سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

ملاذات المتعبين/ شعبان عبود

19 اغسطس 2025

في سورية اليوم، حيث تنهشنا جميعاً التمزّقات الطائفية، ويخنقنا خطاب الكراهية، لا يعود أمامنا، أحياناً، إلا أن نبتكر لأنفسنا ملاذات وفضاءات جديدة، نلوذ بها كي لا يُسحق الإنسان فينا نهائياً تحت وطأة هذا الواقع السياسي والاجتماعي المريض. فضاءات صغيرة، شخصية، لكنها بحجم الحياة ذاتها، فضاءات قد لا تغيّر العالم، لكنها تمنح النفس قدراً من السلام، وكأنها وصفة طبية لروح أصابها المرض.

شخصيا، وحينما أشعر بالاختناق والكآبة والإحباط من الفضاء السياسي السوري العام، أهرب إلى لعبة الشطرنج. لكنني لا ألعبها في صالاتٍ مغلقة، بل على الإنترنت، مع خصومٍ من بلدان لا أعرفها، ومن ثقافاتٍ ربما لم ألتقِ بها في حياتي. ما يبدو مجرّد لعبة استراتيجية، يتحول فجأة إلى شكل من أشكال الحوار الصامت. رقعة الشطرنج تصبح ساحة للسلام، للتفكير، للتروي، بل وللعدالة أيضاً. في لعبة الشطرنج لا يسألني أحد عن طائفتي، ولا عن موقفي السياسي، ولا عن مدينتي. أنا مجرّد عقل يلعب مع عقل آخر، وتلك المساواة النادرة التي تقدمها اللعبة، تشعرني بأني أنتمي إلى إنسانية أكبر، أوسع من حدود الجغرافيا السورية الضيقة. أليس هذا نوعاً من المقاومة؟ مقاومة التشظي، والانغلاق، والتعصب؟

في أحيان أخرى، أهرب إلى أغنية. ربما تكون أغنية قديمة من الزمن الجميل، وربما تكون موسيقى صوفية بلا كلمات. الموسيقى لا تعترف بالحواجز الطائفية. لا تقول لك: هذا علوي، وهذا سنّي، وهذا مسيحي. الأغنية الجيدة تسكن القلب من دون أن تسأل عن الهوية. إنها تطهر النفس من الغضب، وتوقظ فيك شيئاً يشبه الطمأنينة، وتذكّرك بأنك كائن يستحق أن يشعر بالجمال.

في مرّات عديدة، وحين تتعب اللغة من الصراخ، وتتحوّل إلى خنجر، ألجأ إلى قراءة شمس التبريزي أو جلال الدين الرومي. هذان المتصوّفان اللذان تحدّثا منذ قرون عن الحب طريقاً، وعن الله حضوراً في كل شيء، وعن الإنسان مرآة للكون. في قراءة الرومي، غالبا ما أجد ترياقاً ضد الكراهية. وليست هذه القراءة هروباً من الواقع، بل عودة إلى جوهر أعمق، إلى مصدر مشترك بين البشر.

قد تبدو العودة إلى الكتب المقدّسة، في زمن الانقسام الطائفي، نوعاً من المفارقة، لكن المقصود هنا ليس الخطاب الديني الذي يشحن الناس بالكراهية، بل العودة إلى النص بصورته النقية، المتحرّرة من التأويلات السياسية. هذه التجربة الروحية، بغض النظر عن وسائل (وطرق) ممارستها، تبقى، في جوهرها، نوعاً من المقاومة الداخلية للعنف. إنها وصفة صامتة للتوازن، ومن أشكال الدفاع عن النفس في وجه التوحش العام.

من الفضاءات التي باتت تشكل خلاصاً للسوري اليوم، ربما تكون الكتابة. لا يهم إن كانت كتابة مذكّرات، أم خواطر، أم رواية. ما يهم أن الكتابة أصبحت أداة للنجاة. أنت تكتب كي لا تنفجر. تكتب كي تشرح لنفسك ما لا تفهمه. تكتب كي تبقى حياً، ولو على الورق.

ربما لا تكون هناك غابات شاسعة في المدن السورية اليوم، لكن حتى مشهد شجرة زيتون وحيدة، أو جلسة قرب نهر، أو السير على سفح جبل، أو في عمق البادية، يمكن أن يكون دواء. الطبيعة لا تسألنا عن انتماءاتنا. هي تعطينا الهواء والماء والسكينة بصمت. الطبيعة لا تعادي أحداً، لكنها تشترط الصمت والانتباه. ومن هذا الصمت، تولد الراحة.

لا يحتاج السوري اليوم في نشرات الأخبار إلى من يذكّره بأنه ليس إلا مجرّد سنّي أو علوي أو درزي أو مسيحي أو كردي. السوري متعب جدا اليوم من سوريّته، ويحتاج أحيانا أن يخرج منها ولو إلى حين.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى