الذاكرة الممزّقة/ سالي علي

19 اغسطس 2025
في سورية لم تُهدم المدن فحسب، بل انتُزعت من سياقها الحيّ وحوّلت إلى سجلات حيّة في ذاكرة شعبها. الحرب لم تغيّر واجهات المباني وحدها، بل قلبت معايير الحياة اليومية؛ الأسواق التي كانت تعجّ بالحركة صارت خاوية، المنازل التي شهدت ضحكات العائلات تحوّلت أطلالاً، وأحياناً مساكن للغرباء. المدن التي عرفها السوريون لم تعد مواقع جغرافية فقط، بل صارت كيانات رمزية، تحملُ في طياتها تاريخ الصراع وتصدّعات المجتمع.
في علم النفس، يُنظر إلى المكان باعتباره جزءاً أساسياً من الهويتين، الفردية والجماعية. كتب غاستون باشلار في جماليات المكان: “البيت هو مستودع الذاكرة من يفقد بيته يفقد جزءاً من ذاته”. تحقّقت هذه العبارة عملياً في سورية، ملايين الأشخاص لم يفقدوا فقط حجارة بيوتهم، بل فقدوا إطارهم النفسي والاجتماعي، الرابط غير المرئي بين الذاكرة والمكان، وبينَ الماضي والحاضر.
أصبح الدمار ظاهرة وطنية، المدن تحولت إلى أرشيف، كل حي يحمل تاريخ الانقطاع، كل شارع لوحة شرف للشهود الغائبين، وكل جدار سجلّ لأحداث لا تحتاج إلى كلمات. في بيروت خلال الحرب الأهلية أو سراييفو في التسعينيات كان العمران شاهداً على الانقسام؛ في سورية تحمل المدن ذاكرة مركّبة تشمل الحرب والنزوح والانقسام، وأحياناً الصمت القسري.
التقط الأدب السوري هذه التحولات مبكّراً، سعد الله ونوس تعامل مع المدينة بوصفها كائناً حيّاً يتنفس الهزيمة والأمل في آنٍ واحد، بينما أعاد ممدوح عدوان صياغة البيوت بما هي شخصيات رئيسية، ليست أماكن محايدة بل شريكة معه في السرد. هذه الأعمال لم تكن مجرد خيال فني بل قراءة مبكرة لحقيقة سياسية؛ إعادة الإعمار المادي دون إعادة بناء العلاقات الاجتماعية ستولّد مدناً فارغة المعنى، مشيدة بالخرسانة لكنها مهجورة روحياً.
في الشتات، تُعاد صياغة المدن على نحو مثالي في الذاكرة؛ دمشق التي يعيشها اللاجئ ليست دمشق الحالية إنما نسخة مُصفّاة من الواقع، مختلطة بالحنين والدفء، بينما حلب تتحول إلى مزيج من روائح وأصوات وصور محفوظة في الذاكرة الحسية، لكنها تنتمي لعالم موازٍ، بعيد عن الخرائط الحالية. هذه الصور تمنح الاغتراب طابعاً أقلّ قسوة، لكنها تخلق فجوة بين ما يتوقعهُ المرء وما قد يواجهه عند محاولته العودة.
اليوم ومع بدء مرحلة سياسية انتقالية، تتكشف حقيقة أنّ المدن الممزقة تمثل اختباراً مزدوجاً عمرانياً واجتماعياً. فوفقاً لتقرير صادر عن اللجنة الوطنية لإعادةِ الإعمار، لا تزال 47% من المناطق الحضرية المتضررة خارج أيّ خطة تنفيذية واضحة، رغمَ الإعلان عن مشاريع لإعادة تأهيل البنية التحتية في المدن الكبرى. ويفيد التقرير بأنّ العقبة الرئيسية ليست التمويل فحسب، بل الخلاف حول أولوية المناطق المستهدفة، وغياب إطار مصالحة مجتمعية يوازي العمل الميداني. هذه الأرقام تكشف أنّ إعادة الإعمار ليست مسألة استثمارات، ميزانيات وهندسة فقط، بل مشروع وطني معقد يتطلّب عدالة انتقالية، مصالحة بين أطياف الشعب السوري ومكوّناته وإعادة بناء الثقة قبل الجدران.
المدن الممزقة ليست خرائب تنتظر آلات البناء، بل ملفات حيّة تنتظر إعادة فتحها في سياق مصالحة وطنية شاملة. من يروي حكاية المدينة يعيد إليها جزءاً من حياتها، ومن ينكر هذه الحكاية يتركها معلقة بين الماضي والمستقبل. إعادة الإعمار في سورية ليست مشروعاً هندسياً فقط، بل إعادة تفاوض على معنى الانتماء وتحديد ماهية الوطن بعد أن تغيرت معالمهُ المكانية والبشرية.
وربما بعد كل شيء ستبقى المسافة بين المدينة في الذاكرة والمدينة على الأرض قائمة. لكن ما دام هناك من يتمسّك بالذاكرة، ستظل الخرائط الممزقة قادرة على الانتظار كما لو أنّ المدن تهمس لأبنائها: “أعيدوني كما تعرفونني، أو على الأقل، لا تنسوني”.
العربي الجديد



