بين الحداثة والتطييف: مأزق الثقافة السورية وإرث العلمانية المهدد/ مهيب الرفاعي

11/08/2025
يبدو من المهم استحضار إرث العَلمانية السورية، ليس بوصفها مجرد فصل بين الدين والدولة، بل بوصفها نمطًا من أنماط التفكير الذي يجعل من العقل أساسًا للشرعية، ومن المساواة أساسًا للسيادة. إن التراث العلماني في سوريا، رغم هشاشته، قدّم نماذج مهمة في القرن العشرين،
لا يعني هذا أن التيار العلماني قد اختفى تمامًا من المشهد الثقافي والاجتماعي السوري، لكنه تعرض لعملية انكماش حادة خلال السنوات الماضية، مما أدى إلى تهميشه وفقدانه للفضاء الحيوي الذي كان يشغله سابقًا. هذا التيار، الذي كان يومًا ما حاضنًا لتيارات فكرية متنوعة تدافع عن قيم العقلانية،
تبدو الثقافة السورية اليوم في حالة من التوتر والتصدع العميق، ليست مجرّد سجلّ تاريخي أو مجموعة ممارسات اجتماعية، بل هي ساحة صراع بين إرث فكري تنويري غني وجذور متجذرة في الحداثة، من جهة، وبين موجات متجددة من الخطابات الطائفية والهوياتية التي تصاعدت بشكل ملفت بعد عام 2011، من جهة أخرى. هذا الصراع ليس مجرد تنازع بين أفكار، بل هو انعكاس لصراع أوسع داخل المجتمع السوري نفسه، حيث تكشفت هشاشة البناء الثقافي أمام الضغوط السياسية والاجتماعية، وفُجّرت الفجوات التي كانت مكبوتة أو مغلّفة في أزمنة سابقة. فالانتقال من ثقافة تنويرية حداثية، تؤمن بالمواطنة، والهوية الجامعة، وقيم الدولة المدنية، إلى ثقافة مسيسة طائفياً وهوياتياً، يمثل انهياراً نوعياً في العلاقة بين الفرد والمجتمع، كما بين الفرد والدولة، وهو مؤشر على أزمة أعمق تتعلق بفقدان المشروع الثقافي الوطني الذي كان يجمع السوريين على اختلاف خلفياتهم.
ولا يمكن لهذا التحول أن يُفهم بوصفه مجرد تراجع إلى ما هو تقليدي أو بدائي، بل هو تمزق بين زمنين ثقافيين متباعدين؛ زمن مضى، حيث كان الانتماء إلى الدولة والمواطنة والعقلانية الفكرية يشكل الأساس الذي تبنى عليه الحياة الثقافية والاجتماعية، وزمن راهن يهيمن عليه انكفاء على الذات الطائفية أو القومية الضيقة، ما أدى إلى تشرذم الهوية السورية وتفكك نسيجها الاجتماعي. هذه الردات الثقافية ليست فقط انعكاساً للمآسي السياسية والاجتماعية، بل هي إعادة إنتاج لمنطق الصراعات على السلطة والنفوذ عبر الثقافة، حيث تُوظّف الهويات الطائفية كأدوات للهيمنة والتفرد، فتتقلص معها الفرص الحقيقية لإعادة بناء ثقافة وطنية جامعة قادرة على توحيد المجتمع السوري في مواجهة تحديات المستقبل.
بالتالي، فإن مأزق الثقافة السورية الراهن هو تجسيد لحالة أعمق من الانكسار في الرؤية الوطنية، وانهيار للحوار بين الأطياف الفكرية والثقافية المختلفة، وهو ما يجعل من استعادة الإرث العلماني والحداثي الذي عايشه المجتمع السوري منتصف القرن العشرين، ضرورة ملحة ليس فقط للحفاظ على الهوية الثقافية، بل لاستعادة أفق سياسي واجتماعي يضمن حداثة مجتمعية قادرة على التعايش والازدهار.
لقد كانت الثقافة السورية، حتى نهاية التسعينيات، تحتفظ بنقاشات فكرية غنيّة، كانت العَلمانية، ونقد الدين، والماركسية، والعقلانية، هي محاورها الأساسية. أسماء كصادق جلال العظم، وياسين الحافظ، وعزيز العظمة، ومحمد الجابري (رغم مغاربيّته)، شكّلت الوعي النقدي السوري والعربي بمجمله. لكن مع صعود النيوليبرالية الاستبدادية في العقد الأول من الألفية الجديدة، وازدياد تغوّل النظام في قمعه للسياسي والثقافي معًا، بدأت هذه النقاشات تخبو، وتحلّ محلّها تعبيرات مائعة عن “الخصوصية الثقافية” و”الإسلام السوري المعتدل” و”الدولة الحضارية”، وصولًا إلى العهد الذي انفجرت فيه الثورة، فوجدنا أنفسنا أمام ثقافة مفرغة من أدواتها النقدية، وأمام مجتمع سقط بين فكي خطابين: خطاب النظام الاستبدادي الأمني، وخطاب المعارضة المتطيّف والمسلّح.
ضمن هذا السياق، يمكن فهم ظاهرة الانبعاث المتأخر لخطابات الهويات، وتحديدًا الخطاب السني السياسي، الذي بدأ يُعيد قراءة التاريخ من بوابة “النهضة الأموية” تارة، و”الدولة السنية الكبرى” تارة أخرى. هذا التوجه لا يمكن فصله عن الانهيار الرمزي للهوية الوطنية الجامعة، ولا عن تراجع الإرث النقدي العلماني الذي مثّله صادق العظم في كتاباته. العظم، كما حلّله عزيز العظمة، لم يكن مفكرًا عابرًا للزمن، بل كان، على العكس، رجل لحظة نقدية بامتياز، لحظة استبطان الفوات، ومحاولة درء الكارثة.
في ظل الصعود المتسارع للتيار السني السياسي والثقافي، تجلى بوضوح تفاقم معضلة سرديات التفوق الثقافي التي أعادت إنتاج نموذج هيمنة طائفي يُسقط قيم التعددية والتنوع، ويكرّس لهيمنة ثقافة واحدة على حساب بقية مكونات المجتمع السوري. هذه السرديات، التي حاولت استعادة دور الطائفة السنية بالتفوق Sunni Supremacy كمركز لا يُنازع في الهوية السورية، لم تكن مجرد رد فعل لحالة الضعف السياسي، بل كانت جزءًا من مشروع أوسع لتفكيك المركز الطائفي التقليدي الذي سيطر على مفاصل الدولة، وتحويله إلى فضاء مفتوح للنفوذ الطائفي والسياسي المتنازع عليه. إذ تحولت الدولة السورية، التي كانت تحكم عبر منطق سيادة مركزية واضحة، إلى حالة من “سيولة طائفية” متزايدة، حيث فقدت الدولة قدرتها على فرض مشروع وطني جامع، وتحوّل حكمها إلى توزيع نفوذ طائفي متشظٍ، يعكس حالة انعدام الاستقرار السياسي والاجتماعي. هذا التحول أدى إلى انهيار البنية الوطنية الجامعة، وتحول الفضاء العام إلى ساحة صراع هويات متصارعة تتنافس على شرعية الهيمنة، على حساب قيم المواطنة والعقلانية والسيادة الوطنية. في هذه الأجواء، لم تعد الدولة ككيان جامع قادرة على احتواء التنوع السوري، بل غدت ساحة لتقلبات ومناكفات طائفية متحركة، ما يعزز من حالة الانقسام ويجعل من إعادة بناء الدولة الوطنية مهمة في غاية التعقيد والصعوبة، إذ يحتاج الأمر إلى إرساء مشروع سياسي ثقافي جديد قادر على تجاوز هذه الهيمنة الطائفية Sectarian Dominance ، واستعادة فكرة الدولة الجامعة التي تحتضن الجميع دون استثناء
في مقاله “صادق العظم واستبطان الفوات”، يقدّم عزيز العظمة قراءة فلسفية عميقة لموقع العظم في مشروع الحداثة العربية، لا كمفكّر حداثي وحسب، بل كمفكّر فوتيّ، أي وعي مأزوم بحالة التخلّف. إنه وعي مفارق: يرى نفسه منتمياً إلى عالم العقل والأنوار، لكنّه في الوقت ذاته يدرك تمامًا استحالة تحقيق هذه الأنوار في واقع عربي طارد للحداثة. العظم كان واعيًا لهذا التناقض، وكتابه “نقد الفكر الديني” ليس إعلانًا ضد الدين، بل إعلان ضد آلية اشتغال العقل الديني في مجتمعات فشلت في التنوير، وأحبطت مشاريع العقلانية.
وما يثير القلق هو أن ما شهده الخطاب الثقافي بعد الثورة لم يكن عودة إلى الدين الشعبي التقليدي فقط، بل تطييفًا عنيفًا لهذا الدين، وفرضًا له كهوية سياسية بديلة للدولة المنهارة. لم يعد النقاش يدور حول مكانة الإسلام في المجتمع، بل حول من يمثّل الإسلام السني “الحقيقي”، ومن يحق له أن يتحدث باسم “الأمة”، بل وباسم سوريا أيضًا. ومن هنا جاءت ظاهرة استدعاء الأمويين بصفتهم “نموذج الدولة السنية”، وكأن المطلوب الآن هو محو قرن من السجال العلماني والتنويري، والعودة إلى بدايات ما قبل الوطنية.
لا يعني هذا أن التيار العلماني قد اختفى تمامًا من المشهد الثقافي والاجتماعي السوري، لكنه تعرض لعملية انكماش حادة خلال السنوات الماضية، مما أدى إلى تهميشه وفقدانه للفضاء الحيوي الذي كان يشغله سابقًا. هذا التيار، الذي كان يومًا ما حاضنًا لتيارات فكرية متنوعة تدافع عن قيم العقلانية، والمواطنة، والفصل بين الدين والدولة، أصبح اليوم محصورًا في دائرة ضيقة من النخب المثقفة والمفكرين المستقلين، الذين يعملون غالبًا في هامش المشهد العام، أو داخل فضاءات معرفية محدودة ومتخصصة. مفكّرون مثل ماهر مسعود وياسين الحاج صالح وغيرهم، لا زالوا يكتبون من موقع نقدي علماني واضح، يطرحون أسئلة جوهرية حول الهوية، والحداثة، والدين، والسياسة، ويحاولون المحافظة على قيم التنوير والعقلانية في وجه تصاعد الخطابات الدينية والسياسية المتشددة.
غير أن واقع الحال يؤكد أن الصوت الذي يعلو في الفضاء العام السوري، سواء عبر الإعلام، أو الخطابات السياسية، أو حتى في الساحات الشعبية، هو صوت الدعوة إلى “الخلافة”، أو “حكم الشريعة” أو “حكم السنة إلى يوم القيامة”، أو على الأقل “المرجعية الإسلامية” للدولة السورية القادمة، وهو صوت يعكس تحوّلًا دراماتيكيًا في موازين القوى الثقافية والسياسية. هذا الصعود للخطاب الديني والمرجعية الإسلامية لا يُعبر فقط عن قوة تنظيمية أو سياسية، بل يكشف عن فراغ ثقافي واجتماعي تركته تراجع التيار العلماني، وغياب مشروع حداثي جامع قادر على استيعاب التنوع السوري، والتعبير عن تطلعاته بمستوى وطني حقيقي.
كما أن هذا التحول يُظهر أيضًا عمق الأزمة التي يعيشها المجتمع السوري في مفاهيم المواطنة والهوية، حيث تغدو الدين والسياسة متداخلين إلى حدّ كبير، ويتحول الخطاب الديني من كونه مكوّنًا ثقافيًا روحيًا إلى أداة للهيمنة السياسية والتموضع الإيديولوجي، ما يزيد من تعقيد المشهد ويُعطل فرص التفاهم الوطني الشامل. وفي هذا السياق، يواجه التيار العلماني تحديات جسيمة في استعادة مكانته وتأثيره، تتطلب إعادة بناء خطاب فكري قادر على تجاوز الانقسامات الطائفية، واستعادة القيم الجامعة التي تُعلي من شأن العقلانية والحوار والتسامح.
يبدو من المهم استحضار إرث العَلمانية السورية، ليس بوصفها مجرد فصل بين الدين والدولة، بل بوصفها نمطًا من أنماط التفكير الذي يجعل من العقل أساسًا للشرعية، ومن المساواة أساسًا للسيادة. إن التراث العلماني في سوريا، رغم هشاشته، قدّم نماذج مهمة في القرن العشرين، مثل دستور عام 1950، ومداولات الجمعية التأسيسية التي ناقشت حقوق المرأة والمواطنة واللغة الرسمية، ونصّت على الحريات السياسية. وقد لعبت النخب اليسارية والليبرالية المتصالحة مع العَلمانية دورًا محوريًا في تلك المرحلة، رغم أنها كانت نخبوية ولم تستطع تأسيس قاعدة جماهيرية.
اليوم، ونحن في خضمّ التحوّلات العنيفة التي عصفت بسوريا، ووسط التمزق بين الطوائف، والانفجارات الهوياتية، واختفاء فكرة “الدولة الوطنية” من التداول، يغدو استحضار هذا الإرث العلماني ضرورة ، ليس لأن العلمانية حلّ سحري، بل لأنها تتيح لنا التفكير في مجتمع لا يُختزل في طائفة أو دين أو إثنية أو شخصية دينية تستأثر بقرار المجتمع و تفرض العزلة. إنها الأفق الذي يمكننا من خلاله إعادة بناء الدولة باعتبارها عقدًا مدنيًا، لا مجرد توازنات طائفية أو انقلابات هوياتية. إن التطييف الذي اجتاح الخطاب الثقافي، حتى في أوساط مثقفي الثورة، لا سيما بعد سقوط الأسد في ديسمبر 2024، لا يعكس فقط تحولات اجتماعية، بل يعكس أيضًا انقطاعًا معرفيًا حادًا عن تقاليد النقد. ولعلّنا بحاجة الآن إلى العودة إلى أعمال صادق جلال العظم لا كتراث فقط، بل كممارسة نقدية قابلة للتجدد، تتيح لنا إعادة التفكير في السؤال السوري خارج ثنائيات النظام/المعارضة، أو السني/العلوي/ الدرزي/ الشيعي، أو الديني/العَلماني.
مجلة رمان



