العلاقات السورية-الروسية تحديث 19 آب

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي
————————————–
الشرق الأوسط بين ألاسكا ودمشق: تسويات على حساب إيران/ صهيب جوهر
2025.08.19
القمة الأميركية – الروسية التي عُقدت في ألاسكا لم تكن مجرد محطة بروتوكولية عابرة، بل جاءت لتؤكد أنّ التوازنات الدولية تعود إلى لعبة ثنائية، تعيد إلى الأذهان مشهد الحرب الباردة.
وقد يبدو هذا التشبيه للوهلة الأولى مبالغاً فيه، غير أنّ حضور روسيا في صميم الملفات الكبرى من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط يجعل القمة ذات طابع استثنائي. وفي حين خرج فلاديمير بوتين وقد كسب اعترافاً أميركياً غير مباشر بدوره الدولي، بدا أنّ جوهر اللقاء أُبقي طي الكتمان، وهو ما عكسه المؤتمر الصحفي القصير وحرص الرئيس الروسي على إغلاق باب الأسئلة، تجنباً لوقوع دونالد ترمب في فخ الاستعراض الإعلامي وكشف ما لا يجب كشفه.
لكن ما يستحق التوقف عنده هو أنّ القمة لم تكن بعيدة عن الشرق الأوسط. وجود المسؤولين المباشرين عن هذا الملف في وفدي البلدين أشار بوضوح إلى أنّ الساحة السورية تحديداً كانت بنداً مركزياً على الطاولة. ولعلّ ما تلا القمة من حراك عسكري روسي في سوريا، بعد فترة انكفاء أعقبت سقوط نظام الأسد، أكد أنّ موسكو نالت تفويضاً أو على الأقل ضوءاً أخضر أميركياً للعودة إلى المسرح السوري.
منذ انهيار النظام السابق في دمشق، تراجعت روسيا خطوات إلى الخلف، مكتفية بالتمركز في قاعدتي حميميم وطرطوس. هذا الانكفاء سمح لتركيا بملء الفراغ شمالاً، عبر تفاهمات مع واشنطن هدفت إلى إخراج إيران وتفكيك نفوذها. غير أنّ الطموح التركي سرعان ما ظهر أوسع بكثير مما أراد الأميركيون أنفسهم، وأثقل على التوازنات الدقيقة في المنطقة. وهنا كان لا بد من استدعاء روسيا مجدداً، ولكن هذه المرة في دور مختلف: عامل توازن يكبح اندفاعة أنقرة، ويمنعها من الانفلات خارج الحدود المرسومة لها.
عودة موسكو بدت واضحة في منطقة القامشلي. فقد عززت وجودها في المطار، أعادت تأهيل مدرجاته، وسّعت مواقع سكن قواتها، وشرعت في تسيير دوريات عسكرية وصلت إلى ريف المدينة. هذه الخطوات لم تواجه بأي اعتراض أميركي، بل بالصمت التام، وهو صمت لا يمكن فهمه إلا كإقرار، وربما كتفاهم غير معلن. وفي جوهره، يقوم هذا التفاهم على إخراج إيران من المعادلة السورية تدريجياً، ومنعها من إعادة التموضع، بالتوازي مع إبقاء اليد الروسية عاملاً موازناً للنفوذ التركي.
في الجنوب، المشهد لم يكن أقل حساسية. فقد طلبت دمشق من موسكو إعادة الدوريات الروسية إلى المناطق الحدودية مع إسرائيل، على نحو يعيد إنتاج ما كان قائماً قبل سقوط النظام. الهدف هنا مزدوج: أولاً، منع التوسع الإسرائيلي جنوباً، وثانياً، منح الشرعية للنظام الجديد أمام الداخل السوري باعتباره قادراً على ضبط الحدود. المثير أنّ واشنطن لم تُبد اعتراضاً، بل أوحت بقبول ضمني، انطلاقاً من قناعة مفادها أنّ لجم إسرائيل مؤقتاً يمنح الترتيبات الدولية وقتاً إضافياً لترتيب البيت السوري من الداخل.
تزامن ذلك مع المشهد اللافت في السويداء، حيث رفعت الأعلام الدرزية والإسرائيلية جنباً إلى جنب، وصدحت الهتافات مطالبة باستقلال كامل. بدا الأمر وكأنه مسرحية أخرجتها تل أبيب لتبعث برسالة مفادها أنّ إعادة رسم الخريطة يجب أن تبدأ من الجنوب. غير أنّ واشنطن لم تكن مرتاحة للتوقيت، فهي لا تعارض الفكرة في جوهرها، لكنها ترى أنّ القفز إلى مرحلة “الاستقلال الدرزي” قبل ترتيب بقية الملفات سيعقّد المشهد أكثر.
هنا يطلّ الرئيس السوري أحمد الشرع بمقاربة مختلفة. في إطلالاته الأخيرة، نفى تماماً خطر تقسيم سوريا، مؤكداً أنّ وحدتها خط أحمر. لكنه في الوقت نفسه يدرك أنّ تحقيق هذا الهدف لن يكون بالقوة وحدها، بل عبر عملية سياسية متدرجة. الشرع وصف مسار توحيد سوريا بأنّه “المعركة الأخرى” بعد معركة تحريرها، معتبراً أنّ الدماء ليست طريقاً للحل. وفي حديثه عن التفاوض مع “قسد”، بدا أكثر تفاؤلاً من أسلافه، مشيراً إلى إمكانية إيجاد تسوية تُبقي على وحدة الكيان السوري وتستوعب الهواجس الكردية في آن واحد.
هذا التوازن بين التشدد في مسألة الوحدة والمرونة في إدارة الملفات الداخلية يعكس إدراك الشرع لحساسية اللحظة. فالتحدي أمامه لا يقتصر على طرد النفوذ الإيراني كما يريد الأميركيون والروس معاً، بل يتعداه إلى كيفية احتواء النفوذ التركي المتنامي في الشمال، والتعامل مع الضغوط الإسرائيلية في الجنوب، والتوفيق بين مطالب المكونات المحلية المتعددة. وفي هذا السياق، يصبح الحضور الروسي بمثابة “الغطاء الدولي” الذي يسمح للنظام الجديد بالتقاط أنفاسه وترتيب أولوياته.
الشق السوري من المشهد لا يمكن عزله عن الملفات الأخرى. إعادة روسيا إلى الساحة جاءت بقرار دولي ضمني، والرسالة الأوضح هي أنّ موسكو لن تكون خصماً، بل شريكاً في تطبيق خريطة الطريق الأميركية: إخراج إيران أولاً، ثم تثبيت التوازنات الإقليمية على إيقاع جديد. هذا ما يفسّر أيضاً عودة الدوريات الروسية جنوباً، وإعادة تموضعها في القامشلي، وحتى الصمت الأميركي على ذلك.
لكن التحديات ما تزال كبيرة. فإسرائيل ترى في الجنوب السوري فرصة لإعادة صياغة نفوذها، وتركيا تنظر إلى الشمال كامتداد طبيعي لمشروعها الإقليمي، في حين ما تزال “قسد” تتوجس من أي تفاهم قد يطيح بمكتسباتها. وبين كل هذه القوى، يحاول الشرع أن يثبت أنّ مشروعه السياسي قادر على الحفاظ على وحدة البلاد دون اللجوء إلى سيناريوهات التفجير الداخلي.
إنّ توسّع الحضور الروسي في سوريا بعد القمة الأميركية – الروسية ليس تفصيلاً عابراً. هو مؤشر إلى أنّ المنطقة مقبلة على إعادة توزيع أدوار اللاعبين الأساسيين. وإذا كانت موسكو قد نالت اعترافاً أميركياً بضرورة وجودها، فإنّ اختبار نجاحها سيتحدد بمدى قدرتها على تحقيق التوازن بين الأطراف المتناقضة: كبح تركيا، ردع إسرائيل، إخراج إيران، وطمأنة المكوّنات السورية. هذه معادلة صعبة، لكنها وحدها الكفيلة بفتح الباب أمام تسوية سياسية حقيقية.
وبذلك يصبح الملف السوري حجر الزاوية في الترتيبات المقبلة. فنجاح موسكو وواشنطن في تحويله إلى نموذج للتفاهم سيعني إمكانية تطبيق السيناريو ذاته في لبنان والعراق، حيث يتكرر المشهد نفسه مع النفوذ الإيراني. أما الفشل، فسينذر بعودة الفوضى إلى الميدان، وإلى صدامات أوسع قد تمتد من دجلة إلى المتوسط.
تلفزيون سوريا
———————————
روسيا في سوريا ما بعد الأسد.. من حليف إلى منسّق فوق وطني/ مهيب الرفاعي
الأربعاء 2025/08/13
منذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، دخلت سوريا مرحلة انتقالية يتداخل فيها الفراغ السياسي والأمني مع إعادة رسم خريطة النفوذ الإقليمي والدولي. وفي خضم هذا المشهد المعقد، وجدت روسيا نفسها أمام تحدٍ لإعادة التموضع، ليس بوصفها الراعي الحصري للنظام كما كان الحال طوال سنوات الحرب، بل كمنسّق فوق وطني يتقاطع مع مختلف المسارات السياسية والأمنية والاقتصادية في سوريا الجديدة، كونها بقيت متحكمة بملفات حساسة قرابة عقد من الزمن.
مؤخراً، لم تكن زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى موسكو مجرد خطوة بروتوكولية، بل إعلاناً من الجانبين عن نية إعادة صياغة الدور الروسي بعناية، بحيث يتحول من وصاية سياسية إلى شراكة مشروطة بالمصالح المتبادلة. هذا التوجه ترافق مع مراجعة شاملة للاتفاقات الموروثة من عهد الأسد، بما في ذلك ملفات القواعد العسكرية والامتيازات الاقتصادية طويلة الأجل. اليوم، تدير موسكو خمس ملفات أساسية في سوريا: العمليات العسكرية، المسار الدستوري، إعادة الإعمار، المصالحات الوطنية وترتيبات الأمن الداخلي والعلاقات الخارجية مع تركيا وإسرائيل والتفاهمات حول الجنوب والشمال.
إلا أن بقاء القواعد الروسية – رغم أنه يبدو على الورق دليلاً على استمرارية الالتزامات الثنائية – يخفي وراءه واقعاً أكثر تعقيداً. فهي باتت معزولة عن البنية السياسية واللوجستية للنظام الجديد، على عكس ما كانت عليه في عهد الأسد. كما أن إلغاء اتفاقية الاستثمار الروسي في ميناء طرطوس لصالح شركة إماراتية، شكّل رسالة واضحة برفض منح روسيا موقعاً محورياً في ملف إعادة الإعمار. تتحرك موسكو اليوم بأسلوب تكتيكي أكثر من كونه استراتيجياً، وكأنها تحافظ على حدٍّ أدنى من التواصل السياسي لضمان بقاء الحضور. لكن دمشق تبدو أقل حماسة لاستعادة دفء العلاقة السابقة، بل ذهبت إلى تجميد أصول النخب المرتبطة بالنظام القديم، بما في ذلك التحويلات عبر البنوك الروسية، في إشارة إلى أن روسيا لم تعد شريكاً متساوياً.
على الصعيد الاقتصادي والثقافي والاجتماعي، تراجع الحضور الروسي لصالح قوى أخرى مثل تركيا وقطر والولايات المتحدة، ما يجعل الأشهر التي تلت سقوط الأسد دليلاً على أن الاستراتيجية الروسية السابقة استنفدت أغراضها، فيما لم تتبلور بعد رؤية بديلة للتعامل مع الواقع الجديد. يمكن ان نلاحظ أن الابتعاد السوري النسبي عن روسيا مرتبط بإغراء العروض الغربية لدعم السلطة الجديدة مقابل تقليص الوجود العسكري الروسي. ومع ذلك، لم يذهب الرئيس أحمد الشرع إلى القطيعة، بل اتبع نهجاً حذراً يوازن بين الضغوط الدولية ومصالح بلاده، في وقت لم تطالب فيه واشنطن – خلافاً لتوقعات الأوروبيين – بانسحاب كامل للقوات الروسية، بل شجعت أحياناً على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة. أما إسرائيل، فترى في بقاء النفوذ الروسي ضمانة لتحقيق توازن مع تركيا وضبط الوضع في الجنوب السوري.
الإرث العسكري والاقتصادي
على مدى العقد الماضي، ولا سيما منذ تدخلها العسكري المباشر عام 2015، لم تلعب روسيا دور الشريك الاستراتيجي بقدر ما كانت قوة خارجية تتحكم بمسار الصراع بما يخدم مصالحها. عسكرياً، لم يكن تدخلها بهدف إنهاء معاناة السوريين، بل لضبط ميزان القوى لصالح النظام وضمان استمرار التبعية وضمان حضورها أمام المعسكر الغربي. قادت المعارك الكبرى في حلب وغوطة دمشق ودرعا وإدلب، وأعادت هيكلة الجيش السوري ليصبح أداة مرهونة، عبر تشكيل وحدات موالية مثل “الفيلق الخامس”، وإنشاء منظومة أمنية موازية مرتبطة مباشرة بتوجيهاتها.
اقتصادياً، تحولت الحرب إلى فرصة ذهبية لروسيا لاستثمار اقتصاد النزاع وتجربة أكثر من 320 نوعاً من الأسلحة، إلى جانب توقيع عقود طويلة الأجل في مجالات الفوسفات والمرافئ والطاقة. هذه الامتيازات كانت بمثابة “عملة سياسية” لضمان الولاء، إذ جرى توزيعها على أساس القبول بـ”خارطة الطريق الروسية” للمرحلة الانتقالية. وحتى بعد تراجع نشاط “فاغنر”، بقيت بصمتها من خلال شركات أمنية وميليشيات تعمل وفق نموذج “الظل العسكري” الذي يجمع بين السيطرة غير المباشرة وتحقيق الأرباح. لم تأتِ روسيا في مرحلة ما بعد الأسد لتمنح السوريين فرصة تقرير مصيرهم، بل لفرض نسختها الخاصة من “السيادة” و”الشرعية”. هي اليوم طرف يتفاوض بعيداً عن مختلف الفاعلين في سوريا – من الخليج إلى تركيا وإيران – لتعيد الدور المتحكّم بالمرور عبر قنواتها إذا أرادوا دخول المشهد السوري؛ لا سيما وأن قبولها بالحكومة الانتقالية الجديدة برئاسة أحمد الشرع لم يكن مؤشراً على انفتاح، بل على براغماتية تتيح لها الحفاظ على نفوذها مهما تغيّرت الوجوه.
حتى في الملف الكردي، انتقل خطابها من سياسة “ضبط التمدد” إلى طرح شروط للإدماج الوطني، لكنها شروط ترفض عملياً أي مشروع يمنح الأكراد استقلالية حقيقية. اللقاءات مع الحكومة الجديدة تحولت إلى مساحة لإعادة التفاوض على ترتيبات تضمن بقاء موسكو لاعباً أساسياً، لا شريكاً على قدم المساواة.
دبلوماسية المصالح وإدارة الصراع
خارج سوريا، لا تستخدم روسيا ثقلها الدبلوماسي إلا في الملفات التي تمنحها نفوذاً إضافياً، من لبنان إلى العراق، حيث تعمل وساطاتها كأدوات للمقايضة مع القوى الكبرى. وفي شمال سوريا، تلعب دور الوسيط بين الأكراد والأتراك، لا لحماية المدنيين أو إنهاء الصراع، بل لضمان بقاء الوضع تحت سقف لا يهدد مصالحها.
ومع انحسار الدور الإيراني، وجدت روسيا نفسها قادرة على طرح حلول مؤقتة تضمن بقاءها، لا حل النزاعات، لا سيما في ملفات اللاجئين والحدود والمساعدات التي تُدار من منظور يوازن بين إبقاء سوريا ممزقة، وضمان عدم خروجها عن السيطرة. ففي الفترة بين 2018 و2024، كانت روسيا عرابة برنامج “المصالحة الوطنية” الذي استُخدم لإخضاع فصائل المعارضة المسلحة وفق خيارات ضيقة: الترحيل إلى إدلب، أو تسليم السلاح والعودة إلى الحياة المدنية، أو الانضمام إلى الفيلق الخامس. ورغم إمكانية إعادة تفعيل لجان المصالحة، فإنها لم تكن يوماً خطوة نحو مصالحة حقيقية، بل أداة لإعادة إنتاج السيطرة المحلية. لم يكن سقوط الاسد نهاية النفوذ الروسي، بل بداية لمرحلة أكثر مرونة وأقل تكلفة، إذ لم تعد موسكو مضطرة للدفاع عن شخص أو نظام، بل تكتفي بضمان “استقرار وظيفي” يحافظ على مصالحها. ومع ذلك، أظهرت الحكومة الجديدة رغبة في تقليص الاعتماد عليها، من إلغاء عقد ميناء طرطوس، إلى طباعة العملة في ألمانيا فور رفع العقوبات. لكن الكرملين لا يزال ممسكاً بخيوط حيوية، من النفط والحبوب إلى العقود الاقتصادية والشبكات الأمنية.
مسارات مستقبلية
تبدو العلاقة بين دمشق وموسكو بعد سقوط الأسد محكومة بثلاثة مسارات محتملة، لكل منها شروطه ومخاطره. المسار الأول هو استمرار البراغماتية المتبادلة، بحيث تحافظ روسيا على نفوذها العسكري والأمني والاقتصادي عبر أدوات أقل تكلفة، فيما تستفيد سوريا من هذا النفوذ كورقة توازن في علاقاتها مع القوى الإقليمية والدولية، دون العودة إلى حالة الارتهان الكامل. هذا المسار هو الأكثر ترجيحاً في المدى القصير، خصوصاً مع رغبة الطرفين في تجنب القطيعة الكاملة.
المسار الثاني يقوم على إعادة تعريف التحالف، بحيث تُجبر روسيا – تحت ضغط المنافسة الإقليمية والتقارب السوري مع العرب والغرب – على قبول دور أقل مركزية، ربما أشبه بـ”الشريك الجزئي” في ملفات محددة، كالتنسيق الأمني وضمان الاستقرار في مناطق معينة. نجاح هذا المسار يعتمد على قدرة دمشق على تنويع مصادر الدعم الاقتصادي والسياسي، وعلى استعداد موسكو لقبول تقليص نفوذها مقابل الحفاظ على مصالح أساسية.
أما المسار الثالث فهو تفكك العلاقة التدريجي، في حال تزايد الضغوط الغربية والعربية لتقليص الوجود الروسي، أو في حال فشل موسكو في التكيف مع البيئة السياسية الجديدة في سوريا. عندها قد تنحصر علاقة الطرفين في التنسيق الحد الأدنى، مع بقاء روسيا فاعلاً غير مؤثر إلا في مناطق محدودة، خصوصاً في الساحل وبعض النقاط الاستراتيجية.
في المحصلة، سيعتمد مستقبل العلاقة السورية–الروسية على توازن ثلاثية حساسة: رغبة دمشق في التحرر من الارتهان، وحرص موسكو على حماية مصالحها، وقدرة القوى الإقليمية والدولية على التأثير في هذا التوازن. وفي ظل البيئة السورية الممزقة والمعقدة، يبدو أن موسكو ستواصل لعب دور المنسّق لسنوات مقبلة، وإن كان نفوذها هذه المرة أقل صخباً وأكثر اعتماداً على إدارة النفوذ من وراء الكواليس، لا على فرضه بالقوة المباشرة.
المدن
——————————
ما الذي تفعله روسيا في القامشلي؟/ شفان ابراهيم
سوريا
13.08.2025
على رغم ضبابية المشهد، فإن التحركات الروسية في القامشلي ومطارها تبدو مقدمة لإعادة توزيع النفوذ في شمال شرقي سوريا، حيث سيبقى الموقف الأميركي – بحضوره أو انسحابه – العامل الحاسم في رسم مآلات المرحلة المقبلة.
خلال الأسابيع الأخيرة، تكثفت حركة الطيران الحربي الروسي فوق مدينة القامشلي، أقصى شمال سوريا، وهي مدينة تُعد مركز ثقل للحركة السياسية الكردية، وتحمل رمزية تاريخية واجتماعية خاصة.
ووفق مصادر محلية، نقلت الطائرات الروسية معدات وقيادات عسكرية من مطار حميميم إلى مطار القامشلي ومحيطه، حيث تنتشر قوات روسية في مواقع حيوية جنوب المدينة.
لكن بعد سقوط الأسد، لم تعد هذه التحركات مجرد عمليات نقل لوجستي، بل رسائل استراتيجية موجهة إلى أطراف إقليمية ودولية. فمطار القامشلي يتجاوز كونه قاعدة عسكرية، ليصبح نقطة ارتكاز على خارطة المصالح المتشابكة بين تركيا والولايات المتحدة والحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد). ويبدو أن موسكو تسعى الى تعزيز حضورها هناك لملء فراغ قانوني وإداري، في ظل غياب سلطة النظام السابق وتوتر العلاقات بين دمشق و”قسد”.
من الوساطة إلى الانفراد
بدأ الحضور العسكري الروسي في القامشلي أواخر عام 2019، بعد انسحاب أميركي جزئي، قبل أن تعود واشنطن لاحقًا. ومنذ ذلك الحين وحتى سقوط الأسد في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2025، لعبت موسكو دور الوسيط بين “قسد” والنظام، وسيّرت دوريات مشتركة لتجنب الاحتكاك مع تركيا.
لكن التطورات الأخيرة تشير إلى تحوّل في هذا النهج. ففي 4 آب/ أغسطس 2025، سيرت القوات الروسية دورية من أربع عربات مدرعة على الطريق بين القامشلي وتربسبي، برفقة مروحيتين، ومن دون أي مشاركة لـ”قسد” أو قوات الأسايش، وذلك للمرة الأولى منذ سنوات. وعلى رغم تأكيد مصادر مقربة من “قسد” أن التحرك تم بعلمها، فإن غيابها الميداني حمل دلالات سياسية واضحة.
إشارات سياسيّة ما بعد الزيارة
تزامن تسيير الدورية مع زيارة وفد حكومي سوري برئاسة وزير الخارجية أسعد الشيباني إلى موسكو، ولقائه الرئيس فلاديمير بوتين ووزير الخارجية سيرغي لافروف. هذا التزامن يفتح باب التكهنات حول تفاهمات روسية – سورية جديدة، لا تقتصر على التنسيق الميداني، بل قد تمهّد لعودة تدريجية لدمشق إلى بعض مفاصل شمال شرقي سوريا.
وربما يشمل الأمر أيضًا ترتيبًا روسيًا – تركيًا يضغط على “قسد” للقبول بتسويات سياسية وأمنية وفق شروط جديدة، مع تقديم موسكو نفسها لأنقرة كضامن للحد من نفوذ “قسد” من دون مواجهة مباشرة، مقابل مكاسب روسية اقتصادية وأمنية في سوريا.
ما بين التكتيك والاستراتيجيّة
إدخال المروحيات في روتين الدوريات البرية يوحي باستعراض قوة، أو اختبار لردود الفعل الإقليمية، خصوصًا من واشنطن وباريس. ويرى مراقبون أن التحرك قد يكون تكتيكًا للضغط على “قسد” في ملفات التفاوض مع دمشق، بينما يراه آخرون بداية لإعادة توزيع الأدوار في شمال شرقي سوريا، بما يمنح موسكو حرية أكبر ويعيد الى الحكومة السورية موطئ قدم أعمق.
قيادي في الإدارة الذاتية، طلب عدم كشف اسمه، قال لـ”درج”: “تسعى موسكو، مهما كانت الأكلاف، الى ضمان توازنات جديدة مع الحكومة السورية، ولو على حساب مكاسبها السابقة. فهي تدرك أن دمشق قد تعيد تقييم الاتفاقيات القديمة، بما فيها طبيعة الوجود الروسي في طرطوس والقامشلي”.
ويشير القيادي إلى خشية موسكو من إعادة النظر في اتفاق 1972 الذي رسّخ وجودها في قاعدة طرطوس البحرية، واحتمال أن يمتد ذلك إلى قاعدة حميميم، بخاصة بعد النزوح الواسع من الساحل إثر الاشتباكات الأخيرة والانتهاكات بحق المدنيين.
سياق إقليمي أوسع
لا يمكن فصل مشهد القامشلي عن حسابات موسكو الإقليمية. فروسيا، التي تواجه عزلة وضغوطًا في أوكرانيا، توظّف الساحة السورية كورقة تفاوضية مع أنقرة وطهران وواشنطن. أما دمشق، فترى في أي فراغ أميركي محتمل شرق الفرات فرصة لاستعادة أراضٍ فقدتها منذ عام 2012. وبالنسبة الى “قسد”، فالرسالة واضحة: موسكو قادرة على التحرك بمعزل عنها، ودمشق قد تعود عبر البوابة الروسية، لا باتفاق مباشر معها.
السيناريوهات المقبلة
إذا واصلت موسكو تسيير دوريات منفردة مدعومة جوًا، فقد نشهد فرض تفاهمات أمنية جديدة تحدّ من حضور “قسد” في مناطق حساسة، أو إعادة ترتيب خطوط الاتصال بين دمشق وموسكو بما قد ينتج تسويات غير مواتية للإدارة الذاتية.
في المحصلة، تبدو القامشلي اليوم مسرحًا لاختبار روسي جديد في شمال شرقي سوريا، قد يمهّد لانتقال موسكو من دور الوسيط إلى شريك مباشر في إدارة هذه الجغرافيا المعقدة، في لحظة إقليمية تتسم بإعادة رسم الخرائط السياسية والعسكرية.
المواقف الرسمية
حتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم تصدر وزارة الدفاع الروسية أو “قسد” أي تعليق بشأن غياب التنسيق في الدورية الأخيرة، فيما التزمت دمشق الصمت حول تفاصيل التفاهمات المحتملة.
وعلى رغم ضبابية المشهد، فإن التحركات الروسية في القامشلي ومطارها تبدو مقدمة لإعادة توزيع النفوذ في شمال شرقي سوريا، حيث سيبقى الموقف الأميركي – بحضوره أو انسحابه – العامل الحاسم في رسم مآلات المرحلة المقبلة.
– صحافي سوري كردي
درج
——————————-
عودة الدوريات الروسية.. عامل استقرار في الجنوب وقلق للسوريين/ منصور حسين
الجمعة 2025/08/15
بعد يومين من زيارة الوفد الوزاري السوري إلى موسكو، نفذت القوات الروسية دورية عسكرية بغطاء جوي في مناطق شمال شرق سوريا، لأول مرة بعد سقوط نظام بشار الأسد، دون مشاركة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ما حمل رسالة إيجابية إلى دمشق، تعكس التوصل إلى تفاهمات مرضية للطرفين.
وبالتزامن مع عقد الاجتماع الثلاثي في العاصمة الأردنية عمان لبحث تطورات الوضع في محافظة السويداء وتثبيت وقف إطلاق النار، خرجت تقارير إعلامية روسية تتحدث عن توجه الحكومة السورية لدراسة خيار تفعيل الدوريات العسكرية الروسية جنوب البلاد، بهدف الحد من النشاط الإسرائيلي ومحاولة تخفيف التوترات مع تل أبيب المتوجسة من أي حضور عسكري لدمشق وحليفها التركي.
اهتمام سوري
فقد نقلت صحيفة “كوميرسانت”، إحدى أبرز الصحف اليومية الروسية، عن مصادر، إبداء الحكومة السورية اهتماماً بعودة دوريات الشرطة العسكرية الروسية إلى المحافظات الجنوبية من البلاد التي تشهد توغلات إسرائيلية تسيطر على المنطقة العازلة والمناطق المحاذية، بذريعة تقديم الحماية للطائفة الدرزية وحماية حدودها الشمالية.
ونقلت الصحيفة عن مصدر حضر اجتماع وزير الخارجية أسعد الشيباني مع الجالية السورية في موسكو، أن عودة روسيا إلى مواقعها السابقة قد “تمنع إسرائيل من التدخل في الشؤون السورية، وقدرتها على تنظيم العلاقات بين دمشق والإسرائيليين”.
فائدة لدمشق والكثير لروسيا
وتتصل هذه الخطوات مع حراك دبلوماسي روسي مكثف، لإقناع الأطراف المتداخلة في الشأن السوري، شملت التواصل مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ومسؤولين أتراك إلى جانب الأردن، بضرورة عودتها إلى الجنوب السوري، وتقديم نفسها كضامن لاستقرار المنطقة.
وتحاول موسكو استعادة حضورها الفاعل في سوريا، لاعتبارات كثيرة، أهمها الحفاظ على قواعدها العسكرية المطلة على البحر المتوسط بما يضمن استمرار خطوط إمدادها باتجاه أفريقيا، إضافة إلى أن تواجدها في الجنوب الذي يشكل نقطة جيوسياسية هامة لقربها من إسرائيل والأردن، ما يعطيها امتداداً اقليمياً أوسع.
ويعتبر الخبير العسكري عماد شحود في حديث لـ”المدن”، أن الوجود الروسي قادر على طمأنة إسرائيل في الجنوب السوري، وتقديم الضمانات اللازمة فيما يخص الأمن واستقرار المنطقة الحدودية ومنع تسلل المليشيات أو العناصر التي تشكل تهديداً مباشراً على تل أبيب.
ومع ذلك، يؤكد شحود الذي شغل مناصب قيادية في المنطقة الجنوبية، أن أمن إسرائيل هي المهمة الوحيدة التي يمكن لموسكو تقديمها للحكومة السورية، مقابل الكثير من النفوذ الذي يجعل العاصمة دمشق وسوريا عموماً، مكشوفة وتحت الوصاية الروسية.
توصية تركية
ويقول: “يمكن قراءة توجه الإدارة الجديدة للاستعانة بالدور الروسي في الجنوب للعديد من الأسباب، ومنها القبول الإسرائيلي، الذي يعتبره أخف الشرور على أمنه، في ظل وجود حكومة محسوبة على التيار الإسلامي من جهة، وأيضاً حليفها التركي المباشر الحليف لحماس وإيران”.
وإضافة إلى ذلك، يرى شحود أن هذه الخطوة جاءت بتوصية تركية مباشرة لحكومة دمشق، بالذهاب نحو الكرملين، خصوصاً بعد تورطها بالمواجهة المباشرة مع إسرائيل، بتدخلها في محافظة السويداء، ورفض إسرائيلي قاطع لأي تواجد تركي.
ويضيف أنه “رغم كل التهديدات التي تسوقها تل أبيب لحكومة أحمد الشرع، إلا أن مصالحها تقضي باستقرار سوريا أمنياً، ما يجعل سياساتها تتركز على أمن حدودها، وجيش سوري ضعيف يمنحها حرية الحركة في سماء المنطقة، وهو ما تقدمه روسيا، من خلال تواجدها الدائم في الجنوب، وقواعد تفرض من خلالها على دمشق عودة العناصر وضباط النظام السابق الذين عملوا مع الجيش الروسي ومنهم الفيلق الخامس.”
تفاهم موجود من زيارة موسكو
لكن الكاتب السياسي السوري عمار جلو، يرى أن جميع الدول الموجودة أو المهتمة في الشأن السوري، لم تعد قادرة على فرض هيمنتها وتوجهاتها في سوريا، وهو ما ينسحب أيضاً على روسيا، التي تصارع في سبيل الحصول على تفاهم يضمن استمرارها في المياه الدافئة.
ويعتقد جلو في حديث لـ”المدن”، أن قضية عودة الدوريات الروسية، كان أحد الملفات التي جرى التفاهم عليها خلال زيارة الشيباني ووزير الدفاع مرهف أبو قصرة إلى موسكو، دون أن يتم الإعلان عنها بسبب حساسية التواجد الروسي بالنسبة إلى السوريين.
ويقول: “يبدو أن الإسرائيليين والغرب ممثلاً بالولايات المتحدة موافقين على هذه الخطوة، بسبب حالة الفوضى التي يعيشها الجنوب السوري، ولضمانهم استمرار نفوذهم في المنطقة، وهذا الأمر يقودنا إلى مطب جديد للسلطة في دمشق، عبر دفعها للقبول بالشرط الإسرائيلي المركز على جنوب منزوع السلاح”.
ومن هذا المنطلق، يشدد جلو على أن دمشق ذاهبة باتجاه المزيد من العراقيل والحفر السياسية التي تعمق فوضى البلاد، بسبب سياساتها المترددة، وغياب الشفافية والتخطيط في التعاطي مع أزماتها من خلال القفز على المشاكل الداخلية بالتوجه إلى التفاهمات الخارجية.
ويضيف أن “دمشق تقوم بإعادة فاعل دولي بدلاً من تحييد الدول المتدخلة في البلاد، إلى جانب غياب الشفافية، حيث جرى الإعلان عن وجود الاهتمام بعودة روسيا عبر صحف روسية، وهي سياسة قراءة رد الفعل، ما يعني التعتيم على مخرجات زيارة موسكو، وسبقها التأخر في الإعلان عن اتفاق السويداء وغيرها من الأمور التي تصل السكان عبر وسائل الإعلام”.
وعلى الرغم من تفهم الحذر من استعادة الحضور الروسي، هناك اعتقاد لدى الكثيرين، أن هذه الخطوة تمنح دمشق مجال مناورة أوسع، خصوصاً بعد أن وجدت نفسها في مركز الصراع بين الدول الصديقة للثورة السورية، وسياساتهم المتفاوتة في حماية نفوذهم عبر وكلائهم المحليين، وهو الأمر الذي يقوض استعادة السلطات السورية سيطرتها على كامل البلاد.
المدن
——————————–
=====================



