محطات

الجامع الأموي الكبير في سجل التراث المعماري العربي/ سمر شمة

9 أغسطس 2025

أدرجت لجنة مرصد التراث المعماري والعمراني العربي التابعة للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم “ألكسو” الجامع الأموي بدمشق ضمن سجل التراث المعماري والعمراني العربي في دفعة أولى تتضمن 19 موقعًا عربيًا، وذلك في اجتماعها الأخير ببيروت نهاية الشهر الماضي، والذي شارك فيه مندوبو أكثر من 40 دولة، وتم ترشيح نحو 15 موقعًا تراثيًا سوريًا فاعتُمد الجامع ليكون أول موقع سوري يُدرج على هذه القائمة. ويُعد ذلك إنجازًا ثقافيًا مهمًا يعزز مكانة التراث السوري ويفتح الباب أمام تسجيل مواقع سورية أخرى على لوائح التراث العالمي.

والجامع الأموي الكبير هو رابع أشهر المساجد الإسلامية بعد حرمي مكة والمدينة والمسجد الأقصى، وواحد من أفخم المساجد الإسلامية وإحدى عجائب الإسلام السبع في العالم، ويُعتبر بموقعه الاستثنائي نموذجًا فريدًا للعمارة الأموية في دمشق التي كانت حاضرة رئيسة من حواضر العالم العربي والإسلامي. وأشهر المساجد التي حافظت على الهيكل العام والمعالم المعمارية منذ بنائه الأول أوائل القرن الثامن. وقد حافظ على طابعه الأموي عبر الزمن إلى حد كبير وكان مركز العاصمة السورية النابض ومحطة انطلاق الحراك الوطني ضد الاحتلال الفرنسي، وإحدى المحطات التي انطلقت منها المظاهرات السلمية الحاشدة ضد نظام الأسد المخلوع في بداية انطلاق الثورة السورية 2011.

وهو تحفة معمارية فريدة من نوعها لوجود آثار بيزنطية في أعمدته وتيجانه، ورغم عمليات الترميم والتجديد التي تعرض لها في مراحل تاريخية مختلفة استطاع الحفاظ على شكله الأصلي مع بعض التزيين والتطوير. وقد قال عنه المؤرخ فينبار باري فلود: “بناء مسجد دمشق لم يغير المشهد الحضري للمدينة فقط. بل أكد أثر هيمنة العمارة الأموية في العالم الإسلامي. وأضاف بُعدًا آخر في عمارة المساجد في سورية وهذا العالم بشكل عام”.

يقع وسط مدينة دمشق القديمة المدرجة على لائحة التراث العالمي، تحده من الجنوب سوق وحي البزورية التاريخي، ومن الغرب سوق الحميدية العريقة، أهم أسواق الشرق وأكثرها جمالًا ورونقًا، ومن الشرق مقهى النوفرة الشهير، ومن الزاوية الشمالية الغربية المدرسة العزيزية وضريح السلطان صلاح الدين الأيوبي، الشخصية التاريخية البارزة التي ارتبط اسمها بمدينة دمشق.

يؤكد المؤرخون أن الخليفة الأموي السادس، الوليد بن عبد الملك، هو الذي بنى هذا المسجد وأمر بتشييده في الفترة ما بين 705 و715 م فوق موقع أثري، تعاقبت عليه عدة حضارات بدءًا من معبد آرامي ثم روماني “جوبيتر” وصولًا إلى كاتدرائية مسيحية قبل تحويله لجامع. وقد حشد صنّاعًا مهرة لبنائه من الأقباط وبلاد الفرس والهند إضافة إلى مائة فنان يوناني أرسلهم إمبراطور بيزنطة للمشاركة في تزيينه. بينما تشير مصادر تاريخية إلى وجود روايات أخرى حول تأسيس هذا المسجد. وقد ذكر المؤرخ والجغرافي ابن الفقيه بأن العمال وجدوا في المكان مغارة تعود للكنيسة البيزنطية في أثناء بنائهم المسجد، وكانت تحتوي على صندوق يوجد فيه رأس القديس يوحنا المعمدان/ النبي يحيى بن زكريا/ فأمر الوليد بتركه على حاله ووضعوا عمودًا قائمًا على المغارة كعلامة مميزة وفوقه تابوت كُتب عليه اسم النبي يحيى.

نال المسجد الكثير من المدح والوصف لا سيما من الرحالة والمؤرخين والأدباء الذين مروا بدمشق عبر العصور وأطروا بشكل خاص على زينة سقفه وجدرانه الفسيفسائية الملونة، والرخام المستخدم في البناء.

يتميز الجامع الأموي بأنه أول مسجد ظهر فيه المحراب والحنية نتيجة طراز البناء الذي كان يشكل كنيسة يوحنا المعمدان سابقًا. يقع على أرض مستطيلة، تحده جدران خارجية كبيرة ذات دعامات من الحجر المنحوت، تبلغ مساحته حوالي ستة كيلومترات مربعة، محاط بممرات وأروقة على أعمدة وفي أعلاها تيجان كورنثية مزخرفة، وفي الجزء الشمالي منه يوجد فناء واسع، أما حرمه ففي الجزء الجنوبي ويضم ثلاث مآذن: مئذنة العروس أو الكلاسة، وتُشرف على صحنه، والثانية أطول المآذن وتُقسم إلى قسمين وقد بُنيت على جزء من برج المعبد الروماني السابق، والثالثة بُنيت في عهد الوليد بن عبد الملك وسُميت “قايتباي”. وترتبط مآذن الجامع تاريخيًا بكل العصور الإسلامية بدءًا من الفتح الإسلامي مرورًا بالدولة الأموية، إلى العصر العباسي وما تخلله من الفترة الفاطمية والطولونية والإخشيدية والفترة النورية الزنكية ثم الدولة الأيوبية والمماليك وما جاء بعدهم. وكانت هذه المآذن تؤدي دورًا حضاريًا روحيًا ودينيًا.

وفيه أيضًا أربعة أبواب: ثلاثة منها تُفتح على صحن المسجد والرابع يُفتح على الحرم وهي: الباب الشرقي ويُسمى باب القيمرية أو النوفرة، والغربي ويُسمى باب البريد أو المسكية، والشمالي ويُسمى باب الكلاسة وباب العمارة والفراديس، والباب الجنوبي ويُسمى القبلي أو الزّيادة. أما حرم المسجد فيتكون من ثلاثة أجنحة طويلة يفصل بينها صفّان من الأعمدة وهناك الجناح الرابع ويُسمى المجاز ويمتد إلى صحن الجامع.

تحيط بالحرم أيضًا 22 نافذة موزعة على الجدارين الجنوبي والشمالي، إضافة إلى النوافذ الموجودة في جناح المجاز وقبة النسر وجميعها مغطاة بالزجاج المعشق. وفيه أيضًا أربع ساحات كبيرة تُدعى “المشاهد” وقد أُطلق على كل منها اسم واحد من الخلفاء الراشدين: مشهد أبي بكر الصدّيق، ومشهد عمر بن الخطاب الذي يُتخذ مقرًا للإدارة، ومشهد عثمان بن عفّان الذي يمثل قاعدة كبيرة لاستقبال كبار الضيوف، ومشهد علي بن أبي طالب وسُمي باسم زين العابدين لاحقًا ثم أُضيف مشهد خلفه وسُمي باسم الإمام الحسين وفيه مقام ومزار له.

يتكون صحن المسجد من مساحة مستطيلة محاطة بأروقة وفيه ثلاث قباب: قبة الخزنة – قبة الساعات – وقبة العثمانية، وفي وسطه مكان للوضوء وفيه عامودان عُرفا قديمًا بعمودي الإسراج، وجددت أرضه مرات عديدة وهي مبلطة بالرخام والفسيفساء في نواحيها.

زُينت الأجزاء العليا للجامع بلوحات فسيفساء زجاجية كبيرة ومن أهمها مُصور نهر بردى، وتنتشر على أعمدته الزخارف، وتُعد جميعها من أسس فن الزخرفة الإسلامي. يحتوي الجامع الأموي الكبير على مدفن جسد يوحنا المعمدان، ولم يبق فيه من آثاره المسيحية سوى جرن المسجد. ويقع ضريح صلاح الدين الأيوبي بجوار الجدار اليساري من الجامع الأموي في المدرسة العزيزية، وهو عبارة عن بناء بسيط ذي طابع أيوبي تعلوه قبة محززة، وضع تحتها ضريح الأيوبي مؤسس الدولة الأيوبية وهو من خشب الجوز المنقوش بزخارف وكتابات أيوبية أصيلة، أما جدرانه فقد كُسيت بالقيشاني الأزرق في العصر العثماني.

تعرض المسجد الأموي على مرّ العصور كما هو معروف لحرائق كثيرة ودمار كبير ولعمليات ترميم وتجديد متنوعة. الحريق الأول كان عام 1069 م حينما ضرب الفاطميون بالنار دارًا بجوار الجامع فوصلت إليه وأدى ذلك لتدمير جزء كبير من الزخارف والفسيفساء والذهب والرصاص الموجود فيه، ولكنه رُمم بعد ثلاث سنوات من هذا الحريق، ورُمم المسجد أيضًا في عهد السلاجقة، 1082 م، وجُددت لوحاته وأقواسه وبعض أقسامه، كما رُمم الجدار الشمالي من الجهة الغربية، 1109 م، وأُضيفت ساعة كبيرة عند رواق الباب الشرقي أتبعها السلطان نور الدين زنكي بساعتين، 1154 م، إحداهما مائية بُنيت من الجهة الخارجية للمدخل الشرقي للجامع، ثم تضررت كثيرًا بالحريق الثاني الذي طاول المسجد عام 1167 م، ورُمم المسجد أيضًا في عهد السلطان الأيوبي صلاح الدين وزُين بالزخارف، وفي عهد الظاهر بيبرس، والأمير تنكز المملوكي الذي تم في عهده تجديد صفائح الرخام وتزيين تيجانها بالذهب، وأكمل عملية التجديد بعده السلطان الناصر ابن محمد قلاوون المملوكي.

وتذكر المصادر التاريخية أن الحريق الكبير الذي أصاب المسجد كان عام 1400 م على يد تيمورلنك الذي أحرق مدينة دمشق ونهبها، ووصل الحريق إلى الجامع الأموي ولم يبقَ منه إلا جدرانه الخارجية، وبعد عامين بدأت عمليات الترميم له في عهد الخاصكي، ثم في عهد العثمانيين الذين قاموا بعمليات إصلاح كبيرة فيه وبإعادة إعمار مدينة دمشق، 1516 م، بعد أن سيطروا عليها. وأجريت أيضًا عمليات ترميم للمسجد خلال فترة الانتداب الفرنسي. وآخر عملية ترميمات وتجديد جرت في الثمانينيات والتسعينيات وشملت المئذنة والواجهة الغربية له والجدار الشمالي المطل على ضريح صلاح الدين الأيوبي، إضافة إلى تبليط المدخل الغربي وتجديد الأرضيات وتبديل القواعد الحجرية التالفة للأعمدة، وانتهت هذه العملية في عام 1994.

تعرض المسجد الأموي للإهمال والانتهاكات وللسرقة على يد شبيحة وأجهزة أمن النظام البائد، وتم تبديد مقتنياته العتيقة والنادرة، وسُرق السجاد العجمي منه والذي يعود إلى قرون الإسلام الأولى، ونُهبت مخطوطات ثمينة ونادرة منه، وأُتلفت أخرى ومنها مصاحف مخطوطة ومذهبة يعود بعضها للعصر المملوكي، ولوحات خط عربي، وقطع فسيفسائية وخزفية وزجاجية ونقود إسلامية وساعات كبيرة وثريات. وتعرض هذا المسجد لأضرار كبيرة جرّاء إجرام النظام وقصفه العشوائي للأمكنة بعد اندلاع الثورة السورية، حيث تضررت كثيرًا مكتبة المسجد التاريخية التي كانت تحتوي على كتب ومخطوطات قيّمة جرّاء ذلك، وتعرض المصلون فيه إلى انتهاكات واعتقالات تعسفية وممارسات استفزازية وقمعية قامت بها أجهزة الأمن والميليشيات الطائفية الشيعية اللبنانية والإيرانية وغيرها التي استباحت خصوصية وقدسية هذا الجامع العريق. ولكن وبعد سقوط النظام وهروبه مباشرة تجمهر آلاف السوريين حول الجامع الأموي الكبير بدمشق القديمة احتفالًا بالنصر وبعودة الجامع إلى دوره التاريخي كمكان خاص للسوريين وكأنهم يستردون هويته التي بقيت مختطفة لعقود، وأُعيدت إدارة خطبة الجمعة وغيرها إلى شخصيات دينية وطنية بعد أن كانت بيد رجال دين أغلبهم خاضع للنظام ومرتبط به وبأجهزته الأمنية ويؤدي دورًا مضللًا وينشر الأكاذيب ويدعو للالتفاف حول النظام المجرم الذي قوّض الدور الديني والثقافي للمساجد والمؤسسات الثقافية والتربوية والدينية وغيرها وحوّل البلاد إلى سجن كبير مغلق ومظلم.

مراجع:

    الجزيرة،

    بوابة سورية،

    مواقع إلكترونية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى