تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

ما الذي سيحمينا من انتهازية المُستثمِر؟/ خالدية الكسم

تحرير السوق في سوريا قبل التفكير في تطبيق مبادئه

14-08-2025

        هَرب الأسد في 8 كانون الأول (ديسمبر) الماضي مُخلَّفاً وراءه اقتصاداً مُدمّراً، أُنهِك بفعل الفساد المُنظّم وتفاقم معدلات الفقر والعجز. خلال عهد الأسد الأب، اتسم الاقتصاد بسياسة منغلقة كانت تسعى لتحقيق الاكتفاء الذاتي وتوسيع دور القطاع العام، لكن هذه السياسة أدّت إلى ضياع فرص اقتصادية تسببت في هجرة اليد العاملة وتفشي البيروقراطية وحرمان السوريين من بعض الخدمات والمنتجات الاستهلاكية. بالإضافة إلى هيمنة المؤسسات العسكرية على الحركة الاقتصادية، والتهميش الممنهج لبعض المناطق السوريّة الذي استمر لعقود. ثم جاء الأسد الابن ووعد بتطبيق سياسة التحرير الاقتصادي وتفعيل دور القطاع الخاص. بالفعل، أدخل القطّاع الخاص بعض المنتجات والخدمات الجديدة، ولكن تم احتكار السوق والثروات من قبل أشخاص محسوبين على النظام، مما أنتج «رأسمالية محاسيب»، وهي نتيجة معاكسة لما كان لينتُج من منافسة لو تم تطبيق سياسة السوق المفتوح بشكل سليم وأكثر شفافية. كانت نتائج التطبيق الخاطئ لهذه السياسات التي استُخدمت لتعزيز قوة وتَسلُّط النظام على الشعب و لقمة عيشه، غياب التطوّر والاستثمار في مقتضيات النهوض الاقتصادي كتحسين جودة التعليم وتوفر البنى التحتية المختلفة، واتساع فجوة عدم المساواة بين شرائح المجتمع السوري، الذي أضعف شعور المواطنة لدى شرائح واسعة من السوريين. يشير تقرير للأمم المتحدة نُشر في شهر شباط (فبراير) 2025 أن حجم الدمار المادي للبنى التحتية في سوريا اليوم يعادل 123 مليار دولار أميركي، وأن نسبة السكان في سوريا ممن يعيشون تحت خط الفقر هي 90 بالمئة، وأن 2.5 مليون طفل قد انقطعوا عن التعليم.

        في ظل هذه التحديات الكبيرة التي تواجهها السلطات الجديدة، والتي تجلّت مؤخراً في شحّ حاد في الموارد الأساسية مثل الماء والطاقة وانعدام القدرة الماديّة للاستثمار لتحسين مستوى الخدمات الأساسية وخلق فرص عمل، يبدو أن السلطات الجديدة تتجه للاعتماد على آليات «السوق الحر» لإدارة شؤون البلاد الاقتصادية.

        كان الأب المؤسس لعلوم الاقتصاد آدم سميث أول من طرح مبدأ السوق الحر، الذي يعتمد في جوهره على فكرة أن السوق يُصلح نفسه بواسطة «اليد الخفية» the invisible hand. في نظرية سميث، تلك اليد الخفية قادرة على ترتيب وتوزيع الثروات والموارد النادرة إلى المكان الذي تكون أكثر فعاليةً فيه في المجتمع، دون تدخل من الحكومة أو تخطيط مركزي. يعتقد من يتبنّى سياسة السوق الحر بأن المنافسة تؤدي إلى نتائج جيدة للمستهلكين. وكمثال بسيط عن هذه الآلية: إذا كانت مهنة الخبّاز مُربِحة (بمعنى أن الوارد أعلى من التكلفة)، فهذا سيدفع آخرين (دون طلب أو تدخل من الحكومة) لإنشاء مخابز والمنافسة على الجودة والسعر لجذب الزبائن، مما يعود بالفائدة على المستهلك. طبعاً لتكون هذه الآلية فعّالة لابد من الحد من البيروقراطية، وتأمين البيئة المناسبة للشركات والمستثمرين.

        تطورت نظرية السوق الحر، وأثبتت التجارب العمليّة بأن السوق إذا ما تُرِك وحده قد يخفق market failures في إنتاج وتحقيق «الرفاه الاجتماعي» social welfare الذي يُعد حجر أساس العلوم الاقتصادية. لتجنّب إخفاقات السوق هذه، أنشأت الاقتصادات النيوليبرالية التي تشجع وتؤكد على دور القطّاع الخاص في الاستثمار في البنى التحتية، مؤسسات حكومية مستقلّة وظيفتها متابعة أحوال السوق والتدخل حينما يفشل السوق بتحقيق توزيع فعّال للثروات. وأبرز أشكال إخفاق السوق تتضمن، على سبيل المثال لا الحصر، ما يلي:

        – عندما تؤدي عملية الإنتاج أو الاستهلاك إلى تداعيات سلبية خارجية على أطراف ثالثة (غير المنتج والمستهلك) مثل التلوث الذي قد ينتج من المصانع وآثاره السلبية على سُكّان المنطقة، وعدم أخذ هذه الأثمان بعين الاعتبار في تحديد كمية وسعر المنتج (يدفع المتضررون أثمان هذا التلوث وحدهم على شكل تدهور في مستوى المعيشة والبيئة المحيطة).

        – احتكار السوق من قِبل مُنتِج واحد أو بضعة منتجِين وفرض السيطرة على الكميات المتاحة والأسعار لزيادة الأرباح الفرديّة، على حساب الكميات التي يحتاجها المستهلك.

        – عدم المساواة في الفرص الاقتصادية وتوزيع الثروات، مما قد يؤثر على الاستقرار الاجتماعي والأوضاع الأمنية وهدر الطاقات والمواهب.

        ويعدُّ احتكار شركة واحدة أو بضعة شركات كبيرة للسوق، كما ورد في النقطة الثانية أعلاه، من أبرز أوجه الإخفاق، وفي تلك الحالة بإمكان المحتكِر زيادة الأسعار والمحافظة على الطلب، إلى حد ما، بحكم انعدام أي نوع من المنافسة. والمتضرر من هذا هو المستهلك بالدرجة الأولى.

        تهدف مبادئ السوق الحر إلى منع حدوث ذلك بالتحديد، لكن ما مدى قدرة السوق الحر على أداء دوره بفعّالية في القطاعات التي تحدّ طبيعة السلع المتداولة فيها من فرص المنافسة؟ أتكلم هنا عن سلع مثل الماء والطاقة والاتصالات. نظراً لحجم الاستثمارات الكبيرة التي تحتاجها الدولة لتأمين هذه الخدمات وشكل وجود هذه الموارد في الطبيعة، لا يمكن، عمليّاً، إلا أن يكون هناك شركة واحدة أو عدد محدود من الشركات لتقديم هذه الخدمات. إذاً تمتاز هذه القطاعات بما يسمى في الاقتصاد بـ«الاحتكار الطبيعي» natural monopolies، ونظراً لأن هذه الموارد هي أُسس للحياة الكريمة والنهوض الاقتصادي، فإن الدول تولي أهميةً خاصة لها، وتسعى لأن تكون هذه الموارد متوافرة للمواطنين بكافة فئاتهم وبسعر يتناسب مع دخل الفرد.

        في سوريا اليوم، تم دخول مستثمر إلى قطاع الطّاقة، والسماح للشركات الخاصة بإنشاء معامل لتعبئة مياه الشرب في عبوات وطرحها في السوق. بغياب معلومات إضافية تُوضح آلية حماية المستهلك من دفع مبالغ باهظة لهذه الموارد، تبقى مثل هذه التطورات الاقتصادية مُقلِقة.

        السؤال التالي البديهي في هذا السياق هو: ما هي حلول ظاهرة الاحتكار الطبيعي، وكيف يمكن للدولة ضمان توافر هذه السلع للمواطنين بكافة شرائحهم الاقتصادية والاجتماعية وبأسعار مقبولة؟ في بعض البلدان، تقوم الدولة نفسها بالاستثمار وتقديم هذه الخدمات لمواطنيها بأسعار تتناسب مع الدخل القومي. أمّا في الدول التي خصخصت تلك القطاعات مثل معظم دول أوروبا الغربية وبريطانيا، فإن هذه القطاعات تخضع لتنظيم اقتصادي مباشر من الدولة economic regulation يضمن حقوق المستثمرين والمستهلكين. لا يأتي التنظيم الاقتصادي من الدولة دون تكاليف إداريّة، لذلك تراقب مؤسسات الدولة مؤشرات معيّنة في السوق لتقرر ما إذا كان هذا الأمر ضرورياً. ومن أبرز المؤشرات في هذا الصدد الخيارات البديلة المتوافرة لدى المستهلك، وإمكانية دخول منافسين لخفض الأسعار لصالح المُشتري.

        تشير العناوين اليوم في سوريا إلى خصخصة هذه القطّاعات الرئيسية أو أجزاء منها، وبدا لافتاً خبر توقيع مذّكرة تفاهم بقيمة 7 مليارات دولار مع تحالف شركات في مجال الطّاقة، أبرزها شركة أورباكون التي يديرها رجل الأعمال السوري – القطري رامز الخيّاط، والتي تشمل تطوير أربع محطات توليد كهرباء في مناطق دير الزور، ومحردة، وزيزون بريف حماة، وتريفاوي بريف حمص. في كلمته خلال حفل توقيع المذكرة، أشار الخيّاط إلى أن هذا المشروع سيوفر أكثر من 50 ألف فرصة عمل مباشرة و250 ألف فرصة عمل غير مباشرة (من دون أن يوضح كيف توصّل إلى هذه الأرقام، ولكن من الجدير بالذكر أن حساب فرص العمل غير المباشرة بالتحديد هي عملية حسابية معقّدة تحتاج إلى معلومات حول قياس القطّاعات المختلفة في سوريا، وهي معلومات لا نمتلكها حالياً).

        خلق فرص عمل للسوريين هو أمر إيجابي بالتأكيد، ولكن ما كان غائباً عن الخبر هو ماهيّة إدارة هذه الاستثمارات بشكلٍ يضمن توافر الطاقة للمستهلكين بأسعار معقولة. يستثمر الخيّاط مليارات الدولارات في قطاع الطّاقة، وهو بالتأكيد يفعل ذلك متوقعاً أن يجني مع الوقت القيمة الاستثمارية بالكامل بالإضافة إلى ربح سنوي. هذه هي القاعدة الأولى في الاستثمار. ما هو الربح السنوي المحدد، وما هو المدى الزمني المتوقع لاسترجاع القيمة الاستثمارية؟ وكيف سينعكس ذلك على فاتورة المواطن؟ هذه أسئلة تصب في جوهر التنظيم الاقتصادي للحكومات النيوليبرالية، والتي تقوم بتحديد سقوف للسعر الذي سيدفعه المواطن لهذه الخدمات الأساسية.

        هناك أشكال مختلفة للتنظيم الاقتصادي في الدول التي اعتمدت خصخصة بعض القطاعات مثل الطاقة والماء. وعلى سبيل المثال، تحدد الولايات المتحدة الأميركية «عائد الاستثمار» rate of return وتسمح للمستثمر باسترجاع كل ما أنفق من تكاليف، بالإضافة إلى العائد. تشوب هذه الطريقة عدّة مشاكل أهمها غياب الحافز عند المستثمر لتقليل التكاليف، مما سينعكس على فاتورة المستهلك. في المملكة المتحدة، أُدخِل التنظيم الاقتصادي عام 1984 إلى قطّاع الاتصالات أولاً بعد خصخصته في عهد حكومة مارغريت تاتشر المُحافِظة، ضمن سياستها الهادفة لتقليص دور القطاع العام بسبب مصاريفه المرتفعة وعدم استجابته لاحتياجات المواطنين آنذاك. وخضعت قطاعات أخرى في المملكة المتحدة للخصخصة والتنظيم الاقتصادي  مثل المطارات (1987) والكهرباء (1989) والماء (1989)، وغيرها. الهدف من التنظيم الاقتصادي هو محاكاة نتائج السوق التنافسي من حيث تحديد أسعار عادلة وجودة عالية للخدمات. لذلك، يقوم التنظيم الاقتصادي في المملكة المتحدة بتحديد التكاليف الجارية عبر جمع معلومات عن تكاليف القطاع، ومقارنتها، في حالات معينة، ببلدان و قطاعات أخرى للتأكّد من «كفاءة» مصاريف المستثمر efficiency. على سبيل المثال ولإيضاح هذه النقطة: إذا كان المستثمر يحتاج إلى كميات كبيرة من الحديد للبناء، فإن من واجب وصلاحيات المؤسسة الحكومية المسؤولة عن التنظيم الاقتصادي إلزام المستثمر بطرح مناقصة في السوق للحصول على عروض تنافسية للحديد، لضمان تنافسية السعر المدفوع للحديد بدلاً من احتكاريّته.    

        تدرس المؤسسات الحكومية المسؤولة عن التنظيم الاقتصادي أيضاً نسبة «الاهتلاك السنوي للاستثمار» depreciation، بالإضافة إلى عائد الاستثمار، لتحديد ما يمكن للمستثمر تحصيله كعائد سنوي من المستهلكين، كما يوضح المخطط أدناه.

        يعتمد عائد الاستثمار على ما يمكن للمستثمر أن يجنيه إذا ما قام بالاستثمار في بلد آخر ذي ظروف مشابهة، وعلى درجة «خطورة» الاستثمار من حيث نسبة نجاحه. من المهم الإشارة هنا أن الحكومة البريطانية تُلزم شركات الطاقة بتقديم المساعدة اللازمة للمواطنين ذوي الدخل المحدود أو لمن لديه حالة صحيّة تتطلب وجود الكهرباء بشكل دائم في المنزل. بالإضافة إلى ذلك، قد تتدخل الحكومة للمساعدة عبر تقديم دعم مادي إلى القطاعات الاستراتيجية للاقتصاد البريطاني لتخفيف كُلف الإنتاج، لتمكين هذه الصناعات وتعزيز قدراتها التنافسية في الأسواق الخارجية.

        إن المهمة الرئيسية للمؤسسات الحكومية المسؤولة عن التنظيم الاقتصادي هي حماية المواطن من انتهازية المستثمر. بالطبع، يحتاج تطبيق مثل هذه الأنظمة إلى الوقت وتراكم الخبرة، وهي عملية تتطور مع الزمن والظروف. وتحتاج سوريا إلى وقت كافٍ لبناء هذه الأنظمة والخبرات، غير أن الإشارة إلى الأمثلة أعلاه ما هو إلا للتأكيد على ضرورة مساءلة حيثيات الاستثمارات التي تقوم في سوريا اليوم، والتأكيد على أهمية بناء مؤسسات مستقلّة وشفافة. لا شك أننا بحاجة إلى تقديم تسهيلات حقيقية للمستثمرين، سواء عبر تخفيض الضرائب، أو تقليص البيروقراطية وتعزيز الاستقرار الأمني والسياسي، لكن يجب ألا تكون التسهيلات للمستثمرين على حساب حقوق المواطن أو مصالحه.

        أخيراً، قد يقدّم نموذج السوق الحر الفرص من حيث إمكانية إنشاء شركات وخلق فرص عمل جديدة في سوريا، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع المستوى المعيشي، ويُنهي سنوات طويلة كان تأمين لقمة العيش فيها (إن وجدت) يمثّل مشقّةً شديدة. ولكن تطبيقه دون الأخذ بعين الاعتبار حدوده وحقيقة بأن الاحتكارات قد تنشأ في السوق الحر، وكذلك الحالة الخاصة للوضع السوري، قد يجرنا إلى أزمات جديدة.

        تُطبّق السلطات الجديدة مبادئ السوق الحر اليوم دون التأسيس لها بشكل سليم يعود بالفائدة على التجار المحلّيين والمستهلكين. فمثلاً، قامت السلطات الجديدة بتحرير السوق لسلعة الخبز، القوت الأساسي في بلد يعيش معظم سكانه تحت خط الفقر، وفي ظل انخفاض حاد في مستوى دعم المانحين للغذاء (انخفضت المساعدات بنسبة 80 بالمئة في 2024)، وانهيار القدرة الشرائية للمواطن السوري، يمكن لهذا القرار أن يكون له عواقب كارثية على السكّان في سوريا. كان من الأجدر أن تقوم السلطات بتحرير السوق بشكل تدريجي، بأن تقوم أولاً بدعم الفلاحين من خلال تقديم المنح أو القروض لشراء الآلات والمواد الأولية التي لها دور في جعل عملية الزراعة والإنتاج أكثر كفاءة. ففي موجة الجفاف الحادّة التي تشهدها سوريا اليوم، هناك حاجة ملحّة إلى التفكير بأساليب تقنين الري والحدّ من الهدر المائي، والعمل على تأمين  بذور أكثر مقاومة للجفاف. عندما يتم دعم وتمكين الزراعة والصناعة من خلال بناء إمكانيات الإنتاج بكفاءة، فإن التكاليف، وبالتالي الأسعار، ستنخفض بشكل تدريجي على المواطن، ويزداد المحصول بحيث يمكن توريد الفائض إلى أسواق خارجية. تم الإعلان مؤخراً عن مبادرة لتقديم الدعم للخبز في مناطق محدودة بسوريا وهي خطوة ضرورية، ولكن كان غائباً عن الخبر ما إذا كان هنالك دعم للفلاحين في ظل ظروف الجفاف القاهرة.  

        سياسة دعم إنتاج الخبز تنطبق حتى في ظل زيادة الرواتب الأخيرة التي أعلنتها السلطات الجديدة، والتي سترفع، مؤقتاً، القدرة الشرائية للمواطنين في سوريا. هذه الزيادة في الرواتب والكتلة النقدية من الليرة السورية ستؤدي إلى زيادة الطلب على الكمية القليلة من البضائع والدولار في السوق، مما سيؤدي لارتفاع سعر الدولار والبضائع أيضاً. لتجنب هذا الأمر، يجب دعم الزراعة والصناعة لزيادة الإنتاج المحلي للاستجابة لارتفاع الطلب وزيادة الصادرات (التي ستزيد من حجم الكتلة النقدية الأجنبية). على عكس ذلك، فإن ما نراه اليوم هو فتح السوق بشكل كامل للبضائع التركيّة بالأخص (حتى عبوات مياه الشرب باتت تستورد من تركيا، مع العلم أن تركيا تقيّد بشكل غير قانوني حصة سوريا من تدفق نهر الفرات). بينما قد يؤدي الاستيراد، نظرياً، إلى تحسين جودة المنتجات السورية لكي تتمكن من التنافس مع البضائع الأجنبية. علينا أن نسأل ما إذا كان ذلك واقعياً في ظل الصعوبات التي ما زالت الشركات المحلّية تواجهها اليوم، فإلى أيّ مدى يمكنها المنافسة مع شركات تركيّة لها خبرة سنوات طويلة من العمل في السوق دون عقوبات وبتوفّر الأساسيات مثل الطاقة؟ بغياب الدعم، لن تصمد المصانع المحليّة أمام المنافسة الخارجية، وهذا سيؤدي إلى ارتفاع مستوى البطالة في الوقت الذي يجب أن يكون تأمين فرص عمل للشباب السوري اليوم أولوية قصوى لما له من دور في إرساء الأمن والسلام.

        نحن بحاجة إلى التأسيس لتطبيق سياسات السوق الحر، وهذا يبدأ بدعم وحماية الإنتاج والصناعة المحليّة. غالباً ما تقوم البلدان بهذا الدعم بشكل استراتيجي من خلال التركيز على الأنشطة التي تُعد محركاً أساسياً للاقتصاد أو تُعد مُهمة للأمن القومي. فمثلاً أثناء نهوضها الاقتصادي، قامت كوريا الجنوبية بدعم صناعة السيارات بحكم أنها صناعة استراتيجية للبلد، وتقوم المملكة المتحدة إلى يومنا هذا بدعم صناعة الفُولاذ لأهميتها للأمن القومي.

        في سوريا، لابد من التركيز ودعم القطّاعات التي من شأنها خلق فرص عمل للسوريين والسوريات مثل القطّاعات الزراعية والحيوانية، وصناعة المواد الأولية والصناعات النسيجية، والسياحة لما لها من دور هام في النهوض بالنشاط الاقتصادي. مع الوقت، يجب التفكير أيضاً بكيفية توسيع قطّاع الخدمات وتأسيس رأس المال الاجتماعي لذلك. من دون خطة استراتيجية وتطبيق تدريجي لمبادئ السوق الحر يقوم على الشفافية وحماية المستهلك، سيبقى المواطن السوري الخاسر الأكبر.

موقع الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى