إشتباكات السويداءالأحداث التي جرت في الساحل السوريسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوععن أشتباكات صحنايا وجرمانامحطات

مفارقات “الحياة اليومية لمرتكبي الإبادة”!/ عمّار المأمون

سوريا

11.08.2025

“من هم أولئك القادرون على القتل في سوريا؟ ما الذي يدور في عقولهم وفي حياتهم لتفسير أفعالهم؟”.

البندقيةُ سريعةٌ كالجفن

والزنادُ الوحشي هادئٌ أمام العينين الخضراوين

القتل- محمد الماغوط (مجلّة شعر عـ 6، 1958)

أصدر الباحث والمحلّل النفسي الفرنسي ريشارد ريتشمان في عام 2015، كتاب “الحياة اليومية لمرتكبي الإبادة “، ريتشمان الذي عمل لأكثر من 30 عاماً مع الناجين من الإبادات الجماعية من مختلف أنحاء العالم، يحاول أن “يقرأ” حياة مرتكبي القتل الجماعي وتفاصيلهم اليومية، ولا نقصد القتل بشكله الجنائي بهدف السرقة أو الانتقام الفردي، بل ذاك القتل الإبادي، التطهيري، الذي يستهدف جماعة ذات “حياة” لا تستحقّ أن تُعاش.

الشهادات المتنوّعة في الكتاب وتحليلها، تُلخّص بمحاولة الإجابة عن سؤال: “من هم أولئك القادرون على القتل؟ ما الذي يدور في عقولهم وفي حياتهم لتفسير أفعالهم؟”، ويشير إلى أن غيابهم العلني، أي القتلة، أو الجهل بهم “يدفعنا إلى التخيّل وبناء حيواتهم من أجل إعطاء معنى”، وعادة “ما يكون التفسير باثولوجياً/ مرضياً”.

أثناء محاولات  الإجابة عن السؤال، تمرّ عبارة في مقدّمة الكتاب، على لسان ريتشمان عبارة “الأيديولوجيا لا تقتل، بل البشر”، والسؤال عن هوّيات “هؤلاء”، يفسّر عنوان الكتاب الذي لا يبحث في الأيديولوجيا أو الأمراض النفسية، بل يوظّف مفهوم “الحياة اليومية” لفهم أولئك الذين يقتلون دون أن يرتجف لهم جفن، ولا نقصد الانغماسيين، بل من يقتل، ويعود لـ”يتابع حياته”، لكنّ السؤال نفسه يفتح الباب على تقسيم بين “نحن الذين لا نقتل”، و”أولئك الذين يقتلون”، وكأن “نحن” ذات خصائص أو تكوين فكري/ عاطفي/ لغوي، لا تجعل خيار القتل الجماعي حاضراً في تصوّرهم عن العلاقة مع الآخر.

التشابه والتصنيف في سوريا

التقسيم السابق (قتلة/ لا قتلة) يُحيلنا إلى سوريا في زمن الإدارة الانتقالية، وأشكال القتل الجماعي التي يُمارسها أفراد، وتحتفي به جموع تتبنّى هوّية “نيو أموية” وهمية، وخطاب مظلومية أعمى، وتحتفل بالقتل، ومزيج من الرموز الإسلاموية، لكنّ أبرز العبارات  التي تكرّرت  هي “الإدارة الجديدة تُشبهنا”، العبارة الغريبة لم تفسّر، فمن “هم” الذين يتشابهون مع “السلطة”؟ وما هي أوجه الشبه؟

مجازر الساحل ومجازر السويداء وحملات الاغتيال المعنوي التي يمارسها “ناشطو الدولة”، كشفت بدقّة عن شكل التشابه المرجوّ، من لا ينصاع لإرادة “الدولة الجديدة” ولا يتشابه معها، هو محطّ القتل، المادّي أو الرمزي، التشابه إذاً، شكل من أشكال الولاء، ولا يعني فقط استهلاك رموز السلطة واستعراضها، بل “قتل” الآخر الذي يرفض التشابه، ناهيك بالتمسّك بـ”الدولة” التي نظرياً مهمّتها، حصر السلاح، أي تجريد القتلة من أدوات القتل المعاصرة التي يتباهون بها.

التشابه يتحرّك بين أشدّ المعاني ابتذالاً، تقليد قصّة شعر أحمد الشرع وطقومه، وصولاً إلى نزع المعاني التي تحملها رموز معروفة كراية “داعش” و”جبهة النصرة”، وارتداء تي شيرتات “أمويّة”، التشابه قائم على إعادة إنتاج الرموز لخلق “الجماعة” وحدود اختلافها عن “الآخرين”، وأطيافهم المستحقّة لأشكال متنوّعة من الاغتيال والتهجير ونزع الملكيّة، تدمير الرموز التي يحتفون بها علناً وإذلالاً (حلق شوارب المشايخ الدروز هي المثال الأوضح).

التشابه هنا ضدّ الفردانية وسبيل الدخول في الحشد، والتماهي مع “الكلّ”، والعمه عن تلاشي “الأفراد” حدّ القتل، نحن أمام خلق إجماع جديد حول الرموز والحكايات، حدّ إنكار الحقائق، الهمّ اليومي والمُعاش يتلاشى على حساب الرمز، ومن يرفض، أو ينتقد “يُقتل” لأنه لا يتشابه مع الحشد الإبادي المتفائل!

القتل الذي يمارَس بحقّ جماعات سورية عبر حشود مسلّحة، هو الأشدّ تمكيناً لسطوة التشابه، يُفني “الآخر” ويحقّر من بقي حياً عبر حيونته عواء، ونزع إنسانيته استكلاباً وخنزرة، أي يُباح قتله لأنه” لا يُشبهنا”، لكن نعود للسؤال، من هم هؤلاء القتلة؟

درج

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى