تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

الخارجية السورية: أداة دبلوماسية أم أداة للهيمنة السياسية؟/ ميشال شماس

 

الأربعاء 2025/08/13

منذ إسقاط نظام الأسد المخلوع، برزت الحاجة الملحّة لإعادة صياغة بنية الدولة ومؤسساتها، وكان من أبرز الأولويات إصلاح السياسة الخارجية وإعادة هيكلة السلك الدبلوماسي. وبعد أكثر من سبعة أشهر من سقوط المخلوع وستة أشهر على تولي الرئيس أحمد الشرع وحكومته السلطة في سوريا، ما زال كثير من السفراء والموظفين الذين عُيّنوا في عهد الأسد المخلوع على رأس مهامهم، على الرغم من أن معظمهم لا يزال على ولائه للنظام السابق وكثير منهم مكلف بمهمات أمنية.

إن الاحتفاظ بسفراء وموظفين دبلوماسيين محسوبين على النظام المخلوع لا يُعد تأخراً إدارياً فحسب، بل يحمل دلالات سياسية عميقة، يُنظر إليه كمؤشر على تردد  أو عجز الحكومة في إحداث قطيعة سياسية وأخلاقية حقيقية مع ماضٍ ارتبط بالقمع والانتهاكات. وإن استمرارهم في مواقعهم يُضعف ثقة السوريين في نهوض الدولة، ويُحرج الحكومة الجديدة أمام المجتمع الدولي.

وما يزيد من حساسية هذا الملف وأهمية معالجته، أن بعض هؤلاء السفراء أو الموظفين متّهمون بممارسات أمنية، أبرزها التجسس على المعارضين وتأليب الجاليات في الخارج، إضافة إلى التعامل غير الإنساني مع المغتربين واللاجئين. وإن تأخّر استبدالهم يُبقي على خطابٍ رسميٍ مشوّش ويُعيد إنتاج شبكات النفوذ السابقة في قلب البعثات الدبلوماسية. مما يؤدي إلى الإساءة لسمعة الدولة وخطابها السياسي الجديد، واستمرار نفوذ الأجهزة الأمنية للنظام المخلوع داخل السفارات السورية، واستمرار فقدان الثقة بالبعثات الدبلوماسية من قبل المغتربين واللاجئين السوريين في العالم.

إن استبدال السفراء والموظفين الحاليين بسفراء جدد يحملون رؤية جديدة وكفاءة حقيقية سيعزز شرعية الدولة ويمنح الحكومة الانتقالية صوتًا واضحًا في المحافل الدولية. ويفتح آفاقاً جديدة لبناء علاقات دولية أكثر فاعلية وتحقيق اختراقات سياسية واقتصادية مهمة.

وفي هذا الإطار يمكن الاستفادة من التجارب الدولية الشبيهة بتجربة سوريا، فهناك دول عديدة شهدت ثورات وتحولات سياسية اتخذت خلالها إجراءات حيال سفرائها في الخارج كما حصل في تونس بعد ثورة 2011، حيث استدعت الحكومة الجديدة عشرات السفراء وعينت شخصيات مستقلة أو معارضة للنظام السابق. وأيضاً في جنوب إفريقيا التي اتبعت مساراً تدريجياً بعد زوال نظام الفصل العنصري، عينت عدداً كبيراً من السفراء الجدد من السود والنساء وممثلين عن جماعات كانت مهمشة سابقاً بالاضافة إلى تأهيل كوادر جديدة.

وفي هذا الإطار، يشكل الاستعانة بالدبلوماسيين المنشقين فرصة مهمة لسد الشواغر، لما يمتلكونه من خبرات وعلاقات دولية تؤهلهم لتمثيل الدولة الانتقالية بجدارة. ويمكن أيضاً إشراكهم كمشرفين على تدريب جيل جديد من الدبلوماسيين وفق معايير مهنية واضحة، ما يعكس دولة تحتضن طاقاتها وتستفيد من خبراتها لبناء مؤسساتها بفعالية.

أما ما يُحكى عن تدريب عشرين شخصاً ليتم تعيينهم كسفراء في دول مهمة خلال الأسابيع المقبلة، فهو مقلق، إذ يعكس تبسيطاً مخلاً للعمل الدبلوماسي ويُفقده احترامه المهني، مما يضعف قدرة الدولة على تحقيق اختراق دبلوماسي حقيقي.

والغريب أن وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، لم يظهر حماسة كافية لإصلاح السلك الدبلوماسي هيكلياً أو مهنيًاً، بل اكتفى بتعيين أشخاص في الوزارة من دون خبرة سابقة.

وبدلاً من ذلك ركّز جهوده على التدخل في ملفات داخلية خارجة عن نطاق وزارته ولا علاقة له بها إطلاقاً، مثل قراره المثير للجدل بتأسيس “الأمانة العامة للشؤون السياسية” داخل وزارة الخارجية في آذار الماضي، وتفويضها بمهمة متابعة وتنظيم العمل والنشاط السياسي وتعيين مندوبين سياسيين تابعين لها في كل محافظة، وقراره بتفويض الأمانة العامة للشؤون السياسية “بالعمل على توظيف أصول حزب البعث العربي الإشتراكي وأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية وما يتبع لها من منظمات ولجان منحلة بما يخدم المهام السياسية والوطنية”، من دون الاستناد إلى أي مسوغ قانوني.. والتي أصدرت مؤخراً قراراً بحل مجلس نقابة المحامين وتعيين مجلس جديد، خلافاً لقانون مهنة المحاماة، وأيضا التدخل في تنسيق ملفات المفقودين من خلال تعيين مستشارة له لشؤون المفقودين، رغم أن هذا الملف بالأساس من اختصاص الهيئة الوطنية للمفقودين التي أسست لهذا الغرض..

هذا الدور المركزي لوزارة الخارجية في السيطرة على مفاصل القرار السياسي الداخلي يذكرنا بدور القيادة القطرية لحزب البعث المنحل، وربط المحافظات بوزارة الخارجية بذريعة “التنسيق” أو “ضبط المرحلة الانتقالية”، يهدد التعددية السياسية ويُضعف فصل السلطات، ويعيد إنتاج أدوات الإقصاء والرقابة التي مارسها النظام السابق، ولكن باسم “من يحرر يقرر”.

 إذا كانت الحكومة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع تسعى حقاً لبناء دولة مؤسسات، فيجب عليها حصر مهام وزارة الخارجية بالعلاقات الدولية والدبلوماسية، مع استحداث هيئات مستقلة لإدارة الشؤون الداخلية، لضمان فصل السلطات وتعزيز الشفافية والمهنية في العمل الحكومي.

إن إعادة بناء الدولة السورية ونهضتها لا تُقاس اليوم فقط بإعادة الإعمار وضبط الأمن وتأمين الحاجيات الأساسية للناس على أهميته، بل تبدأ بإصلاح المؤسسات، وعلى رأسها وزارة الخارجية والسلك الدبلوماسي الذي يُمثل صورة الدولة أمام العالم. وما جرى مؤخراً في السويداء وفي شمال شرق سوريا يثبت هشاشة القرار السياسي والثغرات البنيوية في مؤسسات الدولة، ويُنبّه إلى خطورة استسهال التعيين، والتغوّل الإداري الذي قد يُعيد إنتاج أدوات الإقصاء والرقابة.

فما يحتاجه السوريون ليس فقط تغيير الأسماء، بل تغيّر الذهنية.

المدن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى