
13.08.2025
” لم يعد من الممكن لنا العيش معاً، لا في ظل دولة مركزية، ولا في ظل “وطنية” يحتكر طرف تعريفها دون الأطراف الأخرى.” ما العمل؟! السوريون جميعاً بحاجة إلى حماية دولية، لمنع أي طرف من الأطراف من الاستئثار بالقرار، وتحويل البلاد إلى غنيمة حرب غارقة في بحر من الدماء.
لا يستطيع أحد أن يخبر السوريين بأن بلادهم لم تعد لهم! ليس خوفاً من ردة فعلهم، في حال سمعوا هذا الكلام، وظفروا بقائله، بل لسبب أبسط من هذا: إنهم يعرفون هذا أكثر منه بكثير… وبالتالي، فإن ردة الفعل، إن وُجد من لديه الطاقة للالتفات إلى هذا الكلام وقائله، لن تتعدى الاستغراق في الضحك على من أعاد اكتشاف الماء، بعد جهد كبير.
أظن أن مشكلة السوريين، من هذا المنظور، ليست في كون بلادهم لهم أم لا، بل في نوعية “السيد” الجديد الذي يريد فرض سطوته على تلك البقعة من الأرض، الرازحة تحت لعنة تأبى أن تزول. وما يعني السوريين ذلك الجانب المتعلق بكون “السيد” الجديد جديراً بجعل حياة الناس في هذه البقعة أفضل، حتى ولو كان مستعمراً؛ مستبداً؛ متعهداً، أو متوهّم إمبراطوريات… سمّه ما شئت؛ المهم، وبعد كل هذا الدمار الذي دام لأكثر من نصف قرن، وحتى يومنا هذا، حتى بعد سقوط الطاغية، أن يحظى الناس في سوريا بحياة تشبه حيوات طالما شاهدوها، وتاقوا إليها، عن بعد، من دون أي محاولة، أو قدرة على الصبر، لفهم كيف وصل غيرهم إلى هذه الحياة.
وبالتالي، تصبح تسمية من يمسك بزمام الأمور، وسط كل هذه الفوضى، لزوم ما لا يلزم. إذ ما يلزم، أبسط، وأشد إلحاحاً، بما لا يقاس، عن كل “الكلام الكبير”، الذي صُدعت رؤوس الناس به، طيلة سنوات القهر، الى درجة أوصلهم فيها الطاغية إلى ما حلم به كل طغاة الأرض: شعب كفر بكل أنواع الكلام، ويريد العيش ولو بنسمة هواء واحدة، غير معني بما يحدث حوله، حتى ولو كان على بعد شارع فقط…
لا أتحدث هنا عن السويداء ومجزرتها المتجددة، ولا عن مناطق العلويين والمذابح المتنقلة فيها، بل عن شارع كان يفصل حي مساكن برزة عن حي القابون في قلب دمشق. المنطقة الأولى كانت تعج بالحياة، بينما الثانية كانت تدك بالمدفعية والبراميل على مدار الساعة، وعلى مرأى ومسمع من جيرانهم على طرف الشارع الآخر! مع ملاحظة أن من عاش على الجانب الآخر، المزدهر، من الشارع، كانوا في معظمهم سنّة، ولم يكونوا علويين أو دروزاً أو مسيحيين…
ولتكتمل المهزلة، فإن ما حصل فعلياً، هو أن الطاغية الذي اجترح تلك “المعجزة” بال السوريون على قبره، بينما وريثه فرّ كجرذ مذعور تاركاً مملكة الموت التي بناها أبوه لطاغية جديد، ما زال قسم كبير من السوريين، سنة سوريا العرب تحديداً، حتى اللحظة، يخمنون بشأنه ويتمنون أن يكون على قياس أحلامهم بحياة… تشبه حياة البشر، وبأي ثمن كان!
النقيصة وقد أصبحت ميزة
يخمن سنة سوريا بشأن الطاغية الجديد في بلادهم، لأن لا أحد منهم يشتري سلطة أحمد الشرع، الجديدة، بقرش. ما ينظرون إليه، ويتعاملون معه، بجدية أكثر بكثير، ويخمنون بشأنه، هم أولئك الذين أوصلوا أحمد الشرع إلى ما وصل إليه. وهم، طاغية، طغاة، لأنهم جميعاً (أولئك الذين يقفون خلف سلطة أحمد الشرع الجديدة ويدعمونها بشكل مباشر، أو عبر تفويض دولي وإقليمي غير مباشر) طغاة في بلادهم، ولو بنسب مختلفة حسب ظروف كل بلد.
كتبت من قبل، إثر الاحتجاج الشعبي ضد سلطة “الجولاني” في إدلب، والذي استمر حتى عشية إطلاق عملية “ردع العدوان”، أن المشكلة ليست في “الجولاني” بقدر ما هي في من يقفون خلفه، ويدعمونه، وأوصلوه إلى ما وصل إليه. وكنت أظن أنني أشير إلى وضع “غير طبيعي” لا بد من النظر إليه بصفته “نقيصة” تمس بنيان سلطة فرضت نفسها على العباد في الجزء “المحرر” من سوريا، آنذاك. لم أتصور أن تلك “النقيصة” ستصبح، وبعد بضعة أشهر فقط، “ميزة” في يد السلطة الجديدة، حتى ولو كانت تلك السلطة مجرد واجهة. بل إن كونها تلك الواجهة، يكاد يكون نقطة قوتها الوحيدة أمام رأي عام، وجد نفسه غارقا في دمار عميم، لا طاقة عند من ابتلوا به لرفعه. لذلك فطلب العون، هو ردة الفعل المتوقعة، والناس أطلت، بعد أكثر من نصف قرن، من حافة القبر، ولو زحفاً.
الصورة في غاية الكآبة؟ نعم… كل من ذهبوا إلى سوريا، ولو في زيارة قصيرة، عادوا بانطباع وحيد: رعب لا حدود له مما رأوه. وبالتحديد ذلك الجزء المتعلق بالمساحات الهائلة للدمار العمراني الذي يحيط بك أينما يممت وجهك. وبعد كل عقود القهر هذه، وبعد كل هذا الدمار، فإن النفوس أيضاً سيطاولها ما طاول العمران من دمار، بل وأكثر. فدمار العمران يمكن ملاحظته، ويمكن إزالته، وإعادة البناء، بشكل أفضل، في مكانه. أما دمار النفوس، فتلك مسألة قد تحتاج أجيالاً كاملة، إن بقيت هناك أجيال تؤمن ببلاد كان اسمها سوريا، في يوم من الأيام.
إنها مصيدة! هكذا كانت البلاد في حقبة الأسد السوداء. ويبدو أن حالها بقي على ما هو عليه، بعد انتهاء تلك الحقبة المقيتة. وإن كان سؤال المسؤولية من الصعب الإجابة عليه وسط هذه المعمعة التي تحوّل فيها الضحية إلى جلاد، والإجابة نفسها تحتاج إلى وقت وظرف يهيئان لها بعيداً عن الانفعالات، والدم، الذي لا نزال غارقين فيه حتى آذاننا للأسف الشديد؛ فإن سؤال ما العمل، هو ما يجب التصدي له، وإلا بقي النزيف مستمراً، بحيث لن يقتصر الأمر على خسارتنا لسوريا، وهو ما أظن أنه قد حصل فعلاً، بل سنخسر السوريين جميعاً.
التمسّك بخشبة الأخلاق!
نعاني في سوريا، وبالذات الطرف المنتمي إلى الغالبية العربية السنية، وأقصد منهم أولئك الرافضين فعلاً كل ممارسات النظام الحالي، وأنصاره من الطائفة ذاتها، نعاني من أزمة أخلاقية كبرى. ما حصل من جرائم فظيعة، موصوفة وموثقة، على أيدي النظام الحالي وأعوانه، وبتشجيع غير مفهوم ومرفوض كلياً من أنصاره، أمر لا يمكن السكوت عنه. هذه مذبحة معلنة وفي الهواء الطلق، ضد كل من هو ليس عربياً سنياً في سوريا. اقتصار الأمر الآن على العلويين والدروز، وهذا بحد ذاته كارثة كبرى، لا يعني أن سكين الجلاد لن تطاول بقية الأعناق ممن يختلفون “معنا”، في العرق والمذهب… وهي ستطاول غداً من هم يختلفون حتى في الموقف، من الطائفة، العرق، القبيلة، وحتى العائلة ذاتها. المشكلة أن ردة الفعل، وعند غالبية كبرى من أولئك “الممتعضين” لا تتعدى الموقف الأخلاقي، الذي قد يراوح عند تحميل المسؤولية في ما حدث للجميع، هكذا بالمطلق، جلادين وضحايا؛ أو قد يتطور إلى موقف يحاول توصيف الوضع القائم، مع التركيز على دور النظام السابق، من دون تقديم أية حلول أو حتى فتح الباب لمناقشتها.
في كلتَي الحالتين، الموقف، في معظمه للأسف، يبقى تباكياً لن يقدم ويؤخر في شيء سوى إضافة المزيد من الدموع، والضياع… كأغنية رومانسية مكرورة من عصر، يتغنى الجميع برومانسيته، ولا أحد يريد العودة للعيش فيه. لا لأن الأمر بات مستحيلاً، بل لأن العودة هذه، إن تحققت إمكانياتها، تصبح انتقاصاً كبيراً من قدرنا كبشر باتوا يعرفون أكثر بكثير، وعاشوا أكثر بكثير، ودفعوا أكثر بكثير، مما عرفه وعاشه ودفعه رواد ذلك العصر.
وطالما أن الحديث عن الأخلاق، فنبراس هذه القيمة هو قول كلمة الحق، ولو في وجه سلطان جائر. وهذا ما لم تنطق به، حتى الآن، غالبية كبرى ممن بات قاعدة شعبية عريضة للحكم الجديد في سوريا. وكل هذا بانتظار نصف ساعة كهرباء زيادة!
ولهذا السبب بالذات، نصف ساعة الكهرباء فوق أي اعتبار كائناً ما كان إلحاحه، كحياة أو موت لآخرين غيرنا، فإن كلمة الحق يجب أن تتجه إلى “السلطان” الحقيقي الذي يقف خلف نظام أحمد الشرع: إنهم أولئك المنتظرون ثمار العهد الجديد… جمهوره الرث. والذي لا يزال يصرّ على وضع الظلم الهائل الذي وقع بحق أهل السنة في سوريا أمامه، الى درجة باتت فيها سوريا كلها خلف الجميع الآن.
الكارثة، أنك إن قلت هذا، وطلبت إجابة صادقة، من هذا الجمهور بالذات، فلن تكون سوى: ومن قال لك أن سوريا وجدت، في أي يوم من الأيام، بصفتها أي شيء آخر سوى غنيمة حرب؟!
العيش في فقاعة الوطنيّة
تتعدد تعريفات الوطنية من مدرسة إلى أخرى عبر تاريخ الفكر السياسي في العالم. والقول إن هناك شكلاً وحيداً لتلك الوطنية، حتى ولو كانت مبنية على أسس الحريات الفردية والمساواة في ظل دولة لجميع مواطنيها، غير صحيح. هناك أشكال أخرى، للوطنيات، وجدت وتوجد حتى الآن. لا أتحدث عن أصلح تلك الأشكال لحياة البشر، بل عن إمكانية وجودها. إذاً، “الوطنية” بحد ذاتها ليست قيمة، وإنما مضمونها هو القيمة.
بل يمكن القول إن حالة متقدمة جداً من تلك الوطنية، كـ “الوطنية المدنية” في الولايات المتحدة، التي تعتمد الالتزام بالقانون والدستور، كأساس لها، تواجه تحدياً هائلاً يفرضه الرئيس الحالي دونالد ترامب، وتياره العريض، قد يرتكس بها إلى وطنية جديدة، قد لا ينطبق عليها أي من التعريفات المتداولة حتى الآن، ولكنها بالتأكيد ستكون شكلاً جديداً من أشكال الفاشية المسلحة بالذكاء الاصطناعي، وترسانة أسلحة خارقة غير مسبوقة عبر التاريخ كله. وكل هذا لـ “جعل أميركا عظيمة مرة أخرى”، وليدفع العالم كله الثمن، كما هو واضح، وبفجاجة مخيفة، من خلال سياسات الرئيس الحالي. بعبارة أخرى: لكي ينال ناخب ترامب كل ما يراه حقاً له، بصفته ابن أمة عظيمة، فعلى الجميع أن يدفع ثمن ذلك، ولو من أجل راتب أعلى… بقيمة نصف ساعة كهرباء زيادة!
من قال إن الفاشيين، في أي مكان أو زمان في العالم، لا يتشابهون؟ بل إن أنصار الشرع في سوريا، وبعد مذبحة السويداء، وما تخللها من قلق بشأن “التفويض” الأميركي الممنوح للشرع، لم يلبثوا أن انتعشوا وتباهوا بعدما أعلنت أميركا رسمياً أنها لا تزال تدعم النظام الحالي في دمشق!
هنا، وضمن هذا المأزق، تصبح “الوطنية السورية الجديدة” التي يبشر بها النظام الجديد، وأنصاره، مأزقاً حقيقياً لكل أولئك المصرّين على موقف أخلاقي، قبل أي شيء آخر. إذ إن المضمون الفاشي، الفاقع، لهذه “الوطنية”، يضعهم أمام مساءلة، لا يجدون مفراً منها سوى المزيد من التباكي والتوصيف.
وربما، وبعد كل هذا الدم الذي سال، فإن الحديث عن تعريف جديد لتلك “الوطنية”، قد فات أوانه، ومن حق العلويين والدروز، ومن سيليهم في قائمة ضحايا النظام الجديد وأنصاره، أن يقفوا عند ما تم تجريعهم إياه من ويلات، حتى الآن.
في مواجهة معضلة كهذه، وهي أخلاقية في جوهرها من دون أي شك، أجد أن البدء بقراءة الكتاب السوري من الصفحة التي وصل إليها، قد يكون أفضل الحلول وأنجعها، فقط لتقليل حجم الخسائر بين الضحايا المدنيين. قلب الصفحات، إلى أمام أو خلف، لن يفيدنا في شيء سوى المزيد من الهروب، وقول كل شيء، ولا شيء، معاً وفي وقت واحد.
صفحة الكتاب السوري الآن تقول لنا شيئاً واحداً: لم يعد من الممكن لنا العيش معاً، لا في ظل دولة مركزية، ولا في ظل “وطنية” يحتكر طرف تعريفها دون الأطراف الأخرى.
ما العمل؟!
تلك بالتأكيد مسؤولية من يصرون على أنهم ما زالوا “نخب” هذا المجتمع المنقسم على نفسه إلى حد المذبحة. ومسؤوليتهم الأولى، الأخلاقية قبل أي شيء آخر، هي أن يشيروا إلى بداية طريق الخروج من هذه المذبحة: السوريون جميعاً بحاجة إلى حماية دولية، لمنع أي طرف من الأطراف من الاستئثار بالقرار، وتحويل البلاد إلى غنيمة حرب غارقة في بحر من الدماء.
هل هذا ممكن؟! عندما قام السوريون ضد الطغيان الأسدي، لم يكن سؤال الممكن مطروحاً وقتها. وإن بقي لنا شيء نتذكره من تلك الأيام، العظيمة فعلاً، فهو تلك الروح وحدها.
بعد ذلك، بإمكان من بقي منا على قيد الحياة، أن يجد طريقة لتنظيم الأمور بين مختلف الأطراف، بأي شكل من أشكال العلاقة الممكنة: لا مركزية في الحكم؛ دولة لجميع مواطنيها، أو دول لهويات محددة؛ أو أي شيء يمكن للجميع أن يتفقوا عليه، بالكلام المستند إلى حقوق البشر، وليس بالسلاح المستند إلى قوتهم.
أما عن إمكانية المشي خطوة إلى أمام، ووضع تعريف جديد لـ “الوطنية السورية”، يلحظ حقوق جميع السوريين وحرياتهم، فأظن أن النظر إلى حال “الإسلام” الآن، بعد استيلاء السلفيين الجهاديين عليه، وتفجيره من الداخل، وهو بعمر يتجاوز الألف وأربعمئة سنة، ساد خلالها على نصف الكرة الأرضية، وتفاعل مع شعوب وثقافات مختلفة، يضعنا جميعاً أمام سؤال احتمال نجاة هذا التعريف الجديد لوطنية عمرها لا يتجاوز القرن ببضع سنوات، على تلك البقعة الصغيرة من الأرض. وطنية أمضت أكثر من نصف عمرها في ظل استبداد دموي. الفاشية التي نراها الآن، هي نتيجة طبيعية لما كان. أما ما سيكون، فتلك مسؤوليتنا، وعلينا النظر إلى ما هو أمامنا كما هو بالضبط، وليس كما نريده أن يكون.
– كاتب فلسطيني سوري
درج



