تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعصفحات الحوار

موفق نيربية: هناك ضرورة مطلقة لعقد مؤتمر وطني سوري شامل

نيربية: لا مفرّ من مؤتمر وطني شامل… وصراع خفيّ بين فرنسا وتركيا يطلّ برأسه في سوريا

عمار زيدان

2025-08-19

تعيش سوريا خلال الفترة الحالية العديد من التحديات والتطورات الداخلية والخارجية، بالتزامن مع استمرار الأزمة في السويداء وارتفاع حدّة التصريحات الحكومية تجاه الإدارة الذاتية، بعد مؤتمر “وحدة الموقف لمكوّنات شمال وشرق سوريا” الذي عُقد في مدينة الحسكة.

وترافقت التطورات الداخلية مع عقد اجتماع ثلاثي سوري – أردني – أميركي في العاصمة عمّان، تناول فيه المشاركون الأوضاع في محافظة السويداء وسبل دعم وإعادة بناء سوريا، وسط معلومات تحدّثت عن وساطة أميركية بين سوريا وإسرائيل، تهدف إلى إقناع دمشق بفتح ممر لدخول المساعدات الإنسانية إلى السويداء.

وفي حوار خاص مع الكاتب والناشط السياسي السوري موفق نيربية، أجاب عن العديد من الأسئلة المطروحة فيما يتعلق بمؤتمر الحسكة وانعكاساته على المشهد السوري الحالي، واحتمالية وجود ملامح لصراع فرنسي – تركي في سوريا، إلى جانب مستقبل النفوذ الروسي في المنطقة.

وفي ما يلي الحوار كاملاً:

كيف تنظر إلى المؤتمر الذي انعقد في مدينة الحسكة مؤخراً وانعكاساته على المشهد السوري الحالي؟

هنالك منعكسات متباينة لهذا المؤتمر، فقد أضاف طمأنينة ضرورية لهواجس المكوّنات السورية حتماً، ومن ثم نافذة أمل في الصورة الرمادية الراهنة. وقد وضع أيضاً جدول أعمال متقدماً أمام النخب السورية، وتلك المدنية منها التي تتمسّك بدولة ديموقراطية حديثة حملت عناوين الثورة السورية منذ انطلاقتها.

حاول من أعدّ للمؤتمر جدول أعماله التجديد فيه، مستنبطاً دعوة كامنة للحوار والبحث عن مخارج للمسألة السورية من المأزق الذي وضع البلاد فيه النظام الاستبدادي السابق، ولم تستجب له عملية التغيير التي حدثت في الثامن من ديسمبر الماضي بما يكفي من التطمينات والنوافذ والأبواب المفتوحة والمتقدّمة، حتى الآن على الأقل.

وقد كان انعكاس انعقاد المؤتمر ومخرجاته على السلطة المؤقتة ملتبساً، يغلب عليه سوء الظنّ والانطلاق من نقد المؤتمر إلى التحرّك باتجاه عقد مؤتمرات للحوار والتشاور، وصولاً إلى مؤتمر وطني أصبحت ضرورته مطلقة.

هل أظهر مؤتمر الحسكة حجم الهوّة والخلافات بين مكوّنات سورية والحكومة الحالية أم لا؟

بالتأكيد، لكنه لم يقدّم الكثير بشأن ذلك أيضاً. فقد أبرز أن تلك المكوّنات بمجملها تميل إلى أن تكون سوريا دولة مدنية ديمقراطية حديثة، في حين ما زالت معظم المؤشرات تدلّ على أن الحكومة “الانتقالية” ما زالت على الإيديولوجيا التي نشأت عليها، وهي ربما تهدف مباشرة أو مداورةً إلى دولة ثيوقراطية متمركزة تقليدية.

وهذا ما يؤكد على ضرورة انعقاد مؤتمر وطني شامل، تتشارك فيه القوى والمكوّنات السورية كلها لتعبيد طريق مستقبل البلاد بشكل صحي، في حين ما زالت السلطة الحالية تحاور ذاتها وتركّز اهتمامها على القوى الخارجية وما تريده من مصالح لها في سوريا، وتجهد للرد على أسئلتها بشكل ناجح أو مقبول.

وما زال مثال مؤتمر الحوار الضعيف المحتوى و”الحوار” الذي عقدته الحكومة مهيمناً على صورتها أمام العديدين.

أكد مؤتمر الحسكة أيضاً على أهميّة أن تكون سوريا المستقبل لا مركزية، لتحديث شكل الحكم وتعزيز المشاركة فيه على المستويات كافة، وبثّ الحياة في البلاد من مركزها إلى أبعد أطرافها، بحيث يكون كلّ إنسان حراً ومسؤولاً في الوقت ذاته، وقريباً من مشاكله يعالجها بنفسه حيث يستطيع، من دون انتظار الإدارة أو القيادة أو الحكومة المركزية، إلا في المسائل التي تتصل بدورها.

هنا أيضاً هناك اختلاف مع الحكومة الحالية التي تجهد في الدفاع عن المركزية رغم ثقلها الواضح على قدراتها.

برأيك، لماذا لا يتم عقد مؤتمر وطني جديد وشامل وإعادة النظر في الإعلان الدستوري؟

لا أدري تماماً، ولكن حين أحاول وضع نفسي في محلّ القيادة الراهنة، أعتقد أنها تخشى أن تظهر بمظهر الفشل في عقدها لمؤتمر الحوار الذي ارتجلته سابقاً، والفشل في إعداد وإصدار الإعلان الدستوري الذي ارتجلته أيضاً، ووضعت فيه ما يتعارض مع الشراكة والمشاركة والشمول.

لقد تضمّن الإعلان ما ينبغي أن يكون من مواضيع الحوار والتسويات بين الجميع مسبقاً، وفي إعلان دستوري “مؤقت” مصنوع على عجل وضمن دائرة ضيّقة.

إن عقد مؤتمر وطني شامل هو تحقيق لإحدى مناحي المشاركة والشمول التي يطلبها القرار 2254، وكلّ الدول المتدخلة في الأزمة السورية، والشعب السوري أولاً.

هل هناك ملامح صراع فرنسي – تركي في سوريا، وما أسبابه؟

هنالك مؤشرات على ذلك، وربما كان في خلفيته البعيدة انعكاساً للصراع في الحرب العالمية الأولى، حين حلّت فرنسا، وهي إحدى الدول المنتصرة، مكان “الدولة العليّة العثمانية” إحدى الدول المهزومة آنذاك، في سوريا.

وهنالك بعض ملامح إعادة رسم لخرائط النفوذ في الشرق الأوسط حالياً، بعد سقوط النظام السابق وانهيار الجيش السوري، وانحسار نفوذ إيران إلى داخل حدودها أكثر فأكثر، مع هزيمة أدواتها في لبنان وغزّة أيضاً.

لا تريد فرنسا ولا الولايات المتحدة ولا إسرائيل ولا معظم السوريين تقليص النفوذ التركي، ما لم ينطلق من طموح زائد إلى تطوير سيطرته على سوريا بالتدريج، واعتبارها حقاً تاريخياً وجغرافياً له.

كذلك فإن الأمن القومي التركي محترم من قبل الجميع في هذه المنطقة، ومن قبل شمال وشرق سوريا أيضاً، على ألّا تكون المسألة عنواناً لشيء آخر، تظهر ملامحه هنا وهناك، وظهرت خصوصاً منذ السيطرة على عفرين ورفع العلم التركي، وتحويل تبعية أقسام من سوريا إلى الوزارات والولايات التركية.

لا يعني هذا أن فرنسا بريئة من “المطامع” و”المصالح”، لكنها تبدو أكثر “حناناً” هنا، وهذا يغيظ الإعلام التركي قليلاً كما يبدو.

هل تعيش سوريا حالياً صراعاً خفياً بين أطراف وجهات خارجية تفرض إملاءاتها على حساب الاستقرار والتوافق بين السوريين؟

بالتأكيد أيضاً. هنالك الولايات المتحدة (الترامبية) بسياسات المقاول والسمسار والمتسرع دائماً والزائد الثقة بنفسه، مع أمثلة على أنه لا يأبه بالشعوب ومصالحها حين تتعارض مع مصالحه.

ولا مشكلة هنا إلا في أن هذه الظواهر تفوق حاجة السوريين، مع ممثل للولايات المتحدة هو بدوره صورة غير دقيقة عمن أوفده، بارتجالاته وتناقضاته.

وهنالك إسرائيل ذات السياسات المهتمة بأن تكون سوريا أضعف ما يمكن، من دون تحمّل مسؤولية الفوضى في حال أدّى ذلك إلى تمزيق البلاد.

روسيا تريد قواعدها، ويبدو أنها تتقدّم لأداء مهام الوساطة وحلّ المهام الصعبة في جنوب سوريا، لتحفظ مصالحها الجيوسياسية والاقتصادية.

إيران ترغب في وقف تدهور نفوذها وتراجع مصالحها، وتراهن السعودية والخليج على نجاح سياسة “الدعم المحايد مع النصائح”. وقد أشرنا أعلاه إلى تركيا وفرنسا.

كيف تقرأ زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى موسكو ولقاءه الرئيس الروسي وما أعقب ذلك من تصريحات وُصفت بالإيجابية في العلاقة بين الجانبين؟

بالتأكيد هنالك من تقدّم بالنصائح إلى الحكومة الحالية لتمدّ الجسور مع موسكو، وذلك كان دأب تلك القوى في عدة مراحل من قضيتنا، وأشهد شخصياً على ذلك.

وربما كان الدافع المباشر هو إحياء دور الروس في جنوب سوريا لتهدئة إسرائيل، وخلق ظروف جديدة هناك، لن تختلف عن المعادلة الراهنة كثيراً على الأرجح.

+963

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى