حق الحياة أم منطق السوق؟ مياه سوريا بين التكامل الإقليمي وسد الاحتياج الأساسي/ د. أحمد حج أسعد

2025.08.15
تُعتبر المياه حقًّا أساسيًا من حقوق الحياة لا يمكن تجاوزه أو اختزاله في منطق السوق والربح. في سوريا، حيث تتداخل التحديات البيئية والاجتماعية والسياسية، يصبح ضمان توفير مياه الشرب بشكل متكافئ تحديًا معقدًا، لكنه في الوقت ذاته ضرورة ملحّة.
ويُسهم هذا الضمان في التكامل الإقليمي بين المناطق التي تعاني من شُحٍّ مائي وتلك التي تمتلك فائضًا نسبيًا من الموارد المائية. وبالتالي فإن التوزيع العادل لمياه الشرب يشكل عاملا محوريا في دعم الاستقرار الاجتماعي والتنمية المستدامة، كما يعد ركيزة اساسية لأي استراتيجية فعالة تضمن حق الجميع في الحصول على هذا المورد الحيوي.
تتعدد الاحتياجات الحيوية التي تلبّيها المياه، والتي لا يمكن استبدالها بمادة أخرى، ما يجعلها عنصراً لا غنى عنه في الحياة البشرية. وقد أسهمت هذه الخصائص، إلى جانب طبيعتها الفيزيائية الفريدة، في جعل المياه محور اهتمام المجتمعات والقيادات على مرّ العصور. فلا تكاد توجد حضارة دون أن تضع قوانين أو أعرافاً تنظم استخدام المياه وتمنع احتكارها، إذ إنّ الوصول إلى المياه يُعدّ من أبسط حقوق الإنسان، بل هو “حق الحياة” نفسه.
من الملكية العامة إلى الخصخصة: جدل يتجدد
تقليديًا، أدارت المجتمعات المحلية موارد المياه باعتبارها ملكيةً عامة، يُسمح بالانتفاع منها مقابل تغطية تكاليف الاستخراج والنقل فقط، من دون تحقيق أرباح تستند إلى ندرة المورد. إذ تُنسب العوائد إلى الجهد المبذول في تأمين المياه، وليس إلى قيمتها السوقية المفترضة. فعلى سبيل المثال، ساد في البادية السورية تقليد اجتماعي قائم على إنشاء آبار مخصصة لتجميع مياه الأمطار على طول مسارات “التغريب والتشريق” التي يسلكها البدو مع مواشيهم. وكانت بعض العائلات تتولّى صيانة هذه الآبار والمحافظة عليها، وتقوم بتوزيع المياه على الرعاة ومربي الماشية لقاء مقابل مادي، يُحدَّد وفق أعراف متفق عليها، لا بناءً على قانون العرض والطلب. وتُعزى الأرباح التي يجنونها إلى الأعمال الخدمية المرتبطة بتوفير المياه، وليس إلى قيمة المياه نفسها، التي تُعدّ موردًا مشتركًا في هذا السياق.
غير أنّ العقود الأخيرة شهدت تصاعدًا في تبنّي نظريات اقتصادية تنظر إلى المياه كسلعة قابلة للبيع والشراء، وهو تصوّرٌ قوبل بانتقادات واسعة، نظرًا لكون المياه حاجةً إنسانية أساسية لا يمكن الاستعاضة عنها، وتمثل شرطًا جوهريًا لاستمرار الحياة.
تجذر البعد السياسي – السلطوي في إدارة المياه
شكّل تأمين المياه أحد الركائز الأساسية التي منحت السلطات عبر التاريخ شرعية ومصداقية أمام المجتمعات التي تحكمها. فقد شهدت الحضارات المتعاقبة تطوراً لافتاً في البُنى والمنشآت المائية، التي صُمّمت وهُندست بما يتلاءم مع الخصائص المناخية وتوافر الموارد المائية في كل منطقة. ففي البادية السورية، على سبيل المثال، انتشرت شبكات القنوات التقليدية المعروفة بـ”الفجارات”، في حين اشتهر نهر العاصي بالنواعير، وجبل شُبَيْط بالمدرجات الزراعية. كما تنتشر الآبار والخزانات الأرضية التجميعية في مختلف أنحاء الأراضي السورية. إنّ السعي نحو تحسين الوصول إلى المياه لم يكن مجرد مطلب خدماتي، بل هو مسألة راسخة في الوجدان الإنساني، تعكس مصداقيته وقدرته على تسخير الطبيعة من أجل البقاء والازدهار.
أدرك النظام السوري السابق الأهمية الاستراتيجية لتأمين مياه الشرب، ليس فقط كخدمة أساسية، بل كوسيلة لتعزيز شرعيته وترسيخ الروابط بين المجتمع والنظام الحاكم. لذلك، أصرّ على أن يتم تدشين كل بئر أو مشروع لتزويد المياه من قبل ممثلي حزب البعث. وقد شكّلت هذه الممارسات طقسًا سياسيًا يعكس رمزية النظام ودوره في تأمين الخدمات. بحلول السنوات التي سبقت الثورة السورية، تجاوزت نسبة السكان الذين يحصلون على مياه الشرب 90% في المدن، وبلغت نحو 85% في المناطق الريفية، ما يُظهر مستوى التغطية الواسعة الذي حقّقه النظام في هذا المجال. إلا أنّ هذا الإنجاز لم يُفصل عن البُعد السياسي، إذ استخدم النظام ذاته هذه الخدمات لاحقًا كأداة عقابية، فقام بقطع المياه عن المناطق التي شاركت في الاحتجاجات ضده، مما كشف عن البُعد السياسي – السلطوي في إدارة الموارد الأساسية.
تحديات الحاضر: من تغيّر المناخ إلى خلل في الحوكمة
اليوم، يواجه الوصول إلى المياه الصالحة للشرب والري في الوقت الراهن تحديات متعدّدة، يعود جزء منها إلى إرث طويل من سوء الإدارة خلال العقود الماضية، مثل التلوث واستنزاف الموارد المائية، فضلاً عن التأثيرات المتزايدة للتغيرات المناخية. وتتطلّب هذه التحديات مقاربة شاملة لإرساء منظومة حوكمة فعّالة لإدارة المياه، تُراعي الأبعاد البيئية، والمؤسساتية، والاجتماعية، بهدف تحقيق قدر من الاستقرار الجماعي في هذا المجال الحيوي.
كما تواجه منظومة تأمين مياه الشرب تحديًا إضافيًا يتمثل في تعدد الفاعلين المعنيين بتوفير هذا المورد، من القطاع العام والقطاع الخاص إلى المنظمات الإنسانية، وذلك في ظل غياب آليات موحدة تنظم الأدوار وتضبط التوازن في التوزيع والمساهمة في تغطية التكاليف التشغيلية. وتبرز من هنا الحاجة الملحّة إلى تنسيق مؤسسي وطني واضح وفعّال بين مختلف الجهات المعنية، بما يضمن تحقيق العدالة والكفاءة والاستدامة في إدارة وتوزيع هذا المورد الحيوي.
القطاع الخاص في إدارة المياه: كفاءة أم مخاطرة؟
تتباين الآراء حول كيفية توزيع الأدوار بين الفاعلين الحاليين في قطاع مياه الشرب. إذ يرى أنصار إشراك القطاع الخاص في إدارة مياه الشرب أن لهذا القطاع مزايا من حيث الكفاءة والمرونة التشغيلية، مما قد يسهم في تحسين جودة الخدمات وتسريع عمليات التوزيع. ومع ذلك، يُواجَه هذا التوجه بجملة من التحفظات، سواء من الناحية الاقتصادية أو البيئية أو من منظور العدالة الاجتماعية. في حين يهدف القطاع الخاص بطبيعته إلى تحقيق الربح، تُعدّ مياه الشرب حاجةً أساسية لا يمكن التعامل معها وفق منطق السوق البحت، لأنها تمسّ الحق في الحياة.
من الناحية الاقتصادية، تتراوح كلفة تزويد المتر المكعب الواحد من المياه بين 0.20 و2 دولار، وفقاً لتوافر الموارد المائية والطبيعة الطبوغرافية للمنطقة. ويثير هذا التباين في التكاليف مخاوف جدّية من أن يتركّز اهتمام القطاع الخاص على المناطق التي تكون فيها كلفة الإمداد منخفضة وتضم كثافة سكانية مرتفعة، مما يحقق له عوائد أعلى. في المقابل، قد تُهمَل المناطق الريفية أو النائية، حيث تكون كلفة التزويد أعلى وعدد السكان أقل، وهو ما من شأنه أن يكرّس التفاوتات الجغرافية والاجتماعية في الوصول إلى المياه.
المياه ليست سلعة: مخاطر التحول من المستفيد إلى المستهلك
وتكمن إحدى أبرز المخاوف المرتبطة بإشراك القطاع الخاص في إدارة موارد المياه في احتمالية تغوّل هذا القطاع، عبر سعيه لتحقيق أرباح من مورد يُعدّ حاجةً إنسانية أساسية لا يمكن الاستغناء عنها. ويُعدّ الأخطر من ذلك هو تحوّل المياه إلى سلعة تُباع وتُشترى، ما يفضي إلى تحوّل المستفيد من المياه إلى “مستهلك” بالمعنى التجاري، يدفع مقابل ما يحصل عليه، وبالكمية التي يطلبها. ينطوي هذا التحوّل على تبعات خطيرة، ليس فقط على الصعيد البيئي نتيجة لإمكانية الإفراط في الاستهلاك، بل أيضاً من حيث العدالة الاجتماعية، إذ قد يُقصى الأفراد أو المجتمعات ذات الدخل المحدود عن الحصول على كميات كافية من المياه، أو يُجبرون على تحمّل أعباء مالية لا تتناسب مع قدراتهم. في هذا السياق، يصبح الحق في المياه مهدّداً بمنطق السوق، بدل أن يُصان بمنطق الحقوق والواجبات العامة.
الحفاظ على الملكية العامة: الإصلاح بدل الخصخصة
انطلاقاً من المخاوف المرتبطة بخصخصة خدمات المياه، يرى العديد من الباحثين والناشطين أن الحلّ الأنسب يتمثّل في الإبقاء على إدارة المياه ضمن المؤسسات العامة، مع العمل على إصلاحها وتعزيز كفاءتها. ويُرجع هؤلاء تدنّي كفاءة هذه المؤسسات في العقود الماضية إلى غياب الشفافية، واستشراء الفساد، وتغليب الاعتبارات السياسية على المهنية، وليس إلى طبيعتها العامة بحدّ ذاتها.
بناءً على ذلك، يُعدّ الحفاظ على ملكية الموارد المائية كملكية عامة خياراً ضرورياً، على أن يُقترن بتحسين الحوكمة وتعزيز التعاون بين المؤسسات العامة والمجتمعات المحلية، بما يضمن إدارة تشاركية فعّالة تُعزّز استدامة الموارد، وتُحسّن كفاءة استخدامها من الناحيتين البيئية والاقتصادية.
آليات للتكافل والتكامل: من التسعير العادل إلى التضامن الهيدرولوجي
وفي هذا السياق، تُطرح فكرة التضامن الاجتماعي في استخدام المياه، من خلال اعتماد آلية تسعير عادلة تضمن حصول جميع السوريين على المياه بالسعر ذاته. ويُقصد بذلك أن تتحمّل المناطق ذات الكثافة السكانية العالية وكلفة الإمداد المنخفضة جزءاً من التكاليف الإضافية لتأمين المياه في المناطق النائية أو ذات التضاريس المعقدة. ويشكّل هذا النظام التكاملي مدخلاً لضمان العدالة في الوصول إلى المياه، وتعزيز مبدأ المسؤولية الجماعية في إدارة هذا المورد الحيوي.
لعبت المنظمات غير الحكومية دوراً محورياً في تأمين مياه الشرب خلال السنوات الماضية، وقد راكمت خبرة تقنية وميدانية ملموسة في هذا المجال، خاصة في ظل تراجع قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية في العديد من المناطق. ويُعدّ استمرار عمل هذه المنظمات، بالتنسيق والتكامل مع المؤسسة العامة للمياه، ضرورة ملحّة لضمان استمرارية الخدمة وجودتها.
وفي ظلّ الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعاني منها معظم الأسر السورية، فإن تحمّل المنظمات غير الحكومية للتكاليف التشغيلية يمثل حلاً واقعياً في المرحلة الراهنة. غير أنّ ذلك لا يُغني عن أهمية تهيئة المجتمعات المحلية وتعزيز وعيها بأهمية المشاركة، ولو الرمزية، في تحمّل جزء من هذه التكاليف، بالتعاون مع المؤسسات العامة. إذ إن إشراك السكان في إدارة الموارد المائية وتعزيز الشعور بالمسؤولية الجماعية يُعدّان شرطاً أساسياً لتحقيق استدامة المنظومة المائية، سواء من الناحية الاقتصادية أو الاجتماعية.
خصخصة البنى التحتية: تهديد للتكامل الإقليمي؟
عملت المؤسسة العامة للمياه على تقليص الفجوة الجغرافية بين توزّع السكان وتوفّر الموارد المائية، من خلال إنشاء شبكات نقل تربط بين مناطق الوفرة المائية ومناطق الطلب. وتشكّل هذه الشبكات بنية تحتية استراتيجية، لا تُسهم فقط في تأمين مياه الشرب، بل في ربط المناطق السورية ببعضها بعضاً وتعزيز المصالح المتبادلة والتكامل الإقليمي.
فعلى سبيل المثال، تعتمد مدينة حلب على مياه الخفسة (شكل 1)، وتشرب مدن مثل حماة وسلمية وعشرات القرى من محطة العميري (شكل 2)، في حين تتغذى قرى جبل الزاوية من نبع اللج. هذه الترابطات تُنتج نمطاً من “التضامن الهيدرولوجي” يرسّخ فكرة وحدة المصير بين المناطق.
وفي هذا السياق، يُطرح تساؤل جوهري حول مدى عقلانية إسناد هذا الدور إلى القطاع الخاص: إذا ما تمّت خصخصة هذه الشبكات، فما الذي سيدفع أهالي نبع اللج، مثلاً، إلى تقبّل فكرة نقل مياههم لصالح مستثمر خاص؟ إن تحويل منظومة قائمة على التضامن والتكامل إلى منظومة ربحية قد يُقوّض القبول الاجتماعي، ويُهدّد تماسك الشبكات التي بُنيت أصلاً على أسس من المصلحة الوطنية المشتركة.
نحو حوكمة شاملة ومستدامة للمياه
على أيّ حال، وبصرف النظر عن هوية المستثمر أو الجهة التي تدير الموارد، ينبغي تجنّب تحويل المياه إلى سلعة تُعامل كمنتج يُستهلك وفق منطق السوق فقط، من دون اعتبار لطبيعتها الحيوية وأهميتها الاستراتيجية. فمثل هذه المقاربة تُهدد بتحويل المواطنين من مستفيدين من حقّ إلى مستهلكين خاضعين لشروط السوق، بما يُعمّق مظاهر التفاوت الاجتماعي ويفاقم الفجوة في الوصول إلى المياه بين الفئات الميسورة والمهمّشة، وهو ما يتنافى جوهريًا مع الحق الأساسي في الحياة.
في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه تأمين مياه الشرب والري في سوريا، تصبح الحاجة ملحّة إلى اعتماد مقاربة شاملة ومتعددة الأبعاد، تُوازن بين الكفاءة الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية، والحفاظ على البيئة. وفي حين يمكن للقطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية أن يلعبوا أدوارًا داعمة ومكمّلة، تبقى المسؤولية الأساسية في إدارة المياه منوطة بمؤسسات الدولة التي يجب أن تضمن هذا المورد كحق عام غير قابل للخصخصة أو التلاعب.
إن تحويل المياه إلى سلعة خاضعة للعرض والطلب يضع الأمن المائي في مهب المخاطر، ويُكرّس الفوارق الاجتماعية، ويُهدد استقرار المجتمعات. ولذلك، فإن أي استراتيجية مستقبلية يجب أن تنطلق من إعادة تعريف العلاقة مع المياه بوصفها حقًّا إنسانيًا غير قابل للتصرف، لا مجرد مورد اقتصادي أو أداة للربح.
ومن هنا، تبرز ضرورة إرساء أسس حوكمة مائية عادلة، تستند إلى المبادئ التالية:
الحفاظ على الملكية العامة للمياه ومصادرها؛
اعتماد تسعير تضامني يراعي الفوارق الجغرافية والطبقية؛
تعزيز الشفافية والمساءلة ومكافحة الفساد في إدارة الموارد؛
وتكريس التكامل المؤسساتي بين الدولة والمجتمع المدني والمجتمعات المحلية.
بهذه المبادئ، يمكن لسوريا أن تضع أسسًا لنظام مائي يُحقّق العدالة الاجتماعية، ويُعزز الاستقرار، ويحفظ الحق في الحياة.
تلفزيون سوريا



