مشاهد سورية متشابهة/ رشا عمران

16 أغسطس 2025
تمكن نظام الأسد من ربط العلويين به عبر سلسلة طويلة من الإجراءات الخفية التي نادرًا ما كان يعرفها السوريون أو يكترثون لها، وهو ما سبب سوء الفهم ببداية الثورة، وجعل مؤسسات المعارضة قاصرة عن تقديم خطاب وطني جامع يمكنه جذب كل السوريين بمن فيهم العلويون، ذلك الخطاب المفقود الذي كان يمكن به نقض كل ما حاول نظام الأسد ترسيخه في الوعي الجمعي العلوي.
اشتغل النظام السوري على تعزيز المظلومية التاريخية لدى العلويين الذين هربوا إلى الجبال خوفًا من الفتاوى التي انتشرت ضدهم عبر التاريخ، خصوصًا في زمن الدولة العثمانية؛ الجبال التي سُميت لاحقًا (جبال العلويين)، لم تكن تصلح لشيء غير زراعة الزيتون وبعض الأشجار الموسمية والتبغ الذي منعت حكومة الأسد الفلاحين لاحقًا من زراعته. هذه الطبيعة الفقيرة بالموارد والتي تم إهمال تنميتها عمدًا (قريتي قريبة من مدينة طرطوس، ومع ذلك حتى هذه اللحظة لا يوجد فيها صرف صحي)، لم يكن أمام أبنائها سوى الالتحاق بالجيش أو الأمن لكسب عيشهم وعيش عائلاتهم، أو التعليم بكل أنواعه بهدف الاستفادة من راتب الوظيفة أو مهنة ما بعد التعليم الجامعي.
ولهذا يوجد بين العلويين عدد كبير من الأطباء والمهندسين والمحامين إضافة إلى العدد الكبير من المدرسين والعاملين في قطاع التمريض والصحة، لكن العدد الأكبر كان في سلك الجيش حيث الراتب الشهري ومنحة التعليم لمن يود متابعة دراسته على حساب مؤسسة الجيش. أسرد هذا لأبيّن كيف ارتبط العلويون بنظام الأسد. لم يكن الارتباط فرديًا بل كان جمعيًا، بمعنى أن عائلات بأكملها تعيش من راتب فرد أو اثنين منتسبين إلى المؤسسة العسكرية أو الأمنية.
حين بدأت الثورة في عام 2011 وبدأت الانحيازات المجتمعية بالظهور، كان من غير المستغرب وقوف معظم العلويين مع النظام. الثورة أظهرت خوفًا وجوديًا تاريخيًا لدى هذه المجموعة البشرية التي راكمت مظلوميات طويلة عن الاضطهاد وفتاوى القتل. وجود نظام الأسد على رأس الحكم كان بالنسبة لها هو الأمان الوجودي، هو ضمان البقاء وضمان النجاة وضمان اختفاء الخوف.
حالة هذه المجموعة البشرية ليست فريدة، هي حالة كل الأقليات في المجتمعات الفاشلة أو المجتمعات غير المنجزة، وهذه مجتمعات عادة ما تكون محكومة بنظم استبدادية تغذي الصراعات الوجودية بين مكونات المجتمع، لأن صراعات كهذه تحميها من الثورة وتحميها من الاحتجاج المجتمعي والغضب الشعبي، ثمة من يقف معها دائمًا من الشعب، ما يعيق أي حراك مجتمعي واسع وشامل ضدها. وهو ما حصل فعلاً في سورية وأجل رحيل الأسد أربعة عشر عامًا كاملة حصلت فيها حروب متنوعة لم تبتعد الحرب الأهلية عنها، وتغيرت معها سورية إلى الأبد، تغير مجتمعها بالكامل وظهر العفن الكامن في قاع المجتمع إلى السطح مؤذنًا بدخول سورية في مرحلة جديدة من تاريخها.
هرب الأسد أخيرًا في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024 إثر توافق دولي في لحظة استثنائية من الزمن السوري والعربي والإقليمي، توافق استلمت إثره هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقًا) بزعامة أبو محمد الجولاني الذي استعاد اسمه الحقيقي لاحقًا (أحمد الشرع)، أيضًا في لحظة سورية استثنائية اجتمع فيها السوريون جميعًا على وحدة الوطن السوري، بمن فيهم العلويون الذين كانوا منذ مدة يدارون غضبًا كبيرًا بينهم سببه الفقر ودفعهم ثمنًا غاليًا لبقاء نظام الأسد لم يجدوا مقابلاً له سوى المزيد من التهميش ومن الخوف والخضوع لشبيحة الأسد ومجرميه.
ورغم الخوف من التغيير إلا أن تلك اللحظة حين نزل السوريون جميعًا إلى شوارع البلد احتفالًا برحيل المجرم كانت بالنسبة للعلويين إيذانًا بعهد جديد أكدته خطابات أحمد الشرع المقتضبة لكن الواضحة تجاه الأقليات وتجاه العلويين تحديدًا. لكن يبدو أن الأفعال لم تنطبق مع الأقوال، فسرعان ما بدأت الانتهاكات ضد العلويين التي كانت توصف بالأخطاء الفردية، ثم جاءت مجزرة الساحل يوم السادس من مارس/ آذار 2025، وما حصل فيها من دعوات إلى الجهاد في الجوامع دفعت عشرات الآلاف من المواطنين المدنيين (السنة) للذهاب إلى الساحل والمشاركة في المجزرة ضد العلويين المدنيين إثر قيام بعض الفلول المسلحين بمهاجمة عناصر من الأمن العام.
ثم ليكون السوريون اليوم مع مجازر في السويداء أو ضد الدروز (الحكومة المؤقتة تسمي الجماعات السورية بأسماء طوائفها ومذاهبها) وأيضًا بإعلان النفير العشائري (السني) القادم من كل سورية لقتال الدروز (الخونة). وهنا لسنا بصدد الحديث عن المجازر وكيف بدأت ومن المسبب، هذا أمر أُشبع بحثًا وتحليلًا؛ لكن على مدى ما يقترب من التسعة أشهر بات واضحًا أن الحكومة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع تستنسخ تجربة الأسد في التعامل مع السوريين، خصوصًا في العلاقة بين المجموعات البشرية السورية المختلفة والمتنوعة. لكن بطريقة أكثر راديكالية من طريقة نظام الأسد.
فبينما رفض نظام الأسد خلال خمسين عامًا الحديث عن مذاهب وطوائف في المجتمع (رغم شغله الدؤوب على تكريس هذه الانقسامات) وشكل حوله نخبة أوليغارشية من كل مكونات المجتمع السوري في نفس وقت جره فقراء الطائفة العلوية لتكون وقوده وقوته الضاربة في أي خلاف داخلي، فإن حكومة أحمد الشرع الانتقالية أسقطت مباشرة هذا الحياء البراغماتي، فالشعب السوري بالنسبة لها هم (السنة) فقط، هي تتصرف بوصفها حكومة السنة ودولتهم، أما باقي الشعب فهم أهل ذمة إن عارضوا سياسات الحكومة فيجب تطبيق الحد الشرعي عليهم باستخدام المدنيين السنة وباستعدائهم المتواصل عبر ضخ خطاب كراهية متواصل من قبل مجموعات مقربة من الحكومة المؤقتة تتمتع بحضور وانتشار واسع على وسائل التواصل الاجتماعي يمكنها من خلاله خلق حالة التفاف حول الحكومة بوصفها المنقذ الوحيد (للأمة) السنية السورية التي تعرضت لمظلومية كبيرة خلال خمسين عامًا، المنقذ من عدو افتراضي يُسمى (تحالف أقلوي) هدفه إعادة حكم الأقليات واضطهاد السنة مجددًا.
هذا الخطاب الدوغمائي الشعبوي الذي تعتمده الحكومة المؤقتة مع اقتصار تعييناتها كلها على لون واحد ووحيد، مع تكريس مصطلح (الدولة الأموية) الذي يدغدغ مشاعر العامة ويشد من عصبهم الديني ويحيلهم إلى فاشية مجتمعية في خدمة السلطة، ترافق مع هدم مؤسستي الجيش والشرطة بالكامل بذريعة انتسابهما لنظام الأسد والاستغناء عن كل من فيهما.
ثمة حاجة الآن إلى إعادة اشتغال مؤسستي الشرطة والأمن، ما سيعيدنا إلى خطوات الأسد في بناء نظامه المستبد: اللجوء إلى خزان بشري يعاني من المظلومية المحقة ومن الفقر والتهميش ومن انعدام الخدمات والتنمية، موجود أكثره في الشمال السوري وريفه ومخيماته، وموجود في البلدات والمدن المدمرة (لا توجد أي خطة حالية للحكومة الانتقالية متعلقة بإعادة إعمار تلك المدن وتأهيلها وتنميتها)، هذا الخزان البشري الشبابي ما من فرصة أمامه للعيش سوى الالتحاق بسلك الشرطة والأمن.
هكذا سوف تجد عائلات بأكملها نفسها مرتبطة بالنظام وجاهزة تلقائيًا للدفاع عنه حماية لوجودها ولبقائها، وكلما تورط النظام في مجازره تورطت هي أكثر في الالتحام به، حصل هذا سابقاً مع العلويين، وهو ما يحصل اليوم مع كثيرين جدًا من السنة، الذين، لا يدركون، كما سابقيهم، أن نظمًا كهذه لن تقدم لهم سوى الفتات وسوى الخذلان وسوى خسارة أرواح وحياة أبنائهم من الشباب، بينما ستبقى مشاركاتهم في المجازر وتأييدهم لها وعداؤهم لآخرين من أبناء وطنهم وصمًا أبديًا سيبقى ملتصقًا بهم وقتًا طويلًا، وهذا، مرة أخرى، ما حدث مع العلويين الذين اكتشفوا متأخرين أنهم لم يكونوا سوى وقود رخيص لنظام الأسد وسوى ضحية من جملة ضحاياه، وأنهم سوف يدفعون أثمانًا باهظة نتيجة خيارات قاتلة سببها الخوف من اضطهاد جديد يوصلهم إلى مجازر إبادية.
من المؤسف أن يستعيد التاريخ السوري أحداثه ذاتها، مع أن هذه الأحداث لم يمر عليها زمن طويل، ومن المؤسف أكثر أن يستعير البشر سلوكًا استنكروه سابقًا، وأن يمارسوا أفعالًا كانوا ضحية لما يشبهها قبل حين. من المؤسف أن يعود سوريون ليتماهوا مع السلطة، سوريون كانوا ضحية هذا التماهي سابقًا، وهم الأكثر معرفة بما يمكن لشيء كهذا أن يتركه من خطر على الكيان السوري. من المؤسف الإصرار على حالة الاستقطاب الطائفي التي تغذيها سلطة مؤقتة وتكرسها في مجتمع هش ومفكك مما يجعل من أمر إعادة بنائه شبه مستحيل، وتوصل الحال السورية إلى نقطة اللاعودة.
ذلك أن فرقًا كبيرًا يحدث الآن عما حدث مع العلويين، فالسنة في سورية أكثرية، ومن تعرضوا لمجازر النظام خلال الأربعة عشر عامًا الماضية هم أكثرية الأكثرية، هؤلاء أُهدرت حقوقهم بسبب عدم تحقيق العدالة، لا تمكنوا من محاسبة المجرمين ولم يعوضهم أحد عن جزء ولو بسيط من خساراتهم الكبيرة؛ وحده الإحساس بامتلاك السلطة ما يمنحهم القليل من الانصاف والشعور بالقوة بعد سنوات من الاستضعاف والاستباحة وضياع الحقوق. لكن شعور القوة هذا إن لم يتم ضبطه سوف يتحوّل إلى قوة عنفية تطيح بكل ما حولها خصوصًا مع ترك السلاح لها ومع استخدامها من قبل السلطة المؤقتة في حروبها ضد باقي المكونات السورية كما يحدث الآن.
ضفة ثالثة



