في درب العدالة السوري ومُمكناته -أربعة مقالات-

في درب العدالة السوري ومُمكناته
مقدمة
25-07-2024
بعد نحو اثنتي عشرة سنة من صراع متعدد الفاعلين والجبهات، بالغ القسوة والمأساوية، عمّته مظالم كثيرة ارتكبها الفاعلون الكبار: النظام وحُماته والإسلاميون والقوى الإقليمية والدولية المُتدخِّلة، يجد ملايين السوريين أنفسهم مُنكشفين بلا سند. تَكسَّرت حياة كثيرين وتكسَّرَ معها الاجتماع السوري وتضاءلت معه إمكانيات الالتقاء على معنى ما حدث لهم وحول مستقبل عيشهم المشترك. وفي مواجهة هول الجرائم، طرح السوريون من الأيام الأولى سؤال العدالة، وسعى لطلبها أو نكرانها الكثيرون، فمنهم من شهِد، ومنهم من صوّر، ومنهم من وثَّق، ومنهم من لاحقَ، ومنهم من نَظَّر، ومنهم من برَّرَ الجريمة، ومنهم من تشفّى بالضحايا. لم يتمكن السوريون من الاتفاق حتى على كلمة «جريمة» لوصف أحداث هائلة كاستعمال سلاح كيماوي في بلدة ما، أو عرض مساجين بأقفاص في أحد شوارعها، أو حرق معتقلين قضوا تحت التعذيب في مكان آخر. وهكذا بقي الوصول إلى العدالة، أو اللقاء على معنى واحد لها، بعيدَ المنال في ظل تَبعثُر الاجتماع السوري وشتات السوريين.
في ظل هذه الظروف، وفي هذه اللحظة حيث لا يبدو للنفق السوري الطويل نهاية، نطرح في هذا الملف سؤال العدالة في سورية، كما عاشه لأول مرة ملايين السوريين في مواجهة جرائم فردية وجماعية سحقت حيواتهم وكرامتهم الإنسانية، وكما يعيشه بمستويات مختلفة أقرانهم في شرق المتوسط، ولا سيما الفلسطينيون حيث صلفُ الاحتلال يزداد إجراماً وحيث احتمالات الإبادة الجماعية تبدو جاثمة في غزة وفي الضفة الغربية، وكذلك اللبنانيون حيث تستنقعُ وتتفسّخُ حالة إفلات من العقاب متعددة الوجوه بعد حرب أهلية طاحنة على مدى خمسة عشر عاماً.
نطرح سؤال العدالة كـ«صرخة سخط»1 بأنَّ ما يحدث غير عادل، صرخة سخط تداخلت في أمواجها نوازعُ الانتقام بالرغبة العميقة بالوصول إلى سلام روحي يسمح بالصفح أو الغفران.
يتحرّكُ سؤال العدالة في سوريا بين الانتقام (أو الثأر) والصفح (أو الغفران)، ولطالما حفزته الحاجة إلى كفِّ يد الجلاد عن ضحيته، والفصل بينهما، وإعطاء الضحايا فرصة تاريخية لتمكينهم من الوصول إلى السلام ومعرفة حقيقة ما حدث. كل هذا يطرح أمام السوريين سؤالاً وجودياً مُلحّاً عن معنى العدالة في سورية اليوم؛ ما هي ملامح صورتها المأمولة في البلد؟ وما هي شروطها ودورها في استعادة، أو ترميم، أو إعادة تشكيل، الاجتماع السوري المُتفتّت؟
إلا أن هذا الملف لا يتوقف عند هذه الأسئلة، بل يسعى إلى الحفر والتنقيب تحتها وحولها وبين طياتها ليسأل: لماذا العدالة في سورية؟ ما هو المعنى السياسي للحقيقة؟ ولماذا العقاب؟ وما هو مصير حالة الإفلات منه وما أثرُ ذلك في تجذُّر المظلوميات المتناحرة؟
يبحث الملف في الظروف التي جعلت سؤال العدالة أكثر حضوراً بين السوريين كلّما ازداد تبعثُر الاجتماع السوري، ويتلمُّسُ حضور هذا السؤال في النفق الاجتماعي والسياسي الأوسع، ولا سيما في محيطه شرق المتوسطي الفلسطيني واللبناني الذي تكتنفه مستويات متراكبة من اللاعدالة.
سيحاول هذا الملف أن يشتبك مع مسألة السعي إلى العدالة في العلاقة الجدلية بينها كشعور شخصي يتعلّق بجبر المظالم وكحالة موضوعية تتجسد من خلال مجموعة من المؤسسات والممارسات الاجتماعية. لا يدّعي هذا الملف بأنه سيتمكن في نهاية المطاف من إعطاء مضمون مثالي للعدالة. بل يعترف منذ البدء بأنها قد تعني لمن عُذِّبَ شيئاً مختلفاً عمّا تعنيه لمن هُجِّرَ أو اضُطهِدَ بسبب الجنس أو العرق أو المُعتقَد، أو لأهالي من قُتل أو غُيّب، أو للعمران أو البيئة أو الاقتصاد. لكلٍّ من الضحايا عالمه الظالم وإن تقاطعت العوالم، وفي كلٍ من هذه العوالم تصورٌ عميقٌ عن معنى تَحقُّق العدالة. لا يَفترضُ هذا الملف أن العدالة لها جوهر يمكن معرفته بشكلٍ مجرّدٍ منفصل عن تجربة السوريين التاريخية، بل يُقرّ بأن العدالة قد لا تكون إلا مجرد سعي نحو هدفٍ لا يمكن الوصول إليه، وبأنها ليست سوى الأفعال أو المبادرات التي تجري في وسط اجتماعي، يهدف كل من ينخرط فيها إلى تلمُّس إجاباته لصرخة السخط الأولى: أنَّ ما يحدث لهم غيرُ عادل.
يستعرض هذا الملف بعضاً من تلك المبادرات، ولا سيما تلك التي تحاول أن تُوثِّقَ جرائم فردية وجماعية تعرّضَ لها السوريون، وأن تجمع وتحفظ أرشيفاً لها؛ وتلك التي تشهد على ما حدث من خلال الأدب والسينما والمسرح والفن التشكيلي؛ وتلك التي تسعى إلى ملاحقة المجرمين ومحاكمتهم أو التي تطرح مسؤولية الدولة بموجب القانون. يبحث الملف في سؤال العدالة الذي يسكنُ كل من هذه المبادرات، ليُبرزه ويستقصي مُساهمته في مسعى العدالة، كما يسأل عمّا تقدمه كل تلك المحاولات لسؤال العدالة، وعمّا إذا كان لها أثرٌ في ابتداع لغة جديدة يقرأ من خلالها السوريون حاضرهم، ويقرأ العالم من خلالها واقع السوريين، وعن دور هذه المبادرات في تشكيل معنىً لهذا الحاضر، وعن مكانها ووظيفتها في استعادة أي إمكانية لاجتماع سوري جديد.
ويبحث الملف أيضاً في دور المحاكمات، سواءً تلك التي تنشد العدالة الجنائية أو تلك التي تبحث في مسؤولية الدولة، ويستعرض إمكانات فعلها الاجتماعي بالفصل بين الضحية والجلاد، وإتاحة الفرصة لكلٍّ منهما أن يحكي قصته، وصولاً لفهم السياقات التي سمحت بارتكاب جرائم جماعية. كما يستقصي فيما إذا كان للمحاكمات بأشكالها المختلفة أية أدوار أو آثار اجتماعية وسياسية، بما هو أبعد من صدور الأحكام.
يسعى المشاركون في هذا الملفّ إلى استكشاف دور وحدود دروب تلك العدالة في مساعدة السوريين على كتابة تاريخ ما حدث، والوصول إلى سلام روحي جامع، وإحلال اجتماع سوري مُستدام.
1.Paul Ricoeur, Le Juste, (Paris: Seuil-Points, 2022), T. 1, p. 22.
موقع الجمهورية
——————————————-
قوة الفنّ لفتح الخيال بشأن العدالة في سوريا/ بريجيت هيرمانس
الممارسات الفنية والبحث غير الرسمي عن الحقيقة
08-08-2024
*****
لم تحظَ إمكاناتُ الممارسات الفنية في سياق النضال من أجل العدالة بقدر كافٍ من الاهتمام، بل على العكس، لطالما اعتُبر عالمُ الفن مختلفاً ومنفصلاً تماماً عن عالم العدالة، المنشغل بالحقائق والأدلة ومؤسسات العدالة الرسمية. مع ذلك، وكما يتضح لنا من الصراع السوري، فإن الفنون ليست مقتنيات جميلة وحسب، بل هي جزء لا يتجزأ من السعي لتحقيق العدالة والمُساءلة. مُستنِدةً إلى أبحاثي حول إمكانات الممارسات الفنية في الإسهام في السعي لتحقيق العدالة للشعب السوري، والذي يتضمن عدّة مقابلات مع فنانين وفنانات، أُسَلِّطُ الضوء على الطريقة التي تستحضر بها الفنون تجربة التعرُّض للمظالم، وعلى كيفية بناء أرشيف بديل للمفاهيم المُهيمنة، يُبيّنُ وجود حقائق مغايرة لإدعاءات الحقيقة التي يسعى النظام السوري المسيطر لاحلالها في الأذهان، ويُعزِّز المقاومة ضد الظلم.
تَخيُّل العدالة في الظلام
ما هو نوع العدالة التي يمكن تصورها في السياق السوري، حيث يستمر الجاني الرئيسي بالحكم؟ هل يمكن اعتبار المحاكمات بموجب الولاية القضائية العالمية في الدول الأوروبية شكلاً من أشكال العدالة؟ كيف يمكن للضحايا وعائلاتهم النهوضُ بمتطلبات تحقيق العدالة في ظل التعب الدولي من الشأن السوري؟ هذه، والعديد من الأسئلة الصعبة الأخرى، هي موضوع نقاش حاد بين المشاركين-ات في جهود تحقيق العدالة للشعب السوري، الذين أدعوهم هنا بالجهات الفاعلة في مجال العدالة. صحيحٌ أن جرائم النظام الفظيعة وتَكاثُرَ مرتكبيها قد حطّمَ الانتقال المأمول إلى الديمقراطية، إلا أن الجهات الفاعلة في مجال العدالة لا زالت مستمرة، سورياً ودولياً، في سعيها لتحقيق العدالة والمُساءلة. لقد سمح الانشغال بتنظيم داعش في دول الشمال العالمي أن يفلت نظام الأسد من العقاب؛ واستفاد هو بدوره من وجهات النظر الاستشراقية التي تبثّها وسائل الإعلام الغربية ودوائر السياسات لتصعيد حَربهِ السرديَّة، والتشكيك في سرديات المعارضة، ومحو جرائمه، وتقديم نفسه كحصن منيع ضد الجهادية.
ولولا تجارب الناشطين والناشطات السوريين مع نموذج العدالة الانتقالية، المُصمَّم في الأصل لتسهيل التحوّل من الحرب أو الاستبداد إلى نظام ديمقراطي، لكان الإذعان للجرائم الوحشية هو القاعدة.
إن الجهات الفاعلة في مجال العدالة السورية مُدرِكة تماماً لحدودها، لذلك تُمسِك بخطّ الحياة الذي يقدمه نموذج العدالة الانتقالية، وتستخدمه لتخيُّلِ بدائل عن الإفلات من العقاب ومحو الجرائم. وهي – أي الجهات الفاعلة – لا تدّعي بأي حال من الأحوال أن جهودها في مجال التوثيق والمُساءلة الجنائية والبحث عن الحقيقة ترقى إلى مستوى الحلول المثالية، بل يعترفُ أعضاؤها بأنه حتى أكثر النتائج الملموسة إلى الآن، وتحديداً قضايا الولاية القضائية العالمية ضد مسؤولي النظام، لا يمكنها لوحدها أن تُوصل إلى العدالة. مع ذلك، فإن هذه المحاكمات تؤكّد حقيقة وجود الغولاغ السوري، ووقوع جرائم التعذيب والاختفاء القسري، وتَسمح للضحايا بالإدلاء بشهادتهم-ن، وتهزّ ثقة النظام بإمكانية الإفلات من العقاب عبر فرض النسيان.
استحضار تجارب التعرُّض للأذى
أصبح وصفُ تجارب التعرُّض للأذى وتقديم الشهادات حولها سِمة أساسية للفنون السورية المعاصرة، بالرغم من أنّ قليلاً من الفنانين والفنانات السوريين يعتبرون أنفسهم-ن من الجهات فاعلة في مجال العدالة؛ إلا أن الكثيرين منهم-ن يشتركون في الرغبة بفضح الظلم ومواجهة السلطة بالحقيقة. فقد تعرّضوا وتعرّضنَ، أولاً وقبل كل شيء، إلى إسكاتهم لمنع سرد ما تعرضوا له من قبل النظام. وما يزال الصمت الذي فُرِضَ بعد مجازر حماة عام 1982 حاضراً في الذاكرة الجمعية. مدفوعةً بالخوف السائد لدى أغلب الشعب السوري، كتبت الروائية السورية منهل السرّاج رواية كما ينبغي لنهر عام 1997: «كان هناك صمتٌ حول الأمر، وكان الناس يخافون من ذِكره، ولكن القصص فرضت نفسها لأن هناك الكثير من الضحايا». وفي عام 2002، رغم الحظر الذي فرضه النظام عام 2000 على الرواية، تمكّنت السرّاج من نشرها في الإمارات.
وقد تمثّلَ نوعٌ آخر من الإسكات الذي تعرّضَ له فنانو وفنانات سوريا، وحثَّ على استحضار تجربة تعرُّضهم للأذى، ما تعرَّضَ له السوريون من لامبالاة الشمال العالمي، حيث أُبعِدَت تجارب التعرّض للأذى من قبل السوريين إلى الخلفية بسبب التعب الدولي من الشأن السوري، وحرب النظام السرديّة (بتحريضٍ من روسيا وفئات من اليسار المناهض للإمبريالية)، والانشغال إلى حد الهوس بجرائم داعش، حيث أدت هذه الأشكال المختلفة من الإسكات إلى التعتيم والتغييب. في مواجهتها، قامَ الفنان التشكيلي خالد بركة بصنع عمله الفني الذي يحمل عنوان صامت، والمؤلَّف من 49 شخصية ترتدي ثياب المتظاهرين في الانتفاضة السورية، في إشارة إلى قمع الأصوات السورية والنّبذ الذي تعرَّض له الشعب السوري. ولتسليط الضوء على النضال من أجل العدالة، قام بركة بوضع عمله الفنّي خارج محكمة كوبلنز أثناء انعقاد محاكمة فرع الخطيب، التي كانت المحاكمة الأولى بشأن التعذيب الذي يمارسه النظام السوري.
يوجد بالطبع تباين بين المحاولات الفنية «لتوثيق» المظالم، وجهود التوثيق التي تقوم بها المنظمات غير الحكومية السورية والدولية. ليست وظيفة الفنون – إن وجدت – جمعَ الأدلة الجنائية؛ إلّا أن بإمكانها استكمال الأدلة وتقديم روايات مضادة. ويمثل أدبُ السجون في سوريا، هذا اللون الثري الذي بحثت فيه الراحلة شريعة طالقاني في كتابها: قراءات في أدب السجون السورية، شعرية حقوق الإنسان، خيرَ مثالٍ على ذلك. تؤكد الروائية روزا ياسين حسن أنّ الأدب قادر على تسليط الضوء على مظالم كانت ستظل مخفيّة لولاه؛ كما فعلت هي في رواية حرّاس الهواء، حيث استكشفَت الصدمات التي يعاني منها شُركاء وشريكات المساجين السياسيين، ورواية نيغاتيف، التي تناولت فيها تجارب السجينات السياسيات في سوريا. ورغم أن نيغاتيف تُصنَّف كـ «رواية توثيقية»، إلا أن روزا ياسين حسن تعتقد أن الأدب ليس معنياً بالتوثيق في المقام الأول، بل باستكشاف العوالم الداخلية للأفراد؛ وتؤكد أن الفنانين والفنانات قَدّموا مساهمات كبيرة في سجلّ الثورة، رغم اختلاف طبيعة عملهم عن مساعي تقصي الحقائق: «نحن ننقل صوت من لا صوت لهم إلى العالم. نحن نتحدث عن العالم الحقيقي، من وجهة نظرنا. نحن نروي القصص. إذ أن الأشخاص الذين ليس لديهم قصص لا يعتبرون موجودين..». على هذا النحو، يساهم الفنانون والفنانات في مكافحة النسيان.
إنشاء الأرشيف البديل
لقد أكَّدَ التحوُّلُ الذي طرأ على الانتفاضة السورية، وما تلاها من حرب أهلية وتشرذم، على أهمية تخليد الذكرى، وأسفرَ عن توجه نحو إنشاء الأرشيف البديل وغير الرسمي. كما لعبَ السعي الحثيث لمحو الجرائم وإخفائها من قبل النظام وغيره من الجناة، دوراً أساسياً في هذا التوجس من النجاح في إعادة كتابة التاريخ حسب روايتهم. يرى المسرحي محمد العطار أن هذا الخوف له مبرراته، لأن التطبيع مع النظام السوري ينطوي على عملية مستمرة لدفن الحقائق والتاريخ. ويصرُّ على أنه من الممكن للأسف إعادة كتابة التاريخ: «قد يحدث أن ننسى أكثر فأكثر خطاب الانتفاضة الديمقراطيّ الذي صدح ذات مرة في سوريا عام 2011».
من الأمثلة الملموسة على أهمية الأرشيف البديل الفيلم الوثائقي عيوني للمخرجة الفلسطينية السورية ياسمين فضة. يتناول الفيلم مصير أكثر من 130 ألف شخص من المفقودين والمختفين قسرياً، من خلال شهادات نورا غازي، أرملة الناشط الإلكتروني باسل الصفدي الذي أعدمته قوات النظام، وماتشي، شقيقة القس الإيطالي باولو دالوليو، الذي اختُطف في الرقة عام 2013 ولا يُعرَف مكان وجوده حتى اليوم. تُصِرُّ ياسمين فضة على أهمية المحفوظات، باعتبارها آثاراً لأحداث سابقة، وعلامات على الوجود الفعلي: «نحن في الحقيقة نتحدث على وجه التحديد عن أشخاص لهم أصوات، وهم جزءٌ من الصراع في سوريا. وأَفترضُ أن سبب استخدام الاختفاء القسري هو ضرورة إسكات هذه القصص. إذ لا يمكنك سماع هذا الشخص، ولا يمكنك رؤية هذا الشخص بعد الآن». إنّ إنتاج فيلم يعتمد على لقطات شخصية وسيلةٌ لتحدي «التغييب»، وشكلٌ من أشكال إحياء الذكرى – إلى جانب كونه وسيلة لدفع الناس إلى التحدُّث عن حالات الاختفاء القسري والاختطاف، وتحفيزهم على إقامة روابط حول هذه الجرائم التي تحدث في مختلف السياقات.
ولضمان عدم ضياع هذه الذكريات والإنتاج الإبداعي المرتبط بها، عملت مُصمِّمة الجرافيك سنا يازجي على إنشاء مشروع ذاكرة إبداعية للثورة السورية. اندهشت سنا يازجي من الإنتاج الإبداعي الهائل الذي أخرجته الثورة السورية، سواء من قِبَل الفنانين والفنانات المعروفين أو المواطنين والمواطنات السوريين الذين جرّبوا أساليب التعبير الفنية لأول مرة. وللإشادة بهذا الثراء، بدأت بإنشاء سجلٍّ رقمي للتعبيرات الفنية التي ظهرت خلال الثورة السورية، بما في ذلك الشعارات والمنحوتات والجداريات والكتابات على الجدران، والموسيقى والأغاني واللوحات، والشعر والملصقات والكاريكاتير، والتصوير الفوتوغرافي والمنشورات والمسرح، واللافتات ومقاطع الفيديو والطوابع البريدية. يُمثِّلُ هذا السجلّ الرقمي وسيلة غير رسمية لتخليد الذكرى، تضمنُ الحق في المعرفة، وتُغذّي في الوقت نفسه الممارسات الثورية المستمرة، كما هو موضح أدناه.
البحث غير الرسمي عن الحقيقة
يعترف الفنانون والفنانات من سوريا بأهمية تسجيل المظالم، ولكنهم يُدركون أن دورهم-ن يختلف عن تقديم الحقيقة. ورغم رفض الكثيرين منهم-ن لإضفاء النّسبية على ادعاءات الحقيقة التي يقدمها الضحايا، إلا أن العديد منهم-ن يصرّون على تعدّدية الحقائق، ويرون أن جزءاً من دورهم-نّ يكمنُ في الإشارة إلى صعوبة إصدار الأحكام. يرى خالد بركة أن الفنانين والفنانات يخلقون بيئات بديلة تَسمحُ بإعادة التفكير في الافتراضات وتَحمِلُ الناس على التفكير بشكل مختلف. إن قدرة الفنون هذه – التي غالباً ما يُخلَط بينها وبين إضفاء طابع النسبيّة على ادعاءات الحقيقة، والتصورات المبتذلة بغياب الحقيقة في الصراعات – لهو أمرٌ ضروري.
لا تدّعي التعبيرات الفنية تقديم الحقائق أو الدلائل القانونية، بل تُرحِّبُ بتعدد الأصوات وحتى الغموض. مع ذلك، فإنها غالباً ما ترقى إلى مستوى ممارسات الحقيقة لأنها تُثير أسئلة حاسمة في عملية البحث عن الحقيقة. يرى محمد العطار أن المسرح لديه القدرة على «بناء حالة معقدة، وطرح الأسئلة، ومحاولة إشراك الجمهور في العملية». كما يدفع المشاهدين والمشاهدات إلى النظر إلى الواقع من دون الصور النمطية. مثل معظم فناني-ات وناشطي-ات سوريا، اضطُرَّ العطار للعيش في المنفى، الأمرُ الذي أثَّر على ممارسته الفنية. تتناول مسرحية العطار الأخيرة، المصنع، دور مصنع شركة الإسمنت الفرنسية لافارج، التي أبقت مصنعها في شمال شرق سوريا يعمل بين عامي 2012 و2014، رغم وجود تنظيم داعش في المنطقة. وقد تم توجيه الاتهام الرسمي لشركة لافارج عام 2022 من قبل محكمة الاستئناف في باريس، بتهمة المساعدة والتحريض على ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. يشعرُ العطار أنّ دوره لا يقوم على تقديم الاستنتاجات، بل تقصّي الحقيقة. تنطبق هذه النظرة النقدية على محاكمة فرع الخطيب، التي حظيت باهتمام السوريين والسوريات في ألمانيا، ممّن يجمعهم العداء للنظام – فهم غالباً ما يختلفون على ما إذا كانت المحاكمة تخدم سبيل العدالة. يتساءل العطار عمّا إذا كان بإمكان المسرح أن يلعب دوراً في هذه النقاشات، وإذا كان بإمكانه، فكيف؟ الأهم من ذلك، برأيه، هو أنّ «المسرح يمكنه الاستفادة من القدرة على الخيال، ولا يقتصر على حدود الواقع. يسمح لنا ذلك بالقفز إلى المستقبل، أو استخدام الخيال للتوصل إلى حلول، أو شدّ النقاشات إلى أبعد مما هي عليه الآن».
تكتسب القدرة على الاستمداد من الخيال أهمية خاصة في سياق الحرب السرديّة التي يشنّها النظام، وقدرته على خلق مناخ من عدم اليقين حيال وقوع الجرائم والانتهاكات. إذ يمكن للممارسات الفنيّة أن تتحدث عن مفارقة أنّه بالرغم من الأدلة الدامغة على الفظائع التي ارتكبها النظام السوري، إلا أنها لم تكن ذات تأثير حاسم على الاعتراف بالمظالم. لا تدّعي الممارسات الفنية تقديم الحقائق، ولكن بإمكانها أن تقترب من تمثيل الحقيقة بشكل عميق. إن اختلاف أنماط إنتاج الحقيقة مهم وضروري في سياقات الصراعات، خصوصاً فيما يخصّ تفسير الوقائع، كما يؤكد إيال وايزمان في كتابه بعنوان علم البحث في الوقائع الجرمية: العنف على عتبة الكشف. إن قدرة الممارسات الفنية على استحضار الازدواجيات واحتضان المفارقات تساهم في عملية البحث عن الحقيقة، فمن خلال الأساليب التي تُحاكي التجارب بحقيقتها، يمكن للفنون أن تُسلّط الضوء على التجارب المُعاشة وادعاءات الحقيقة التي تتعرض للتهميش في التقارير الإعلامية، من دون أن تَدّعي تقديم حقيقة واقعية أو تتطلَّعَ إلى تقديم حقيقة مطلقة. بل بدلاً من ذلك، قد تكون مُكمِّلة لوسائل البحث عن الوقائع وأدلة الإثبات الرسمية. مع ذلك، يمكن أيضاً استخدام الممارسات الفنية لإثارة الشكّ بشأن الجرائم المُرتكَبة، عن طريق المساهمة في البروباغندا، وتعزيز عدم اليقين المحيط بالوقائع والتشكيك بالأدلة على وقوعها. يتجلى هذا الوضع في السياق السوري، حيث استخدم نظام الأسد الفن كأداة لتحدّي ادعاءات الحقيقة المعارضة. وخير مثال على ذلك ما قام به بعض المخرجين السينمائيين بإعلان موالاتهم للنظام، وانخراطهم بنشاط في الحرب السردية من خلال إنتاجاتهم السينمائية.
ليست الممارسات الفنية منفصلة عن تعقيدات إنتاج الحقيقة والدعاية خلال الحرب الأهلية، بل يمكنها المساهمة في تجزئة الحقائق وتعزيز ادعاءات الحقيقة لدى المجتمعات المُتعارضة. ولكن يمكنها أيضاً توسيع مواقع البحث عن الحقيقة عندما يتم الاعتراف بإمكانياتها وقيودها كما ينبغي. في عالم صناعة الصور والسينما، أدَّى الدافع الأولي لتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان تدريجياً إلى إنتاج المزيد من الأفلام ذات الطابع الشخصي، التي تبرز وجهات نظر حميمية ومتعددة الأصوات. ومن الأمثلة على ذلك فيلما يوم أضعتُ ظلي ونزوح من إخراج سؤدد كعدان. ناقش صانعو وصانعات الأفلام السوريين، خلال فترة الصراع وبشكل متزايد، تعقيدات صناعة الصور خلال الحرب الأهلية التي نفَت أغلبية المجتمع الفني السوري إلى الخارج، وخطر إضفاء طابع رومَنسي على الانتفاضة، وتقديم تصوّرات مسطّحة وثنائية القطب عن الواقع على الأرض، بالإضافة إلى الواقع السياسي الاقتصادي لصناعة الصور، وتوقعات «الجماهير الثورية» على حد تعبير عروة نيربية. لا يمكن أن نتوقع تمثيلَ الفنون للواقع، ولكن يمكن أن نتوقع أن تَدفَعَ الفنونُ الجمهورَ للنظر إلى الواقع مُجرَّداً من اليقينيات، وبانفتاح جذري على ادعاءات الحقيقة المتضاربة، بما من شأنه أن يؤدي بالنتيجة إلى تعطيل الروايات المُهيمنة.
المقاومة المستمرة
لم يوقف زوال الانتفاضة والمشروع التحرري الجامع بين السوريين مقاومةَ شتى مصادر العنف المعرفي، سواء كان مصدرها النظام أو أطرافٌ أخرى أو حتى صانعوا السياسات والمؤسسات والجمهور في الشمال العالمي. يتحدى العديد من الفنانين والفنانات سوءَ تمثيل التجارب السورية من خلال تقديم روايات مضادة، تُفكِّكُ التصورات المُهيمنة التي ترى على سبيل المثال في الصراع السوري مواجهة بين نظام الأسد وداعش. تتولد هذه الرغبة من إيمان قوي بأن الممارسات الفنية يمكنها أن تدعم مقاومة ألوان الظلم التي يتعرّض إليها الشعب السوري. هذا الإيمان ليس بالجديد، فلطالما كان الإنتاج الثقافي السوري فعلاً مُعارِضاً. ولطالما اعتنق العاملون والعاملات في عالم الفنون، سواء في مجال صناعة الأفلام أو الكتابة أو الإخراج أو رسم الكاريكاتير، مقاومةَ الاستبداد. إلا أن انتفاضة 2011 أحدثت تحولاً في المجال الثقافي، أدت إلى ظهور العديد من الممارسات الفنية الجديدة، إلى جانب تصاعد نشاط المجتمع المدني. استلزم كل ذلك إنشاء فضاءات لمواصلة المعارك الثقافية المتعلقة بالعدالة، التي تجري في أغلبيتها الساحقة في الشتات، وبشكل أقلَّ بكثير في سوريا. إن هذه الفضاءات المناهضة لنظام الهيمنة، أينما وُجِدت، هي سوريّة وعالمية لأنها تُحاكي تجارب السوريين المُعاشة وتسلط الضوء على حاجة كل فرد خاضع للهيمنة إلى الاستمرار في مقاومة المظالم.
وعلى عكس التصور الغربي المُهيمن حول الثورات، فإن الفنانين والفنانات والجهات الفاعلة في مجال العدالة في سوريا ليسوا محدودين بالفهم الثنائي للثورات، باعتبارها إما ناجحة أو فاشلة، إذ ليس لديهم ترفُ انتظار التحول السياسي لمواصلة الممارسات الثورية في مجال الفنون أو تحقيق العدالة. إنما تنبع مقاومتهم من إصرارهم على محاربة قوى الإبادة، ورفض الإسكات. تُوضح روزا ياسين حسن هذا المنظور من خلال وصفها الرواية كشكل من أشكال المقاومة: «إنها حركة ضد السلطة المُهيمنة، ضد السلطات، ضد الخداع والطغيان، وضد الصوت الواحد والوحيد. إنها تنقل التعددية والحرية، والانفتاح والمعنى. إنها تقف إلى جانب الأقليات والمستضعفين، وتدعم الفئات المهمشة بشكل عام». يشارك هذا المنظورَ كثيرٌ من الفنانين والفنانات الذين يدفعون باستمرار حدود المعارضة.
وهذا أمر مهم بشكل خاص في مجال السينما، حيث أسفرت الثورة عن طفرة في محتوى الفيديو والإنتاج السينمائي السوري المستقل، أدت إلى ظهور موجة من الأفلام السورية التي حظيت باهتمام عالمي – منها وثائقيات، مثل إلى سَما من إخراج وعد الخطيب، وآخر الرجال في حلب من إخراج فراس فياض؛ وأفلامٌ خيالية مثل يوم أضعتُ ظلي ونزوح من إخراج سؤدد كعدان. تُسلّط الكثير من الأفلام السورية الحديثة الضوء على مقاومة الأذى الذي لا يُحتمَل، وتُشرِّح استحالة الثورة وكلفتها، منها وثائقي بلدنا الرهيب من إخراج محمد علي الأتاسي وزياد الحمصي، الذي يؤرخ رحلة الكاتب والمعارض السوري ياسين الحاج صالح في أرجاء سوريا، ابتداء من ضاحية دوما المحاصرة في دمشق، فالرقّة التي كانت تحت سيطرة داعش، انتهاء بالمنفى في إسطنبول. خلال تأمُّله السؤال الذي يُطرح عليه مراراً، عمّا إذا كانت هذه هي الحرية التي يريدها الشعب السوري، يجيب الحاج صالح: «لو كنّا قادرين على الاختيار، لا. نريد حريّة أكثر أناقة وأقل تكلفة. لكن يبدو أنّ هذا هو الثمن الذي فُرض علينا». أثناء تصوير الفيلم، يتلقى الحاج صالح نبأ اختطاف زوجته سميرة خليل في دوما، مع محامية حقوق الإنسان رزان زيتونة، ووائل حمادة، وناظم حمادي. إنّ سَعي الحاج صالح الحثيث لمعرفة الحقيقة بشأن اختفاء سميرة خليل تذكيرٌ بأن المقاومة ضرورة شاقة، وأن التعابير الفنية يمكنها أن تسلّط الضوء على مثل هذه الصراعات الوجودية.
ويكمن وجه حاسمٌ آخر لهذه المقاومة في الطريقة التي يسعى بها بعض الفنانين والفنانات إلى استخدام تعبيراتهم الفنية لقلب معادلة الغياب القسري وإبراز السرديات أو الأصوات التي كانت ستظل مُغيَّبة لولا ذلك. من الأمثلة البارزة على هذا أعمال الروائية سمر يزبك، التي تُعرِّفُ نفسها بصفتها كاتبة معارضة، تواجه ترهيب النظام في عملها الأدبي، وترفض الصمت. تتناول أعمال يزبك دور النساء الحاسم في الانتفاضة السورية، فتُبرِزُ على سبيل المثال أصواتهنّ وتشيد بمقاومتهنّ، في كتابها تسعة عشرة امرأة: سوريات يروين. علاوة على ذلك، تُشير يزبك إلى أن الضحايا ليسوا مجردين من قدرتهم على الخيار واتخاذ المبادرة، فبطلة روايتها المَشّاءة مراهقة بكماء لديها رغبة دائمة في المشي. ورغم وصفها بأنها معاقة من قِبَل كثيرين، إلا أن ريما تمتلك ذكاءً عميقاً وقدرة رائعة على توظيف خيالها كوسيلة لمقاومة الأذى. بمعنى ما، تمثل ريما عدداً لا يحصى من السوريات اللواتي تعرّضنَ لإساءة الفهم والتهميش والإسكات. على هذا النحو، تعرض يزبك قوة الفنون في الدفع بالتغيير في السياق السوري، حيث يستمر الأفراد، حتى عندما يشعرون بأنهم بعيدون عن الإنسانية، في تأكيد وجودهم وإعادة تَصوُّر العالم رغم كل الصعاب.
درست بريجيت هيرمانس اللغات والثقافات الشرقية في جامعة غنت والعلاقات الدولية في جامعة بروكسل الحرة، وتنصبّ اهتماماتها البحثية على سوريا، والمسألة الفلسطينية الإسرائيلية، وجهود العدالة الانتقالية، والمُساءلة، والأدب. وهي أحد القائمين على برنامج «رؤى العدالة»، الذي يقدم مقابلات صوتية عبر الانترنت مع الفاعلين في مجال العدالة. بريجيت هي زميلة أبحاث ما بعد الدكتوراه في مركز حقوق الإنسان في جامعة غنت، وقد حازت على درجة الدكتوراه عام 2023 عن رسالة عنوانها «مواجهة المحو والتغييب: إمكانات الأدب لفتح خيال العدالة في السياق السوري».
موقع الجنهورية
——————————–
إحياء أرشيف آلة الموت: نحو المطالبة بإنشاء مركز لحفظ ذاكرة الجرائم المرتكبة في سورية/ جويل أوبريشت
25-07-2024
يتحرك سؤال العدالة في سوريا بين الانتقام والصفح، وتحفزه الحاجة إلى كفّ يد الجلادين وإعطاء الضحايا فرصة تاريخية للوصول إلى السلام ومعرفة حقيقة ما حدث، وهو ما لا يبدو أن شروطه تقترب من التحقّق اليوم. يطرح هذا على السوريين أسئلة صعبة عن معنى العدالة في بلدهم ودروبها وشروطها، وهي الأسئلة التي يتناول هذا الملف بعضاً منها، دون أن يدّعى الإحاطه بها كلّها إذ تبقى للعدالة وجوه أخرى اقتصادية واجتماعية وأسئلة ذات صلة بالعدالة الدولية ومستقبل العالم.
*****
كرّست مهزلة إعادة الانتخاب المظفرة لبشار الأسد في شهر أيار (مايو) 2021 نجاة الطاغية (بالمفهوم الذي أعطاه الياس كانيتي للشكل المخزي «للناجين بعد فناء الآخرين»)، وذلك على حساب الشعب السوري ومئات الآلاف من الذين قضوا موتاً أو غُيّبوا.1 وجاءت بعد ذلك إعادته إلى الجامعة العربية لتؤكد «انتهاء الوهم» بنظام دولي ليبرالي تقوده القوى الغربية الديموقراطية2، لمصلحة مزاعم ديكتاتوريات تُحفّزها نزعة الانتقام وقوى متوسطة النفوذ منفلتة العقال لا تأبه أن تطأ بأفعالها القانون الإنساني بشكل مفضوح. وإذا كنا نعرف ما الذي يشبه «عدالة المنتصرين»، كتلك التي أقامها الحلفاء بنورمبيرغ في عام 1945، فإننا لا زلنا نجهل ما هو شكل «عدالة الخاسرين». إنّ هذه العدالة هي ما يُجبَرُ سوريو الشتات على ابتكارها اليوم. ليس للعدالة، بمفهومها الحقيقي الذي يقوم على الحياد والإنصاف، منظوران يقتضي الأمرُ الاختيار بينهما، أحدهما للمنتصرين والآخر للخاسرين. إن جُلَّ ما يهم العدالة هو تحديد المجرمين وتفريقهم عن الأبرياء. ولكن في الوقت الذي يسود فيه مستبدُّ دمشق «بالقوة المُجرَّدة من العدالة»، تبقى العدالة من دون قوة «غير قادرة» كما ذهبت إحدى المقولات الشهيرة للفيلسوف باسكال. فما هي العدالة التي يمكن أن يتمسك بها ضحايا المستبد؟
كيف يمكن العمل على أي مطالبة بالعدالة في ظل هذه الكارثة الوطنية والدولية؟ حيث يبدو اللجوء إلى محكمة الجنايات الدولية، أو إحداث محكمة ذات طابع دولي خاص أو الوصول إلى عدالة انتقالية في سورية، بعيدَ المنال. هل يعني هذا الاستسلام؟ لن يكون ذلك مقبولاً. هل يجب انتظار تحوُّلات غير مؤكدة في الموقف الدولي من شأنها أن تسمح بمعجزة إعادة تنشيط خيارات العدالة المعروفة؟ لن يكون ذلك واقعياً. يبقى المَخرج الوحيد أن يتم إنشاء آليات أو تبني أشكال عدالة بديلة تعتمد في أساسها على وجود كمية مصادر هائلة تتمثّلُ في شهادات الضحايا، وفي المشاهد المرئية المُسجَّلة في المناطق المحاصرة تحت القصف، وكذلك الأرشيف السرّي للقمع الذي تم انتزاعه من «آلة الموت» التي ابتدعها النظام3. فهنا تكمن قوة ضحايا بشار.
لقد تم إثبات إمكانية تخطي هذه العقبات والسير إلى الأمام في السعي إلى العدالة، عبر توسيع الملاحقات ضد المتهمين بموجب قواعد الاختصاص الدولي في عدد من الدول، حيث عوَّضَ ذلك جزئياً عن انسداد أفق اللجوء إلى محكمة الجنايات الدولية. صحيحٌ بأن هذه العدالة بطيئة وغير كافية، لأنها تخصُّ بشكل أساسي أقل من ثلاثين ملاحقة أمام القضاء الوطني لثلاثين دولة أوروبية، صدر فيها حُكمان بالتجريم فقط حتى الآن. يتبع ذلك ملاحقات أخرى، من شأنها أن تؤدي إلى تجريم بعض كبار المسؤولين في النظام كعلي مملوك، مستشار بشار الحالي للأمن الوطني، بموجب إجراءات التقاضي الغيابي. يبقى أن هذه الإجراءات لن تستهدف بشار الأسد مباشرة بسبب الحصانة الرئاسية التي يتمتع بها أمام القضاء في دول أخرى.4
ويبقى في النهاية عدد الملاحقات التي من شأنها أن تؤدي إلى أحكام محدوداً، ومحدوداً جداً. تُحيلنا هذه الحالة إلى ضرورة ألا نحصر النظر للعدالة في شكلها الجزائي فقط. إذ لا بدّ إضافةً إلى ذلك من تفعيل أشكال أخرى. وفيما خلا العدالة التي يمكن أن يؤديها اللجوء إلى محكمة العدل الدولية بسبب خرق سورية لاتفاقية مناهضة التعذيب التي وَقَّعتها5، يمكن ذكر كل المساعي المُستمَدة من العدالة التي يشار إليها «بالانتقالية»، حيث تشمل تلك العدالة كامل حقل الملاحقات الجزائية، وتستعيضُ عنها أحياناً بمبادرات أخرى غَرضُها الاستجابة إلى جملة أشمل من حاجات الضحايا كتعزيز أصناف حقوق أخرى كالحق في الوصول إلى الحقيقة، والحق في الحصول على تعويض، والحق في عدم تكرار ما حدث.
يُذكر بأن العديد من المنظمات السورية قامت في مراحل سابقة بوضع مشاريع لعدالة انتقالية، إلا أنها بقيت قائمة على تَوقُّع الوصول إلى انتقال سياسي في سورية، وهو ما يصعب تَصوُّره حالياً. وبالفعل فإن العديد من آليات العدالة الانتقالية التي تمّ اللجوء إليها عند انتهاء الصراعات أو تَغيُّر الأنظمة في العديد من الدول (كإجراءات التطهير، والإصلاحات المؤسساتية ومطالبات الاعتذار من قبل الدولة، إلخ) لا يمكنها أن تُطبَّق في سورية في الوضع السياسي الداخلي الراهن. ومع ذلك، فإنه يبدو بأنه يمكن تطبيق بعض إجراءات العدالة المُسمّاة بالانتقالية خارج إطارها الأصلي، أي خارج الأراضي السورية، دون انتظار انتهاء دكتاتورية عائلة الأسد. وهذا يبدو ممكناً بشكل خاص في العمل على تأكيد الحق في الوصول إلى الحقيقة والحق في الذاكرة.
لقد ظهرت إمكانية تَصوُّر آلية فريدة للعدالة عند قيام الجمعية العامة للأمم المتحدة بإحداث آلية دولية وحيادية ومستقلة لسورية في كانون الأول (ديسمبر) 2016. قامت هذه الآلية المستقلة، التي يقع مركزها في جنيف، بتجميع أرشيف استثنائي للوثائق التي زَوَّدتها بها العديد من الدول والمنظمات الدولية والإقليمية، ووكالات الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني الدولية والسورية والأفراد ووسائل الإعلام والمصادر المفتوحة. وفي عام 2018 جمعت الآلية المستقلة 4 تيرا بايت من المعطيات أو 900000 تسجيل. وفي عام 2020 احتوى مركز البيانات على مليوني وثيقة. وقد تم تجهيز هذا الآلية بأحدث وسائل تحليل المعطيات البشرية والإلكترونية. وبخلاف مهمة لجنة التحقيق الدولية المستقلة التي قام مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة بإحداثها عام 2011، فإن مهمة الآلية المستقلة هي «شبه قضائية» حتى لو لم يكن لديها إمكانية إصدار مذكرات اتهام أو إقامة محاكمات. إنها «مُيسِّرة للعدالة»، فهي تجمع وتحفظ وتُحلّل وسائل الإثبات وصولاً إلى تقديم المعلومات المنتجة دعماً لتحقيقات جارية، وذلك إما بموجب طلب يُقدَّم إليها أو من تلقاء نفسها. وهي تعمل ضمن تصور جزائي للعدالة. ومع ذلك فإن مهمتها تتوجه كذلك إلى الضحايا والفاعلين في المجتمع المدني6، الأمر الذي يفتح لها بقدر ما إمكانية تبني توجه مبني على العدالة الانتقالية (تستعمل الآلية المستقلة في أدبياتها تعبير «العدالة الشاملة»). كانت المادة 8 من تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الصادر في 19 كانون الثاني (يناير) 2017 قد وصفت صراحة الآلية المستقلة بأنها «مؤسسة للعدالة الانتقالية». وتؤكد الآلية المستقلة في تقاريرها، ولا سيما ذلك المؤرخ في 13 آب (أغسطس) 2020، على «تعلُّقها الثابت بمفهوم شامل وكُلّي للعدالة»، حيث توضح رئيسة الآلية المستقلة أن من بين مهامها «دعم الإجراءات القضائية غير الجزائية التي تبحث في مسؤوليات المتورطين في ارتكابات داخلة ضمن مهامها في الجمهورية العربية السورية». وبناء عليه، قامت الآلية المستقلة بتطوير استراتيجية فريدة وهي تساهم في كشف النقاب عن مصير المفقودين. وقد عبَّرت عن دعمها إنشاء الأمم المتحدة لهيئة جديدة تعنى بالمفقودين، حيث تم إقرار إحداثها بتاريخ 29 حزيران (يونيو) 2023 على اعتبار أنها تشكل ابتكاراً ثانياً يُظهِرُ توجهاً مُركَّزاً باتجاه مصالح الضحايا ومشاركتهم.
وفي هذا الإطار يشكل إنشاء قاعدة أرشيف للجرائم المُرتكَبة في سورية أداة مبتكرة جديدة من أدوات العدالة الانتقالية تعمل بالتكامل مع الآلية المستقلة. يمكن أن تتضمن هذه القاعدة الأرشيفية هيئة تتخذ شكل متحف أو مركز لحفظ الذاكرة، من شأنه أن يسمح بفهم ورؤية ما يسعى النظام في دمشق لإنكاره أو طيّه قيد النسيان.
توجد العديد من مراكز حفظ الذاكرة في العالم التي يمكنها أن تشكل نموذجاً يُحتذى به، إلا أننا نعتقد بأن مركز ذاكرة المحرقة القائم في باريس قد يكون مُلائماً، ليس بغرض نسخه وإنما بغرض الاستئناس به. لقد تم إنشاء مركز حفظ ذاكرة المحرقة عندما كانت الحرب العالمية الثانية مستعرة، وفي الوقت الذي كانت فيه الديكتاتورية النازية لا تزال فاعلة؛ حيث تم تكوين مجموعة أرشيفية تهدف إلى جمع أدلة الإثبات على اضطهاد اليهود تم تسميته باسم «مركز الوثائق اليهودية الحديث». وقد قُدِّمَت الوثائق المحفوظة في المركز في محاكمات نورمبيرغ، حيث كان للمركز ممثلون دائمون كانت تصلهم أثناء المحاكمة كافة الوثائق التي يتم تبادلها في المحكمة. ويشبه الدور الذي لعبه المركز بجمعه للوثائق وتقديمه للمساعدة في العديد من المحاكمات اللاحقة الدور الذي تلعبه اليوم الآلية المستقلة بالنسبة لسورية، مع الأخذ بالحسبان الإمكانيات المعلوماتية المتاحة اليوم للآلية المستقلة والتي لم تكن متوفرة لمركز الوثائق اليهودية. يدفع هذا التقارب في الوظيفة إلى التفكير حول الطريقة التي يمكن فيها نقل تجربة مركز الوثائق اليهودية لفائدة مجتمعات اللاجئين السوريين في أوروبا. فقد أدى توحيد «مركز الوثائق اليهودية» مع مركز «ذاكرة الشهيد اليهودي المجهول» إلى افتتاح مركز ذاكرة المحرقة في عام 2005، ليعمل مركزاً للأرشيف ومتحفاً للذاكرة، حيث تم تقسيمه إلى ثلاث أقسام: الأرشيف ومكتبة الصور والمكتبة؛ وهو يشكل أكبر مركز للبحث الأوروبي للحصول على المعلومات والتوعية حول تاريخ إبادة اليهود. يحتاج السوريون كذلك إلى مكان للبحث والذاكرة، للتوعية بها ونقلها إلى الأجيال اللاحقة. كيف يمكن إحداث هذا المكان، وماذا يمكن أن يشبه؟
يمكن عقد اتفاقات شراكة وتبادل مع الآلية المستقلة والهيئات الوطنية والدولية للقيام بجمع وحفظ الأرشيف بشكل إلكتروني. وستكون المجموعة قابلة للإغناء عبر اعتماد استراتيجية للحصول على المواد الأرشيفية الجديدة، إذ على الرغم من وجود كمية كبيرة من الوثائق التي تم جمعها، فإن العديد من الجرائم لم يتم التمكُّن من توثيقها وإعادة تمثيلها بعد. ولا ريب بأن الأرشيف الذي تم إنقاذه يعتبر «أرشيفاً ناجياً» على حد تعبير جورج ديدي هوبيرمان، يسعى الجلادون إلى تدميره أو نزع المصداقية عنه. ولكن بخلاف الصمت الذي لفَّ مجازر حماة، لن يُفلح الأسديون هذه المرة في طمس الجريمة، كما لم يُفلح النازيون من قبلهم. لا ريبَ بأن الوضع السوري مختلف عمّا عرفته المجتمعات اليهودية بعد عام 1945، ولا سيما في هذا الوقت حيث تم الاعتراف الكامل بذاكرة إبادة اليهود في أوروبا وعلى الصعيد الدولي. وبسبب الملاحقات القضائية القائمة والنشاط الحثيث للنظام وحلفائه، حتى في أوروبا، لإسكات الأصوات المعارضة وتغذية الأخبار المضللة، فإنه لا بدّ من اتّخاذ العديد من الاحتياطات. وعليه، يمكن مثلاً تَصوُّر عدم إعطاء أي أصل لمادة أرشيفية (ما لم يوجد موافقة خاصة)، كما أن إتاحة الوصول إلى المصادر والمعلومات يمكن أن تكون انتقائية، خاضعة لشروط تفرضها الدولة صاحبة مصدر المادة الأرشيفية أو أي طرف ثالث معني. ومع ذلك، فعلى خلاف المحاكم أو الآلية المستقلة، حيث تقع مكاتبها داخل الحرم المحمي أمنياً للأمم المتحدة في جنيف، يبقى الهدف هو إتاحة الوصول إلى الوثائق المتنوعة للباحثين وأكبر شريحة من العموم. ولا تنحصر هذه الوثائق بالشهادات وتقارير المنظمات غير الحكومية والمنظمات الدولية، بل تتضمن كذلك أرشيف ما تم إنتاجه من داخل الأراضي التي تم تحريرها مؤقتاً من قبل قوى المعارضة (كتلك التي يجمعها موقع الذاكرة الإبداعية للثورة السورية)، إضافة إلى الكتب والأفلام الوثائقية التي تم إنتاجها عن النزاع. كما يمكن لفضاء عرض دائم ومؤقت أن يسمح بإحياء هذا الأرشيف، وأن يمنعه من التعفّن في الصناديق أو في ذاكرات الحواسب الرقمية. ويمكن ضمان نقل المعرفة بالحوادث التي جرت على الأرض السورية وكذلك خارج سورية، عبر تطوير أدوات تعليمية متعددة، تركز مثلاً على مسارات اللاجئين (في المخيمات، وفي الاندماج، وفي الطرد من أماكن إقامتهم)، وعلى إجراءات ملاحقة المجرمين التي تجري في الخارج. ويمكن لهذا المركز أن يعقد شراكات مع الأنظمة القضائية للبلدان التي تُنظَّم فيها محاكمات تتعلق بجرائم ارتكبت في سورية، لجمع وترجمة الأحكام ومحاضر جلسات المحاكمات التي تم إجراؤها والتي بقيت غير مُتاحة للعموم، وبقي كثيرٌ منها خارج الاهتمام الإعلامي (كمحاكمة علاء موسى في فرانكفورت، وهي لم تُسجَّل ولم تُترجَم)، إذ سيكون ذلك إضافة كبيرة ومهمة يقدمها هذا المركز للحق في الذاكرة.
سيشكل هذا المركز لحفظ الذاكرة مكاناً لجمع الذاكرة المُتبعثرة للسوريين الذين يعيشون في الشتات في دول مختلفة، أو الذين ظلّوا حَبيسي بلدهم المتهاوي. سيكون كذلك مكاناً للتأمُّل يُقدَّم فيه الإجلال لذكرى مئات الآلاف من ضحايا القمع، ومكاناً حياً تُنظَّم فيه العروض، والشهادات واللقاءات الدولية؛ ومكاناً ذا طابع رمزي يحتاجه السوريون وغيرهم من المجتمعات الأوروبية والمجتمع الدولي؛ ومكاناً يعمل كمركز للأبحاث حول أقدم وأشرس الدكتاتوريات في الشرق الأوسط، التي استفحل فيها العنف لدرجة أدت إلى تدمير البلد وتهديد الاستقرار الإقليمي، وانتشار الإرهاب وتجارة المخدرات وتفحش الأنظمة المستبدة في العديد من دول العالم، وصولاً إلى انفلات جماح بعضها ليكون أوجُ ذلك ممارسةَ الغرور العسكري الروسي في أوكرانيا. يجب على مركز أرشيف الذاكرة ألّا يكون مشروعاً متوجهاً ومحصوراً بالسوريين وحدهم، بل يجب أن يكون في تطلُّعه ذا نفحة عالمية، إذ أن التراجيديا السورية تحكي شيئاً من إنسانيتنا وتقول شيئاً مهماً للإنسانية. وكما تمكَّنَ مركز ذاكرة المحرقة، انطلاقاً من حوادث إبادة اليهود، أن يُسلِّطَ الضوء ليس فقط على مُعادة السامية، وإنما على العنصرية بشكل عام وغيرها من جرائم الإبادة الجماعية في القرن العشرين، كتلك الواقعة ضد الأرمن أو قبائل التوتسي في رواندا، فإن من شأن مركز ذاكرة الجرائم المرتكبة في سورية أن يغذي البحث في (والوقاية من) توحش السلطات على مجتمعاتها في عالم القرن الواحد والعشرين.
ومع بعض من الشجاعة أيضاً، فإن إحداث هذا المركز يمكن أن يرافقه تشكيل لجنة للحقيقة من نوع جديد، بحيث تكون دولية وقائمة خارج الأراضي السورية؛ ويمكن أن تكون مؤلفة من خمسة عشر شخصية سورية تمثل المجتمع المدني، وكذلك شخصيات غير سورية وعربية، مشهود لهم بالنزاهة والمكانة العلمية أو الضلوع بالدفاع عن حقوق الإنسان. يمكن لتلك اللجنة أن تنظم اللقاءات مع الشهود، وبالتعاون مع الآلية المستقلة، حيث يمكن لهذه الآلية أن تتيح للجنة الحقيقة الوصول إلى الأرشيف المحمي واستعمال أدوات التحليل التي تؤمنها الآلية المستقلة، وذلك لكتابة التقارير والتوصيات. كما يمكن للجنة الحقيقة أن تمارس عملها بالتثبّت من الوقائع وتحليلها، من وجهة نظر تركز على التأريخ وعلم الاجتماع أكثر من البحث القانوني الصرف. ويمكن أن ينبثق عنها لجان فرعية متخصصة بحسب طبيعة الخروقات قيد التحقيق (كالتعذيب، والإعدام خارج القضاء والاختفاء القسري). لا ريبَ بأن هذا الإطار غير المسبوق في البحث عن الحقيقة من قبل لجان انتقالية يثير العديد من العقبات، بالمقارنة مع ما كان موجوداً سابقاً. ومع ذلك فقد يكون ممكناً منح مثل هذه اللجان الجديدة كامل الصلاحية العلمية والسياسية والأخلاقية عن طريق جعلها ذات طابع دولي، وذلك في إجراءات تسمية أعضائها وفي ممارسة الرقابة على أعمالها، وكذلك في ضمان انتشار أعمالها بدعم رسمي من عدد من الدول الديمقراطية والمنظمات الدولية المختصة بالدفاع عن الحقوق الإنسانية. وفي النهاية، يبقى الهدف هو نفسه، ألا وهو تحقيق الاستفادة القصوى من إمكانيات الأرشيف الذي جمعه السوريون بشجاعة منقطعة النظير وعلى حساب حياتهم.
لا ريبَ بأن الموارد المالية والبشرية التي تحتاجها مشاريع كتلك ستكون عالية، في الوقت الذي تبقى فيه الاحتياجات الإنسانية للشعب السوري هائلة. ولا شكّ بأنه يوجد العديد من المشاريع الأخرى على طريق العدالة كإحداث محكمة خاصة بالاعتداءات الكيماوية، التي لا تزال تجد صعوبة في التحقُّق. ولا ريبَ بأن التحرك الدولي لمعاقبة الجرائم المرتكبة في سورية هو أضعف كثيراً من ذلك الذي ظهر لملاحقة الجرائم المرتكبة في أوكرانيا. ولكن سيكون شائناً ومن قبيل العبث أن تجري المقارنة بين الاحتياجات وبين الضحايا. إن إعادة التأهيل الجارية لبشار الأسد وانعدام المبادرات من الحكومات الأوروبية والأميركية يكبح مساعي العدالة، إلا أن السوريين نجحوا في دفع حواجز العطالة بتحرُّكاتهم الحثيثة؛ إنهم هم (سيزر، وغيرهم العديد من المنظمات السورية المنبثقة عن المجتمع المدني في الشتات) الذين جمعوا الجزء الأهم من الوثائق التي تعتمد عليها الآلية المستقلة، وهم من حملوا مشروع إحداث آلية للمختفين التي تم إقرارها في الأمم المتحدة اليوم.
إن فتح الآفاق الممكنة في الأوضاع التي تبدو في ظاهرها مستعصية وبدون أمل هو جوهر الروح الثورية، تلك الروح التي دفعت بملايين السوريين للنزول إلى الشوارع بدون سلاح رفضاً للقمع في العام 2011. وبالرغم من الآلام، وبقاء المستبد في السلطة، فإن إرادة العدالة والكرامة لم تُسحَق. وسيكون مركز الذاكرة، الذي يوثّق بشكل موضوعي لكافة الجرائم المرتكبة في سورية (سواء من قبل النظام أو من قبل الجهاديين والجيش السوري الحر وغيرهم من المجموعات المسلحة) نتاجاً لهذه الإرادة «الناجية»، بحيث يبقيها مشتعلة، ويضمن انتقالها عبر الأجيال. ولكي تتحقق العدالة للضحايا والشهداء، لا بدّ من حفظ ذاكرة الجرائم المرتكبة بحقهم، وكذلك السبب الذي قضوا لأجله، والهدف الذي لم يتمكنوا من تحقيقه، والذي لا زال بوسعه أن يتحقق. لن يستطيع تاريخ الخاسرين إنهاء سيطرة المنتصرين؛ إلا أن بإمكانه نسفها من الداخل تدريجياً. إن في ترسخ هذا التاريخ في الذاكرة ما سيسمح بتجاوز الخسارة العقيمة. إذ ستكون لعدالة الخاسرين نفحة مقاوِمة في هذا المفترق الذي يُعاد فيه تنشيط الماضي لكي يرتبط بمستقبل آخر.
1.عمر قدور، في بلد المهانة السعيد، مجلة Esprit، تموز/آب 2021.
2.ميشيل دوكلو، «الحرب في أوكرانيا والنظام العالمي الجديد»، مطبوعات ديكوفرت، كانون الثاني 2023 (Michel Duclos, (sous la dir), Guerre en Ukraine et nouvel ordre du monde, Editions de l’Observatoire, janvier 2023)
3.وهي العبارة المأخوذة من كتاب غرانس لوكين، «عملية سيزر: في قلب آلة الموت السورية»، منشورات ستوك، 2015، وهي عبارة لا شكَّ بأنها استعملت بالإشارة إلى فيلم ريثي بان عن سجون الخمير الحمر (S21). انظر كذلك فيلم غرانس لوكين مع ستيفان مالتير عن قضيتين مرفوعتين أمام القضاء الإسباني والفرنسي، «الأرواح الضائعة»، من شركة التوزيع دولاك، 2022.
4.بعد كتابة المقال وأثناء ترجمته وتحريره صدر فعلاً حكم غيابي عن محكمة الجنايات الفرنسية ضد علي مملوك، كما وافقت محكمة فرنسية على مذكرة ضد بشار الأسد مُعتبرة أنه لا يستفيد من الحصانة ظروف القضية، لكن قرارها ما يزال عرضة للفسخ من قبل هيئات قضائية فرنسية أعلى بسبب مبدأ الحصانة (المحرر).
5.بتاريخ 8 حزيران (يونيو) 2023 أقامت هولندا وكندا قضية أمام محكمة العدل الدولية حول تفسير وتطبيق اتفاقية مناهضة التعذيب التي كانت قد انضمت سورية إليها. وبتاريخ 16 تشرين الثاني (نوفمبر) 2023، أصدرت محكمة العدل الدولية قراراً يتضمن تدابير تحفظية تلزم سورية بالامتناع عن كافة أشكال التعذيب وبالاحتفاظ بالأدلة ولا سيما أرشيف وملفات السجون والأجهزة الأمنية. القرار موجود في هذا الرابط.
6.انظر نشرة المعلومات الصادرة عن الآلية المستقلة في كانون الأول (ديسمبر) 2022 في موقع الآلية.
هذا المقال لجويل أوبريشت ، وجويل أوبريشت هو باحث حقوقي متخصص بقضايا العدالة ولا سيما العدالة الانتقالية، مدير برنامج العدالة الجنائية الدولية في المعهد العالي لدراسات العدالة في باريس، محرر في مجلة (Esprit)، له مؤلفات ومقالات عديدة عن العدالة في رواندا أو الجزائر من بين أمكان أخرى، والعديد من الأبحاث عن العدالة في سورية؛ وهو أحد محرري كتاب: سورية، البلد المحروق (Syrie, Le Pays Brulé, Seuil, 2022).
——————————————-
سورية أمام محكمة العدل الدولية: وقائع القضية وأهميتها على دروب العدالة والمعنى/ عبد الحي سيد
01-08-2024
*****
في سابقة هي الأولى منذ استقلال سورية عام 1945 وإقرار ميثاق الأمم المتحدة مع النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية في السنة نفسها، تَمثُلُ الجمهورية العربية السورية أمام المحكمة كطرف مُدَّعى عليه لمسؤوليتها عن خروقات مُدَّعى بها لاتفاقية مناهضة التعذيب. تفصل محكمة العدل الدولية في النزاعات بين الدول، وتُصدِرُ آراء استشارية بطلب من هيئات الأمم المتحدة ومنظماتها المتخصصة، وهي «تقول القانونَ الدولي» عندما تحسم النزاعات بين الدول بأحكام مُلزِمة وعندما تصدر آراء استشارية.
كان قد تمحورَ دور محكمة العدل الدولية تاريخياً في الفصل في النزاعات بين الدول حول مسائل ترسيم حدود برية أو بحرية، أو خروقات لسيادة الدول أو حصانات دبلوماسية. وقد برز كذلك دورٌ للمحكمة في الفصل في خلافات بين الدول حول قضايا تتعلق بتطبيق اتفاقيات حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وذلك بالتوازي مع نزاعات نجمَ عنها ارتكاب جرائم جماعية. فكان أن نظرت المحكمة مثلاً حول وجود إبادة جماعية في يوغسلافيا السابقة في نزاع بين صربيا والبوسنة، أو بين غامبيا وميانمار حول ما تَعرَّضَ له شعبُ الروهِنغا (القضية قيد النظر الآن).
لم يكن لسورية حضورٌ كطرفٍ مدَّعٍ أو مُدَّعى عليه أمام محكمة العدل الدولية، إلى أن ادَّعت عليها في عام 2023 كل من كندا وهولندا بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب، بعد ثلاثة عشرة سنة من اندلاع الأحداث السورية في سياق الربيع العربي.
تستعرضُ هذه المقالة القضية الماثلة حالياً أمام محكمة العدل الدولية ضد الجمهورية العربية السورية، فتُبيّنُ كيف نشأت وما هي الإجراءات التي وصلت إليها حتى اليوم. ومن ثم تبحث في أهميتها في إعطاء بعض المعنى لما حدث للسوريين في السنين التي تبعت الربيع العربي. كما تحاول أن تتلمَّسَ دوراً للقضية في طرح مسؤولية الدولة بكامل أركانها عن نظام التعذيب الذي سحق مئات الآلاف من السوريين، وهو ما يكمّل الجهود التي تحاول أن تتعقب المسؤولين فردياً عن ارتكاب جرائم التعذيب.
اتفاقية مناهضة التعذيب
بتاريخ 10 كانون الأول (ديسمبر) 1984، أقرّت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في قرارها رقم 39/46، اتفاقيةَ مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (اتفاقية مناهضة التعذيب). بتاريخ 2 تموز (يوليو) 2004، صادقت سورية على اتفاقية مناهضة التعذيب بالمرسوم التشريعي ذي الرقم 39، ما يعني بأن أحكام الاتفاقية أصبحت مُلزِمة لها وجُزءاً من قانونها الوطني.1
وعرَّفت المادة الأولى من الاتفاقية التعذيب بأنه «أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسدياً كان أم عقلياً، يُلحَق عمداً بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص، أو من شخص ثالث، على معلومات أو على اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يُشتبه في أنه ارتكبه، هو أو شخص ثالث أو تخويفه أو إرغامه هو أو أي شخص ثالث – أو عندما يُلحَق مثل هذا الألم أو العذاب لسبب من الأسباب يقوم على التمييز أياً كان نوعه، أو يُحرِّضُ عليه أو يُوافِق عليه أو يَسكُتُ عنه موظف رسمي أو أي شخص آخر يتصرّف بصفته الرسمية».
وألزمت المادة الثانية كلّاً من الدول المُنضمَّة إلى المعاهدة أن تتخذ «إجراءات تشريعية أو إدارية أو قضائية فعّالة أو أي إجراءات أخرى لمنع أعمال التعذيب». كما نصَّت المادة الخامسة عشرة من الاتفاقية على أن تضمَن كل دولة «إنصاف من يتعرّضُ لعمل من أعمال التعذيب وتَمتّعه بحق قابل للتنفيذ في تعويض عادل ومناسب، بما في ذلك وسائل إعادة تأهيله على أكمل وجه ممكن، وفى حالة وفاة المُعتدَى عليه نتيجة لعمل من أعمال التعذيب، يكون للأشخاص الذين كان يَعولهم الحق في التعويض». كما نصَّت المادة السادسة عشر من الاتفاقية أن تتعهد كل دولة منضمة لها «أن تمنع… حدوث أي أعمال أخرى من أعمال المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المُهينة التي لا تصل إلى حدّ التعذيب».
ونصّت المادة الثلاثون من الاتفاقية على أنه في حال نشوء أي نزاع بين دولتين أو أكثر من الدول المنضمة للاتفاقية فيما يتعلق بتفسيرها أو تنفيذها، ولا يمكن تسويته عن طريق التفاوض، يُطرَح للتحكيم بناء على طلب إحدى هذه الدول، فإذا لم يتم التوافق بين الدول المتنازعة على تنظيم التحكيم؛ «يجوز لأي من تلك الأطراف أن يُحيل النزاع إلى محكمة العدل الدولية بتقديم طلب وفقاً للنظام الأساسي لهذه المحكمة».
نشوء الادعاء على سورية
بحسب مذكرة الدعوى المقدمة من قبل هولندا وكندا إلى محكمة العدل الدولية ضد سورية في 8 حزيران (يونيو) 2023، تبيَّنَ أنَّ هولندا كانت قد أرسلت بتاريخ 18 أيلول (سبتمبر) 2020 إلى سورية مذكرة شفوية (Note Verbale) بالطريق الدبلوماسي، تدعوها للتفاوض بموجب المادة 30 من اتفاقية مناهضة التعذيب، الأمر الذي رفضته سورية بتصريح رسمي.2
وبتاريخ 3 آذار (مارس) 2021 أعادت هولندا وكندا دعوتهما الحكومة السورية للتفاوض بسبب وجود نزاع حول تفسير وتنفيذ سورية لاتفاقية مناهضة التعذيب، وبتاريخ 18 آب (أغسطس) 2021 قدَّمَت هولندا إلى سورية مذكرة شفوية دبلوماسية، تضمَّنت بيانات مُفصَّلة بالوقائع المُدَّعى بها من خروقات سورية لاتفاقية مناهضة التعذيب منذ آذار (مارس) 2011.
بتاريخ 30 أيلول (سبتمبر) 2021 ردَّ الجانب السوري بمذكرة شفوية دبلوماسية رفضت فيها بالكامل تكييف النزاع على أنه يُنشِئ مسؤولية دولية على سورية بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب3، وفي هذه الأثناء شكلت سورية لجنة باسم «اللجنة الوطنية المكلفة ببحث الجوانب المتعلقة بالتحرك الهولندي ضد سورية»، اجتمعت لمرات عديدة، في إشارة إلى الاهتمام السوري الخاص الذي تم إيلاؤه لتبعات «التحرُّك الهولندي».4
وفيما يبدو أنه تحضيرٌ للتفاوض مع هولندا، ولقطع الطريق على سعي هولندا لجرّ سورية إلى نزاع قضائي دولي، أصدرت سورية بتاريخ 29 آذار (مارس) 2022 القانون رقم 16 لتجريم التعذيب 5. تضمَّنَ القانون تعريفاً للتعذيب مُشابهاً لما ورد في المادة الأولى من اتفاقية مناهضة التعذيب، وتجريماً لأعمال التعذيب تصل عقوبته إلى حدّ الإعدام «إذا نجم عن التعذيب موتُ إنسان أم تم الاعتداء عليه بالاغتصاب أو الفحشاء أثناء التعذيب أو لغايته» بحسب المادة الثانية (الفقرة و) من القانون.
بتاريخ 5 نيسان (أبريل) و5-6 تشرين الأول (أكتوبر) 2022، عُقِدَت اجتماعات في أبو ظبي بالإمارات العربية المتحدة بين لجنة تفاوضية سورية ونظيرتيها الهولندية والكندية للبحث في طلب التفاوض بناء على اتفاقية مناهضة التعذيب. أثناء هذه الاجتماعات وجهاً لوجه، قَدَّمت هولندا وكندا مذكرات تفصيلية بوقائع التعذيب المُدَّعى بها، وطلبت وقف أعمال التعذيب في سورية مع إعطاء ضمانات بعدم تكرار التعذيب ومنح تعويضات لمن تعرَّضَ للتعذيب في السجون السورية6. وبحسب مذكرة دعوى هولندا وكندا، لم تُسفر الاجتماعات عن أي حل للنزاع، الأمر الذي حدا بهولندا وكندا إلى توجيه مذكرة شفوية دبلوماسية إلى سورية بتاريخ 17 تشرين الأول 2022، تُبيّنان فيها أن النزاع وصل إلى طريق مسدود. وبتاريخ 7 تشرين الثاني (نوفمبر) 2022 دعت هولندا وكندا سورية لتنظيم عملية تحكيم دولي لفضّ هذا النزاع، وفق ما يوجبه شرطُ فضِّ النزاعات الوارد في المادة 30 من اتفاقية مناهضة التعذيب، إلا أن سورية لم تتجاوب ولم تقرّ استلامها الطلب بحسب ما ورد في مذكرة دعوى هولندا وكندا.
ردّاً على ذلك، وجَّه الجانب السوري مذكرات شفوية دبلوماسية7 بينت فيها بأنه لا يمكن التسرّع بالاستنتاج أن الأمور وصلت إلى طريق مسدود من اجتماعين للتفاوض، ودعت الحكومتين الهولندية والكندية لعقد اجتماعات لاحقة لمنح فرصة التقدم في الوصول إلى نتائج ذات معنى، بحسن نية مع رغبة حقيقية بإجراء مباحثات جدية. إلا أن الجانب السوري لم يتطرق إلى، أو يردّ على، طلب التحكيم المُقدَّم من الحكومتين الهولندية والكندية، ما حدا بالدولتين للجوء إلى محكمة العدل الدولية استناداً إلى المادة 30 من اتفاقية مناهضة التعذيب.8
موضوع دعوى هولندا وكندا
في الموضوع، بيّنت مذكرة الدعوى المقدمة من قبل هولندا وكندا أمام محكمة العدل الدولية بتاريخ 8 حزيران (يونيو) 2023، بأن الاعتقال والاحتجاز التعسفي والتعذيب والمعاملة المهينة والقاسية واللّاإنسانية في أماكن الاحتجاز هي ممارسات مُتجذّرة وروتينية في سورية، منذ ما قبل بدء الأحداث السورية عام 2011، وفق ما أثبتته ملاحظات لجنة الأمم المتحدة المشكلة بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب عن وضع احترام الدولة السورية لالتزاماتها بموجب الاتفاقية9. وأكدت مذكرة دعوى هولندا وكندا بأن أفعال التعذيب أصبحت مُعمَّمة على نطاق واسع وجماعي في سورية منذ عام 201110، وفصّلت مذكرة الدعوى في ممارسات التعذيب وفق شهادات الناجين كما وثَّقتها تقارير أممية وتقارير منظمات حقوقية دولية على مدى سنوات الأحداث السورية11. وركَّزت المذكرة على حالات الاغتصاب الجنسي والاختفاء القسري، والمقابر الجماعية والتعذيب المُمارَس ضد الأطفال12. وطلبت مذكرة الدعوى من محكمة العدل الدولية إصدار حكم يقرر خرق الدولة السورية التزاماتها الواردة في اتفاقية مناهضة التعذيب، ولا سيما:
– بارتكابها لأعمال التعذيب والمعاملة المهينة والقاسية واللّاإنسانية، وفي عدم اتخاذها إجراءات تشريعية أو إدارية أو قضائية لمنع اللجوء لهذه الممارسات، في مخالفة للمواد الأولى والثانية والسادسة عشرة من اتفاقية مناهضة التعذيب؛
– بامتناعها عن محاسبة مرتكبي أعمال التعذيب والمعاملة المهينة والقاسية واللاإنسانية، وامتناعها عن مراجعة كافة إجراءات الاعتقال والتحقيق والاحتجاز، وعن إعطاء الفرصة للمتضررين من التعذيب للاشتكاء من تلك الأفعال والمطالبة بالحصول على تعويض عادل، في مخالفة للمواد السابعة والعاشرة والحادية عشرة والرابعة عشرة و السادسة عشرة من اتفاقية مناهضة التعذيب.
كما قدمت هولندا وكندا مذكرة منفصلة بتاريخ 8 حزيران 2023 طلبتا فيها من محكمة العدل الدولية إصدار تدابير مؤقتة مستعجلة، قبل الدخول في موضوع الدعوى، لحفظ الحقوق. وتضمنت الطلبات التحفظية أمرَ الدولة السورية بوقف والامتناع عن ارتكاب أي أفعال تعذيب ومعاملة مهينة أو قاسية أو لاإنسانية، والامتناع عن إتلاف الأدلة أو منع الوصول إليها حول ممارسات التعذيب ولا سيما السجلّات الطبية، والإفصاح عن أماكن المقابر الجماعية، والامتناع عن ارتكاب أي أفعال من شأنها مُفاقمة الحال وتعميق النزاع، وتقديم تقارير دورية بتنفيذ تلك التدابير.13
جلسةُ مرافعة في غياب «سورية»، ودفاعُ «سورية» الكتابي
بتاريخ 10 تشرين الأول 2023 عقدت محكمة العدل الدولية جلسة استماع علنية لسماع الأطراف في طلب هولندا وكندا الأمر بتدابير مؤقتة. امتنعَ الجانب السوري عن المثول في الجلسة، وقدمت في اليوم نفسه، بعد انتهاء الجلسة، مذكرة مفصلة تبين موقفها من طلب الأمر بتدابير مؤقتة.14
أكدت سورية في مذكرتها على «احترامها للقانون الدولي»15 بما في ذلك اتفاقية مناهضة التعذيب. ولكنها نازعت في اختصاص المحكمة.
احتجت المذكرة السورية بشكل خاص بأن اتفاقية مناهضة التعذيب «تتضمن التزامات فردية ولا تُنشئ نزاعاً بين الأطراف (الدول المنضمة للاتفاقية) إن لم يتم إثبات وجود ضرر بطرف آخر، وعلاقة سببية بين الفعل والضرر وفق قواعد المسؤولية الدولية»16، أما هولندا وكندا فلم تُثبتا وجود ضرر لحق بهما، بحسب المذكرة السورية، ما يعني عدم وجود مصلحة لهما لرفع الدعوى.
كما احتجت المذكرة السورية بأن هولندا وكندا لم تتّبعا الإجراءات الشكلية المحددة في الاتفاقية، التي توجب حسب قولها، إثارة النزاع بين الدول حول الاتفاقية أمام لجنة مناهضة التعذيب المنبثقة عن الاتفاقية أولاً، وقبل اللجوء إلى شرط فضّ النزاعات والتفاوض الوارد في المادة 30 من الاتفاقية. فلا هولندا وكندا لجأتا إلى لجنة مناهضة التعذيب أولاً، ولا سورية قبلت باختصاص لجنة مناهضة التعذيب أساساً، بعد أن أدرجت تحفظاً على اختصاص هذه اللجنة لدى تصديقها للاتفاقية؛17 ما يعني عدم مقبولية مقاضاة سورية أمام محكمة العدل الدولية لعدمِ اتّباع الشروط الشكلية، ولعدمِ إمكانية ذلك بسبب التحفّظ السوري على اختصاص لجنة مناهضة التعذيب.18
وركزت المذكرة السورية على القول بأنه لا يوجد نزاعٌ أصلاً بين سورية من جهة وهولندا وكندا من جهة أخرى حتى يكون مُنشِئاً لاختصاص محكمة العدل الدولية، وأكدت بأن مراسلات الجانبين لم تظهر بأن سورية كانت تتمسك بآراء متعارضة، بل «كانت تُحاول الوقوف على المشاغل التي أثارها مُقدِّما الطلب، وفهم وجهة نظرهما، والحصول على مزيد من المعلومات بشأنها، بهدف التحقُّق منها ومعالجتها إن كان ذلك لازماً والوصول إلى اتفاق معهما».19
كما شدَّدت المذكرة السورية على أنه لم يكن صحيحاً القول بأن المفاوضات حول تفسير وتطبيق سورية لاتفاقية مناهضة التعذيب قد وصلت إلى طريق مسدود، إذا أن سورية «أكدت باستمرار بأنها مستعدة للانخراط بجدية وحسن نية مع مقدمي الطلب استناداً إلى اتفاقية مناهضة التعذيب»20، وبالتالي لم يكن هناك محلٌ لطلب تحكيم، ولا لإحالة سورية إلى محكمة العدل الدولية، في ظل ظروف قابلية استمرار المفاوضات بين الجهتين. وقد كررت المذكرة السورية بذلك دفعاً أولياً لمنع اتخاذ تدابير مؤقتة، تُثيره الدول المُدَّعى عليها في قضايا حول خروقات لاتفاقيات تتعلق بحماية حقوق الإنسان، وآخرها إسرائيل في الدعوى التي رفعتها ضدها جنوب أفريقيا حول تطبيق اتفاقية الإبادة الجماعية في حربها على غزة، حيث يتم الاحتجاج بنفي وجود نزاع أو عدم تحقيق شرط المفاوضات بينما «المحادثات الودية» لا تزال مستمرة.21
وأخيراً نازعت المذكرة السورية بشأن وجود أي مبررات للأمر بتدابير مؤقتة، حيث لا يوجد إلحاح خطر وشيك وحقيقي يمكن أن يؤدي إلى ضرر لا يمكن جبره في حقوق الأطراف، بينما كل ما تمت إثارته من وقائع تعذيب يتمحور حول فترة زمنية بين عامي 2011 و2014. كما لا توجد حقوق مُحتمَلة مطلوب حمايتها لكل من هولندا وكندا تُبرَّر التدابير المؤقتة، وكل ما تم عرضه ما هو إلا حالات تعذيب مُفترَضة لم يتم تحديدها. وحذرت المذكرة السورية من أن إعطاء التدابير المؤقتة المطلوبة «سيشكل حكماً مسبقاً فاصلاً للموضوع وذلك دون استيفاء أسس الإثبات القانوني المعتمدة…».22
وختمت المذكرة السورية بتركيزها على مبدأ «الأيادي النظيفة في القانون الدولي»، وطعنت بمصداقية هولندا بعد أن أشارت إلى أن رئيس وزرائها يتعرّضُ للتحقيق أمام البرلمان الهولندي لتورطه المزعوم بتقديم الدعم لفصيل سوري مسلح.23
قرار المحكمة بأمر سورية اتخاذ تدابير مؤقتة
بتاريخ 16 تشرين الثاني (نوفمبر) 2023، أصدرت محكمة العدل الدولية قراراً يتضمن أمر سورية بتنفيذ تدابير مؤقتة24. أسفت المحكمة لعدم حضور سورية جلسة الاستماع، وقررت مع ذلك بأنها، ولحسن سير العدالة، ستأخذ بالحسبان الحجج المبينة في مذكرة سورية الكتابية المقدمة في 10 تشرين الأول (أكتوبر) 2023.
وتماشياً مع اجتهادها في معرض الأمر بتدابير مؤقتة، بيّنت المحكمة أنها ستنظر أولاً فيما إذا كان اختصاصها في الدعوى الماثلة متوفراً ظاهرياً، دون أن يعني ذلك أنها تقرر بشكل نهائي انعقاد اختصاصها للنظر في القضية، وهو أمر تنظر فيه المحكمة عندما تنتقل لبحث موضوع الدعوى25. ولأجل التحقق من توافر اختصاصها ظاهرياً، استعرضت محكمة العدل الدولية بعد ذلك الشروط المطلوبة للّجوء إلى قضائها بحسب أحكام المادة 30 من اتفاقية مناهضة التعذيب.
فكان عليها أن تتحقق أولاً من وجود «نزاع» بين هولندا وكندا من جهة وسورية من جهة أخرى حول تفسير وتطبيق اتفاقية مناهضة التعذيب، وهو مسألة تبحث فيها المحكمة ولها اجتهاد مستقر فيه.26في هذا الصدد، لاحظت محكمة العدل الدولية أولاً بأن هولندا وكندا وسورية هي دول مُنضمَّة لاتفاقية مناهضة التعذيب27. وفي معرض التحقق فيما إذا كان قد نشب نزاع بين هولندا وكندا من جهة وسورية من جهة أخرى حول تفسير وتنفيذ الاتفاقية، استعرضت محكمة العدل الدولية كافة تفاصيل الاجتماعات وتبادُل المذكرات الشفوية الدبلوماسية بين هولندا وكندا من جهة وسورية من جهة أخرى حول الاتفاقية، التي تمت بين عامي 2020 و2022، ولاحظت وجود نزاع بين الأطراف، ذلك لأن هولندا وكندا تدّعيان بأن سورية هي في حالة خرق لاتفاقية مناهضة التعذيب، فيما ترفض سورية هذا الموقف بكامله. كما قررت محكمة العدل الدولية بأن أفعال التعذيب المُدَّعى بها تدخل في صلب نطاق اتفاقية مناهضة التعذيب، التي يختلف الأطراف على تفسيرها وتطبيقها. 28
واستعرضت محكمة العدل الدولية بعد ذلك الشروط الإجرائية المُسبقة للجوء إلى قضائها لفض النزاع الناشب فيما بين الأطراف، بحسب أحكام المادة 30 من اتفاقية مناهضة التعذيب. فحيث تتطلب المادة 30 الدخول في مفاوضات مسبقة، لاحظت محكمة العدل الدولية بأن هولندا وكندا قد سعيا بشكل حقيقي للدخول في مفاوضات بهدف التوصل إلى فض النزاع على مدى سنتين، وتبيَّنَ للمحكمة بأن مواقف الأطراف لم تتقدم حتى في الاجتماع الأخير المنعقد في 6 و7 تشرين الأول 2022 في أبو ظبي كما تُبينه المذكرات الشفوية الدبلوماسية، ما أدى بالمحكمة إلى تقرير تحقق شرط استنفاذ طريق المفاوضات المسبقة.29
وحيث تتطلب المادة 30 من اتفاقية مناهضة التعذيب اللجوء إلى التحكيم الدولي بين الدول المُتنازعة، لاحظت محكمة العدل الدولية بأن هولندا وكندا عرضتا تنظيم إجراءات تحكيم دولي، إلا أن سورية لم تردَّ على هذا العرض، ما أدى بالمحكمة إلى تقرير تحقُّق شرط عدم الاتفاق على التحكيم قبل اللجوء إليها.30
ورفضت محكمة العدل الدولية دفاع سورية بأن اختصاص محكمة العدل الدولية مشروط بأن تمر عملية فضُّ النزاع أولاً أمام لجنة مناهضة التعذيب المنبثقة عن اتفاقية مناهضة التعذيب، قبل تطبيق المادة 30 من الاتفاقية والذهاب إلى محكمة العدل الدولية.31
كما رفضت محكمة العدل الدولية دفاع سورية بأنه ليس لهولندا وكندا مصلحة قانونية لرفع دعوى على سورية، طالما أن الاتفاقية، بحسب القول السوري، تُنشِئ التزامات فردية على الدولة السورية، ولا تُنشِئ التزامات تجاه هولندا وكندا اللتين لم تتعرّضا لضرر. وأكدت المحكمة في هذا الصدد اجتهادها المستقر32، بأن الالتزامات المقررة في اتفاقية مناهضة التعذيب هي التزامات كل دولة منضمة للاتفاقية في مواجهة كافة الدول المنضمة إليها (erga omnes partes)، وليس فقط التزامات تجاه شعبها. ما يعني بأن أي خروقات لاتفاقية مناهضة التعذيب ترتكبها دولة ضد شعبها، هي في الوقت نفسه خروقات تجاه كافة الدول المنضمة للاتفاقية، وبأن كل دولة طرف في الاتفاقية لها الحق بتأمين الالتزام بنصوص الاتفاقية، بالرغم من أنها ليست بذاتها أطرفاً متضررة؛ الأمر الذي يسبغ على كل دولة منضمة للاتفاقية المصلحة القانونية في الادعاء على الدولة التي ترتكب خروقات لطلب وقفها وإعلان المسؤولية الدولية للدولة المُدَّعى عليها عن هذه الخروقات. وبناء عليه قررت محكمة العدل الدولية بأن لهولندا وكندا المصلحة القانونية لرفع الدعوى على سورية بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب. 33
ومن ثم بحثت محكمة العدل الدولية، بالشروط التي تُوجِبُ إصدار أوامر بتدابير مؤقتة على ضوء قضائها المستقر، وأكَّدت على اجتهادها بأنه ليس المطلوب في مرحلة التدابير المؤقتة أن تقرر بشكل نهائي فيما إذا كانت الحقوق التي يسعى إليها الطرفان المدعيان (هولندا وكندا) لحمايتها هي مُستحقَّة لهما، وإنما يكفي أن يكون استحقاقها مُحتمَلاً (plausible). وحيث أن محكمة العدل الدولية قررت بأن لكافة الدول المنضمة لاتفاقية مناهضة التعذيب حقوقاً أصلية في تأمين الامتثال لأحكام الاتفاقية، حال خرق أحد الدول المنضمة للالتزامات الناشئة عنها تجاه شعبها، فإن تلك الحقوق (التي لا تقرر المحكمة استحقاقها نهائياً)، هي حقوقٌ مُحتمَلةٌ لكندا وهولندا ناشئةٌ عن اتفاقية مناهضة التعذيب، يجدر حمايتها بإجراءات مؤقتة.34
ومن ثم تعرضت محكمة العدل الدولية إلى الدفع السوري بعدم وجود إلحاح أو خطر محدق يوجب حماية حقوق للدولتين المدعيتين هولندا وكندا، وذلك بسبب عدم إثبات حالات تعذيب بعينها. وفي هذا الصدد استعرضت محكمة العدل الدولية تقارير لجنة التحقيق المستقلة حول الوضع في سورية، المُشكَّلة من قبل مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة. فاستشهدت أولاً بتقرير لجنة التحقيق الدولية حول الاحتجاز التعسفي، الصادر بتاريخ 11 آذار 2021، الذي استعرض أفعال الاحتجاز التعسفي والتعذيب والمعاملة المهينة والقاسية واللاإنسانية خلال 10 سنوات من النزاع السوري، والذي بيّنَ بأن هذه الممارسات كانت «من الأسباب الجذرية للنزاع… ومن دوافعه وسماته المستمرة»35. وكانت سورية قد انتقدت التقرير في حينه أمام مجلس حقوق الإنسان، حيث نفت «الاتهامات الواردة في إحاطة اللجنة وتقاريرها، والتي تؤكد منهجها غير الموضوعي إزاء الأوضاع في الجمهورية العربية السورية، ودورها في توفير الأرضية لتمرير قرارات خلافية، وترويج اتهامات مُستقاة من مصادر غير محايدة وأجهزة استخبارات معروفة أنفقت ملايين الدولارات على الدعاية التي تروجها ضد سوريا. سوريا لم تعترف بهذه الولاية المسيسة منذ إنشائها بقرارات خلافية ودون التشاور مع الدولة المعنية وتحض المجلس على عدم تجديدها»36. ومع ذلك لم تأخذ محكمة العدل الدولية بتلك الانتقادات، واعتمدت ما ورد فيها على أنه يشكل وصفاً أولياً لوضع راهن يُحتمَل أن يتضمن خروقات لاتفاقية مناهضة التعذيب.
واستشهدت محكمة العدل الدولية كذلك بتقرير لجنة التحقيق الدولية الصادر في 10 تموز (يوليو) 2023، وعنوانه «لا نهاية تلوح في الأفق: التعذيب وسوء المعاملة في الجمهورية العربية السورية». لاحظت محكمة العدل الدولية تأكيد التقرير على «استمرار مشاركة أطراف فاعلة متعددة تابعة للدولة في أعمال… التعذيب والاغتصاب والعنف الجنسي والاختفاء القسري والقتل والإبادة والسجن وغير ذلك من الأفعال اللاإنسانية في سياق الاحتجاز، بما في ذلك إدارات الاستخبارات والشرطة والجيش والقضاء، إلى جانت الافتقار التام للمُساءلة بين أجهزة الاستخبارات أو الأمن، يدل على أن الهجوم على السكان المدنيين لا يزال مستمراً ومنهجياً وواسع الانتشار، وأنه يُنفَّذ تعزيزاً لسياسات الحكومة». وكانت سورية قد عقّبت على هذا التقرير ببيان أمام لجنة حقوق الإنسان ندّدت فيه باللجنة لأنها «مُصرّة على الاستمرار في ذات النهج المُتحيّز، وفي قراءتها غير الموضوعية للأوضاع في الجمهورية العربية السورية وأسبابها ونتائجها، إذ نجد أنفسنا من جديد، أمام مصفوفة ادعاءاتٍ وتشويهٍ مُتعمّدٍ للحقائق، وأحكامٍ متناقضةٍ، وتطبيقٍ اعتباطيٍ لما أسمته اللجنة زوراً ‘معايير إثبات’، وروايات أطرافٍ غير محايدةٍ، ما أدّى إلى استنتاجاتٍ أقل ما يُقال عنها إنها مَعيبة من المنظور المهني. إنَّ مثل هذه التقارير تؤكد، من جديد، أنّ هذه اللجنة مجرد أداة تحريض ضد الحكومة السورية، وتؤكد أيضاً صوابية موقفنا بعدم الاعتراف بها، وبالقرارات غير التوافقية التي أنشأت وتعمل بموجبها»37. ومع ذلك لم تأخذ محكمة العدل الدولية بهذه الانتقادات، بل اعتمدت ما جاء في التقرير بما يتضمنه ظاهرياً من وصف لوضع راهن من الخروقات المستمرة لاتفاقية مناهضة التعذيب.
كما أشارت محكمة العدل الدولية إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 77/230 تاريخ 15 كانون الأول 2022، عن حالة حقوق الإنسان في سورية، ولا سيما الفقرة التي أكدت فيها الجمعية العامة بأنها «تشجب وتدين بأشد العبارات الانتهاكات والتجاوزات الجسمية والمنهجية والواسعة النطاق لحقوق الإنسان والحريات الأساسية في سورية؛ ولا سيما التعذيب والعنف المنهجي الجنسي والجنساني، بما في ذلك الاغتصاب أثناء الاحتجاز وسوء المعاملة وغير ذلك من انتهاكات حقوق الإنسان وتجاوزاتها، بما في ذلك حقوق الإنسان الواجبة للمرأة والطفل».38
وعلى ضوء ما سبق، قررت محكمة العدل الدولية أنَّ ما يتعرّض له الأفراد في سورية من تعذيب أو معاملة مهينة أو قاسية أو لا إنسانية هو بذاته خطر محدق لا يمكن تفاديه، ونظراً لارتباط ما يتعرّض له الأفراد بحقوق الدول المدعية التي لها لهذا السبب وحده حقوق أصلية بتأمين الالتزام بالاتفاقية بمواجهة سورية، فإن الخطر المحدق الذي لا يمكن تفاديه حالٌّ ويُبرر بذاته الأمر بتدابير مؤقتة لحماية تلك الحقوق.39
واستناداً إلى سلطتها التقديرية في إقرار التدابير التي تراها مناسبة، قررت محكمة العدل الدولية أمر سورية منع اللجوء إلى التعذيب والمعاملة المهينة والقاسية واللاإنسانية، بموجب التزاماتها الناشئة عن اتفاقية مناهضة التعذيب من قبل أي من مسؤوليها أو من قبل كافة المنظمات التي هي تحت سيطرتها. كما أمرت محكمة العدل الدولية سورية باتخاذ تدابير فعالة لمنع إتلاف، والمحافظة على أدلة الإثبات المتعلقة بادعاءات التعذيب والمعاملة المهينة والقاسية واللاإنسانية40. ولكن لم تستجب المحكمة لبعض طلبات هولندا وكندا، التي كان من بينها أمر سورية بوقف الاحتجاز التعسفي، وتحسين ظروف السجن على وجه السرعة، والكشف عن مواقع دفن الأشخاص الذين توفوا نتيجة للتعذيب، أو إلزام سورية بتقديم تقرير إلى المحكمة بشأن جميع التدابير المتخذة لإنفاذ أمر المحكمة في غضون ستة أشهر من صدوره، وكل ستة أشهر بعد ذلك.41
اتُّخذ قرار محكمة العدل الدولية بأكثرية ثلاثة عشر قاضياً ومخالفة قاضيين، وهما القاضي الروسي جريجوريان، والقاضية الصينية شيو. خالف القاضي الروسي جريجوريان لاعتقاده بأن هولندا وكندا لم تقوما بإجراء محاولات جدية لتسوية النزاع بالتفاوض، كأحد الشروط المسبقة للجوء لمحكمة العدل الدولية بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب، وبالتالي ليس للمحكمة اختصاص على ما هو ظاهر للبحث في موضوع طلب هولندا وكندا ضد سورية.42 وخالفت القاضية شيو لأنها تعتبر بأن اتفاقية مناهضة التعذيب لا تُنشِئ حقوقاً لهولندا وكندا بمواجهة سورية لانتهاكات ترتكبها سورية ضد شعبها، وبالتالي فإن الدولتان المدعيتان ليست لديهما المصلحة القانونية لرفع القضية، ما يعني عدم وجود اختصاص لمحكمة العدل الدولية.43
وكان قرار محكمة العدل الدولية قد أكّدَ بأن الأوامر باتخاذ تدابير مؤقتة تتمتع بالقوة الملزمة، وتنشئ بالتالي التزاماً دولياً على الدولة التي صدر بحقها هذا القرار لتلتزم به، وذلك ريثما تبت محكمة العدل الدولية بأصل النزاع.44
توجب المادة 41 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية إعلام الأطراف ومجلس الأمن بالتدابير التحفظية التي أمرت بها. ليس لمحكمة العدل الدولية القدرة على إجبار الدول على تنفيذ ما أمرت به، ويعود لمجلس الأمن اتخاذ القرارات لانفاذ ما أمرت به المحكمة. إلا أنه في ظل عطالة مجلس الأمن بسبب الفيتو الروسي والصيني في الشأن السوري، فإن التدابير التي أمرت محكمة العدل الدولية سورية باتخاذها لن يُمكنَ الإجبارُ على إنفاذها. ومع ذلك فإن عدم تنفيذ تلك التدابير، يمكن أن يؤخذ على الدولة عند بحث محكمة العدل الدولية لموضوع النزاع.
الخطوات الإجرائية اللاحقة
بعد استطلاع محكمة العدل الدولية لآراء الأطراف حول الإجراءات اللاحقة، أصدرت أمراً إجرائياً بتاريخ 1 شباط (فبراير) 2024، حددت فيه تاريخ 3 شباط 2025 موعداً لتقديم هولندا وكندا مذكرة دعوى تفصيلية في الموضوع؛ وتاريخ 3 شباط 2026 موعداً لتقديم سورية مذكرة دفاعها في الموضوع45، على أن تتخذ المحكمة قراراً لاحقاً في الخطوات الإجرائية التي تتبع ذلك.
تُصدر محكمة العدل الدولية أحكامها النهائية في القضايا التي تنظر فيها بعد وقت طويل من رفع الدعوى، وكما جرت عليه الممارسة أمام محكمة العدل الدولية، ستقدم هولندا وكندا مذكرة تفصيلية بدعواهما تتضمن أقوالهما المتعلقة بتثبيت اختصاص المحكمة وادعاءاتهما التفصيلية بوقائع التعذيب والمعاملة المهينة واللّانسانية في أماكن الاحتجاز السورية. ويُرجَّح أن تقدم سورية مذكرتها الدفاعية، التي تتضمن دفوعاً أولية تفصيلية تتعلق باختصاص المحكمة ومقبولية الدعوى شكلاً، بالإضافة إلى دفاعها في الموضوع. ومن استقراء التصريحات السورية السابقة، يمكن التكهّن بأن سورية ستُنازع في وجود وقائع التعذيب المُدَّعى بها من أساسها، وتُنازع في أدلة الإثبات التي ستقدمها هولندا وكندا حيث ستصفها بأنها مفبركة. كما أنها ستُبرِزُ الإجراءات القانونية التي تتخذها التزاماً باتفاقية مناهضة التعذيب، ولا سيما إصدار قانون لمنع التعذيب، إضافة إلى قوانين العفو العام المختلفة. ويُتوقَّع أن تُعقَدَ جلسة استماع لمرافعات شفوية للبحث في الدفوع الأولية ينتج عنها حكم بهذه الدفوع. وإن قبلت محكمة العدل الدولية بعض هذه الدفوع، كما هو مُرجَّح، استناداً لاجتهادها السابق، وما يمكن استقراؤه من قرارها بشأن التدابير التحفظية، فإنها ستتيح للأطراف تقديم مذكرات تعقيب في الموضوع. ومن ثم تعقد جلسة استماع للمرافعات في الموضوع، وتُصدِرُ حكمها النهائي.
إذا قبلت محكمة العدل الدولية الدعوى موضوعاً، فإن من المرجح أن تنطلق المحكمة من المبدأ القانوني الراسخ في القانون الدولي، الذي قررته في حكمها في قضية بلجيكا ضد السنغال حول تسليم المجرمين استناداً لاتفاقية مناهضة التعذيب، ومفاده الآتي: «ترى المحكمة أن حظر التعذيب هو جزء من القانون الدولي العرفي، وقد أصبح قاعدة أساسية آمرة لا يمكن الاتفاق على خلافها (jus cogens). ويرتكز هذا الحظر على ممارسة دولية واسعة الانتشار وعلى الاعتقاد بإلزامية هذا الحظر (opinion juris). وهو يظهر في العديد من الصكوك الدولية ذات التطبيق العالمي (ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، واتفاقيات جنيف لعام 1949 لحماية ضحايا الحرب؛ والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966؛ وقرار الجمعية العامة 3452/30 المؤرخ 9 كانون الأول (ديسمبر) 1975 بشأن حماية جميع الأشخاص من التعرُّض للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة)، وقد أُدرِجَ في القانون المحلي لجميع الدول تقريباً؛ وأخيراً، يتم التنديد بأعمال التعذيب بانتظام في المحافل الوطنية والدولية». 46
ولئن أكَّدت سورية في أقوالها السابقة أنها لا تُنازع بأن حظر التعذيب مبدأ مُلزِمٌ في القانون الدولي، فإنها ستناقش في الأدلة المقدمة، وتشكك في صحتها، وفي انحيازها، مثلما شككت في كل ما تقدمت به لجنة التحقيق الدولية المستقلة المشكلة من قبل مجلس حقوق الإنسان في تقاريرها. وكما تبيَّنَ في قرار المحكمة حول التدابير التحفظية، فإن المرجّح أن تعتمد المحكمة هذه التقارير الأممية كأدلة إثبات تبني عليها حكمها القانوني، بالرغم من الدفوع السورية بأن تلك التقارير الأممية مُسيَّسة ومبينة على وقائع مفبركة.
تعمل محكمة العدل الدولية، بإيقاع بطيء وتُصدر أحكامها بعد مضي زمن طويل على نشوء الظروف التي أدَّت إلى إحالة النزاع إليها. في قضية يوغسلافيا السابقة حول الإبادة الجماعية، رفعت البوسنة دعواها بتاريخ 20 آذار (مارس) 1993، بعد وقت قليل من الاعتراف بها كدولة، وصدر حكم المحكمة النهائي بتاريخ 26 شباط (فبراير) 2007، أي بعد أربعة عشر سنة من تاريخ إيداع الطلب. تغيرت أثناء ذلك معالم الصراع السياسي في يوغسلافيا السابقة. أقر خلالها مجلس الأمن الدولي تأسيس محكمة خاصة بيوغسلافيا السابقة للنظر في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، أصدرت أحكاماً بحق مجرمي حرب من كافة أطراف النزاع، وكانت على مشارف نهاية مهمتها. وتم في هذه الفترة شن حرب من قبل حلف شمال الأطلسي على صربيا في عام 1999 أدت إلى إحالة رئيسها إلى محكمة الجنايات الدولية الخاصة بوغسلافيا السابقة، وقد توفي أثناء المحاكمة.
بين محكمة العدل الدولية والعدالة الجنائية الدولية
في سؤال العدالة في النزاع السوري، لا بدَّ أنه سيبقى لسان حال ضحايا الاعتقال التعسفي والتعذيب والاختفاء القسري وأهاليهم هو: أين العدالة في إجراءات قضية تَمثُلُ فيها سورية كمُدَّعى عليها أمام محكمة العدل الدولية دون الضحايا بذاتهم47، وهي لا تُحيل مُتَّهماً إلى محاكمة جنائية، ولا تعاقب مرتكبي الجرائم المدانين، ولا تجبرُ ضرراً لأي ضحية، ولا تكشفُ مصير أي مختفٍ قسرياً، ولا تُخرِجُ معتقلاً، ولا تفتح مقبرة جماعية؟
كان قد تركَّزَ السعيُ نحو العدالة في سورية على الملاحقة الجنائية لمرتكبي جرائم جماعية. وفي ظل عدم انضمام سورية لمحكمة الجنايات الدولية بسبب عدم تصديق سورية على اتفاقية روما التي أنشأت المحكمة في العام 1998 بالرغم من توقيعها عليها، وعدم قدرة مجلس الأمن على إحالة الوضع السوري إلى محكمة الجنايات الدولية أو إنشاء محكمة خاصة بسورية (ad hoc) تحت الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة بسبب الفيتو الروسي والصيني، بقي باب العدالة الدولية موصداً في وجه الملايين من الضحايا السوريين على يد كافة أطراف النزاع. ونشطت عوضاً عن ذلك ملاحقات جنائية في دول مختلفة تعترف بالاختصاص الجنائي الدولي في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، لمتهمين من كافة أطراف النزاع السوري بجرائم تعذيب بوصفها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في العديد من الدول الأوروبية، ولاسيما في ألمانيا وفرنسا، حيث لوحقَ متهمون من الأجهزة الأمنية التابعة للدولة ومن الجماعات المسلحة ، ممن لجأوا إلى أوروبا، بصفتهم الشخصية نتيجة تورطهم في جرائم تعذيب، وبعد أن تم التعرف عليهم من قبل الضحايا. كما برز دور الجمعية العامة للأمم المتحدة التي أحدثت آليتين دائمتين لأول مرة في تاريخها، الأولى تُعنى بجمع وتوثيق الأدلة المرتكبة في النزاع السوري منذ عام 2011 من كافة الأطراف، والثانية تُعنى بالمختفين، لتُكمِّلا جهود الملاحقات الجنائية الجارية في العديد من الدول الأوروبية.
يرى الكثيرون بأن للملاحقات والمحاكمات الجنائية دوراً أبعد من مجرد ملاحقة فاعل لارتكابه أفعالاً جرمية معينة، وعقابه بما يحقق الإنصاف للضحايا. فهي تساهم، عبر المحاكمات العادلة لمرتكبي جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، في كتابة تاريخ ما حدث في سورية، والسوريون هم الأكثر حاجة لمعرفة ما حدث وإسباغ معنىً مشتركٍ لما حدث لهم يكون محوره العدالة.
إلا أن هناك من يُشكك في قدرة المحاكمات الجنائية على كتابة تاريخ جامع لما حدث، فالمحاكمات الجنائية لا تُغلِّب إلا رواية أحادية على حساب أخرى، غالباً ما تكون رواية المنتصرين؛ ولا تترك للجلاد إلا مجالاً ضيقاً ليحكي قصته في الظروف التي أدت به إلى أن يتحول إلى وحش، ما يجعل قدرتها على كتابة تاريخ جامع محدودة جداً. ومثل ما أنتجَ الصراع السوري روايات متنافرة لما حدث، فإن المحاكمات ستعمق التباعد بين الروايات وتعزز مظلومية الجلادين48، وتزيد من ضياع أو تشظّي المعنى بين السوريين. كما أن تركيز المحاسبة الجنائية على أفعال فردية وأحداث إجرامية بعينها لن يُمكِّنَ من معرفة الصورة الأوسع، ألا وهي السياق الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والقانوني الذي سمح لجرائم جماعية، بما فيها جرائم تعذيب، أن تُرتَكب في سورية على نطاق واسع وطويل الأمد لتصبح مؤسِّسةً لمشروعيات سياسية وهويات قاتلة.49
تنخرط القضية السورية أمام محكمة العدل الدولية في صلب هذه التساؤلات التي يُبرِزُ بعضها أهمية المحاسبة الجنائية، ويشكك بعضها الآخر في قدرة المحاسبة الجنائية على الإجابة على سؤال العدالة للسوريين. ومع ذلك فإن اجتهاد محكمة العدل الدولية على مدى سنين عملها منذ عام 1945 لا يرى تعارضاً بين المحاسبة الجنائية وغيرها من مسارات العدالة التي تركز على سياقات أوسع من وقائع إجرامية بحد ذاتها، كالمسؤولية الدولية للدولة بحد ذاتها عن أفعالها غير المشروعة.
لقد أجابت محكمة العدل الدولية على هذه الأسئلة في قضية البوسنة ضد صربيا، حول اتفاقية الإبادة الجماعية، فقد أكدت المحكمة على الآتي: «تلاحظ المحكمة أن ازدواجية المسؤولية لا تزال سمة ثابتة من سمات القانون الدولي. وتنعكس هذه السمة في الفقرة 4 من المادة 25 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية… التي تنص: ”لا يؤثر أي حكم في هذا النظام الأساسي المتعلق بالمسؤولية الجنائية الفردية على مسؤولية الدول بموجب القانون الدولي“. وتلاحظ المحكمة أيضاً أن مواد لجنة القانون الدولي المتعلقة بمسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً …. تؤكد في المادة 58 على أنه: ”لا تخلُّ هذه المواد بأي مسألة تتعلق بالمسؤولية الفردية بموجب القانون الدولي لأي شخص يتصرف نيابة عن دولة ما“. وقالت اللجنة في تعليقها على هذا الحكم: ”عندما يرتكب موظفو الدولة جرائم ضد القانون الدولي، كثيراً ما تكون الدولة نفسها مسؤولة عن الأفعال المعنية أو عن عدم منعها أو المعاقبة عليها…. ومع ذلك، فإن مسألة المسؤولية الفردية تختلف من حيث المبدأ عن مسألة مسؤولية الدولة. فالدولة لا تُعفَى من مسؤوليتها عن السلوك غير المشروع دولياً بمحاكمة ومعاقبة موظفي الدولة الذين ارتكبوه“…».50
معاني مسؤولية الدولة
تتمحور القضية السورية أمام محكمة العدل الدولية حول مسؤولية الدولة السورية عن خروقات اتفاقية مناهضة التعذيب، وليس حول المسؤولية الجنائية الفردية لمسؤولين فيها. وبهذا تطرح القضية السورية سؤالَ دور الدولة السورية بكامل أجهزتها عن خرق اتفاقية مناهضة التعذيب، ما يفتح بدوره التساؤل حول مدى صحة التمييز السائد بين النظام بصفته مجموعة أفراد قائمين على الدولة من جهة، والدولة بصفتها مؤسسات تسعى إلى تحقيق الصالح العام من جهة أخرى.
إذا قبلت المحكمة الدخول في موضوع الدعوى، فإنها ستبحث في مسؤولية الدولة عن أفعالها غير المطابقة لما تتطلّبهُ الالتزامات الواردة في اتفاقية مناهضة التعذيب، وهي كما أكدت المحكمة تُعبّر عن قواعد آمرة من قواعد القانون الدولي العام. وستنسبُ المحكمة إلى الدولة بالحد الأدنى تصرفات كافة أجهزتها، «سواء كان هذا الجهاز يمارس وظائف تشريعية أم تنفيذية أم قضائية أم أي وظائف أخرى، وأياً كان المركز الذي يشغله في تنظيم الدولة»51. كما ولن تكتفي المحكمة بالنظر إلى خروقات اتفاقية مناهضة التعذيب بحق معتقلين بعينهم، وإنما ستبحث في خروقات اتفاقية مناهضة التعذيب التي لها طابع استمراري، ومنها ما يتمثَّلُ في بناء شبكة واسعة من أماكن الاحتجاز الرسمية وغير الرسمية، بما اصطلح على تسميته بالغولاغ السوري52، تجري فيها خروقات منهجية لاتفاقية مناهضة التعذيب، تضافرَت العديد من أجهزة الدولة في شرعنتها أو التغطية عليها أو الإعفاء من المحاسبة بشأنها بما يؤدي إلى إرساء حالة إفلات من العقاب حولها.
سيكون لسورية الحق الكامل والمتساوي مع الدولتين المدعيتين لإبداء الدفوع. وليس من المؤكد أن تأخذ المحكمة بكافة أقوال المدعيين، إذ أنها تبحث في الأدلة بشكل مُنظَّم، وهي تُعامِل الطرفين على قدم المساواة، وهي بحكم تكوينها من قضاة خمسة عشر متعددي الثقافات القانونية ورسوخها كأحد أعمدة القانون الدولي المتشكل عند تأسيس الأمم المتحدة، لا تتأثر بحملات إعلامية مؤدّاها فرض تكييف قانوني أو إعلان مسؤولية دولية لدولة في النزاعات الدولية. ففي قضية البوسنة ضد صربيا حول تطبيق اتفاقية الإبادة الجماعية، والتي تمحورت في جزء منها حول طرح مسألة مسؤولية صربيا الدولية عن المذابح التي جرت في مدينة سربيرنيتسا، تفحَّصت المحكمة الأدلة الواقعية بشكل مستفيض، وقامت بمراجعة قضاء محكمة الجنايات الخاصة بيوغسلافيا حول قضايا متهمين بمذابح في تلك المدينة، وقررت بأنه ولئن كان قد ارتُكبت في سربيرنيتسا جرائم إبادة جماعية إلا أن نسبتها إلى صربيا لم يمكن إثباتُها.53
ولا تخضع المحكمة كذلك لتأثير دول وازنة بعينها على حساب أخرى على الصعيد الدولي، فقد قررت المحكمة في حكمها بقضية نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة حول الأنشطة العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا وضدها لعام 1986 بأن الولايات المتحدة الأميركية، بتدريبها وتسليحها وتجهيزها وتمويلها وإمدادها لقوات الكونترا في الثمانينيات من القرن الماضي، أو تشجيعها ودعمها ومساعدتها للأنشطة العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا وضدها، قد تصرَّفت ضد جمهورية نيكاراغوا مُنتهِكَة التزامها بموجب القانون الدولي العرفي بعدم التدخل في شؤون دولة أخرى، وأن الولايات المتحدة بشنِّها هجمات معينة على أراضي نيكاراغوا، قد تصرفت ضد جمهورية نيكاراغوا مُنتهِكَة التزامها بموجب القانون الدولي العرفي بعدم استخدام القوة ضد دولة أخرى؛ وأنها بتوجيهها أو إذنها بالتحليق فوق أراضي نيكاراغوا، قد تصرفت ضد جمهورية نيكاراغوا مُنتهكِة التزامها بموجب القانون الدولي العرفي بعدم انتهاك سيادة دولة أخرى؛ وأنها بزرعها ألغاماً في المياه الداخلية أو الإقليمية لجمهورية نيكاراغوا خلال الأشهر الأولى من عام 1984، قد تصرفت ضد جمهورية نيكاراغوا مُنتهِكَة التزاماتها بموجب القانون الدولي العرفي بعدم استخدام القوة ضد دولة أخرى، وعدم التدخل في شؤونها، وعدم انتهاك سيادتها، وعدم عرقلة التجارة البحرية السلمية.54
تتخذ الدول مواقف متناقضة أمام محكمة العدل الدولية تُمليها عليها مصالحها الضيقة، وإن تشابهت الأوضاع التي تتطلب منها اتخاذ مواقف على الصعيد الدولي. ففي وقت متزامن مع تقديم كندا لطلباتها مع هولندا في القضية السورية أمام محكمة العدل الدولية، والتي هدفت إلى إعطاء الأولوية لمحكمة العدل الدولية في النظر في الأحداث السورية التي تتضمن خروقات لاتفاقية مناهضة التعذيب، طلبت كندا من المحكمة ذاتها الامتناع عن إبداء الرأي الاستشاري حول الآثار القانونية الناشئة عن سياسات إسرائيل وممارساتها في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، على اعتبار بأن ما يمكن أن يقوله القانون الدولي حول تلك الممارسات الإسرائيلية لا يمكن أن يتمتع بالأولوية على الحلول السياسية.55
إلا أن قضاء المحكمة، سواء عندما تمارس وظيفتها في فصل النزاعات بين الدول، أو في إبداء آراء استشارية، له نسق واحد ترسَّخَ على مدة سبعين سنة من عملها في تأكيده على أولوية احترام القانون الدولي في العلاقات بين الدول وفي ممارسات الدول تجاه شعوبها وفي حماية المدنيين تحت سيطرتها، بغض النظر عن الظروف السياسية التي تحيط بتلك الممارسات. ولهذا فإن ما ستقوله محكمة العدل الدولية في القضية السورية يتمتع نسبياً بمصداقية عالية، تجعلها في منأى عن محاولات التشهير بها من قبل أي طرف في النزاع السوري. فلن يكون من الممكن القول بأنها مُسيَّسة أو منحازة، كما جرت العادة عندما تندد أجهزة الدولة السورية الإعلامية بالمحاكمات التي تجري ضد متهمين بقضايا تعذيب سوريين أمام بعض المحاكم الأوروبية التي تمارس صلاحيتها وفق قواعد الاختصاص العالمي، وعلى الرغم من كافة ضمانات حقوق الدفاع الممنوحة للمتهمين.
لا يعني ذلك تفضيلَ المسار القضائي أمام محكمة العدل الدولية على المحاكمات الجنائية، سواء ما يجري منها في بعض الدول الأوروبية، أو تلك التي يمكن أن تجري أمام محكمة الجنايات الدولية، أو أمام قضاء وطني مستقل في سورية. فكلا المسارين يُكمِّلان بعضهما بعضاً56. وإن قررت محكمة العدل الدولية تأكيد اختصاصها والنظر في الموضوع لبحث مسؤولية الدولة بموجب القانون الدولي العام، فإن أقصى ما يمكن الحكم به هو إقرار مسؤولية الدولة بكامل أجهزتها عن خروقات ممنهجة وواسعة لاتفاقية مناهضة التعذيب. أما النتائج القانونية لإقرار المسؤولية فلن تتجاوز بأحسن الأحوال أن تتخذ المحكمة القرار بأمر الدولة السورية بالكفّ عن الخروقات المستمرة لاتفاقية مناهضة التعذيب، وتقديم التأكيدات والضمانات الملائمة لعدم تكرارها، والترضية على شكل إقرارات بخرق أحكام اتفاقية مناهضة التعذيب أو تعبير عن الأسف أو اعتذار رسمي تجاه مواطنيها، وهو على ما يبدو جلُّ ما تطلبه الدولتان المُدعيتان هولندا وكندا.
وبالرغم من محدودية هذه النتائج القانونية، فإن الإقرار بمسؤولية الدولة بحد ذاته من قبل المرجع الأخير في قول القانون الدولي الذي يتمتع بمصداقية نسبية عالية، سيشكل مساهمة كبيرة في فهم أحد السياقات الأساسية لما حدث في سورية منذ عام 2011، ويُساهم بدوره في إسباغ معنىً يمكن أن يلتقي حوله السوريون لفهم ماضيهم وحاضرهم الأليم ولبناء مستقبل لعيش مشترك فيما بينهم. إذ لا ريبَ أن إسهام المحكمة في «قول القانون» وإقرار مسؤولية الدولة في سورية سيتجاوز في مساهمته ما ستقضي به المحكمة من منطلق قانوني صرف، ليكشف عن كيفية تَحوُّلِ الدولة بكامل أجهزتها لتصبح جهاز عنف عارٍ يجسده التعذيب57، وتغيبُ عنه كافة الضمانات الداخلية لمنع حدوث خروقات لاتفاقية مناهضة التعذيب أو لمنع أي محاسبة بشأنها. سيُساعد القرار في الكشف عن كيفية تَحوُّلِ أجهزة دولةٍ كانت حاملة لمشروع وطني وحداثي وتحرري من الاستعمار بعد الحرب العالمية الثانية لتفقد كل الإمكانيات المؤسسية الداخلية للضبط والمحاسبة على ارتكاب جرائم جماعية ولمنع التعسف في استعمال السلطة، وليصبح العنف العاري والمحض الذي يجسده التعذيب بذاته مُؤسِّساً لمشروعية الدولة السياسية.
وسيُساهم القرار المرتقب من محكمة العدل الدولية في فهم تَعمُّم هذا الشكل من الحكم القائم على العنف العاري على كل الجماعات المسلحة التي نشطت ولاتزال في الأراضي السورية، والتي ادّعت ممارستها لصلاحيات الدولة في المناطق التي سيطرت عليها. فقد بنت هذه الجماعات مشروعياتها السياسية المُدَّعى بها على العنف العاري الذي يجسده التعذيب ضد السكان الواقعين تحت سيطرتها. وليس أدلَّ على ذلك أكثر ممّا أحلته المعتقلات التي عُرفت «بسجون التوبة» من عنف وتعسف في مناطق ريف دمشق بين العام 2013 و2018، وغيرها من سجون داعش في الشمال السوري.58
كما سيُساعد قرار المحكمة المُرتقَب ليس فقط في فهم ما حصل من تحولات في وظائف وغايات مؤسسات الدولة السورية الحاضرة، بل كذلك المساهمة في تَلمُّس كل ما يمكن عمله لاستعادة مقومات الدولة بكافة ضماناتها المؤسسية التي من شأنها أن تمنعها في المستقبل من أن تتحول إلى جهاز حكم بالعنف العاري يزدري أبسط متطلبات الكرامة الإنسانية.
وسيُعطي حكم المحكمة أخيراً بعض المفاتيح لفهم مسيرة فشل العديد من دول المشرق والمغرب العربي وهي الناشئة بعد التحرُّر من الاستعمار، في تأمين الحياة الكريمة لمواطنيها، لتفرض نفسها عليهم من حيث كونها أجهزة حكم بالعنف العاري سمحَ للثورات المضادة للربيع العربي أن تتبلور وتصبح، بما تُمثِّله من فعالية في القمع، عوامل استقرار يتودّد إليها الشرق والغرب على حد سواء.
1.المرسوم التشريعي رقم 39 تاريخ 1/7/2004، الجريدة الرسمية السورية، الجزء الأول، العدد 36، ص 1983.
2.سانا، الخارجية: الحكومة الهولندية آخر من يحق له الحديث عن حقوق الإنسان بعد فضيحتها أمام شعبها بدعم تنظيمات إرهابية في سورية، 19/9/2020.
3.مذكرة دعوى هولندا وكندا، الفقرة 18.
4.قرار رئاسة مجلس الوزراء السوري رقم 1962 تاريخ 23/11/2021، الجريدة الرسمية السورية، الجزء الأول، 2021، العدد 46، ص 734.
5. الجريدة الرسمية السورية، 2022، العدد 13، ص.215.
6.مذكرة دعوى هولندا وكندا، الفقرة 19.
7.المذكرات الشفوية الدبلوماسية الموجهة من قبل البعثة الدائمة السورية لدى الأمم المتحدة في جنيف إلى بعثتي هولندا وكندا في جنيف ذوات الأرقام، 236/22، تاريخ 27/10/2022، و246/22، تاريخ 17/11/2022، و32/23 تاريخ 1/2/2023، و114/23، تاريخ 10/4/2023، منشورة كوثائق مرفقة مع مذكرة الرد المقدمة من قبل سفارة سورية في بروكسيل إلى محكمة العدل الدولية تاريخ 10/10/2023.
8.مذكرة دعوى هولندا وكندا، الفقرة 21.
9.على سبيل المثال: تقرير لجنة مناهضة التعذيب المتضمّن تعليقاتها على تقرير سورية الدوري للجنة، تاريخ 26/5/2010، وثيقة الأمم المتحدة رقم (CAT/C/SYP/CO/1).
10.مذكرة دعوى هولندا وكندا، الفقرة 25 وما بعدها.
11.المصدر السابق، الفقرة 37 وما بعدها.
12.المصدر السابق، الفقرات 41، 46، 49.
13.طلب هولندا وكندا باتخاذ تدابير مؤقتة، 8 حزيران 2023، الفقرة 35.
14.مذكرة الرد المقدمة من قبل سفارة سورية في بروكسيل إلى محكمة العدل الدولية تاريخ 10/10/2023.
15.المصدر السابق، الفقرة 2.
16.المصدر السابق، الفقرة 6.
17.المادة 2 من المرسوم التشريعي رقم 39 لعام 2004 المتضمن التصديق على اتفاقية مناهضة التعذيب: «لا تعترف الجمهورية العربية السورية باختصاص لجنة مناهضة التعذيب المنصوص عليه في المادة 20 من الاتفاقية المذكورة وذلك سنداً لأحكام الفقرة 1 من المادة 28 من هذه الاتفاقية».
18.مذكرة الردّ المُقدَّمة من قبل سفارة سورية، الفقرة 17.
19.مذكرة الردّ المُقدَّمة من قبل سفارة سورية، الفقرة 21.
20.مذكرة الردّ المُقدَّمة من قبل سفارة سورية، الفقرة 28
21.انظر على سبيل المثال مرافعات إسرائيل في الدعوى المقدمة ضدها من جنوب أفريقيا حول اتفاقية الإبادة الجماعية، جلسة 12/1/2024، ص.28، الفقرتين 25 و26: «قررت جنوب أفريقيا من جانب واحد أن هناك نزاعًا قائمًا، بغض النظر عن رد إسرائيل التوفيقي والودي، الذي تكرر منذ ذلك الحين. وربما لو قبلت جنوب أفريقيا هذا العرض المقدم في ذلك الوقت نتيجة لمذكرتها الخاصة، لربما قرر الطرفان أنه لا يوجد نزاع في حد ذاته لعرضه على المحكمة بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية، ولربما تبددت مخاوف جنوب أفريقيا المُعرَب عنها بشأن ادعاء الإبادة الجماعية».
22.مذكرة الردّ المُقدَّمة من قبل سفارة سورية، الفقرة 48.
23.مذكرة الردّ المُقدَّمة من قبل سفارة سورية، الفقرات 46،48، 50.
24.قرار محكمة العدل الدولية بالتدابير المؤقتة، هولندا وكندا ضد سورية، 16/11/2023.
25.المصدر السابق، الفقرة 20.
26.انظر على سبيل المثال الحكم الصادر في الدفوع الأولية في النزاع بين جامبيا وميانمار حول تطبيق اتفاقية الإبادة الجماعية، الصادر في 22/7/2022، الفقرة 63 التي تعيد التذكير بقضاء المحكمة المستقرّ.
27.قرار محكمة العدل الدولية بالتدابير المؤقتة، هولندا وكندا ضد سورية، الفقرة 23.
28. المصدر السابق، الفقرتان 31 و32.
29.المصدر السابق، الفقرة 42.
30.المصدر السابق، الفقرة 43.
31.المصدر السابق، الفقرة 46.
32.على سبيل المثال، حكم محكمة العدل الدولية في قضية التزام تسليم المجرمين (حسين حبري) بين بلجيكا والسنغال بناء على اتفاقية مناهضة التعذيب، تاريخ 20/7/2012، الفقرة 68: «ويمكن تعريف هذه الالتزامات على أنها ’التزامات في مواجهة الكافة‘» بمعنى أن لكل دولة طرف مصلحة في توفير الامتثال بها في أي حالة مهما كان. وفي هذا الصدد، تشبه الأحكام ذات الصلة من اتفاقية مناهضة التعذيب أحكام اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، التي لاحظت المحكمة بشأنها أن «الدول المتعاقدة في مثل هذه الاتفاقية ليس لها أي مصلحة خاصة بها؛ بل إن لها مصلحة مشتركة في تحقيق تلك الأغراض السامية التي هي سبب وجود الاتفاقية». وبناء على هذا القضاء المستقر، أقرت محكمة العدل الدولية مؤخراً في قرارها بالتدابير المؤقتة بين جنوب أفريقيا وإسرائيل حول تطبيق اتفاقية الإبادة الجماعية، بمصلحة أفريقيا الجنوبية القانونية برفع القضية. قرار المحكمة المؤرخ في 26/1/2024، الفقرة 33.
33.قرار محكمة العدل الدولية بالتدابير المؤقتة، هولندا وكندا ضد سورية، الفقرتان 50 و51.
34.المصدر السابق، الفقرات 53، 57، 62.
35.المصدر السابق، الفقرة 72، ويمكن الرجوع إلى تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة عن الاحتجاز، تاريخ 11/3/2021، وثيقة الأمم المتحدة رقم (A/HRC/46/55).
36.بيان الجمهورية العربية السورية أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، تاريخ 11/3/2021.
37.بيان الجمهورية العربية السورية أمام مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، تاريخ 22 أيلول 2023.
38.قرار محكمة العدل الدولية بالتدابير المؤقتة، هولندا وكندا ضد سورية، الفقرة 73.
39.المصدر السابق، الفقرتين، 69، 71.
40.المصدر السابق، الفقرة 83.
41.Mona Rishmawi, «The Plausibility test in the Recent Provisional Measures Orders of the International Court of Justice,» EJIL Talk!, 18 December 2023.
42.الرأي المخالف للقاضي كيريل جريجوريان، الفقرة 5.
43.رأي القاضية هانكين شيو، 16/11/2023، الفقرة 4.
44.قرار محكمة العدل الدولية بالتدابير المؤقتة، هولندا وكندا ضد سورية، الفقرة 81.
45.الأمر الإجرائي لمحكمة العدل الدولية في قضية هولندا وكندا ضد سورية، 1/2/2024.
46. حكم محكمة العدل الدولية في قضية التزام تسليم المجرمين (حسين حبري) بين بلجيكا والسنغال بناء على اتفاقية مناهضة التعذيب، تاريخ 20/7/2012، الفقرة 99.
47.أسئلة وأجوبة: رفع دعوى ضد سوريا أمام محكمة العدل الدولية، المركز السوري للعدالة والمساءلة، 20/7/2023.
48.انظر على سبيل المثال: Damien Scalia, Génocidaire(s). Au coeur de la justice internationale pénale, (Paris: Dalloz, 2023).
49.انظر على سبيل المثال: Martti Koskenniemi, Between Impunity and Show Trials, Max Planck Yearbook of United Nations Law Online, 2002.
50.قرار محكمة العدل الدولية في قضية البوسنة ضد صربيا حول اتفاقية منع الإبادة الجماعية، تاريخ 26/2/2007، الفقرة 173.
51.المادة 4 من مشروع المواد المتعلقة بمسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً، الصادر عن لجنة القانون الدولي، حولية القانون الدولي، 2001، الجزء الثاني، رمز وثيقة الأمم المتحدة:( A/CN.4/SER.A/2001/Add.1 (Part 2))، ص 32.
52.انظر في هذا الصدد: Jaber Baker et Uğur Ümit Üngör, Syrian Gulag : Inside Assad’s Prison System, (London: I.B. Tauris/Bloomsbury, 2023).
53.قرار محكمة العدل الدولية في قضية البوسنة ضد صربيا حول اتفاقية منع الإبادة الجماعية، تاريخ 26/2/2007، الفقرة 413: «لم يثبت أن المذابح التي ارتُكبت في سريبرينيتسا قد ارتكبها أشخاص أو كيانات من أجهزة الدولة المدعى عليها (صربيا). وتخلص أيضاً إلى أنه لم يثبت أن تلك المذابح قد ارتكبت بناء على تعليمات أو بتوجيهات من أجهزة الدولة المُدَّعى عليها، ولا أن المُدَّعى عليها مارست سيطرة فعلية على العمليات التي ارتكبت خلالها تلك المذابح التي تشكل جريمة الإبادة الجماعية».
54.حكم محكمة العدل الدولية بقضية نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة حول الأنشطة العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا وضدها، 27/6/1986، فقرة 292.
55.مذكرة كندا الكتابية المقدمة بتاريخ 24/7/2023، في إجراءات الرأي الإستشاري لمحكمة العدل الدولية بموضوع الآثار القانونية الناشئة عن سياسات إسرائيل وممارساتها في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، الفقرة 21: «تشعر كندا بالقلق من أن إصدار رأي استشاري بشأن الممارسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة قد يسهم في استقطاب المواقف التي قد تبعد الأطراف أكثر عن حل عادل ودائم للصراع. وعلى الرغم من أن الرأي الاستشاري غير ملزم قانوناً، إلا أنه قد يؤثر على نتائج إطار المفاوضات الذي وضعه مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة».
56.انظر في هذا الصدد: Beth Van Schaack, Imagining Justice for Syria, (Oxford: Oxford University Press, 2020, pp. 319 ff.
57.انظر في هذا الصدد: Salwa Ismail, The Rule of Violence. Subjectivity, Memory and Government in Syria, (Cambridge: Cambridge University Press, 2018).
58.انظر على سبيل المثال: إبراهيم القاسم، قراءة في تجارب الفصائل السورية المسلحة في إدارة سجونها، حكاية ما انحكت، 26/2/2016.
هذا المقال للحقوقي السوري عبد الحي سيد هو الثاني في ملف «سورية وسؤال العدالة»، ونُشرت قبله مقدمة الملف تحت عنوان «في درب العدالة السوري ومُمكناته»، ومقال جويل أوبريشت «إحياء أرشيف آلة الموت».
موقع الجمهورية



