اختفاء النساء في سوريا.. أزمة مجتمع لا حوادث فردية/ ميسون محمد

17 أغسطس 2025
في الدول الخارجة من قبضة الدكتاتورية، غالبًا ما تطفو على السطح ظواهر اجتماعية كانت مخفية تحت وطأة القمع، أو تظهر أنماط جديدة من التفكك الأمني والقانوني نتيجة الفراغ المؤسسي، وانعدام الثقة، والضياع القيمي. ومن هذه الظواهر ما نشهده اليوم في “سوريا الجديدة” بعد سقوط نظام الأسد البائد، حيث بدأت تتواتر تقارير شبه يومية عن اختفاء نساء وفتيات في ظل بيئة مضطربة لا تزال تعاني من تركة الحرب.
هذا الواقع لا يمكن تفسيره من زاوية واحدة، بل يستوجب تفكيك أبعاده المتشابكة بين الاختطاف القسري، والهروب الطوعي، والتضليل المتعمّد، والتحوّلات النفسية والسلوكية في المجتمع. فهل نحن أمام ظاهرة جديدة فعلاً؟ أم أن ما كان يزرعه النظام خرج إلى العلن؟ وفي ظل هذا التعقيد، يُصبح من الضروري التفكير في سبل الاستجابة المجتمعية والمؤسسية لهذه الظاهرة، بما يعيد بناء الثقة، ويعزز دور الدولة كمصدر للحماية لا للوصاية، ضمن مشروع وطني يتقاطع فيه الأمن الإنساني مع العدالة الاجتماعية.
حين تنهار سلطة استبدادية امتدّت لعقود، لا تسقط فقط أجهزتها القمعية، بل ينفتح المشهد على واقع هشّ، تتفكك فيه روابط الحماية التقليدية قبل أن تُبنى بدائل مؤسسية حقيقية. فالانضباط الذي كان يُفرض بالقوة لم يُستبدل حتى الآن بمنظومة قانونية راشدة، قادرة على استيعاب المتغيرات وضبطها. هذا الخلل البنيوي لم ينتج عن غياب النية فحسب، بل عن انعدام البنية، وغياب التصورات الواضحة لآليات الانتقال من دولة الاستبداد الأمني إلى دولة الحقوق.
حين تدان الضحية
وسط هذا الفراغ، تصبح النساء والفتيات في طليعة الضحايا. لا لأنهن الأضعف فحسب، بل لأن المجتمع ما زال يراهن من منظور “الشرف” لا من منظور الحقوق. لذلك، تتعامل المنظومة الأمنية والقانونية والاجتماعية مع حالات اختفاء النساء بمنطق الشكّ لا الحماية، وبلغة الإدانة لا الإنصات. يُختزل الحدث في رواية جاهزة: هروب بدافع عاطفي، أو هروب من المنزل، أو ضحية عنف، لكن دون محاولة حقيقية لفهم الملابسات، أو الوصول إلى الحقيقة بمنهجية رصينة.
هذا ما يُدخلنا في متاهة الروايات المتضاربة، حيث تتوارى الحقيقة تحت ركام التفسيرات الشعبية، ويصبح الرأي العام هو من يصدر الأحكام. يتراجع دور المؤسسات في التحقيق والاستجابة، بينما تتقدم مواقع التواصل الاجتماعي لتُحاكم الضحايا في ساحات التعليق، حيث يُقاس “الذنب” بعدد الإعجابات والمشاركات. يُفترض أن تكون المرأة المختفية في موقع الحماية والرعاية، لكنها تُعامل بوصفها مذنبة، أو عارًا، أو “خطأً” يجب تصحيحه، لا مأساة يجب احتواؤها.
في ظل هذا الواقع، تتآكل ثقة النساء بالمنظومة من الأساس. فحتى حين تُبلِّغ امرأة عن عنف، تجد نفسها متهمة أو مشككًا بها. الفتاة الهاربة تُعاد إلى بيت لم يسأل أحد عن أسبابه، والضحية تُنسى خلف مبررات اجتماعية وقانونية لا تمتّ للعدالة بصلة. ليس لأن النصوص ضعيفة بالضرورة، بل لأن الثقافة التي تُطبّق بها، ما زالت تفتقر للعدالة الحقيقية.
الحماية الغائبة
مواجهة هذه الظاهرة لا يمكن أن تتم عبر حلول جزئية أو موسمية، بل تتطلب مقاربة وطنية متكاملة تنطلق من ثلاث ركائز: الوقاية، التدخل، والاستجابة. الوقاية تبدأ من إصلاح الخطاب المجتمعي حول المرأة، وتعزيز ثقافة الحقوق والمساواة. التدخل يتطلب وجود مؤسسات قادرة ومهيّأة، تعمل بتنسيق فعّال بين الشرطة والنيابة والخدمات الاجتماعية، مدعومة بكوادر مدرّبة وآليات استجابة فورية وآمنة. أما الاستجابة، فهي امتحان الدولة والمجتمع معًا: هل سنكتفي بإصدار البيانات، أم سنعيد بناء مؤسسات الحماية بمهنية واستقلالية؟
المجتمع المدني، في هذا السياق، لا ينبغي أن يبقى في موقع الراصد أو المراقب فقط، بل عليه أن يتحوّل إلى شريك فاعل، يملأ الفجوات، ويوفر البدائل، ويضغط باتجاه إصلاح السياسات العامة. ومراكز الإيواء الآمنة ليست ترفًا، بل ضرورة وجودية للناجيات. والبرامج النفسية والاجتماعية ليست خدمات إضافية، بل مكوّن أساسي لإعادة تأهيل الثقة وترميم الكرامة. أما الدولة، فعليها أن تخرج من قوقعة الحلول الأمنية الضيقة، وتتجه نحو شراكة حقيقية تضمن الأمن الإنساني لا الأمن السلطوي، وتُعيد للنساء والفتيات شعورهن بالأمان والانتماء.
وأخيراً، آن الأوان أن نكفّ عن التعامل مع اختفاء النساء كحوادث فردية، وننظر إليها كأعراض لتحولات أعمق في المجتمع السوري، تحمل رسائل سياسية وقيمية وأمنية في آن معًا.
لكن، أمام هذا المشهد المعقّد، يبقى السؤال الأهم: هل تمتلك الحكومة السورية الجديدة الإرادة السياسية، والبنية المؤسسية، والشراكة المجتمعية الكافية لبناء منظومة حماية فعّالة للنساء؟ أم سنبقى ندور في دوامة الفرضيات دون الوصول إلى الحقيقة؟
الترا سوريا



