مقالات مختارة تناولت الاستثمار في سوريا

الدَّين الخارجي ليس العدو: ليست المشكلة في الدَّين بل في شروطه/ مسلم عبد طالاس
19-08-2025
في خضمّ التحديات الاقتصادية الخانقة التي ورثتها سوريا بعد أكثر من عقد من الحرب، خرج محافظ البنك المركزي السوري بتصريح مفاده أن البلاد، وبتوجيه من أحمد الشرع، لن تقترض من الخارج، وستكتفي بالاستدانة الداخلية. قد يبدو هذا الموقف صلباً، وطنياً، بل وربما مبدئياً في نظر البعض. لكنه، في جوهره، يعكس سوء فهم عميق لطبيعة الاقتصاد الحديث، ولسياق الاقتصاد السوري تحديداً.
في موروثنا الثقافي السوري، غالباً ما ينظر الناس للدَّيْن بوصفه حالة ضعف، أو عجز عن الاكتفاء الذاتي، سواء على مستوى الأفراد أو الدول. يُقال «الدَّين همٌّ في الليل وذلٌّ في النهار»، ويُربَط الاقتراضُ بالخضوع لإرادة الغير، سواء كانت شريرة تبحث عن الربح، أم «خيِّرة» تبحث عن الأجر الأُخروي أو المكانة الاجتماعية. يُضاف إلى ذلك أن الدَّين مرتبط بفكرة الفائدة والتي تعتبر مرفوضة في الثقافة الإسلامية. ويستحضر في مثل هذا السياق التجربة السيئة لمصر، حين أدى اقتراضها من الإنكليز إلى التدخل ثم الاحتلال في القرن التاسع عشر. هذا الإرث الثقافي والسياسي رسّخ في أذهان العامة – وحتى بعض النخب – فكرة أن الاستدانة عمل مشبوه.
لكن هذا الفهم يتجاهل حقيقة أساسية أن اقتصاد السوق فصل منذ زمن طويل بين البيع والشراء. فأنت عندما تبيع محصولك من القمح لا تشتري مباشرة سلعاً أخرى بقيمة معادلة، بل تتلقى نقوداً تستخدمها لاحقاً في الشراء. وهذا في جوهره يعني أنك تُقرض قيمة محصولك لجهة ما ريثما تستخدمها عند اللزوم. وهنا نأتي إلى حقيقة مهمة جداً، هي أن الاقتصاد المعاصر قائم على الدَّين، أو بتعبير أدق، على الائتمان. نحن نعيش في عصر النقود الورقية، وهي في جوهرها ديون تُصدِرها الحكومات. حين تحمل في جيبك ورقة نقدية، فأنت في الواقع تُقرض قيمة تلك الورقة للجهة المصدرة. وإن تَذكَّرنا الأدوات الحديثة التي تُستخدم في البيع الآجل، مثل البيع بالتقسيط وبطاقات الائتمان وغيرها من الأدوات الائتمانية التي أصبحت جزءاً أساسيّاً من حياتنا، فإننا ندرك أن الاقتصاد الحديث ومعيشتنا الراهنة لا يُمكن أن تتم من دون الدَّين.
إن الدَّين وسيلة لتجاوز فجوة زمنية بين الحاجة والقدرة على تلبيتها، وهذا ليس عيباً فردياً أو تهديداً لسيادة الدولة. الجميع معرض لأن تطرأ لديه حاجة ما، قد تكون استهلاكية كـ(المرض) أو استثمارية كـ(فرصة لتحقيق ربح أو مشروع تنموي)، من دون أن تتوافر لديه القدرة المالية لتلبيتها. وحتى الدول الكبرى – من الولايات المتحدة إلى ألمانيا – تقترض، وتُصدر سندات، وتُعيد هيكلة ديونها إذا لزم الأمر. وبالنسبة للدول النامية هناك أمثلة كثيرة على استخدام الدَّين بشكل عقلاني، مثل فيتنام وراوندا؛ لكن في المقابل هناك حالات كارثية في الاستدانة مثل لبنان. إذاً الرهان ليس على تجنب الدَّين، بل على إدارته بعقلانية. حين يُستخدَم الدَّين لتمويل مشروع مُنتِج أو ترميم طاقة اقتصادية مهدورة، فإنه يتحول إلى أداة للنهوض. لكن عندما يقترض الفرد أو الدولة بشروط مُجحِفة، أو لأهداف استهلاكية لا تدر دخلاً، يُصبح الدين عبئاً. هذا يعني أن المشكلة ليست في وجود الدَّين بحد ذاته. المشكلة تكمن في شروط الدين وكيفية استخدامه. وهنا تظهر أهمية أسئلة مثل: ما هي الغاية من الاقتراض؟ وما هو معدل الفائدة؟ وما هي فترة السداد؟ وما نوع العملة؟ وما هي نسبة الدَّين إلى الناتج المحلي؟.
التجربة الخاصة لسوريا تدعم هذا. فرغم أنها كانت تُعَدّ من الدول ذات المديونية الخارجية المنخفضة قبل عام 2011، إذ لم تتجاوز ديونها الرسمية آنذاك 5.5 مليار دولار، وكانت بمعظمها تجاه روسيا وقد شُطبت منها نحو 73 بالمئة في العام 2005، إلا أن تلك المديونية المنخفضة لم تجعل الأداء الاقتصادي السوري أفضل من الدول التي كان لديها حجم أضخم من الديون في حينه. وحالياً هناك تقديرات للدَّين الحالي لسوريا بأنه يبلغ حوالي 20-23 مليار دولار. هذه الديون ناتجة عن سياسة الاستدانة غير التقليدية من حلفاء الحرب، خصوصاً إيران وروسيا. منذ عام 2013، حصلت سوريا على خطوط ائتمان إيرانية تتجاوز 4.6 مليار دولار، لدعم استيراد المواد الأساسية والطاقة. وتُقدِّر بعض المصادر إجمالي الدين المتراكم لطهران وحدها بنحو 17 مليار دولار. أمّا روسيا، فقدمت دعماً عسكرياً وسياسياً هائلاً، مقابل امتيازات استراتيجية طويلة الأمد، شملت موانئ وحقوق تنقيب، بدلاً من قروض نقدية مباشرة. هذه الديون ذات طبيعة خاصة وتحتاج إلى معالجة خاصة، ولا تشكل عبئاً ملحاً على البلاد بالمعنى المالي التقليدي.
هنا نأتي إلى سؤال جوهري: هل تستطيع سوريا الاكتفاء بالاقتراض الداخلي، مع افتراض وجود البنية الفنية والمالية المساعدة في عملية الاقتراض؟ تُشير بعض التقديرات إلى أن معدلات الادّخار المحلي كانت سالبة طوال عقد الحرب، أي أن السوريين – دولة ومجتمعاً – ينفقون أكثر مما ينتجون. بل إن نسبة الادّخار إلى الناتج المحلي بلغت -7.1 بالمئة في 2012، وتدهورت إلى -24.8 بالمئة في 2021. وهذا يعني ببساطة لا أحد قادر على الادخار، وبالتالي لا أحد يمكنه شراء سندات الحكومة، أو تمويل مشاريعه الخاصة. إذاً ممن ستقترض الحكومة؟ الوسيلة الوحيدة المتاحة في هذه الحالة هي أن تحتال الحكومة على المواطنين وتفرض عليهم قروضاً داخلية خفية من خلال الإصدار النقدي الجديد والتضخم. كما أشرنا سابقاً العملة هي دَّين على الحكومة، وعندما تطبع الحكومة المزيد منها تنخفض قدرتها الشرائية. فالإصدار الجديد يعني اقتراض الدولة من الناس، والتضخم يعني أن الحكومة ستسدد ديونها السابقة بعملة ذات قيمة شرائية أقل.
على هذا الأساس يبدو تصريح محافظ البنك المركزي السوري أقرب إلى مزايدة شعبوية منه إلى سياسة اقتصادية مدروسة. في بيئة اقتصادية مُعطَّلة، وبنية إنتاجية مدمرة، ومُدَّخرات منهارة، يُصبح رفض الاقتراض الخارجي مجرد تمنيات لا علاقة لها بالقدرة الفعلية. والأسوأ من ذلك، أن هذه الخطابات قد تمنع النقاش الحقيقي عن شروط الدَّين الأفضل، ومجالات استخدامه، وأولويات الاستثمار. واللافت هنا أن التركيز الأكبر كان على عدم الاقتراض من المنظمات المالية الدولية، صندوق النقد والبنك الدولي، رغم أن الحكومة لبّت مسبقاً أغلبية الشروط الاقتصادية، دون السياسية والمؤسساتية منها، التي تفرضها على الدول النامية عند تقديم القروض لها. لذلك يُطرَح سؤال منطقي: لماذا الامتناع عن الاستفادة من تلك القروض طالما لبَّينا الشروط؟!
بالطبع لا يمكن إهمال توجسّات الدول النامية من التعامل مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بسبب الشروط القاسية التي ترافق القروض – كرفع الدعم وتحرير العملة وخفض الإنفاق – والتي أدت في كثير من الحالات إلى أزمات اجتماعية. لكن لهذه المؤسسات دوراً لا يمكن تجاهله في التفاوض على إعادة جدولة الديون. وكثير من الدول المثقلة بالعجز لا تستطيع التفاوض مع الدائنين الدوليين دون «غطاء» من الصندوق، الذي يمنحها نوعاً من «شهادة الجدارة الائتمانية». فالاتفاق مع الصندوق غالباً ما يكون شرطاً لبدء إعادة الهيكلة، وتأجيل الاستحقاقات، والحصول على تمويل إضافي من مانحين آخرين. لذلك، ورغم كلفته الاجتماعية، يُعتبَر تعامل الدول مع الصندوق أحياناً ضرورة لإدارة الأزمات المالية وتَجنُّب الانهيار الكامل. ورغم أن تلك المؤسسات تفرض وصفات موحدة على الدول وتُفقِدها جزءاً من سيادتها الاقتصادية، وتخدم مصالح الدول الكبرى أكثر مما تُراعي واقع الدول النامية، نجحت بعض الدول، كـ(رواندا، وفيتنام)، في تحويل قروض هذه المؤسسات إلى فرص تنموية حين استخدمتها بعقلانية وتخطيط واضحين كما أشرنا سابقاً.
في النهاية، ليست المشكلة في الدَّين بل في شروط الدين، ووجهة استخدامه، وقدرتنا على سداده. أمّا تجاهل الواقع المالي، والاكتفاء بالشعارات، فلن يمنعنا من الاقتراض، بل سيدفعنا إلى فعله تحت الطاولة، وبشروط أقسى. والنتيجة هي أن سوريا – كمجتمع – من سيدفع الثمن.
موقع الجمهورية
———————————
بين الوعود والتنفيذ.. مذكرات التفاهم الاستثمارية في سوريا/ ملهم جزماتي
بعد 14 عامًا من التحديات الاستثنائية التي واجهتها سوريا، تشهد البلاد اليوم بوادر تفاؤل حقيقية مع الإعلان عن سلسلة من مذكرات التفاهم الاستثمارية بقيم تتجاوز العشرين مليار دولار في عام 2025، هذا التطور الإيجابي جاء في أعقاب رفع العقوبات الأمريكية في أيار 2025، مما فتح المجال أمام عودة الشركات الدولية للاستثمار في السوق السوري بعد انقطاع طويل.
من المهم أن نضع هذه التطورات في سياقها الصحيح، فبعد سنوات من العزلة الاقتصادية والتحديات الهيكلية، يُعتبر اهتمام الشركات الدولية بتوقيع مذكرات تفاهم مع الحكومة السورية مؤشرًا إيجابيًا على الثقة المتزايدة في إمكانيات التعافي الاقتصادي.
صحيح أن التجارب الدولية تشير إلى أن نسبة تحويل مذكرات التفاهم إلى اتفاقيات ملزمة تتراوح بين 60-70% في الاقتصادات المتقدمة، وتنخفض إلى 25-40% في الاقتصادات الناشئة، وقد تصل إلى 20-30% في الحالات الانتقالية مثل سوريا، لكن حتى هذه النسب المتحفظة تعني استثمارات محتملة بقيمة 4-6 مليارات دولار، وهو رقم جيد جدًا لاقتصاد يسعى للتعافي.
الأهم من الأرقام هو الرسالة الإيجابية التي تحملها هذه المذكرات: سوريا تعود تدريجيًا إلى الخريطة الاستثمارية العالمية، والمجتمع الدولي يبدي استعدادًا للمشاركة في عملية إعادة البناء الاقتصادي.
عودة الثقة الدولية
لعل أبرز ما يميز مذكرات التفاهم الموقعة في 2025 هو الدعم الغربي الواضح لها، والذي تجسد في حضور المبعوث الأمريكي الخاص توماس باراك لمراسم توقيع مذكرة التفاهم الكبرى في قطاع الطاقة بقيمة 7 مليارات دولار وتكرر حضوره أيضًا خلال مراسم توقيع العديد من الاستثمارات القطرية والاماراتية في البنى التحتية السورية. هذا الحضور رفيع المستوى ليس مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل رسالة واضحة من الإدارة الأمريكية بدعمها للاستثمارات في سوريا وثقتها في مسار التعافي الاقتصادي.
لكن من المهم أيضًا أن نفهم طبيعة مذكرات التفاهم ودورها في العملية الاستثمارية، هذه الوثائق رغم أنها لا تحمل التزامات قانونية ملزمة، تمثل خطوة أولى ضرورية في بناء الثقة بين المستثمرين والحكومة السورية، فهي تتيح للأطراف استكشاف إمكانيات التعاون وتقييم الجدوى الاقتصادية والفنية للمشاريع المقترحة قبل الالتزام بتنفيذها فعليًا.
في السياق السوري، تكتسب مذكرات التفاهم أهمية خاصة لأنها تمثل عودة الثقة الدولية بعد سنوات من العزلة، الشركات الدولية تحتاج إلى وقت لتقييم البيئة الاستثمارية الجديدة وفهم التطورات السياسية والاقتصادية، حيث أن مذكرات التفاهم توفر لها هذا الوقت دون الالتزام بمخاطر مالية فورية، ومن جهة أخرى تستخدم الحكومة السورية هذه المذكرات لإرسال رسائل إيجابية إلى المجتمع الدولي حول جديتها في الانفتاح الاقتصادي وتهيئة بيئة جاذبة للاستثمار. هذا النهج التدريجي والمدروس يعكس نضجًا في التعامل مع التحديات المعقدة التي تواجه عملية التعافي الاقتصادي.
مذكرات التفاهم: من الطاقة إلى البنية التحتية
من خلال النظر للتسلسل التاريخي لتوقيع مذكرات التفاهم الموقعة منذ يوم التحرير، نجد أن هناك استراتيجية مدروسة في اختيار القطاعات وترتيب الأولويات. هذا التدرج الاستراتيجي كان قد بدأ بتوقيع مذكرات تفاهم لدعم قطاع الطاقة، ثم تلاها مذكرات تفاهم مع شركات صينية لتطوير المنطقة الصناعية في عدرا، ثم توقيع مذكرات أخرى لتطوير البنية التحتية لمطار دمشق وخطة لإنشاء مترو في العاصمة ومشاريع سكنية أخرى، الأمر الذي يعكس فهمًا عميقًا للتحديات الهيكلية التي تواجه الاقتصاد السوري وضرورة معالجتها بطريقة منهجية ومتسلسلة.
إن البدء بقطاع الطاقة ليست صدفة، بل هو خيار استراتيجي مخطط له. حيث تمثل الطاقة حجر الأساس للانطلاق في بناء اقتصاد متهالك دمرته الحرب طوال 14 عامًا، ثم الانتقال بعدها رويدًا رويدًا لتطوير باقي القطاعات كالطرق والبنى التحتية في دمشق وباقي المحافظات السورية.
لكن هذا التدرج الذكي يطرح أيضًا تساؤلات حول التنسيق بين المشاريع المختلفة، كيف ستضمن الحكومة أن تقدم مشاريع الطاقة تتماشى مع احتياجات مشاريع البنية التحتية؟ وما هي الآليات المطلوبة لضمان التكامل بين هذه المشاريع بدلًا من تنفيذها كمشاريع منفصلة مع بعضها البعض؟
ولكن رغم ذلك يبقى التدرج الذكي في مذكرات التفاهم مؤشرًا إيجابيًا على وجود رؤية استراتيجية واضحة لدى الحكومة السورية، فهذا النهج المنهجي إذا تم تنفيذه بنجاح يمكن أن يخلق دورة اقتصادية إيجابية، بحيث أن نجاح كل قطاع يؤدي دعم نجاح القطاعات الأخرى، مما يعزز من جاذبية البيئة الاستثمارية السورية ككل.
التحديات: واقع يجب مواجهته بحكمة
رغم الإيجابيات الكثيرة، من المهم الاعتراف بوجود تحديات حقيقية تواجه عملية تحويل مذكرات التفاهم إلى استثمارات فعلية، يمكننا التحدث عن تحديات مثل النظام المصرفي السوري المتهالك الذي يحتاج إلى تطوير وتحديث ليتماشى مع المعايير الدولية، فرغم رفع العقوبات الأمريكية لا تزال هناك حاجة لبناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، وهذا يتطلب شفافية أكبر في العمليات المصرفية وتطبيق معايير الامتثال الدولية.
أيضًا إن هجرة الكوادر المتخصصة خلال سنوات الحرب تركت فجوة في الخبرات التقنية والإدارية، لكن هذا التحدي يمكن معالجته من خلال برامج تدريب مكثفة وجذب الكوادر السورية المهاجرة للعودة والمساهمة في عملية إعادة البناء.
أيضًا تعتبر ضعف الحوكمة من أهم التحديات الداخلية التي تواجه مذكرات التفاهم حيث تثير العلاقة بين هيئة الاستثمار ووزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية تساؤلات مهمة حول وضوح آليات صنع القرار والحوكمة المؤسسية، فبينما تتمتع الهيئة بصلاحيات واسعة في منح إجازات الاستثمار، تبقى وزارة الاقتصاد الجهة المشرفة على السياسات الاقتصادية العامة، مما يخلق أحيانًا تداخلًا في الصلاحيات قد يؤثر على سرعة اتخاذ القرارات.
هذا الغموض في تحديد المسؤوليات يصبح أكثر وضوحًا عند التعامل مع الاستثمارات الكبيرة التي تتطلب موافقات على مستويات عليا، المستثمرون الدوليون الذين اعتادوا على التعامل مع هياكل إدارية واضحة ومحددة قد يجدون صعوبة في فهم من هو المخول فعليًا باتخاذ القرارات النهائية في بعض الملفات الاستثمارية المعقدة، كما أن عدم وجود آليات شفافة ومعلنة لتقييم المشاريع الاستثمارية وترتيب أولوياتها يثير تساؤلات حول عدالة التعامل مع جميع المستثمرين، لذلك تحتاج الهيئة إلى تطوير معايير واضحة ومعلنة لتقييم المشاريع، وآليات شفافة لاتخاذ القرارات، وقنوات واضحة للتواصل مع المستثمرين حول مراحل دراسة مشاريعهم.
معايير اختيار الشركات: تساؤلات حول الشفافية والكفاءة
تثير عملية اختيار الشركات الموقعة على مذكرات التفاهم تساؤلات مهمة حول المعايير المستخدمة وآليات التقييم المتبعة، فبينما تحمل هذه المذكرات أرقامًا ضخمة وطموحات كبيرة، يبقى السؤال الأساسي: هل اختيار الشركة المناسبة للتوقيع معها بناء على تقييم القدرات الفنية والمالية لهذه الشركات بطريقة دقيقة وشفافة؟
مثال واضح على هذا التحدي يظهر في مذكرة التفاهم الموقعة مع الشركة الإيطالية لتطوير مشروع “أبراج دمشق” بقيمة استثمار تزيد عن ملياري دولار، هذا المشروع الذي يهدف إلى إنشاء مجمع تجاري وسكني ضخم في العاصمة يتطلب خبرات تقنية ومالية هائلة. لكن التساؤل المشروع هو: هل تمتلك هذه الشركة الإيطالية الخبرة الكافية في تنفيذ مشاريع بهذا الحجم والتعقيد؟
مراجعة سريعة لسجل الشركة تكشف أن معظم مشاريعها السابقة كانت أصغر حجمًا وأقل تعقيدًا من المشروع المقترح في دمشق، هذا لا يعني بالضرورة عدم قدرتها على التنفيذ، لكنه يثير تساؤلات حول معايير التقييم المستخدمة في عملية الاختيار. هل تم تقييم المشاريع السابقة للشركة؟ هل تم فحص قدرتها المالية على تمويل مشروع بهذا الحجم؟ هل تم التأكد من وجود الخبرات التقنية اللازمة في فريق عملها؟
هذه التساؤلات تصبح أكثر إلحاحًا عندما ندرك أن فشل مشروع واحد كبير يمكن أن يضر بسمعة البيئة الاستثمارية السورية ككل ويؤثر على ثقة المستثمرين المستقبليين، المستثمرون الدوليون يراقبون بعناية كيفية تعامل الحكومات مع المشاريع الكبيرة، وأي إخفاق في التنفيذ يمكن أن يرسل إشارات سلبية إلى السوق.
من ناحية أخرى، قد تكون هناك اعتبارات أخرى وراء اختيار هذه الشركات لا تظهر في الإعلانات الرسمية، ربما تكون الشركة الإيطالية جزءًا من تحالف أكبر يضم شركات أخرى ذات خبرة أوسع، أو ربما تكون هناك ضمانات حكومية أو مؤسسية تدعم المشروع، لكن غياب هذه المعلومات عن الخطاب العام يخلق فجوة في الشفافية قد تؤثر على مصداقية العملية برمتها.
الحاجة ملحة لتطوير معايير واضحة ومعلنة لتقييم الشركات المتقدمة للمشاريع الاستثمارية، هذه المعايير يجب أن تشمل تقييمًا دقيقًا للقدرة المالية، والخبرة التقنية، والسجل التاريخي في تنفيذ مشاريع مشابهة، والقدرة على الحصول على التمويل اللازم. كما يجب أن تكون هناك آليات شفافة لنشر هذه المعايير وتطبيقها بعدالة على جميع المتقدمين.
هذا النهج الشفاف في التعامل مع اختيار الشركات لن يحسن فقط من جودة المشاريع المنفذة، بل سيعزز أيضًا من ثقة المجتمع الدولي في جدية الحكومة السورية في تطبيق معايير الحوكمة الرشيدة، إن نجاح مذكرات التفاهم لا يعتمد فقط على الأرقام المعلنة، بل على قدرة الشركات المختارة على تحويل هذه الأرقام إلى مشاريع ناجحة على أرض الواقع.
تفاؤل مبرر بالمستقبل
مذكرات التفاهم الموقعة في 2025 تمثل بداية مرحلة جديدة في تاريخ الاقتصاد السوري، فبعد أربعة عشر عامًا عانت سوريا خلالها من تدمير ممنهج، تشهد اليوم عودة تدريجية للثقة الدولية واهتمامًا متزايدًا من قبل المستثمرين العالميين.
النجاح في تحويل هذه المذكرات إلى استثمارات فعلية سيكون له تأثير إيجابي كبير على الاقتصاد السوري والمجتمع ككل، فهو لا يعني فقط تحسن الخدمات الأساسية وخلق فرص العمل، بل يعني أيضًا عودة سوريا إلى مكانها الطبيعي كلاعب مهم في الاقتصاد الإقليمي والعالمي.
التفاؤل مبرر، لكنه يجب أن يقترن بالعمل الجاد والمثابرة. مذكرات التفاهم هي البداية، والمستقبل يعتمد على قدرة جميع الأطراف المعنية على تحويل هذه النوايا الطيبة إلى واقع ملموس يخدم التنمية المستدامة والازدهار الاقتصادي.
عنب بلدي
——————————————–
ماذا تقدم المذكرات الاستثمارية لحل أزمات سوريا الخانقة؟/ لمى سليمان
16/8/2025
كشفت مذكرات التفاهم الاستثمارية التي وُقّعت في سوريا مع مجموعة من الشركات الأوروبية والخليجية عن ١٢ مشروعا بقيمة ١٤ مليار دولار موزعة على قطاعات متعددة شملت النقل والإسكان والسياحة.
تحمل هذه الاستثمارات التي أعلن رئيس هيئة الاستثمار السورية طلال الهلالي عن توقيعها في السادس من أغسطس/آب الجاري في قصر الشعب بدمشق، وبحضور الرئيس السوري أحمد الشرع، دلالات سياسية واقتصادية جمة، يعززها وجود المبعوث الخاص للولايات المتحدة إلى سوريا توماس براك خلال توقيع العقود والذي يشير بوضوح إلى وجود رغبة دولية، وبشكل خاص أميركية، بمشاركة فعلية ومباشرة في بناء سوريا جديدة خاصة بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب منذ مدة رفع العقوبات عن سوريا.
وجود المبعوث الأميركي، إضافة إلى مستثمرين سعوديين وشركات قطرية وأخرى إيطالية وإماراتية، يُوسع الاحتضان الدولي لسوريا ويضفي الطابع الدولي على هذه الاستثمارات أكثر من الطابع الاستثماري المحلي. فالاستثمارات الحالية إضافة إلى التي سبقتها من استكمال تأهيل مرفأ اللاذقية من قبل شركة فرنسية ومرفأ طرطوس من قبل شركة إماراتية، تؤكد سمة الاستثمار الأجنبي الذي تدعمه دول أوروبية وعربية وتقتصر الشراكة المحلية فيه على مدى محدود كما في مشروع “أبراج دمشق” السكني بالتعاون بين شركتي أوباكو الإيطالية ويوباكو السورية بالتعاون مع وزارة الأشغال العامة والإسكان.
وباعتبار أن هذه المشاريع تهدف في كليتها إلى إعادة الإعمار بكل جوانبه من الطاقة إلى النقل إلى الإسكان إلى المرافق العامة التي دمرت الحرب أغلبها، فإن الحاجة إلى المستثمر الأجنبي تعتبر ضرورة قصوى، إذ إن التقديرات تشير -بحسب المختصين- إلى أن تكلفة إعادة الإعمار الفعلية في سوريا قد تصل إلى ٤٠٠ مليار دولار وهو ما يفوق قدرة الحكومة السورية على الإنفاق الذاتي.
لذلك وكما يؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور محمد كوسا، في تصريحه للجزيرة نت، فإن الاستثمار الأجنبي يعتبر محوريا في أي سيناريو للتعافي الاقتصادي السوري.
وتحمل هذه الاستثمارات مدلولات سياسية كبيرة، أولها الوعي الدولي بالدور الجذري الذي تلعبه سوريا بما تملكه من مقومات طبيعية وطاقية وفائض كبير من اليد العاملة الفتية في الاقتصاد العربي والدولي ككل، وأن أي خطوة ناجحة نحو الأمام لا تصب في مصلحة سوريا واستقرارها الاقتصادي فحسب بل بما تضفيه على دول الجوار وكذلك على الدول المستثمرة.
وثانيها يصفه الدكتور كوسا بقوله إن هذا الاهتمام الأوروبي المبدئي بسوريا يعكس تغيرا تدريجيا في التموضع الإقليمي والديمغرافي لسوريا بوجهها الجديد، كما أن سوريا تسعى عبر هذه المشاريع إلى توجيه رسائل انفتاح وعودة إلى الساحة الاقتصادية الدولية.
مشاريع كبرى
وفي محاولة لإظهار هذا الوجه الجديد لسوريا، يُنظر إلى اتفاقيات مترو دمشق وكذلك اتفاقية تطوير وتوسيع مطار دمشق الدولي بالتعاون مع اتحاد شركات UCC Holding القطرية بقيمة ٤ مليارات دولار، لتحويل المطار إلى بوابة إقليمية بمعايير عالمية، كوسيلة لخلق بيئة جاذبة للمستثمر الأجنبي والسوري للدخول إلى السوق، كما وصفها مستشار الهيئة العليا للتنمية الاقتصادية في سوريا الدكتور أيمن حموية أثناء توقيع الاتفاقيات.
وبالعودة إلى الواقع السوري الداخلي، يبقى الجانب الأهم للسوريين هو الجانب الخدماتي وبخاصة الإسكاني والطاقي كحل أول لعودة اللاجئين، إذ تشير دراسة للبنك الدولي إلى أن نسبة الدمار بالوحدات السكنية في المناطق السورية التي شهدت حربا دامت ١٤ عاما ما يراوح بين ٢٧ إلى ٣٣% ويكشف تحليل لصور أقمار اصطناعية أجراه معهد الأمم المتحدة للبحث والتدريب UNITAR عن دمار كبير في داخل المباني في مدن سورية كان أكثره في حلب تليه الغوطة الشرقية في دمشق، فهل تحل “أبراج دمشق” والبرامكة معضلة من تهجروا من بيوتهم؟
كما أن نسبة الفقر في سوريا قد تخطت حاجز ٩٠% حسب ما أكد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تقرير جاء فيه أن 9 من 10 أشخاص في سوريا يعيشون في فقر، وإن واحدا من كل 4 عاطل عن العمل بسبب فترة الحرب الطويلة، ولذلك فإن فرص العمل التي تم التحدث عنها والبالغة ٢٠٠ ألف فرصة ستكون جزءا من الحل إذا ترجمت على أرض الواقع بمشاريع تنفيذية وهو ما ينتظره الشعب السوري ببالغ الصبر.
استثمارات تراعي الواقع
وبعيدا عن الصخب الإعلامي والبهرجة الاحتفالية، يبدو الشارع السوري أحوج إلى استثمارات فعلية على أرض الواقع. ومن خلال سؤال بعض المواطنين في القطاعات العامة والخاصة وحتى من هم بلا عمل، أبدى القليل تفاؤلا بالانفتاح الذي وصلت إليه البلاد، في حين أجاب البعض تساؤلنا بتساؤل فحواه: متى سنبدأ وهل ستبقى هذه العقود مجرد أوراق؟ آخرون ابتسموا ملوحين بقليل من الخبز يحملونه بأيديهم كأن الأمر لا يعنيهم، وقلة قليلة تخوفوا من أن يكون ما يجري لتلميع الصورة إذا لم يروا آثارا فعلية قد بدأت على أرض الواقع.
وهو ما شاركهم به الخبراء الاقتصاديون الذين يرون أن هذه الاتفاقيات ستكون مجرد زوبعة إعلامية ولن تؤتي أكلها السياسي إلا إذا تحولت إلى إنجازات على أرض الواقع، ومنهم الدكتور علي محمد الذي أكد في حديثه أن هذه الاتفاقيات تحمل مدلولات سياسية يمكن تفسيرها من خلال معرفة البلد الذي يقف ويدعم هذا الاستثمار في سوريا. ويشكل توقيع هذا الاتفاق أمرا إستراتيجيا مهما على أن تُترجم مذكرات التفاهم هذه باتفاقيات فعلية ومن ثم بإجراءات تنفيذية على أرض الواقع لجعل هذه المشاريع تُبصر النور.
ويشاركه في الرأي الدكتور محمد كوسا الذي يرى أن الاستثمارات تكون أكثر تأثيرا سياسيا عندما تتحقق على أرض الواقع، وتخلق فرص عمل مباشرة تلبي متطلبات سوق العمل وتشمل كل من يرغب في العمل، تزيد الدخل وتحقق أمانا اقتصاديا واستقرارا اجتماعيا.
كما أن هذه الفرص الاستثمارية تحتاج إلى واقع حاضن وبيئة جاذبة، ومن هنا يمكن القول إن مسار الاستثمار يواجه تحديات عديدة لإكماله، ومنها ما يتحدث عنه الدكتور محمد كوسا قائلا: “رغم الزخم الإعلامي فهناك جملة من التحديات الواجب التعامل معها لضمان استدامة هذه المشاريع، وأهمها ضعف البنية القانونية والمؤسسية وخطر الفساد، إضافة إلى هشاشة البيئة السياسية والأمنية، فضلا عن غياب إصلاحات قانونية وإدارية تؤمن بيئة أعمال شفافة وعادلة”.
خلاصة القول: تمثل هذه الاستثمارات فرصة اقتصادية كبيرة ونجاحها متوقف على قدرة الدولة السورية على تحسين بيئة الأعمال وتقديم ضمانات قانونية وأمنية للشركات والمستثمرين. أما مضمونها السياسي فلن يتحقق إلا بضمان وجود إنجازات فعلية على أرض الواقع ترفع المستوى المعيشي للشارع السوري وترسل رسائل إيجابية إلى المستثمر المحلي قبل الأجنبي.
المصدر: الجزيرة
——————————
تسييس الاستثمارات السورية/ عدنان عبد الرزاق
15 اغسطس 2025
نظرياً، جذبت سورية خلال ستة أشهر من الاستثمارات ما لم تجذبه ربما، منذ طرحت أول قانون للاستثمار عام 1991، وقت بدلت هوية اقتصادها، من التحول الاشتراكي إلى الاقتصاد الموجه ومن ثم اقتصاد السوق الاجتماعي، ووقعت سورية خلال النصف الأول من العام الجاري مذكرات تفاهم واتفاقات، ربما أكثر مما وقعته حكومات بشار الأسد طيلة سني الثورة، والتقى الرئيس أحمد الشرع رجال أعمال ومستثمرين، بعد تحرير البلاد، نهاية العام الماضي، ربما أكثر مما التقاهم الأسدان، الوارث والوريث منذ عام 1971.
فما أعلنه رئيس هيئة الاستثمار السورية، قبل أيام فقط، كان 12 مشروعاً استثمارياً بقيمة إجمالية تبلغ 14 مليار دولار، موزعة على مطار دمشق الدولي “4 مليارات” ومترو دمشق “ملياري دولار” وأبراج دمشق “ملياري دولار” ومول وأبراج البرامكة “560 مليون دولار” عدا مشاريع أخرى موزعة على 10 محافظات أخرى، جميعها من عيار مئات الملايين أو مليارات الدولار.
وهذه المشروعات والأرقام تضاف لـ47 اتفاقية ومذكرة تفاهم مع السعودية، وقعتها دمشق خلال منتدى الاستثمار، الشهر الماضي، مع 20 جهة حكومية و100 شركة خاصة بقيمة 6.4 مليارات دولار، وقبلها اتفاقات مع الإمارات، بعضها مع موانئ دبي لتطوير وتشغيل مرفأ طرطوس بقيمة 800 مليون دولار وقبلها مع قطر وتركيا وأذربيجان والكويت وغيرهم.
ولكن على الأرض ما الذي حصل، عدا الذي نقرأه ونسمعه، من أن المشروعات والاستثمارات، ستنقل سورية، من حال إلى آخر، وستحقق نقلة نوعية في البنية التحتية والحياة الاقتصادية بعد توليد فرص العمل وزيادة الإنتاج والتصدير، وتعبد جسور العلاقات والثقة، بين سورية والمستثمرين والدول. وعلى الأرض السورية حتى اليوم، واقعياً واقتصادياً، لا شيء يمكن أن يغري رأس المال الخارجي، والذي، من غير الواقعي والاقتصادي، أن نصفه بالجبان إن تردد أو ابتعد، لأن تحقيق الأمن أول حقوقه ووجود قانون استثمار جاذب وعصري بدهيات استقطابه وتوفر حوامل الطاقة واليد العاملة الماهرة والقدرة الشرائية، شروط تقدمها جميع دول العالم له وترحب به بمزايا واعفاءات وإغراءات غيرها.
ولأن كل تلك الشروط المحقة لأي مستثمر أو رجل أعمال أو حتى دولة، لم تتوفر بسورية بعد، فكيف يمكن تبرير تهافت المليارات وتسابق الدول والشركات وأصحاب الرساميل إلى سورية، وكيف يمكن الشرح، لأي ذي لب وحجة ومنطق، أسباب الجذب وجنة الأرباح بسورية، التي دفعت ولم تزل، المستثمرين لتوقيع الاتفاقات ومذكرات التفاهم.
قصارى القول: “يمكننا ومن دون مواربة وصف تلك الاتفاقات، أو معظمها على الأقل، بأنها استثمارات دعم سياسي أو ذات طابع سياسي أو لأغراض سياسية، هدفها، أو من ورائها من دول وشركات ورجال أعمال، دعم التجربة السورية بالحكم والاستقرار، ومساعدة البلاد بالانتقال من مرحلة الدمار التي خلفها الحكم البائد وتعظيم نظرة الاستقرار، لكل من يهمهم الأمر، ليأتوا لسورية ويساهموا بالبناء والإعمار، إن لم نقل رد الجميل لسورية وشعبها أو التكفير عن أخطاء ارتكبوها بحق سورية والشعب، خلال سني الثورة وعلى مدى 14 عاماً.
والدعم والاستقرار اللذان يمكن تعميمهما على غاية جلّ الاستثمارات، يخدمان الدول والشركات المستثمرة، ربما كما يخدمان سورية والسوريين، لأن العكس وبحالة الفوضى والاحتراب، ثمة عقابيل وآثار على الدول، بل ومخاطر تهدد ربما الاستقرار بالمنطقة برمتها، بحال فشل التجربة السورية وعدم الأخذ بيد السلطة لتحقق أهدافها، بالاستقرار وكفاية الشعب وإعادة إعمار البلاد والعباد. طبعاً من دون التغافل عمّا يمكن أن تحققه، الدول والشركات والمستثمرين، من فرص وأرباح، ببلد، فيها ولها من الميزات، الجغرافية والخبرات التراكمية الاقتصادية، وحتى المواد الأولية ورخص الأيدي العاملة، ما لها وفيها، بعد أن تستقر وتبدأ بعد النمو التصاعدي.
وبلد عطشى وسوق خاو، يمكن لأي عمل ومشروع فيها، أن يكون نواة لمملكة اقتصادية، سواء بقطاع الزراعة السوري الغني أو النفطي المغري أو الصناعي العريق. أو حتى السياحي والخدمي. نهاية القول أمران. الأول ما قيل ورشح حول وهمية بعض الشركات التي وقعت دمشق معها مذكرات تفاهم، والتي جاء تبرير هيئة الاستثمار، بعدما نبش سوريون أصول تلك الشركات وتاريخ تأسيسها ورساميلها وأعمالها السابقة، بأن المذكرات ما هي إلا مرحلة أولية ولا ترقى لمستوى العقد الملزم، فهي أشبه بفترة الخطوبة، يمكن خلالها الانفصال إن لم ترق أهداف الشركاء لبعضهم أو لم تلب الشروط تطلعات البلد المضيف.
وفي ذلك، على ما نعتقد، خطأ ينعكس على سمعة الاستثمار بسورية ويثير شكوكاً وريبة، حول وجود فساد أو غايات غير اقتصادية، رغم أن مذكرات التفاهم، نهج وطريقة متداولة تسبق العقود، كما عدم التوافق بين الأطراف وإلغاء المذكرة بعد التوقيع عليها، متداول ومشروع ومن حق الأطراف، ولكن بحالة غير التي تمر فيها سورية الآن وبمؤتمرات وكرنفالات لم يحضرها رؤساء الدول كما رأينا بدمشق.
أما الأمر الثاني والمحيّر، بحالة كما السورية اليوم، فهو غياب خريطة استثمارية تحدد المشروعات التي يحتاجها الاقتصاد السوري، تضع المستثمرين والدول أمام خيارات تحتاجها سورية أولوية لنهوضها، كقطاعي الصحة والتعليم ومن ثم الزراعة والصناعة، بالتوازي مع استثمارات طاقوية، يحتاجها السوريون المحرومون منذ سنين، من الكهرباء والخدمات ويتطلبها المستثمرون ليقلعوا بمشروعاتهم ويبدأوا بتنفيذ أعمالهم. ولا تترك البلد، بهدف التغني بجذب الاستثمار أو لمرام سياسية، مفتوحة أمام رغائب أصحاب الرساميل وغايات الشركات، والتي، قد تتنافى مع الهدف التنموي السوري، أو، على الأقل، لا تتناسب وسلم أولويات وحاجة انطلاقة البلد.
ولعل بغلبة المشروعات الخدمية وطغيان العقارية البرجية، التي لا تتوافق البتة، مع ملاءة السوريين المالية وحاجة وأولوية البلاد، أدلة على غياب الرؤية أو ضبابيتها كرمى الهدف الترويجي والاستثمار المسيس، ومؤشر على زيادة الحاجة لخطة وخريطة أو مؤتمر وسوق استثماري، تقول خلاله سورية: هذه أولوياتنا ومن هنا الانطلاقة، ونشكركم على المساهمة.
العربي الجديد
———————————
مشروع بوليفارد النصر في حمص – حالة نمطية من الإغتناء بعد الحروب/ أحمد نظير أتاسي
بالعادة لا أكتب عن حالات عملية تتطلب حسابات رياضية وإجراءات معروفة في اختصاصات علمية، أقتصر على الفكر والتحليل وتنظير الحالات التي تفتقر إلى التنظير، لكن حالة بوليفارد النصر في حمص أثارت اهتمامي. أولاً لانها تخص البلد التي تربيت فيها، وثانياً لأنها تخص منطقة البساتين التي أحمل لها محبة خاصة، وثالثاً لأنها حالة نمطية من تحالف حكومات ما بعد الحرب العاجزة والمتنفعة مع الشركات الكبرى الخارجية الطالبة للربح السريع، ورابعاً، لأني قرأت تعليقات كثيرة على المشروع وكثير منها لا تحتوي على ذرة من التعاطف والإنسانية فالتشبيح والإسكات والقهر السياسي بات طريقة في الحياة في سوريا، وخامساً، لأن الحالة تنفع كتمرين عملي على التفكير بإعادة البناء وفق معايير عادلة للجميع سواءاً من حيث الحوكمة أو من حيث الإقتصاد.
أولاً- لماذا رأس المال الخليجي وليس رأس المال المحلي.
تضاربت المعلومات عن أصل هذه الشركة فالبعض قال كويتي والبعض قال سعودي، ويبدو أن واجهة الشركة سوري الجنسية لكنه يعمل في الخليج. هناك شيء لا بد من توضيحه وليغضب من يغضب، الخليج ليس موديلاً للإعمار في أي بلد في العالم، وليس بسبب الفساد فقط وإنما بسبب طبيعة المدن والبلد فهي قد تسمح بإعمار مساحات كبيرة لكنها تضيع مصالح المحليين. الخليج يحتوي رؤوس أموال كبيرة عائدة لأوليغارشيات مرتبطة بالعوائل المالكة وهي في الغالب تستثمر أموالها في مشاريع الربح السريع. وأهم هذه المشاريع هي الإعمار والعقارات. بالطبع مثل هذه الشركات موجود في جميع أنحاء العالم والخليج لم يخترع هذا الموديل. رئيس أمريكا طرامب هو ابن أحد هؤلاء الأغنياء الذين جمعوا ثروة من مشاريع الإعمار الضخمة التي انتهت بكوارث عمرانية واجتماعية. هؤلاء المستثمرون يفضلون المناطق المدمرة أو التي تريد الحكومات تدميرها لأنهم يحصلون على أرض شاسعة (الحكومة تتولى الإستملاك والطرد) وبأسعار زهيدة جداً، هذا كله مع حوافز قانونية وضريبة واستثناءات من القوانين لا تقدر بثمن. لا تفرض عليهم الدولة أية ضرائب لعدة سنوات، لا يدفعون ضرائب للمدينة، تعفيهم المدينة من الإلتزام بمعايير العمار المحلية، لا يلتزمون بالمعاريير النظرية عن التنظيم العمراني، ولا تلتزم المدينة بمناقصات بل هي صفقة واحدة توقع في الخفاء. إذن ولا يجب أن يخفى ذلك عن الأنظار للحظة، الغرض من المشروع ليس الإعمار والإسكان والتعويض وإنما الإثراء السريع. طبعاً لا نتكلم هنا عن فرص تبييض الأموال وعن الرشاوى للسياسيين.
ثانياً – لماذا مشروع كبير واحد وليس مشاريع صغيرة.
المشاريع الكبيرة تعطي للمستثمرين فرصة بناء وحدات سكنية نمطية وبأعداد هائلة وشراء المواد بسعر الجملة وتوقيع عقود هائلة والحصول على امتيازات للإستيراد. هذا بالإضافة إلى إمكانية الحصول على قروض هائلة من بنوك كبيرة دولية لان المشروع دائماً مربح وعوائده سريعة. وبالتالي فلا يجب أن يعتقد الإنسان أن الشركة ستستخدم رأسمالها الخاص، إنها ستحصل على قرض. لماذا لا تقدم الدولة أو الشركات السورية على مثل هذه القروض؟ هنا تلعب السياسة دوراً، فسوريا لا تزال على لائحة العقوبات، ليس لأن أمريكا حقيرة بل لأن الحكومة السورية موجودة بمجملها على لائحة الإرهاب. وحتى بعدما دفعت قطر مبالغ هائلة لطرامب لم يستطع محي التاريخ الأسود للحكومة الحالية. كذلك لم يستطع البنك المركزي السوري التخلص من سمعته السيئة بتبييض الاموال والإرتهان للقرار السياسي والتلاعب باسعار الصرف والفساد الإداري. إذن الحكومة الحالية بحاجة إلى الأموال الخليجية حتى تقدم للناس إنجازات سريعة. لكن مثل هذا المشروع ليس إنجازاً ولن يكون وسنبين ذلك. أما الأموال السورية فهي ربما قادرة على القيام بمشاريع صغيرة تشمل حياً أو اثنين لكل شركة، إلا أن هذا يقلل فرص النصب السياسي والإغتناء السريع ويضطر الدولة إلى إنشاء تعاونيات وحوكمة ومجلس شعب وصوت سياسي ومشاركة بالقرار ومجلس مدينة وانتخابات محلية وشفافية ومساءلة وإعلام عالي الصوت. هذا كوم، واضطرار الدولة إلى قبول بنوك خاصة لا تخضع لرقابة البنك المركزي كوم آخر، فهذا بالنسبة للديكتاتوريات الناشئة انتحار سياسي. ولا ننسى هنا علاقات الحكومة المشبوهة مع الشركات الخليجية التي بدأت تتهافت على دمشق تهافت الذباب على العسل. وكلها مشاريع استثمارية وليست مشاريع إعمارية.
ثالثاً – لماذا منطقة القرابيص وسوق الهال والمصابغ وبساتين الغوطة.
القرابيص منطقة سكنية كانت بالأصل بساتين لكنها تعمرت منذ سبعينات القرن الماضي (بلا ينتحر بخنق الزراعة). أما البساتين المجاورة لها والمسماة بالغوطة أيضاً فقد استملكتها الدولة في التسعينات بادعاء إنشاء حديقة ولكنها لم تبدأ هذا المشروع بعد. وقد حاول الملاك استعادة أراضيهم لكن دون جدوى (المنطقة السكنية المجارة والمسماة غوطة كانت أيضاً بساتين تم تعميرها في الثمانينات لك بتعاونيات للموظفين). عندما تعبر شارع الميماس من الغوطة فإنك تدخل في منطقة سوق الهال والمصابغ وهي منطقة تجارية صناعية كما يدل إسمها ولا بد أن ملكيتها تعود للدولة باستملاكات قديمة. هنا تستطيع الشركة المستثمرة أن تهدم حي القرابيص المدمر بنسبة 50%، جرف البساتين، وجرف المنطقة التجارية وكلها أعمال خفيفة. الإعمار سيكون محدوداً لمنطقة القرابيص وبعض أجزاء أخرى لكن الغوطة ستصبح حديقة عامة وسوق الهال سيكون منطقة تجارية أو صناعية. هذا يعني أن الشركة ستحصل على شيك على بياض لتنظيم المنطقة على كيفها. ستعمر أبراجاً مطلة على الحديقة العامة وستقسم المنطقة التجارية إلى مقاسم مختلطة الإستخدام. كل المشاريع التي تمتد على مساحات كبيرة تحتوي على هذه التقسيمات لأنها الأنسب للمستثمر من ناحية رفع أسعار العقارات، بناء أبراج نمطية تشبه بعضها (كلفة أرخص)، ورفع الأرباح من العقارات التجارية. وهذا لا يعني أن المنطقة ستحتوي أسواقاً تجارية ومحلات بالمفرق ومساكن للدخل المحدود، وأنواع متعددة من المساكن (لا أحد يعرف المخطط إذ ليس هناك عقد، مجرد مذكرة تفاهم). الحديقة الكبيرة سترفع الأسعار بحيث لن يستطيع أهل المنطقة العودة إليها ولو كان معهم أسهم (لا أحد عاد إلى سوليدير بيروت). وسيتم تسويق العقارات للأغنياء (طبعا اختاروا منطقة قريبة من مركز المدينة ومخدمة بالنقل العام) الذين لن يقبلوا عليها لارتفاع أسعارها. هذا بالإضافة إلى أن مجاورة الأبنية للمنطقة الصناعية ستعود لتضرب الأسعار بعد فترة، مما سيؤدي إلى شقق لوكس فارغة تماما كما هي الحال في سوليدير بيروت. إن استملاك الدولة القديم للمنطقة يجعل منها جذابة للمستثمر الذي لا يريد وجع راس مع الملاكين. المدينة ستقوم بالإستملاك وإجبار الناس على التخلي عن عقاراتهم وستقدمها هدية للشركة المستثمرة بأسعار زهيدة.
رابعاً – هل ستكون لحمص حديقة عامة كبيرة.
الزعم دائماً هو أن المدينة مختنقة وتنقصها حدائق عامة. هذه بالطبع مشكلة تنظيم وليست مشكلة الأهالي. أي أن إدارة المدينة تريد إصلاح مشكلتها على حساب المواطنين. هذه الحديقة ستحتاج إلى أموال طائلة لصيانتها والإعتناء بها مما سيعني فرض رسوم دخول كبيرة لا تسمح للناس بالإستفادة من الحديقة. ثم ستضطر المدينة أو الشركة المستثمرة لتضمين منشآت تجارية وترفيهية ضمن الحديقة لكنها ستكون بأسعار باهظة، مما سيعني أن الحديقة لن تزدهر وستعود الدولة لفتحها للإستثمار وإعمارها أو إهمالها مما يعني خفض أسعار الشقق المحيطة بها التي هي بالأصل فارغة وغالية جداً. ما سيحدث كما هي الحال في كل مكان في سوريا، ستزدهر سيارات القهوة على الشارع العام المساير للحديقة حيث سيجلس الناس للنظر إلى الحديقة التي لا يستطيعون الدخول إليها. مما سيعني أن المنطقة لن تصبح منطقة أغنياء وإنما منطقة سيرانات شعبية وازدحام شديد.
خامساً – لماذا الإستعجال ولماذا الآن.
ما تقوم به إدارة المدينة يرقى إلى فتنة إجتماعية. فهي تستعدي الذي دمرت بيوتهم على الذين لم تدمر بيوتهم. يقولون للفئة الأولى ستحصلون على بيوت بعد سبع سنوات ومن يقف في وجه سعادتكم هم الخونة الذي لم تدمر الحرب بيوتهم والذين يرفضون الإخلاء. كمية الشتائم والحزازات التي رايتها على المواقع التي تكلمت عن المشروع هائلة. والتشنيع الذي تعرض له المسنون من الحي حين رفضوا وتظاهروا هائلة تدل ليس فقط على فقدان الإحساس بالتعاطف بل على جشع واستكلاب على الربح السريع. الجميع يعتقد أن سوريا اليوم هي سوريا إعادة الإعمار، الأرض الخصبة للأرباح. هذا خطأ كبير، لا الحكومة قادرة ولا هي راغبة في إعادة الإعمار، كل ما تريده هي مكاسب سياسية ومالية سريعة لإعطائها شرعية لا تملكها. وكل هذه الشركات لها شركاء في الحكومة الحالية. القضية ترتقي إلى مصافي التنمر على المواطنين من أجل الإخلاء. هل يعقل أن تدمر مبان قائمة وجيدة للسكن من أجل وعود خلبية. الذين تدمرت بيوتهم لن يستطيع التملك في هذه المنطقة أبداً لأن الأسعار ستكون عالية جداً. سيملكون أسهم لا تكفي لشراء ربع شقة مما سيضطرهم لبيع الأسهم وشراء بيوت في مناطق أفقر. أما القاطنون الحاليون فيعدونهم بمساكن شعبية مساحتها 65% من مساحة شققهم وفي أبراج تطل على المنطقة التجارية. أين أن سكان القرابيص من الطبقة المتوسطة المالكين لبيوتهم سيتحولون إلى فقراء يعيشون في مساكن شعبية على أطراف المدينة. ويقولون لهم لن تكون الشقق أبعد من 800 متر عن مواقع بيوتكم، لكن حمص مدينة شرقية مكتظة، و800 متر تعني المسافة بين طرف المدينة ووسطها.
والأنكى من هذا أن المدينة تهدد القاطنين الرافضين إن لم يقبلوا خلال بضعة أشهر فإن صاحب المشروع سيتخلى عن حارتهم وسيتوجه نحو حارة أخرى. أي كأنهم يقولون للمشردين الذين تهدمت بيوتهم، إذهبوا واضربوا القاطنين لأنهم يقفون في طريق سعادتكم. ما هذه الحقارة وهذا الفساد الإداري. ولا يوجد مشروع في الدنيا لا يستطيع الإنتظار والحوار مع الأهالي.
ثم يزعمون بأن هذه الطريقة (أي المشاريع الكبيرة بأموال خارجية) هي الطريقة الوحيدة لإعادة الإعمار؟ هذا كذب صراح. المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تشمل عدة بنايات أو حارة صغيرة ممكنة جداً. لا بل هي أفضل لأنها تحترم تخطيط الطرقات الحالي وتعيد الأهالي إلى مناطقهم وتسمح لهم بالعيش في بنايات من عدة طوابق وليس أبراجا. لكن مثل هذه المشاريع يحتاج إلى قوانين وبنوك إقراض وشركات تعاونية، والدولة غير مستعدة لفتح هذا الباب على نفسها كما ذكرت سابقاً. الأموال الخارجية ليست ضرورية أبداً، وهي بالطبع ممكنة من خلال بنوك إقراض وليس من خلال شركات مقاولات ضخمة.
ويزعمون أن المشروع سيضخ أعمالاً وأموالاً في المدينة وهذا غير صحيح. المقاولون المحليون لن ينتفعون بفرنك فشركة المقاولات ستعتمد على مواردها الخاصة من أجل الربح. والشركة نفسها ستقوم بالإستيراد لتحصل على أسعار مخفضة وإعفاء من الرسوم. العمال سيكونون من فقراء الحرب وهؤلاء لن يضخوا أي شيء في السوق المحلية بل سيبدؤون مساكن عشوائية في البساتين المجاورة التي تريد البلدية إدخالها في العمار.
سادساً – ماذ يعني المشروع من ناحية سياسية.
لاحظوا أن المدينة تطلب من السكان التوقيع الفوري ولا تقدم لهم أية ضمانات ولا معلومات ولا إمكانية تنظيم منظمات للتحدث باسم السكان. مجلس المدينة ليس منتخباً ولا تمكن مساءلته. المقاول هو شخص واحد ممثل لشركة ضخمة يجتمع مع الناس تحت إشراف مسؤولي المدينة. الإستعجال هو سيد الموقف، لا إجتماعات، لا تشريعات، لا شفافية عن التسهيلات المقدمة للشركة، لا ضمانات، لا تعويضات، لا مخططات، لا تخمينات للأسعار المستقبلية وقيمة الاسهم، لا تخمينات لعدد الاسهم مقابل المتر المربع، لا تخمينات للعقارات الحالية، لا قابلية للطعن في محاكم المدينة، لا تمثيل قانوني للشركة (مجرد واحد علاك يعطي معلومات كاذبة ووعود كاذبة) لا شيء. إنها عملية نصب على المقاس الكبير.
الحكومة ستعلن أنها أنجزت شيئاً. وهي إنجازات مشابهة لانجازات توقيع مذكرات التفاهم في قصر الرئاسة. إنها استثمارات للربح وليس للإعمار (مناطق سكنية ومناطق ترفيهية). ما سيحدث غداً هو أن الدولة ستجبر المواطنين على التنازل عن ملكياتهم والإخلاء وستقوم المدينة بالتجريف السريع. ثم ستقوم الشركة بدراسة المشروع، وستستنتج أن البيئة الإقتصادية والقانونية غير ممكنة. وبما أنها لم توقع عقداً وإنما فقط مذكرة تفاهم مع المدينة (وليس مع السكان) فإن من حقها التراجع. وعندها سيحاول الملاكون استعادة أراضيها وطلب التعويض عن شققهم، وستقول لهم المدينة لقد وقعتهم العقد. ثم ستقوم المدينة ببيع الأراضي لمقاولين ومضاربين بعد أن دخلت المنطقة بالعمار كما يقولون. وربما سيشتري المسؤولون أراض على السريع وسيبيعونها بأضعاف اسعارها.
الفيس بوك
———————-
سورية: إلغاء مشروع حي القرابيص في حمص بعد احتجاجات شعبية/ نور ملحم
17 اغسطس 2025
قرّرت شركة “العمران” الكويتية للتطوير والاستثمار العقاري إلغاء مشروع “بوليفارد النصر” في حي القرابيص بمدينة حمص، والاكتفاء بتنفيذ الأعمال في منطقتَي المصابغ وسوق الهال، بعد احتجاجات الأهالي ورفضهم للعروض المقدمة لهم. وخلال الأسابيع الماضية خرج عشرات السكان في احتجاجات طالبوا فيها بوقف المشروع وإلغاء قرار تجميد المعاملات العقارية في القرابيص، معتبرين أن المشروع يهدّد أملاكهم ويُقصيهم عن منازلهم.
من جانبه، أكد مدير العلاقات العامة في محافظة حمص، عبد الرحمن جوخدار، في تصريح لـ”العربي الجديد” أن المشروع أُلغي في حي القرابيص كلياً، والذي كان مدرجاً ضمن مخطط بوليفارد النصر”، لافتاً إلى أنه “لن يجري تنفيذ أي أعمال في حي القرابيص من دون موافقة كاملة من الأهالي”، وأضاف أن العمل سيبدأ في العامين الأولين بالمصابغ وسوق الهال، وهي مناطق تملكها الحكومة وتقع مقابل حي القرابيص.
وأشار جوخدار إلى أن المشروع يتضمن إنشاء منتزه عام بمساحة 350 ألف متر مربع يتضمن مسطحات خضراء ومائية وملاعب، وسيكون جزءاً من مخطط تنظيمي جديد يشمل إعادة تأهيل 13 حيّاً متضرراً في المدينة. وشدد على أن الهدف من المشروع يتمثل في “تطوير مدينة حمص وتحديث عمرانها مع ضمان عدم التعدي على أملاك الأهالي أو تهجيرهم”، لافتاً إلى أن “التوافق مع سكان القرابيص سيبقى شرطاً أساسياً لانطلاق أي أعمال في الحي”.
ويقع حي القرابيص شمال مدينة حمص قرب منطقة البساتين، ويُعد من الأحياء التي تضررت كثيراً خلال سنوات الحرب، إذ كان من أبرز مناطق الاحتجاجات ضدّ النظام منذ عام 2011، ما جعله عرضة لعمليات قصف ومعارك عنيفة أفضت إلى دمار كبير في بنيته العمرانية.
يذكر أن الحكومة وقعت في 6 أغسطس/آب الجاري، مذكرة تفاهم مع شركة “العمران” لإطلاق مشروع “بوليفارد النصر”، الذي تصفه السلطات بأنه من أبرز مشاريع الإعمار بعد سنوات الحرب. وتُقدَّر تكلفة المشروع بنحو 400 مليون دولار، على أن يُنجز خلال فترة لا تتجاوز خمس سنوات، بينما تشير بيانات رسمية أخرى إلى أن التنفيذ سيمتد على مراحل تصل إلى سبع سنوات، تبدأ مرحلتها الأولى خلال 30 شهراً بتطوير منطقتَي المصابغ وسوق الهال. وتشمل الخطة بناء 4500 وحدة سكنية وبنية تحتية متكاملة، إلى جانب توفير نحو 15 ألف فرصة عمل مباشرة.
—————————–
========================



