إشتباكات السويداءالتدخل الاسرائيلي السافر في سورياالمقاتلين الأجانب و داعش في سوريةتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوععن أشتباكات صحنايا وجرمانامحطات

الحالة السورية/ وائل طربية

“.. ومن كان يعبد سورية فإن سورية قد ماتت وأما من كان يعبد الشام فهي حية في كتب التاريخ وفي وجداننا فقط.”.. نهاية الاقتباس.

هذا اقتباس من منشور لأحد الأصدقاء الفلسطينيين، يوصِّف فيه الحالة السورية ويختصر ما يعتبره “عقلانية سياسية” بالعبارة أعلاه.

البحث عن المقاصد الطيبة من وراء الكلام يجعلنا نفترض أن سلسلة المآسي المتتالية والإحباط والجراح النازفة والكرامات المهدورة، والتعاطف مع الضحايا تشكل الأرضية الدافعة لهذه الاختزالات، والعشرات من شبيهاتها، التي “تؤبّن” سوريا بهذه البساطة، ولكن الدوافع، أيّاً تكن لا تجعلها كلاما في العقلانية ولا في السياسة. هذه النظرة لا تخلُ من تبسيط ولا تقف على أرض صلبة، بل تندرج ضمن ما يسميه الكاتب نفسه “حالة السيولة”؛ السيولة في الواقع والسيولة في الوعي المرتبك أمامه، وفي ارتطام مشاعرنا بموج تناقضاته.

في حالة سوريا، وبالرغم من كل شيء، ما زالت الفكرة الكيانية الوطنية حيّة تنبض في مخيال الغالبية الساحقة من السوريين. كلّ من يعرّف نفسه انّه سوري، يعتبر أن له حصة في كل شبر من سوريا ولا يمكن أن يتنازل عن أيٍّ منها، بالرغم من كل هيجانات الكراهية والسعار الطائفي والردح الشتائمي الرخيص الدائر حالياً.

سأتحدث عن نفسي حتى لا أعمم باسم الآخرين. وحتى لا أدعيّ تمثيل أحد.

أنا السوري المولود بعد احتلال الجولان، يبعد بيتي أقل من ساعة سفر واحدة عن دمشق، وممنوع من دخول بلدي طوال حياتي، وأعرف أنني لن أتمكن من زيارة الأحباب أو الأصدقاء في بيوتهم – ممن عرفت وعشت ودرست معهم سنوات طويلة – فيما تبقّى لي من هذا العمر.

أنا السوري الذي تشكلت سوريته في الطفولة، خلال انتفاضة الهوية والاضراب الكبير عقب قرار الاحتلال ضم الجولان، وأخذت صورتها المكتملة بعدما تقاطعت طريقي مع طريق سوريين نبلاء؛ تعرفت على سوريا من خلال ذاكراتهم وحكاياهم التي حملوها معهم إلى كل مكان. فمن خلالهم، وبدون أن أطأ تراب سوريا، صرت أعرف حارات دمشق وسينما عامودا وتمثال الكندي في جامعة حلب وحجارة السويداء وشواطئ طرطوس وأحلام شباب القامشلي والعلاقات الاجتماعية في دير الزور وسواها من ملامح البلد القريب البعيد.

أنا السوري الذي صاغت انحيازاته السياسية كتابات عشرات السوريين وفي مقدمتها مقالات صبحي حديدي وياسين الحاج صالح وكل ما كان يجمعه حسين الشيخ في صفحاته السورية وأفلام عمر أميرالاي وأسامه محمد وسيرة ابن العم ولوحات فاتح المدرس ولؤي كيالي وسعد يكن وكثيرون كثيرون آخرون.

أنا السوري الذي يعيش في أمان، ليس لديه مصلحة أو منفعة من هذا الانتماء المجنون لهذه البلاد الفقيرة واقتصادها المدمّر ومدنها المنكوبة.. لا اتنازل عن حقي في درعا والقنيطرة ودمشق والسويداء وحمص وحماه وحلب وإدلب واللاذقية وبانياس وطرطوس والرقة والحسكة ودير الزور وعامودا والبوكمال..

لا أتنازل عن حقي، الذي لن أناله، بالعيش والتنقل على كامل مساحة الوطن، وصولاً إلى أقصى ضيعة فيه. كما لن أتنازل عن حقي المعنويّ وحلمي الطوباويّ بأن أُعامل كسوريّ بين ملايين السوريين. سوريّتي الروحيّة تعطيني درعاً يحميني من المحو ومن الحشر، عنوةً، في قفص هويّة طائفية أمقتها. إنها تمنحني الحق الوحيد المتاح، في حالة من هم مثلي، لممارسة مواطنتي السورية المتخيّلة، وهو أن أقول رأيي في أحوال بلدي.

فيا ابن ويا بنت بلدي، لا يهمني كثيراً ما هو موقفك من السلطة الحالية في دمشق ومن أحمد الشرع، لأنني اعتبر ذلك تفصيلا في الصورة الكبيرة للتحول السياسي الذي تعيشه سوريا. نقد السلطة أو دعمها هو حق عمومي. ولكن إن كنت ممن يعلنون قطعاً تامّاً ورفضاً مطلقاً لها، بوصفها وكيلاً لقوى ومصالح خارجية، تقتضي الاستقامة ألّا تتساذج وتتعامى عن الجماعات الانفصالية، بوصفها سكيناً في خاصرة سوريا وأداة يتحكم بها الأعداء في مسعىً لتفتيت الكيان الوطني السوري الذي يرثيه البعض ولمّا يمت بعد.

لن تموت سوريا ولا الوطنية السورية ستنكسر إن تحقق شرط تعافيهما؛ وهو الكفاح السياسي لعموم الوطنيين السوريين، أو من وصفهم مضر الدبس بـ “الأقلية الناجية” من لوثة الكراهية وسعار الطائفية. في الحقيقة هؤلاء هم الأكثرية الحقيقة والأكثرية التي بيدها مصير سوريا.

الآن هو وقت العمل الوطني والنضال السياسي السلمي لكل السوريين، للتأثير وتغيير المسارات والمشاركة في رسم معالم النظام السياسي الذي يتشكّل أمام أعيننا. وهو الحق الذي سُلب من شعبنا لستة عقود كاملة. فقط السوريون الواقفون على أرض سوريا اليوم، والذين بدأوا بالتفكير والعمل على تحويل رؤاهم الى تشكيلات حزبية وتيارات سياسية ومنظمات مجتمع مدني وتجمعات مهنية ونقابية حيوية وفعّالة، ومبادرات شبابية، قادرون على استرجاع الحق بالسياسة وتقرير شكل الحياة التي يريدون..

تعافي سوريا والوطنية السورية، يتطلب الانخراط والمشاركة في ورشة العمل الهائلة التي تتوسع وتتمدد في كل حي ومدينة وزاوية، كلّ في مجاله ودوائر حياته ومدارات تأثيره. في نفس الوقت يجب مراقبة ونقد السلطة ومؤسساتها، وكلّ وأيّ سلطة ستليها، وعدم التفريط بالحقوق وعدم التساهل مع الانتهاكات وتحشيد القوى الشعبية ورفع المطالبات والضغط على هياكل ومؤسسات الحكم الناشئة، باستخدام كافة الوسائل السلمية والشرعية؛ كالتظاهر والاحتجاج والاعتصام والوقفات والمسيرات وتنظيم الحملات والإضرابات والإعلام الحرّ والمستقلّ ونبذ العنف وتجريمه بكل أشكاله، وتجريم استخدامه في الخصومات السياسية والحياة العامة والخاصّة.

هذه هي عدة الشغل المتاحة لشعب يريد أن يستعيد المجال السياسي وأن يمتلك مصيره بين يديه. لا يعني هذا أن ما يُخطط لسوريا سيتوقف، وأن تدخلات القوى الخارجية ستختفي، ولكنه يعني أن إرادات السوريين ستصبح، لأول مرة في تاريخ سوريا الحديث، جزءاً حاضراً في صناعة السياسات والتوازنات وترجيح مآلات تنازع القوى التي تحاول تقرير مستقبل البلد.

وفي مسار موازٍ، قبل مجازر الساحل وبعدها، وقبل مجازر السويداء وبعدها، وبشكل شبه يوميّ، تتواتر على مسامع السوريين أخبار وتصريحات متقاطعة عن حركات ومشاريع انفصالية، باتت تفصح عن نفسها بوضوح في الدعوات الأخيرة لانفصال السويداء – يعوّل بعض الكارهين والرافضين بالمطلق لحكومة دمشق الحالية، أن بمقدور هذه الحركات كسر ظهر الكيان السوري وإسقاط السلطة –

نحن أمام خلطة عجيبة من مشاريع انتحارية وتهويمات مريضة، وفّرت لها الجرائم والفظائع التي ارتُكِبت بحق المدنيين الأبرياء، البيئة الملائمة والتوتر اللازم وانعدام اليقين وفقدان الثقة والوعي المشوش كي تطلق مشاريع الانفصال المحمولة على دم الضحايا، والمعادية ليس فقط للسلطة المؤقتة، وإنما للفكرة الوطنية السورية ولعموم السوريين.

لقد أضرت أحداث الساحل والسويداء الداميتين بصورة السلطة من جانب أول ووفرتا غلياناً شعبياً وغضباً مشروعاً من جانب ثانٍ، ركبت موجته فئة انتهازية مغامرة ترى بالانفصال منجاةً لها ومخرجاً من مأزقها. خطاب هذه الفئة، بمعظمه، كتلة هراء تستحضر عصبيات موتورة واستفزازات ممنهجة تستهدف التصعيد والصدام والقطع، في الوقت الذي يتطلب التهدئة والتفاوض والتواصل.

السوء والأذى الناجمان عن هذه النزعات النزقة يتبديان ليس فقط في افتقارها لحسّ المسؤولية والضمير معاً، بل يمتدان إلى استدعائها تدخلات الأعداء وتأليب قوى دولية على الحكومة الانتقالية الهشة والمتعثرة في كثير من تصرفاتها. وتلتقي مصالح أعداء سوريا من الخارج مع دعوات فاقدة النظر والمسؤولية، تدعو للثورة مجدداً وإسقاط سلطة الامر الواقع في دمشق. بكلام مباشر، يلتقي الطرفان في الدعوة لحرب أهلية مفتوحة، وهي، إن وقعت، ستؤدي إلى موت وتفسخ سوريا الفعلي.

نتضايق ونتبرّم كلّ مرّة نُضطر فيها إلى إعادة تأكيد المؤكد في ملف الجرائم المرتكبة بحق الضحايا الأبرياء من المدنيين. لكن للمسألة وجه إيجابي، وهو أن نذكّر أنفسنا ببديهيات الأخلاق وأن نعيد رفع الضمير فوق جدل التبرير والتسويغ والمفاضلة بين الضحية والضحية، أو المفاضلة بين قاتل وقاتل. لقد فشلت أصوات كثيرة في تحقيق هذا الانصاف اتجاه الضحايا، وفي الاعتراف بمظلوميات الآخرين والتضامن والاقتراب منهم أكثر. فتعبيرات مثل “أهلي” و”ملّتي” عادت للتداول على نطاق واسع وكأن باقي السوريين ليسوا أهلاً. هو انكشاف لطائفية عميقة تقبع تحت طبقات ماكرة من الخطاب والثقافة والأيديولوجيا. الحقيقة أنّه لا خير يُرتجى من ناقد لا يبدأ بنقد “جماعته” أولاً، أو من هو محسوب عليهم حتى وإن لم يكن يعرّف نفسه بهم.

عندما تنطلق قاطرة الحياة السياسة الداخلية السورية، سيهدأ الهيجان، وسيخفت ضجيج الجوفيات الجوفاء، وسيعود التركيز الى حيث يجب أن يكون، الى أن التحول السياسي في سوريا أعمق وأعقد من انتقال مقاليد الحكم من يد ليد. هو مخاض عسير ومؤلم ودامٍ وطويل.. وبهذا المعنى فإن السلطة الحالية، وبالرغم من كل أخطائها وخطاياها وسوء تقديرها وعثراتها، هي جسر للعبور، وهي مرحلة “إلزامية بحكم الأمر الواقع” ولكنها مؤقتة، ومنتهية حكماً، في المسار الطويل للعبور إلى الدولة المأمولة.

الإرادة الجمعية لا يمثلها أصحاب الزعيق العالي.. هي مرحلة سوداء وستنقضي. عندما نفكر بسوريا يجب أن نتفهم الأصوات المكلومة وأن نحتفظ في الذهن أن هنالك مجروحون استُبيحوا في أجسادهم وأرواحهم وكرامتهم وأحبائهم وبيوتهم. هنالك من خُطف وعُذّب وهُجِّر قسرياً، منذ 14 عاما وحتى اليوم. هنالك من ولد وعاش في وحل الخيام وصقيع التشرد وعذاب الفقد. هؤلاء، ما أن يلتقطوا أنفاسهم وينتهوا من تضميد الجراح واستعادة الثقة والتوازن، سيرجعون كما نعرفهم، سوريون أصلاء، وهم بناة سوريا القادمة.

أزعم أن هذا ما يراه ويتمناه ملايين السوريين والسوريات، مثلي.

الفيس بوك

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى