سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعصفحات الحوار

المحامي والخبير في القانون والعلاقات الدولية بسام طبلية: القضاء في سوريا يعاني من الترهل والفساد

مستقبل القضاء في سوريا بعد سقوط النظام: تحديات الفساد وسبل بناء العدالة الانتقالية

عمار زيدان      

2025-08-12

مرّت ثمانية أشهر على سقوط النظام المخلوع في سوريا، أعقب ذلك وقوع العديد من الأحداث والتطورات، كان أبرزها ما جرى في الساحل والسويداء، الأمر الذي أدّى إلى تشكيل لجنتي تحقيق فيما جرى، بعد سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى.

وشكّل القضاء السوري، لعقودٍ ماضية، أداةً في يد نظام الأسد، حيث كانت المحاكم مسيّسة وتعمل ضمن إطار تحدّده السلطة الحاكمة، ليفتقر القضاء إلى الاستقلالية الحقيقية، خاصةً مع تسلّط الأجهزة الأمنية وإضعاف السلك القضائي والقانوني في البلاد. لكن التحدّي الأكبر جاء بعد سقوط النظام، حيث وجد القضاء نفسه أمام مرحلة بالغة الأهمية وصعبة في الوقت نفسه، خاصة مع حجم الفساد المستشري في مؤسسات الدولة، وسط تحدّيات سياسية وإدارية وقانونية معقّدة.

وتتباين الآراء حول واقع القضاء في سوريا خلال الفترة الحالية، خاصة بعد إصدار “اللجنة الوطنية للتحقيق وتقصّي الحقائق في أحداث الساحل” تقريرها، في آذار/مارس الماضي، إلى جانب تشكيل لجنة جديدة للتحقيق في أحداث محافظة السويداء. فهناك من يرى أنّ ثمّة خطوات فعلية تُدفع نحو استقلالية القضاء، فيما أكّد آخرون أنّ القضاء في سوريا ما يزال مقيّداً وغير كامل الصلاحيات لتنفيذ وتطبيق القانون بعيداً عن التدخلات والمحسوبيات، وأنّ العمل في هذا الاتجاه يحتاج إلى تغيير القوانين ومنح القضاء صلاحيات واسعة من دون تدخل السلطة التنفيذية.

وفي حوار خاص لـ”963+”، مع المحامي والخبير في القانون والعلاقات الدولية المقيم في بريطانيا، بسّام طبلية، أجاب عن العديد من الأسئلة حول أبرز التحديات والصعوبات التي تواجه استقلال القضاء السوري في المرحلة الحالية، وعن إمكانية قيام قانون مدني حقيقي في سوريا الجديدة خلال الفترة المقبلة، خاصة في ظل ما يعانيه السلك القضائي من ترهّل وفساد، وكيف سيؤثر ذلك على مسار العدالة الانتقالية التي تهمّ السوريين.

فيما يلي الحوار كاملاً:

كيف تنظر إلى نتائج لجنة التحقيق في أحداث الساحل واللجنة المشكلة حديثاً الخاصة بأحداث السويداء؟

تصريحات لجنة التقصّي والتحقيق في أحداث الساحل لم تكن واسعة، وبقي التقرير لدى الرئيس أحمد الشرع، حيث لم يتم الإفصاح عن أسماء الأشخاص الملطّخة أيديهم بدماء السوريين. ويعود ذلك لمنع هروب هؤلاء المتّهمين، كما تم توجيه الملف إلى النائب العام من أجل ملاحقة أولئك الأشخاص. لذلك لا نستطيع أن نعطي صورة كاملة عن لجنة التحقيق في أحداث الساحل، وهو ما ينطبق على اللجنة المشكلة في السويداء. من السابق لأوانه إطلاق اتهامات بأنّ هذه اللجنة منحازة أو غير حيادية، أو اتهام الدولة بعدم المصداقية، لأنّ تشكيل اللجان بهذا الصدد تم – باعتقادي – من دون أي تدخل من قبل الحكومة أو ضغط عليها.

هل القضاء في سوريا الجديدة ما يزال يعاني من الترهل والفساد؟ وما تأثير ذلك على مسار العدالة؟

نعم، ما يزال القضاء في سوريا يعاني الكثير من الصعوبات، حيث إنّ جميع دوائر ووزارات الدولة تعاني من ترهّل، ومن تركة مثقلة بالفساد. كما أنّ هناك نقصًا كبيرًا حالياً في عدد القضاة، وما تزال هناك محاولات لإعادة هيكلة الوزارة، وعزل القضاة الفاسدين بالطرق القانونية، من أجل تأهيل كادر جديد.

إنّ عدم وجود أعداد كافية من القضاة سيؤدي إلى الكثير من المشكلات، منها – على سبيل المثال لا الحصر – التأخر في البتّ في الدعاوى، وإمكانية حدوث أخطاء من القضاة الجدد، خاصة في ظل مواجهة الحكومة للعديد من القوانين الجديدة التي سيُقرّها مجلس الشعب في المرحلة اللاحقة.

بالتالي، فإن نقص الكوادر البشرية، سواء في الضابطة العدلية أو في المؤسسة القضائية بشكل عام، سيؤدي إلى الكثير من العراقيل، ويحول دون تحقيق العدالة المطلوبة للسوريين. وذلك كلّه يتطلب تشكيل محاكم جديدة، وسنّ قوانين جديدة، وتدريب عناصر من القضاة والكادر القضائي، ووضع نصوص تنظّم عملهم. وإذا فشلت الجهود في الفترة المقبلة، فإنّ الحرب الأهلية وعمليات الانتقام ستكونان سيدا الموقف.

ما أبرز التحديات والصعوبات التي تواجه استقلال القضاء السوري في المرحلة الحالية؟

أولاً، هناك نقص في الكوادر المهنية، حيث إنّ العديد من القضاة السابقين يوجَّه إليهم اتهام بالمشاركة مع النظام المخلوع في ارتكاب جرائم وانتهاكات، من خلال إحالة الأشخاص إلى سجن صيدنايا وسجون أخرى، دون وجود أدلة قضائية.

أما الإشكالية الثانية، فتتعلق بضعف الرواتب الشهرية، وهو ما يدفع بعض القضاة والعاملين في وزارة العدل إلى الفساد وقبول الرشى. يُضاف إلى ذلك فقدان الكثير من الأدلة والوثائق، وهو ما يجعل تحقيق العدالة أمراً صعباً.

هل من الممكن إشراك المجتمع المدني في لجان التحقيق في سوريا؟

يمكن لمنظمات المجتمع المدني أن تقدّم ما لديها من أدلة لدعم العدالة في سوريا، ويبقى للجنة التحقيق أن تقرّر في هذا الصدد. وأعتقد أن إشراك المجتمع المدني في التحقيق أمر مهم، دون فرض أي شيء على لجان التحقيق المختصة.

هل يحتاج النظام القضائي السوري إلى تعديل ليتلاءم مع المرحلة الراهنة؟

لا شكّ أن النظام القضائي في سوريا يحتاج إلى إعادة هيكلة، وتعديل القوانين السورية القديمة، وإضافة قوانين جديدة تتلاءم مع الجرائم التي ارتُكبت خلال العقود الماضية، بما في ذلك قوانين الإرهاب، وجرائم التحريض، والطائفية، وغير ذلك.

كما يتطلب الأمر إجراء تغييرات في هيكلية النظام القضائي، بالتزامن مع تغييرات في الأنظمة الإدارية والمحلية، ما يتيح إمكانية توزيع المحاكم على مختلف الأراضي السورية، وفق اعتبارات تشمل أعداد الضحايا، وحجم الشكاوى المتوقّع تقديمها في المرحلة اللاحقة.

هل يمكن أن يسود قانون مدني حقيقي في سوريا الجديدة، أم أن ذلك صعب في الوقت الحالي؟

هناك العديد من القوانين التي تحتاج إلى صياغة واعتماد من قبل مجلس الشعب، ومن ثم تطبيقها، وهو ما سيكون له تأثير كبير، خاصة عندما يتعلق الأمر بالسجلات العقارية، والأحوال الشخصية، والعقود، وغيرها.

ورغم التوقعات بوجود إشكاليات كبيرة في التطبيق، وثغرات في الصياغة، إلا أنه لا يمكن تبنّي قانون بوصفه قالباً جاهزاً مستوردًا من دول مجاورة، نظراً للخصوصية السورية، ولخروج البلاد من حرب امتدت لأكثر من 14 عاماً.

لذلك، فإن سوريا بحاجة إلى عناية خاصة في صياغة قوانينها، بما في ذلك قوانين الاستثمار. كما أنّ البلاد بحاجة إلى توازن تشريعي يفتح المجال أمام علاقات منفتحة مع الدول العربية والإقليمية والدولية.

+963

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى