة مع المكون الكردي متوترة، في ظل وجود قوى مسلحة تدير مناطقها بشكل مستقل، وتفرض واقعاً إدارياً وأمنياً لا يخضع لسلطة دمشق مباشرةً. أما في العاصمة نفسها، فإن ظاهرة السلاح الفردي والانتشار غير المنضبط للعناصر المسلحة لا تزال قائمة، ما يخلق شعوراً عاماً بعدم الأمان، حتى في قلب المدينة التي يُفترض أن تكون النموذج الأبرز على التعافي.
وعلى المستوى القانوني والمؤسسي، لا تزال البنية التشريعية غير قادرة على مواكبة طموحات الاستثمار. فالقضاء، الذي يُفترض أن يكون الحَكم والضامن لحقوق المستثمرين، يعاني من ضعف الاستقلالية، فيما البيروقراطية لا تزال تعوق أي إجراء يتعلق بتراخيص البناء أو تأسيس الشركات أو تحويل الأموال. كذلك إن غياب الشفافية في إعلان شروط الاتفاقيات، وطبيعة الامتيازات المقدمة، وهوية الأطراف المحلية الشريكة، كلها أمور تثير الريبة وتدفع المستثمر إلى التردد أو التراجع. وفي بيئة خارجة للتو من حرب مدمّرة، يصبح غياب الشفافية معوّقاً رئيسياً، ليس فقط للاستثمار الخارجي، بل حتى للمبادرات المحلية التي تحتاج إلى بيئة قانونية واضحة وغير متقلبة.
اللافت أيضاً أن معظم المشاريع المعلنة تتركز في دمشق ومحيطها، بينما تستثنى مناطق تعرّضت لتدمير واسع خلال سنوات الحرب، مثل حلب، وحمص، والغوطة الشرقية، ودرعا، وغيرها من المناطق، من خريطة الاستثمار. وهذه المناطق ليست فقط من بين الأكثر تضرراً من القصف والاشتباكات خلال الصراع، بل تمثل أيضاً بيئات اجتماعية كانت في قلب الحراك الشعبي، ما جعلها هدفاً مركزياً للعمليات العسكرية التي خلفت دماراً شبه شامل في بنيتها التحتية، ومرافقها العامة، وأحيائها السكنية. تغييب هذه المناطق عن خطط الإعمار لا يمكن تفسيره باعتبارات اقتصادية أو فنية فقط، بل يعكس توجهاً سياسياً لدى السلطة الجديدة، يسعى لتعزيز الحضور في المركز، أي دمشق، حيث النفوذ والرمزية، بدل تبنّي خطة تنموية شاملة تعيد دمج الأطراف، وتمنح سكانها شعوراً حقيقياً بأنهم جزء من مشروع وطني جامع.
إن الاستثمار في دمشق قد يكون مغرياً من حيث الأمان النسبي وقابلية الترويج الإعلامي، لكنه لا يُعالج التحديات العميقة التي خلفتها الحرب، ولا يفتح آفاقاً أمام استقرار اجتماعي طويل الأمد. بل إن هذا التوجه، في حقيقته، يُكرّس الفجوة الجغرافية والاجتماعية، ويُعمّق مشاعر التهميش في المناطق المنكوبة، ما يُعرقل فرص المصالحة الوطنية، التي لا يمكنها أن تترسخ دون تحقيق عدالة تنموية شاملة وعادلة.
إن مآلات هذه المرحلة الانتقالية في سورية لن تُقاس فقط بعدد المشاريع التي تُعلن، بل بقدرتها على التحول إلى وقائع ملموسة يشعر بها المواطن السوري في معيشته اليومية، ويختبر أثرها في تفاصيل حياته، من البنية التحتية إلى فرص العمل والتعليم والخدمات. فالإعلان عن استثمارات ضخمة لا يُغني شيئاً ما لم يُترجم إلى تغيير فعلي في الواقع المعيشي. وما لم تجرِ مقاربة ملف الإعمار بمنطق وطني شامل، يدمج كل المناطق والمكونات من دون تمييز أو إقصاء، ويؤسس لبيئة عادلة وآمنة تحترم التنوع وتضمن الحقوق وتُعزز الثقة بين المواطن والدولة، فإن أي استثمار سيبقى ضعيفاً وعرضة للتآكل، مهما بلغ حجمه.
سورية لا تحتاج فقط إلى تدفق الأموال، بل إلى رؤية واضحة، وعدالة انتقالية شاملة، وإرادة سياسية تجرؤ على مواجهة الماضي وتفكيك البُنى التي أنتجت الانهيار، وتبني على أنقاضها قواعد جديدة للحكم تتسم بالمشاركة والمساءلة وتوزيع عادل للثروة والفرص. وإذا كانت سورية الجديدة تريد فعلاً أن تتحول إلى دولة تستقطب الاستثمارات وتعيد بناء نفسها على أسس متينة، فإنها بحاجة إلى ما هو أكثر بكثير من مذكرات التفاهم أو التصريحات الإعلامية. إنها بحاجة إلى إعادة صياغة العقد الاجتماعي برمته، بما يضمن إشراك المجتمع المحلي في القرار، ويمنح الشعور بالملكية الجماعية للمشروع الوطني.
فقط عندئذ يمكن أن تتحول هذه الوعود إلى مشاريع حقيقية، قادرة على إحداث التغيير المطلوب، والخروج بالبلاد من دوامة الانهيار المزمن. أما إذا استمرّ التعويل على الواجهة الإعلامية بديلاً للتغيير الحقيقي في العمق، فإن هذه المشاريع ستبقى حبيسة الورق، وستظل سورية تدور في فراغ الوعود، بينما يبقى شعبها في حالة ترقب وانتظار لما قد لا يأتي أبداً.
العربي الجديد
———————————-
=======================



