
12 اغسطس 2025
لم يكن مفاجئاً، ربما، ما أشهرَه “مؤشّر مسبار” الذي يُنجزه الزملاء في موقع “misbar.com” أن سورية كانت أولى الدول التي انتشرَت عنها أخبار زائفة الشهر الماضي (يوليو/ تموز)، إذ “حظيت” ب72 مادّة إخبارية من هذا اللون، وجاء الفارق بينها وبين دولة المرتبة الثانية كبيراً، فقد أحرزت مصر 20 مادّة. ومعلومٌ أن الشهر الفائت شهد ثاني أسوأ الأزمات الاجتماعية والسياسية والأمنية والإنسانية في البلاد منذ إسقاط نظام الأسد في ديسمبر/ كانون الأول الماضي (بعد أحداث الساحل في مارس/ آذار الماضي)، وهي الوقائع الدامية في السويداء، والتي ما زالت نتائجُها ومفاعيلها، وذات الخطورة العالية، تتدحرج إلى متواليةٍ من التوتّرات الصعبة. وإلى الأهمية البالغة في الذي يُخبرنا به “مسبار”، وهو منصّةٌ تتّصف بالحرفية والمهنية، فإن أهميةً أخرى، كبيرة أيضاً، لما يذكره “المؤشّر”، أن تحليل البيانات الذي أجراه يوضح “أن نسب المحتوى السلبي واستخدام المفردات التحريضية والطائفية والعبارات المسيئة تفوق المؤشّرات الطبيعية، مع وجود العديد من أنماط النشاط المشبوهة من حسابات موجّهة لاختراق النقاش العام وتضخيم موجة التحريض. كما أنّ انطلاق معظم النشاط السلبي المحمّل بالتحريض والطائفية، من مناطق خارج الحدود السورية، يُعدّ مؤشّراً على تصعيد رقمي دعائي موجّه خلال أحداث محافظة السويداء”.
ما وقع في السويداء، وكله مدانٌ ومستفظَعٌ، على درجةٍ من التعقيد العويص، ولا يجوز اختزالُه في أن قواتٍ تتبع السلطة في دمشق استهدفت سوريين دروزاً مدنيين بالقتل، وأن مسلّحين من عشائر سنّية شاركوا في هذا الاستهداف، فهذا صحيحٌ، إلا أنه منقوص، لأن تفاصيل أخرى، معلومةٌ وغير معلومة، في حوافّ هذه السردية ومتنها وهامشها. والذي يأتي عليه “مؤشّر مسبار” توصيفٌ لكثيرٍ معروفٍ وذائعٍ، فالكراهيات المتبادلة تتعاظم في سورية، وقد أشعل القتل والحرق الكثيران في السويداء أرطالا من البغضاء. ولا شطط في الزعم إن ما سُمّي مؤتمر “وحدة الموقف لمكوّنات شمال وشرق سورية” في الحسكة، وإنْ شارك فيه على ما تردّد 400 شخص، واحدٌ من مظاهر الفشل العريض في سورية الجديدة. وفي الوُسع أن يقال إن زيفاً كثيراً جرى في أعمال هذا المؤتمر الذي تبدو عناوينُه الجهوية والطائفية نافرةً ظاهرة.
أمّا وأن هذا هو الحال، أو مقطعٌ منه على الأصح، فالسؤال لن يكون عن التشخيص، فهذا غزير، وإنما سيتعلّق بالذي سيبتكرُه السوريون، في السلطة وخارجها، مجتمعياً ورسمياً، من أجل إنقاذ أنفسهم وبلدهم من الارتجاج الذي يتّسع يوماً بعد آخر في السلم الأهلي العام، فلم يعُد للبلاغة في البيانات عن وحدة الشعب السوري، وعن الصخرة التي ستتحطّم عليها كل الفتن، جدوى منظورة. كما أن الاطمئنان إلى أن تجارب كثيرة مرّت في تاريخ سورية الحديث دلّت على قدرة الشعب على نبذ كل تفرقة، وعلى صدّ كل استهدافٍ وكل تواطؤ وتآمر، لم يعُد له نفع، أمام التفشّي الواسع لزيف الأخبار والصور التي يهدف ناشروها النشطون إلى إحداث مزيدٍ من الصدع في المجتمع، وإلى توسيع شقاقٍ بيّنٍ وخفيٍّ بين سوريين سنّة وسوريين علويين، وبين سوريين سنّة وسوريين دروز، وبين أكثريةٍ وأقلياتٍ، وبين مكوّناتٍ ومكوّنات. وقبل هذا الزيف في فضاءات الميديا ووسائل التواصل، ثمّة السياسات والخيارات الرسمية التي تنهجها السلطة، ولا تجترح فيها أفكاراً شجاعة باتجاه معالجاتٍ عميقةٍ وجذريةٍ للمشكل الطائفي والاجتماعي والجهوي في البلاد. وهذا الاستسهال في أحاديث معلنة، وكتابات مُشهرة، في الحديث عن حربٍ أهليةٍ محتملة، مقلق، بل مخيفٌ، وإن لا يرتكز على مبرّراتٍ متحقّقة، سيّما وأن الخوف على سورية قائم وتسوّغه معطياتٌ ماثلة، وجبالٌ من التحدّيات بالغة الصعوبة، وبعضها شديدُ الاستعصاء، ليس في مقدور السلطة القائمة، وحدَها من دون شراكاتٍ حقيقيةٍ مع تمثيلاتٍ وقوى سياسية ومجتمعية عريضة، مواجهتها وإبداع حلول لها.
بين الزائف والحقيقي في سورية مساحاتٌ ومسافاتٌ ظاهرة. لكن المسألة ليست هنا بالضرورة، وإنما في تيهٍ وتشوّش حاضران، من تفاصيلهما أن القلق يتسع، وأن مقادير من قلّة الاطمئنان لا تنفكّ تزيد. حمى الله سورية وأهلها.
العربي الجديد



