حكمة الحمقى/ يعرب العيسى

19 اغسطس 2025
هدأتم قليلاً؟ هل نستطيع الآن تبادل كلمتين من دون أن يصفق بعضنا بعضاً بمنافض السجائر، أو بالبلوك؟ أيمكننا أن نقول رأيين مختلفين من دون أن يكون اختلافهما خنزرةً أو عمالةً أو مؤامرة؟
ولو أني أعرف أن الجواب: ليس بعد. لكن لا مناص من افتراض النَّعم، لأن لا وقت موجباً للحوار أكثر من الوقت الذي تبدو فيه استحالة الحوار.
لسنا بخير. نحن في محنةٍ عظيمة، نمرّ بكل الأسئلة الكبرى التي طرحها البشر على أنفسهم منذ اضطرّوا إلى الانتظام في جماعات.
أسئلة ليس أكبرها سؤال شكسبير عن أن نكون أو لا نكون. ولا أغربها ذاك السؤال الشائع جداً الآن: هل موتنا جميعاً هو الطريقة الوحيدة لنثبت أن علينا العيش معاً؟ أما من طريقةٍ أفضل من الموت؟ صحيحٌ أن لا أحد يقوله حرفياً، لكن أقوالنا وأفعالنا كلها تكرّره من دون توقف.
قال عدوُّنا آبا إيبيان مرّة: الرجال والأمم تتصرّف بحكمة عندما تستنفد كل الطرق الأخرى. ويبدو أننا لم نستنفد كل سبل الحماقة، وما زال في جعبتنا الكثير مما لم نرتكبه بحقّ أنفسنا بعد.
الأمر ببساطة أننا قليلو الحظ، فبعض الشعوب المحظوظة يرسل إليها القدر جيلاً فيه قدر من الحكمة، يجعلهم يتقاسمون نتائج المعركة قبل حدوثها. يستطيعون نصب ميزانٍ في منتصف الساحة، وتحميل كتل القوى على كفتيه، أو كِفافه الكثيرة. يطرحون بعضها من بعض ثم يأخذ كل واحدٍ حصّته، ويذهبون إلى البيت ليناموا. لسنا من هؤلاء المحظوظين، لذلك علينا تعلم البديهيات بالطريقة القاسية.
ادّعاؤنا أننا أبناء تاريخ عميق لا ينفعنا هنا، هو مجرّد هراء، فمعنى امتلاكك تاريخاً يتحقّق بقدر ما تتعلم من ذاك التاريخ. وما دمت تعيد المنهاج من “قام باسم وقامت رباب” في كل مرّة، يجعل هذا تاريخك كله بلا معنى.
تجميل الواقع الملطخ لن يفعل سوى تعميق أزمتنا وإطالة أمدها، وتضخيم الثمن الذي سندفعه للخروج منها. تخوين من يقول رأياً مخالفاً، تقنية جرّبها من قبلكم وفشل. الصراخ بصوت مرتفع على كل صوتٍ هادئ سيزيد من الفاتورة التي تنتظرنا. تقسيم الناس عمودياً وأفقياً، وتفسير أقوالهم وأفعالهم بناءً على موضعهم في خريطة أذهاننا سيدمّرنا قبلهم، او معهم على أحسن تقدير.
نحن أمام أزمةٍ وطنيةٍ كبرى. وما لم نعترف بذلك، فنحن جميعاً ذاهبون للهاوية. وأعرف كثيرين سيستغربون التحذير ويقولون: ألم نبلغها بعد؟
لا. ما زال هناك عتبات كثيرة حتى نصل إلى قاع الجحيم. وليس علينا بالضرورة أن نهوي فيها جميعاً كي ندرك ذلك.
بقليلٍ من الحكمة سندرك أن خياراتنا محدودة، الأسهل بينها أن نكرّر الخطأ ذاته، الذي ارتكبناه طوال أربعة آلاف من السنين الماضية: أن ننتظر وصول أوامر مستقبلنا من مكانٍ غامض.
والأصعب والأصح أن نجرّب شيئاً جديداً، وهو أن نفعل شيئاً ما، أي شيء يدلّ أننا أحياء، وأن في جماجمنا عقولاً لا قنابل. وأن قلوبنا بشريةٌ لا ذئبية. أن نفكّر في أبنائنا أكثر مما نفكر في وشوم عنجهيتنا.
أن نأخذ نفساً ونراجع أنفسنا مثلاً. أن نضع احتمالاً ضئيلاً في أن الحقيقةَ المطلقة التي نملكها ليست مطلقة، وربما لا تكون حقيقة أصلاً. وأن الآخر ليس وحشاً يجب التخلص منه، وأن الأمم تُبنى بالتوافق، لا بتكسير الرؤوس.
كم هو محزنٌ أن شعباً كأهلي يظنّ بنفسه العظمة، لأنه يقف على إرث حضاري لا يمكن إحصاء قدمه. يرتكب بحقّ نفسه أخطاء توقّفت الشعوب الأخرى عن ارتكابها منذ قرنين
العربي الجديد



