العدالة الانتقاليةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

العدالة الانتقالية تحديث 19 آب 2025

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي

العدالة الانتقالية في سوريا

—————————–

العدالة الانتقالية التي تُنصف الذاكرة/  ميسون محمد

19 اغسطس 2025

في سياق التحوّلات العميقة التي تعصف بالمجتمعات الخارجة من أتون الصراعات المسلحة، تبرز العدالة الانتقالية بوصفها ضرورةً تاريخية، وليس مجرّد خيار سياسي أو قانوني، فالدول التي عانت من حروبٍ ونزاعات، كالحالة السورية، تجد نفسها أمام مفترق طرق؛ إمّا الانزلاق مجدّداً إلى دوّامة العنف، أو السعي الجاد نحو ترسيخ أسس الاستقرار والمصالحة الوطنية. العدالة ليست عبئاً على حاضر الشعوب، بل هي الجسر الأكثر صلابة لعبور الماضي نحو مستقبل أكثر إنصافاً وأمناً. ومن هنا، تصبح العدالة الانتقالية فعلاً تأسيسياً لإعادة بناء العقد الاجتماعي، إذ تتلاقى الإرادة الوطنية مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان في نقطة مركزية واحدة؛ ألّا تُترك الجراح مفتوحة، وألّا يُسمح للذاكرة الجمعية أن تتحوّل إلى خزّان للكراهية والثأر.

في مرحلة ما بعد الصراع، لا يكفي تغيّر ملامح السلطة السياسية كي يُقال إنّ المجتمع قد دخل طور التعافي، فالحقيقة الأشد تعقيداً تكمن في أنّ مفاعيل النظام السابق لا تزول بزواله الرسمي، بل تبقى حاضرة في البُنى العميقة للدولة والمجتمع، من مؤسّسات مشبعة بثقافة الإفلات من العقاب، إلى منظومات قانونية وإدارية ما زالت تحمل بصمات الحقبة الماضية. في الحالة السورية، إذ فُتحت الذاكرة الجمعية على جراح لم تُعالج، فإنّ العدالة الانتقالية تمثّل الإطار الأنجع لإعادة هندسة العلاقة بين المواطن والدولة، ليس على قاعدة استبدال وجوه سياسية بأخرى، بل عبر مراجعة شاملة للمنظومة التي سمحت بتكريس العنف وانتهاك الكرامة، إنّ المصالحة الوطنية الحقيقية لا تُبنى على التجاهل أو الإنكار، بل على إقرار مسؤول، ومحاسبة عادلة، ومصارحة تفتح المجال أمام بناء ثقة جديدة. ومن دون هذا المسار، سيظلّ الاستقرار هشاً، وعرضة للانهيار كلّما اصطدم الماضي غير المحسوم بالحاضر المرتبك.

في كل تجربة انتقالية، يبرز سؤال العدالة الجنائية بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً، لكنّه أيضاً الأكثر تعبيراً عن صدقية التحوّل وشرعيته الأخلاقية. ففي سورية، حيث جرى ارتكاب انتهاكات ممنهجة طاولت بنية الإنسان قبل عمران المكان، لا يمكن لأي مسار عدالة انتقالية أن يكتسب مشروعه الأخلاقي من دون أن يضع مطالب أهالي الضحايا في صُلب أولوياته. هؤلاء لا يبحثون عن تعويض رمزي، ولا عن اعتذارات سياسية متأخّرة، بل عن حقيقة يُعترف بها، وعدالة تُمارس في قاعات المحاكم. إنّ المحاكمات العادلة، التي تجري ضمن أصول قانونية واضحة وتحت رقابة مستقلة، تشكّل لحظة مفصلية في الانتقال من مرحلة الإنكار إلى عهد جديد تُعاد فيه الكرامة. وهي، في جوهرها، ليست مجرد فعل قضائي، بل خطوة سياسية وثقافية، تهدف إلى تفكيك بنية الإفلات من العقاب، وإعادة صياغة مفهوم السلطة على أسس جديدة، إذ يُنظر إلى الضحية لا بوصفه رقماً في السجلات، بل بصفته إنساناً له صوت وحق وذاكرة. من دون هذا الاعتراف، فإنّ أي حديث عن مصالحة أو استقرار سيبقى محكوماً بالبتر ويستحيل على ذاكرة الوطن أن تتعافى.

وفي مسارات العدالة الانتقالية، غالباً ما تميل الأنظمة السياسية الجديدة إلى استخدام أدوات العفو العام وسيلةً لطي صفحة الماضي، مدفوعة بهاجس الاستقرار السياسي أو تحت ضغط التسويات الهشّة. لكنّ هذا الميل، وإن بدا في ظاهره منطقياً، لا يجوز أن يمتد إلى المسّ بالحق الشخصي الذي يُعدّ أحد أركان العدالة الأصيلة، لا المجازية، فقد يكون الحقّ العام عرضة للتقدير السياسي، وقد تتدخّل فيه اعتبارات مصلحية أو مرحلية، لكن الحقّ الشخصي، وهو المتّصل بالأذى المباشر الذي لحق بأفراد بعينهم، لا يملكه أحد لكي يتنازل عنه نيابة عن صاحبه، ولا يسقط بالتقادم ولا بالمساومة.

في السياق السوري، حيث ارتكبت انتهاكات ممنهجة ضد الشعب السوري، يمثل الحفاظ على الحق الشخصي معياراً أخلاقياً وقانونياً لتماسك أيّ عدالة انتقالية مزعومة. لذلك؛ يجب أن يكون الاعتراف بحقوق الضحايا ومقاضاة من انتهكها التزاماً غير قابل للتفاوض، يُرسّخ الإيمان بأنّ الدولة القادمة تتأسس على التوازن بين الحقوق والمساءلة.

العدالة الانتقالية عملية معقّدة تتطلب أدوات تنفيذية واضحة، في مقدّمتها هيئة وطنية مستقلة وذات صلاحيات، لا تخضع للإملاءات السياسية ولا تُدار بمنطق الترضيات. وفي السياق السوري، جرى بالفعل تشكيل هيئة وطنية تُعنى بالعدالة الانتقالية، غير أنّ مجرد التشكيل لا يكفي ما لم يُقرَن بتمكين حقيقي. فهذه الهيئة مطالَبة بأن تمثل مختلف المكونات المجتمعية، وأن تستند إلى خبرات قانونية وحقوقية وطنية، وتُشرك الضحايا، وتنسجم مع القيم الأمميّة، دون أن تنفصل عن السياق الوطني ومتطلباته.

لا يتعلّق التحدّي القائم اليوم بوجود الهيئة، بل بمدى ما تُمنح من استقلالية قانونية، وصلاحيات فعلية في التوثيق والمساءلة. مستقبل العدالة في سورية مرهون بقدرة هذا الجسم المؤسّسي على كسب ثقة المواطنين، والتعامل مع ذاكرة الألم بحياد وشجاعة ومسؤولية وطنية.

فهل ستكون سورية دولة ذاكرة واعية أم دولة نسيان قسري؟ هل ستكون دولة مواطنة ومساءلة؟ إنّ مستقبل سورية يتوقف على إجابة دقيقة لهذا السؤال. وإذا كنّا نريد وطناً يتسع لأبنائه، فعلينا أن نبدأ من حيث توقف النزف، وأن نبني ذاكرة لا تُقصي أحداً، وعدالة لا تُجامل أحداً، ومصالحة لا تُشبه الغفران المجّاني، بل تُشبه العدل حين يُمارس بكرامة وصدق.

العربي الجديد

———————————-

الإصلاح المؤسسي في سياق عملية العدالة الانتقالية في سورية/  إبراهيم دراجي

نشر في 18 آب/أغسطس ,2025

يُعنى إبراهيم دراجي، في دراسته “الإصلاح المؤسسي في سياق عملية العدالة الانتقالية في سورية: الاستفادة من انتهاكات الماضي لبناء المستقبل”، بمفهوم الإصلاح المؤسسي في سورية، بوصفه ركيزة أساسًا في العدالة الانتقالية، مركزًا على ضرورة معالجة إرث البنية السلطوية للنظام المخلوع وانتهاكاته الجسيمة من أجل منع تكرارها.

تنطلق الدراسة من إشكالية خضوع مؤسسات الدولة للهيمنة السياسية والأمنية، وتسعى إلى الإجابة عن تساؤلات تتعلق بالخلل البنيوي المؤسسي، والدروس المستفادة من التجارب الدولية. تنتهج الدراسة التحليل والمقارنة، وتقترح آليات لإصلاح مؤسسات ومجالات عامة رئيسة، وهي الأمن والقضاء والأحزاب والرقابة، مؤكدةً أن ذلك ليس خيارًا تقنيًا بل ضرورة لبناء دولة القانون والديمقراطية.

دراسة دراجي، وهو مستشار في مفوضية اللاجئين وأستاذ القانون الدولي في جامعة دمشق، منشورة في العدد الثاني والثلاثين من (قلمون: المجلة السورية للعلوم الإنسانية)، ضمن ملف عددها الخاص بـ “مسار العدالة الانتقالية في سورية: تحديات التعافي وبناء المستقبل“.

يمكن الاطلاع على دراسة إبراهيم دراجي كاملة من الرابط الآتي:

وللاطلاع على ملف العدد الثاني والثلاثين من مجلة قلمون، يرجى زيارة الرابط الآتي:

———————————–

حول تقرير لجنة التحقيق الدولية عن العنف في الساحل/ لمى قنوت

صدر عن “لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالجمهورية العربية السورية”، التي أنشأها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة عام 2011، تقرير حول الانتهاكات ضد المدنيين، نساء ورجالًا، في الساحل السوري بالفترة من كانون الثاني وحتى آذار 2025، حددت فيه بأن العنف الذي اندلع في المناطق الساحلية في آذار 2025، كان نزاعًا مسلحًا غير دولي بين الحكومة المؤقتة والقوات الموالية للنظام السابق، الأمر الذي يعني بأن القانون الإنساني الدولي ينطبق عليه، وبنفس الوقت، فإن القانون الدولي الإنساني يظل ساريًا، بالإضافة إلى التزامات تقع على سوريا، والحكومة المؤقتة وفق التزاماتها التعاهدية، والقانون الدولي العرفي، والمعترف به في المادة “12” من الإعلان الدستوري.

تطرق التقرير إلى حجم التعاون بين لجنة التحقيق الدولية والسلطة المؤقتة، فقد يسرت الأخيرة وصول بعثة لجنة التحقيق إلى المناطق الساحلية في حزيران الماضي، وقابلت مسؤولين رسميين محليين وقادة الأمن والشهود وعائلات الضحايا، وزارت البعثة العديد من المواقع والأماكن التي شهدت الانتهاكات بالإضافة إلى ثلاثة مواقع دفن جماعي.

وفي 19 من أيار الماضي، طلبت اللجنة من السلطة المؤقتة معلومات حول حوادث قيد التحقيق، وفي 23 من حزيران الماضي، تبادلت معها النتائج الأولية للتحقيق من أجل سد الثغرات في المعلومات، والتحديات التي تواجهها السلطة لمنع الانتهاكات واحتوائها وتقديم المسؤولين عنها إلى العدالة، ثم شاركت اللجنة الدولية جزءًا كبيرًا من التقرير مع السلطة ولجنة التحقيق الوطنية التي شكلها الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، في 9 من آذار الماضي. كما اجتمعت لجنة التحقيق الدولية مع اللجنة الوطنية في آذار من أجل “تبادل الخبرات حول الممارسات الجيدة للتحقيق المستقل”، وتكرر الاجتماع بينهما في حزيران لمناقشة النتائج الأولية لتقرير اللجنة الوطنية.

أشارت اللجنة الدولية إلى أنها لم تجد أي دليل على “وجود سياسة حكومية محددة أو خطة لشن هذه الهجمات”، لكن القتل والانتهاكات “اتبعت نمطًا منهجيًا” في عدة مواقع واسعة الانتشار، واستنتجت بأن هناك أسبابًا معقولة للاعتقاد بأن أفرادًا من فصائل قوات الأمن التابعة لها، وبضمنها قوات الأمن العام، و”الفرقة 62″ المسماة سابقًا “لواء السلطان سليمان شاه” (المعروفة باسم العمشات)، و”الفرقة 67″ المعروفة بفرقة أو فصيل “الحمزة”، و”أحرار الشام”، و”الفرقة 400″ (وتتكون من ألوية سابقة تابعة لهيئة تحرير الشام سابقًا)، بالإضافة إلى أفراد عاديين ارتكبوا أفعالًا ترقى إلى انتهاكات للقانون الإنساني الدولي، وبضمنها أفعال ترقى إلى جرائم حرب، فضلًا عن انتهاكات جسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان.

وتناول التقرير بشكل مفصل، الانتهاكات الجسيمة التي استهدفت المجتمعات العلوية بدءًا من كانون الثاني الماضي، وبضمنها سلسلة المجازر التي وقعت في آذار، كما حوى التقرير سردًا عن الجرائم التي ارتكبها ما يُعرف بفلول النظام، وأفاد التقرير بأن الانتهاكات والجرائم على أرض الواقع أكبر من الواردة فيه، وبأن لجنة التحقق الدولية ما زالت تحقق في حوادث تمت في كل من حمص واللاذقية وطرطوس، وأن الهجمات الانتقامية تجاه المجتمعات العلوية ما زالت مستمرة، وعممت مناخًا من الخوف وانعدام الأمان بين عموم السوريين والسوريات في جميع الأراضي السورية.

وفي هذا الإطار، يمكن تسجيل بعض الملاحظات:

من الواضح أن العفو العام الذي أطلقته قيادة العمليات العسكرية عن جميع الجنود السوريين المجندين في الجيش السابق في 9 من كانون الأول 2024، بهدف حقن الدماء، دون استتباعه مباشرة في بناء مسار للعدالة الانتقالية، والاستعانة بمؤسسات أممية ذات خبرة للمساعدة في برامج نزع السلاح والتسريح والتأهيل، قد أسهما في تكريس الإفلات من العقاب عن الجرائم المرتكبة خلال الصراع، ما أدى إلى استسهال حمل السلاح أو إعادة حمل السلاح، ممن أجروا تسويات أو من الذين امتنعوا عن إجراء تسويات وتسليم سلاحهم، وتم تجنيد بعضهم من قبل قادة موالين للنظام السابق، وما يطلق عليهم بـ”فلول النظام”. ومن جهة أخرى فإن تراخي السلطة في إطلاق برامج العدالة الانتقالية دفع بضحايا النظام البائد للانتقام.

وفي نفس الصدد، فإن الانتهاكات والمضايقات التي سبقت المجازر في آذار ضد علويين، أسهم في تأجيجها وتغذيتها وسائل التواصل الاجتماعي، والتي لعبت دورًا في تغذية خطاب الكراهية والتحريض ضدهم، وأصبحت الانتهاكات شبه يومية وبضمنها القتل والخطف ونهب الممتلكات واحتلالها، وازدادت الاعتقالات التعسفية والمضايقات والإهانات اللفظية وتوجيه المصطلحات المهينة خلال حملات التمشيط ونقاط التفتيش، وقد ذُكر ذلك في تقرير لجنة التحقيق الدولية.

وناهيك بذلك، فإن النهج الذي اتبعته السلطة في بناء قطاع الأمن، من حل الجيش السابق دون الاستعانة بمن لم تتلطخ أيديهم بدماء السوريين والسوريات، واستبعاد المنشقين عنه، والغرق في وهم القدرة على بناء جيش وطني من “دمج” فصائل وأجانب وأفراد لهم تاريخ حافل بالانتهاكات، وبضمنهم مقاتلون منضوون تحت “هيئة تحرير الشام” سابقًا، دون تدريبهم واستبعاد التكفيريين منهم ومرتكبي الانتهاكات والفصائل ذات التمويل الخارجي، تتحمل مسؤوليته السلطة وما نجم عنه من مجازر بسبب استدعائها لقوات وأفراد غير محترفين وغير منضبطين، وتصرفوا بصفتهم الرسمية. وبطبيعة الحال، ينطبق الأمر أيضًا على الطريقة التي يتم فيها بناء قوات “الأمن العام”، حيث تشير المعلومات إلى أن المتدربين يخضعون لتدريب مدته أسبوعان فقط، وبالتالي فمن الصعوبة بمكان ملء الفراغ الأمني الحاصل، ووقف الانتهاكات المتنقلة والمتكررة في البلاد.

وفضلًا عن ذلك، فإن الاستئثار بالسلطة والمركزية الشديدة، وإغلاق باب السياسة وتجاهل الدعوات المكثفة من أجل عقد مؤتمر وطني تأسيسي، ذي مخرجات ملزمة، وشكلية مؤتمر الحوار الوطني الذي أجرته السلطة، والإعلان الدستوري الذي كرس وحصر صلاحيات واسعة بيد الرئيس المؤقت، عززت شعورًا بإقصاء شرائح واسعة من الشعب ومكوناته وقواه الحية.

خلاصة القول، إن ترحيب السلطة المؤقتة بتقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة والتعاون معها، وإطلاقها تحقيقًا مستقلًا، واعتقالها عددًا من الجناة، لا يعفيها من مسؤولية حماية جميع المواطنين والمواطنات دون تمييز، والالتزام بعدم تكرار الجرائم والانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها وجبر ضرر الضحايا كأساس لبناء مستقبل مبني على حقوق الإنسان ونهج شامل للعدالة ودولة القانون.

عنب بلدي

—————————

اختبار الحقيقة والمساءلة: قراءة في تجربة لجنة تقصّي أحداث الساحل السوري/ نوار شعبان

نشر في 17 آب/أغسطس ,2025

في سياق التحولات التي تمرّ بها سورية، عقب سقوط نظام الأسد، ظهرَت حاجة ملحّة إلى توفّر أدوات وطنية متخصصة للتعامل مع انتهاكاتٍ وقعت في ظروف وأماكن محددة، بما يضمن كشف الحقيقة وتعزيز المساءلة. ومن ثم، كانت لجان تقصّي الحقائق هي إحدى أبرز هذه الأدوات، حيث تهدف إلى توثيق الوقائع وتفكيك الروايات ضمن نطاق زمني ومكاني محدد، تمهيدًا لاتخاذ إجراءات قضائية أو إدارية، تضمن عدم تكرار الانتهاكات.

شكّلت أحداث الساحل السوري، في آذار/ مارس 2025، اختبارًا حقيقيًا لهذه الأدوات، نظرًا لحجم العنف الذي شهدته تلك المناطق، وتعدّد الفاعلين المنخرطين في الانتهاكات، من المدنيين أو العسكريين، في ظلّ غياب ضوابط قانونية واضحة، وتراجع نسبي في أداء الأجهزة الرسمية. أمام هذا الواقع، صدر القرار الرئاسي رقم (3) لعام 2025، بتاريخ 9 آذار/ مارس 2025، القاضي بتشكيل لجنة وطنية مستقلة لتقصي الحقائق، وكان استجابة سياسية وقانونية تهدف إلى احتواء تداعيات الأحداث، وتقديم رواية توثيقية موسّعة، وتحديد المسؤولين عن الانتهاكات. وفي 10 نيسان/ أبريل 2025، صدر القرار الرئاسي رقم (11) لعام 2025، الذي ينص على تمديد ولاية اللجنة ثلاثة أشهر إضافية غير قابلة للتجديد، وذلك استجابة لطلب اللجنة، بغية تمكينها من استكمال مهامها وفق المعايير المعتمدة، بعد أن واجهت صعوبات زمنية ولوجستية حالت دون إنجاز تحقيق شامل، خلال المدة الأصلية المحددة.

وعلى الرغم من أن القرار التأسيسي للجنة لم يُقدّمها صراحةً كجزءٍ من مسار عدالة انتقالية، ولم يتضمّن إشارات واضحة إلى أهداف تتجاوز التحقيق في أحداث الساحل، فإنّ النص الذي تضمّنه، بشأن إحالة المشتبه بتورطهم إلى القضاء، أثار التباسًا حول وظيفة اللجنة وحدودها، حيث إن هذه الصلاحية هي في الأصل من اختصاص النائب العام، ويقتصر دور اللجنة على جمع الوقائع وإعداد ملفّات يمكن للنيابة العامة الاستناد إليها لتحريك الدعوى العامة. وبينما رأت بعض الأطراف في ذلك بوادرَ لتبنّي شكل من أشكال المساءلة المحلية، فإن غياب إطار قانوني أوسع، أو أي إشارات إلى مبادئ العدالة الانتقالية كجبر الضرر أو الإصلاح المؤسسي، يُضعف من إمكانية اعتبار اللجنة نقطة انطلاق فعلية لمسار العدالة الانتقالية، ولا سيما أن ولايتها انحصرت في التحقيق في أحداث محددة، زمانيًا ومكانيًا، من دون ارتباط مباشر بمسار أشمل. ومن ثم، فإن عمل اللجنة، بصيغته الحالية، بدا أقرب إلى استجابة ظرفية مرتبطة بالضغط السياسي والحقوقي، منه إلى إعلان رسمي عن تحوّل ممنهج في نهج الدولة تجاه آليات المحاسبة. ومع ذلك، فقد اتضحت حدود هذا الدور أكثر، بعد تأسيس لجنة العدالة الانتقالية، حيث أصبح الفصل بين المسارَين مؤسسيًا، واقتصر دور لجان التقصي على التوثيق والتحقيق، وأُنيط باللجنة المعنية بالعدالة الانتقالية تطوير السياسات والإصلاحات اللازمة على المستوى الوطني.

وانطلاقًا من ذلك، تسعى هذا الورقة إلى تحليل النتائج المعلنة لعمل اللجنة، وتقييم القيمة المنهجية المعلنة لعملها، ومحاولة تحديد التحديات التقنية التي واجهتها، واستخلاص الدروس التي يمكن البناء عليها عند تشكيل لجان مماثلة في مناطق أخرى، وعلى رأسها محافظة السويداء، التي شهدت خلال تموز/ يوليو 2025 صدامًا مباشرًا بين مجموعات محلية من الدروز والبدو، ثم تدخّل قوات الأمن والدفاع لفض الاشتباك، ثم تحولت إلى مواجهات بين مجموعات من الدروز والبدو، بعد انسحاب قوات الأمن، وقدوم فزعة عشائرية مناصرة للبدو، وفزعة من الدروز من مناطق أخرى مناصرة للمجموعات الدرزية، مما أدى إلى انتهاكات كبيرة تقتضي التحقيق بها، ومحاسبة المسؤولين عنها.

أولًا: خلفية الأحداث وسياق تشكيل اللجنة

شهد الساحل السوري، في الفترة الزمنية الممتدة من 6 – 9 آذار/ مارس 2025، موجةً من العنف، بعد أن نفذت مجموعات مسلحة مرتبطة بالنظام السابق، باتت تُعرف بـ “الفلول”، هجمات منسّقة استهدفت مقار عسكرية وأمنية ومدنية. وأدت هذه الهجمات إلى انهيار جزئي في السيطرة الحكومية على العديد من المناطق، ولا سيما مناطق تابعة لمدينتي جبلة واللاذقية. وعلى إثر تلك الأحداث، انتشرت دعوات للفزعة، فذهبت مجموعات عسكرية ومدنية تسلّحت إلى مناطق الساحل، لاستعادة السيطرة على المناطق التي تمّت مهاجمتها، كما هو موضح في الخريطة رقم (1):

وبحسب الرواية الرسمية، فقد استهدفت العمليات العسكرية المسلّحينَ المنتمين إلى ما يُعرف بمجموعات “الفلول” [1]. إلا أن تقارير حقوقية مستقلة وثقت وقوع انتهاكات جسيمة بحق المدنيين خلال هذه العمليات، من أبرزها الاعتقال التعسفي، والقتل خارج نطاق القانون، وحرق الممتلكات وسرقتها. وقد أثارت هذه التجاوزات موجة واسعة من الانتقادات المحلية والدولية، وظهرت دعوات تطالب بفتح تحقيقات شاملة لمساءلة جميع الأطراف المتورطة في هذه الانتهاكات[2].

ومن ثم، شُكّلت لجنة وطنية مستقلة لتقصّي الحقائق، بقرار من رئاسة الجمهورية بتاريخ 9 آذار/ مارس 2025، كلّفت بمهمة التحقيق في ملابسات الأحداث والانتهاكات التي وقعت، في أثناء الاشتباكات وبعدها، في محافظات اللاذقية وطرطوس وحماة.

ثانيًا: نتائج عمل اللجنة كما وردت في التقرير الرسمي والمؤتمر الصحفي

عقدت اللجنة الوطنية المستقلة لتقصّي الحقائق بشأن أحداث الساحل السوري مؤتمرًا صحفيًا، في 22 تموز/ يوليو 2025 [3]، عرضت فيه حصيلة أعمالها الميدانية التي تناولت الفترة الممتدة بين 6 و9 آذار/ مارس 2025. واستند التقرير النهائي إلى منهجية توثيق ميداني شملت جمع إفادات مباشرة، وتحليل وقائع على الأرض في مواقع الحدث، وزيارات ميدانية، واجتماعات مع وجهاء محليين وممثلي العائلات المتضررة. وعلى الرغم من محدودية الزمن وتعقيد الظروف الأمنية، سعت اللجنة إلى تقديم تصور أولي قابل للنقاش حول ما جرى، مع الإشارة إلى أن هذا التصوّر لا يُعدّ مرجعًا نهائيًا أو شاملًا لجميع الأحداث والمسؤوليات.

1 – نطاق العمل الميداني:

– زيارة 33 موقعًا موزعًا على محافظات اللاذقية، طرطوس، وحماة.

– عقد اجتماعات مع وجهاء محليين، مخاتير، وممثلي عائلات متضررة، مما أضفى طابعًا محليًا على جمع المعلومات.

– إجراء 938 جلسة استماع، نتج عنها توثيق 452 شهادة مرتبطة بجرائم قتل، و486 شهادة تتعلق بجرائم السلب، التخريب، والتعذيب [4].

2 – حجم الخسائر البشرية والمادية:

– مقتل 1,426 شخصًا، غالبيتهم من المدنيين العُزّل، بينهم 90 امرأة، إضافة إلى عسكريين سابقين كانوا قد أجروا تسويات مع الدولة قبل اندلاع الأحداث.

– تسجيل 20 حالة فقدان، ما زال مصير أصحابها مجهولًا، ما يعكس هشاشة الوضع الإنساني والارتباك الأمني في تلك المرحلة.

– مقتل 238 عنصرًا من قوى الأمن والجيش، خلال الموجة الأولى من الهجمات المنسوبة إلى مجموعات مسلحة تُعرف بـ”الفلول”، بعضهم قُتل في سياق المواجهات العسكرية، وبعضهم في ظروف غير قتالية (كالإسعاف، أو الاستسلام، أو التعرّض لكمائن).

3 – طبيعة الانتهاكات الموثقة:

– شملت القتل العمد، السلب، النهب، حرق الممتلكات، التعذيب، والاعتداءات اللفظية ذات الطابع الطائفي.

– لم تجد اللجنة ما يشير إلى وجود قرار مركزي أو خطة ممنهجة للإبادة، وخلصت إلى أن معظم الجرائم ارتُكبت بدوافع فردية أو فئوية، في سياق انفلات أمني وتراكمات ثأرية.

4 – المشتبه بهم والإجراءات المتخذة:

– تم تحديد هوية 298 شخصًا يُشتبه بتورطهم في الانتهاكات، بينهم 265 منتمون إلى ما يُعرف محليًا بـ “الفلول”، والبقية أفراد لم يلتزموا بتعليمات التشكيلات المرتبطة بالجهات الرسمية.

– إحالة قوائم المشتبه بهم إلى النيابة العامة، لفتح مسار قضائي لاحق، مع الامتناع عن إعلان الأسماء حفاظًا على سرية التحقيق وقرينة البراءة.

– تسليم نسخة من القوائم إلى رئاسة الجمهورية، من دون توضيح طبيعة الإجراء أو الأساس القانوني والإداري الذي يستند إليه، ما أبقى تساؤلات حول آليات المتابعة القضائية والتنفيذية لهذه الخطوة.

5 – استقلالية العمل والتعاون الدولي:

– أكدت اللجنة أنها عملت باستقلالية، ولم تتعرض لتدخل رسمي، مشيرة إلى التزامها بمعايير مهنية وحقوقية، واستفادتها من مشاورات مع منظمات دولية معنية بحقوق الإنسان.

– لم يوضح التقرير طبيعة هذه المشاورات أو أثرها العملي على المنهجية والمخرجات.

6 – التوصيات المعلنة:

– ملاحقة المتورطين الهاربين وضبط السلاح المنفلت.

– دمج الفصائل المسلحة ضمن مؤسسات الدولة، على أسس تقنية ومهنية تضمن تراتبية واضحة وتحديث عقيدة الجيش والأمن[5].

– مكافحة خطاب الكراهية وتعويض الضحايا.

– مراجعة التشريعات الوطنية بما يتوافق مع التزامات سورية الدولية.

ثالثًا: الملاحظات التقنية والإشكاليات المنهجية

سعت لجنة تقصّي الحقائق إلى تقديم تصوّر أولي عن حجم الانتهاكات التي رافقت أحداث الساحل في آذار/ مارس 2025، عبر جمع شهادات ميدانية، وتحديد عددٍ من المشتبه بتورطهم، إلا أن مسار عملها واجه تحديات تقنية وميدانية واضحة. ويُعزى ذلك جزئيًا إلى كونها أول تجربة وطنية من هذا النوع، في السياق السوري ما بعد النظام السابق، حيث لم تكن هناك خبرات مؤسسية سابقة أو إطار قانوني ناظم يُحتكم إليه في إدارة هذا النوع من المهام، فضلًا عن أن عملها جرى في بيئة انتقالية غير مستقرة وضمن فترة زمنية قصيرة نسبيًا. وعلى الرغم من اختلاف السياق، فإن النقص في التراكم المؤسسي ليس خاصًا بالحالة السورية، إذ عانته أيضًا تجارب دولية رائدة في مراحلها الأولى، وإن كانت تعمل في ظروف أكثر استقرارًا وبتكليف يغطّي فترات زمنية أطول، منها “هيئة الإنصاف والمصالحة” في المغرب[6]، التي واجهت في بداياتها انتقادات تتعلق بمحدودية نطاق التحقيق، ومنها “لجنة الحقيقة والمصالحة” في جنوب أفريقيا[7]، التي احتاجت إلى وقت طويل لتطوير أدوات فعّالة للتصنيف وتحديد المسؤولية الفردية في بيئة مشحونة سياسيًا. ومن هذا المنطلق، ينبغي تقييم اللجنة السورية كخطوة تأسيسية قابلة للتطوير والبناء عليها، مع الأخذ بالاعتبار الفوارق الجوهرية في السياقين الزمني والأمني. وتمثلت أبرز تلك الإشكاليات بما يلي:

أولًا، ضيق النطاق الزمني والمكاني للتحقيق، إذ حُدّدت ولاية اللجنة زمنيًا ببداية آذار/ مارس 2025 وما تلاه مباشرة، وحُدّدت مكانيًا ضمن 33 موقعًا فقط ممتدًا على ثلاث محافظات. هذا التحديد سمح بتركيز الجهد، لكنه في الوقت نفسه قيّد قدرة اللجنة على تتبع حوادث ذات صلة وقعت في فترات أو مناطق مجاورة. وعلى الرغم من محاولة اللجنة النظر في بعض الوقائع التي أثيرت إعلاميًا، كحالات الخطف والاختفاء، فإنّ جزءًا منها لم يدخل ضمن صلاحياتها بسبب وقوعه خارج النطاق المكاني أو الزمني المحدد، أو لعدم توفر بيانات كافية حوله. هذا التقييد، وإن كان مبررًا من الناحية التنظيمية، قد يُسهم في توليد انطباعات لدى بعض الفئات بوجود فجوات في التقرير النهائي، لا سيما في ما يتعلق ببعض الوقائع التي لم يُتطرّق إليها بشكل وافٍ. ويشبه هذا التحدي ما واجهته لجنة التحقيق في العنف الانتخابي بنيجيريا (2011)، التي اتُّهمت آنذاك بتجاهل أحداث وقعت خارج المدن الكبرى، بسبب القيود اللوجستية والزمنية، وهو ما أثّر في صدقية مخرجاتها لدى بعض المجتمعات الطرفية [8].

وفي الحالة السورية، لم تتخذ اللجنة خطوات معلنة لتعويض هذا التقييد، مثل إصدار ملحق توثيقي، أو إطلاق منصة استقبال روايات إضافية من خارج النطاق المعتمد، ما يطرح أسئلة حول قدرة هذه اللجان، ضمن هذا التصميم المؤسسي، على احتواء الصورة الكاملة لانتهاكات مركّبة وممتدة، تتجاوز الزمان والمكان المحددين إداريًا.

ثانيًا، عملت اللجنة ضمن بيئة أمنية شديدة التعقيد، اتسمت باستمرار انتشار مجموعات مسلحة مصنّفة كـ “فلول” في بعض الجيوب الجبلية، ووجود احتمال دائم لتجدد الاشتباكات، ما انعكس مباشرة على نطاق فرق التوثيق وحركتها. وعلى الرغم من أن اللجنة نجحت في الوصول إلى العديد من مواقع الانتهاكات، فإن المخاطر الأمنية حدّت من قدرتها على الوصول إلى مناطق غير مستقرة أمنيًا، وأعاقت تواصلها مع شهود محتملين أو ضحايا. في ظل هذه الظروف، تبنّت اللجنة منهجية الاستدلال القائم على معيار “الشبهة المعقولة” (Reasonable Grounds to Believe) ، بدلًا من الاعتماد الحصري على الأدلة القطعية. وهي مقاربة تُعدّ مقبولة في سياق عمل لجان تقصي الحقائق، وقد اعتُمدت من قبلُ في تجارب دولية مثل لجنة التحقيق في انتهاكات دارفور (2004) التابعة للأمم المتحدة، التي اضطرت إلى استخدام النهج نفسه، بسبب صعوبة النفاذ إلى مناطق النزاع، وتعذّر توثيق بعض الانتهاكات ميدانيًا[9].

وعلى الرغم من اعتماد اللجنة على منهج استدلالي في تحليل الانتهاكات، يستند إلى تقاطع الشهادات والقرائن الظرفية دون الوصول إلى أدلة قطعية، فإن هذا النهج لم يُفضِ إلى تحميل المسؤولية بشكل فردي ودقيق، ما يترك فجوة واضحة في الربط بين الفعل المرتكب والفاعل المعنيّ. فغياب الإحالات القضائية المبنية على دلائل مباشرة وشهادات موثّقة لم يُمكن من تكوين ملفّ قضائي متكامل، يتيح ملاحقة مرتكبي الجرائم بصفتهم الفردية، بل حافظ على الطابع الجماعي والمبهم للمسؤولية، خصوصًا مع عدم تحديد التشكيلات أو الجهات التي ينتمي إليها كل مشتبهٍ به على نحو دقيق. وقد أحالت اللجنة أسماء المشتبه بهم إلى النيابة العامة، إلا أن هذه الخطوة، كما عرضت في المؤتمر الصحفي، لم تُرفق بإطار إجرائي واضح يضمن الاستجابة المؤسسية والمتابعة القضائية الفعالة، ولا توجد مؤشرات إلى وجود خطة لاحقة لاستكمال التوثيق، في المناطق التي تعذّر الوصول إليها. وهذا النقص يُضعف من مصداقية النتائج أمام المجتمعات المحلية، خصوصًا تلك التي لم تُوثّق رواياتها أو لم تُدرج انتهاكاتها ضمن التقرير النهائي، ما قد يولّد شعورًا بالتهميش أو الانتقائية في سرد الحقيقة.

في المحصلة، تُظهر هذه الثغرات أن الإحالة إلى القضاء، على رمزيتها، لا تكفي بحد ذاتها لضمان عدالة ناجزة، ما لم تُعزز بجهد منهجي لاحق لتدعيم الملفات، وتوضيح الروابط بين الانتهاكات والفاعلين، وتمكين الأجهزة القضائية من العمل بمعايير مهنية مستقلة، بعيدًا عن أي تدخل سياسي أو أمني قد يُفرغ العملية من مضمونها.

ثالثًا، لم يكن حجم البيانات الميدانية التي جمعتها اللجنة كبيرًا، بالنظر إلى حجم الانتهاكات واتساع رقعتها الجغرافية، بل يمكن القول إنه كان محدودًا نسبيًا، الأمر الذي أثّر في شمولية التوثيق ودقته. شملت المادة المجمّعة مئات الإفادات، وعددًا من المواد المصوّرة والوثائق الورقية والرقمية، وهي كمية غير كافية لتغطية تعقيد الوقائع وحجم الفاعلين المتورطين في الانتهاكات. وعلى الرغم من تشكيل فريق متخصص لتحليل هذه البيانات وربطها بالسياق الميداني، فإن ضيق الإطار الزمني ومحدودية الموارد البشرية والتقنية المتوفرة أثّرا في جودة الربط والتحقق من المعطيات، وقد تضمّنت بعض القوائم أسماء ضحايا لم يُبلّغ عنهم رسميًا، أو غابت عنهم شهادات موثقة من ذويهم، ما أضعف درجة الاعتماد على تلك القوائم كأدوات إثبات دقيقة. وشكّل تصنيف المشتبه بهم تحديًا إضافيًا، نظرًا لتداخل الأدوار بين العناصر النظامية والمدنيين المشاركين في “الفزعات”، من دون تبعية تنظيمية واضحة. هذا التداخل حال دون التحديد الدقيق للهوية والسلوك، وأضعف إمكانية بناء ملف مسؤولية فردية متماسك.

في هذا السياق، تبرز أهمية الاستفادة من تجارب لجان مشابهة، مثل لجنة التحقيق في النزاع بكوت ديفوار (2011)، التي واجهت صعوبة مماثلة في التفريق بين القوات النظامية، الميليشيات المؤيدة، والمدنيين المسلحين. وقد لجأت اللجنة هناك إلى اعتماد معيار “الوظيفة الفعلية في الميدان”، لتحديد هوية الأفراد ومسؤوليتهم، بدلًا من الاعتماد على صفتهم الرسمية. وقد رافق ذلك تدقيق متقاطع بين الشهادات والمعطيات المصوّرة وتحليل المواقع[10]، وهي أدوات يمكن تبنيها لتعزيز دقة التصنيف وتحديد المسؤولية في السياق السوري.

رابعًا، مثّلت إدارة التوقعات المجتمعية وتنسيق التواصل مع الرأي العام تحدّيًا بحد ذاته، إذ رافق عملَ اللجنة اهتمامٌ شعبي وإعلامي واسع وشعور متنام بضرورة الإسراع في إظهار الحقائق ومحاسبة المرتكبين. لكن اللجنة، بحكم طبيعتها، اضطرت إلى الموازنة بين مطلب الشفافية وضرورة حماية التحقيق من التسييس أو الضغط الشعبي، وأثارت بعض الإجراءات تحفّظات لدى الجمهور، مثل عدم إعلان أسماء المشتبه بهم، أو تأخر الإعلان الرسمي عن انتهاء التحقيقات، ما ولّد انطباعات خاطئة عن غياب الإرادة في المحاسبة. غير أن اللجنة حرصت على تقديم تبريرات منهجية لهذه الإجراءات، موضحة أن النشر ليس من صلاحياتها، وأن تأخير المؤتمر الختامي ارتبط باعتبارات سياسية وأمنية طارئة.

وتتقاطع هذه التحديات مع ما شهدته تجارب دولية سابقة، من أبرزها تجربة لجنة تقصي الحقائق في كينيا (2008–2013)، التي واجهت ضغوطًا مشابهة عقب أعمال العنف الانتخابية، واضطرت إلى تأخير إعلان نتائجها لأشهر، ما أدى إلى فقدان قسم كبير من الجمهور الثقة في جدوى عملها، بالرغم من وجود دعم دولي جزئي. وفي هذه التجربة، لم يكن غياب المعلومات هو العامل الوحيد في تآكل الثقة، بل كان غياب استراتيجية اتصال مدروسة ومستمرة، ما جعل اللجنة هدفًا للانتقادات من مختلف الأطراف[11]. كما تُظهر تجربة لجنة الحقيقة في تيمور الشرقية (2002–2005) أهميّة وجود سياسة تواصل شفافة ومبكرة. فقد حرصت تلك اللجنة على إصدار تقارير مرحلية منتظمة، حتى قبل انتهاء عملها، وعلى إشراك الإعلام المحلي في تغطية مراحل التحقيق من دون كشف تفاصيل حساسة[12]. هذا التدرج في الإفصاح، والوضوح في حدود الصلاحيات، ساعد في تقليص فجوة التوقعات، وعزّز من صلابة اللجنة أمام الحملات السياسية.

بالمقارنة، فإن اللجنة السورية افتقرت إلى آلية تواصل مؤسسي واضحة، واكتفت بتصريحات عامة وتأجيلات غير مفسّرة، ما خلق بيئة خصبة لتأويل نيّاتها، وساهم في تحويل قضية الشفافية إلى نقطة توتر مجتمعي، كان من الممكن تجنبها عبر أدوات تواصل استباقية تُعرّف الرأي العام بإطار الصلاحيات ومراحل التقدم، دون المساس بسرية التحقيق.

رابعًا: توصيات لتطوير آليات تقصي الحقائق في سورية

في ضوء تجربة لجنة تقصّي الحقائق في أحداث الساحل، وهي تُعَدّ أول اختبار عملي لهذا النوع من الآليات في السياق السوري الجديد، يمكن استخلاص مجموعةٍ من الدروس التي تساهم في تحسين أداء لجان التحقيق المستقبلية، كالتي أُعلن تشكيلها، في 31 تموز/ يوليو 2025، للتحقيق في أحداث السويداء[13]:

    تشكيل سريع ومرن يتناسب مع تعقيد الوقائع: أثبتت تجربة الساحل أهمية المبادرة السريعة إلى تشكيل لجنة تقصي خلال وقت قصير من بدء الأحداث، حيث ساهم ذلك في حفظ الأدلة الميدانية واستعادة بعض الثقة المجتمعية، إلا أن تحديد النطاق الزمني والمكاني بصرامة قد يحُدّ من قدرة اللجنة على تغطية المسارات السببية الكاملة للوقائع. ولذلك يُوصَى بتمكين اللجان من توسيع صلاحياتها، إذا استدعت طبيعة التحقيق ذلك، خاصة عندما تتصل الانتهاكات بسياقات سابقة مباشرة أو بنتائج لاحقة استمرت في الزمن.

    توفير موارد فنية ودعم تخصصي متقدّم: كشفت التجربة الميدانية للجنة الساحل عن قصور في القدرة التقنية على مواجهة تحديات التوثيق الرقمي وتحليل الأدلة. ومن هنا، فإن لجان المستقبل بحاجة إلى وحدات دعم متخصصة، تشمل خبراء في تحليل المقاطع المصوّرة، الطبّ الشرعي، مسرح الجريمة، إضافة إلى فرق مختصة في إدارة قواعد البيانات وتحليل الشهادات، والعمل على إنشاء منظومة معلوماتية مركزية، تسمح بتتبع أسماء المشتبه بهم عبر لجان متعددة، مما يساعد في الكشف عن التكرارات والنماذج المتصلة، في حال تورط الأفراد ذاتهم في وقائع متعددة.

    إشراك مجتمعي يضمن الحياد ويوسّع الثقة: نجحت لجنة الساحل جزئيًا في بناء ثقة محلية، عبر إشراك كوادر من المجتمع المتضرر في عمليات التوثيق. ويجب أن تتحول هذه الممارسة إلى معيار دائم، حيث ينبغي أن تضمّ لجان التقصي القادمة ممثلين عن مختلف المكونات المجتمعية ذات الصلة، حتى المكونات المتنازعة لضمان حياد اللجنة ومصداقيتها.

     تطوير إطار قانوني لحماية الشهود: ينبغي وضع إطار قانوني متكامل لحماية الشهود، لا يقتصر على التكتم على الأسماء، بل يشمل ترتيبات لوجستية وأمنية طويلة الأمد، خاصة في البيئات التي لا تزال فيها أدوات القوة والعنف قائمة.

    سياسة تواصل شفافة ومدروسة مع الجمهور: يجب أن تعتمد لجان تقصّي الحقائق سياسة تواصل منهجية، توازن بين ضرورة حماية سرية التحقيق، وبين حقّ الرأي العام في الاطّلاع على المسار العام للعمل. ويمكن تكليف ناطق رسمي من بداية عمل اللجنة، لإصدار بيانات دورية تشرح منهجية العمل، وتُصحح المفاهيم المغلوطة من دون المساس بسريّة الأسماء أو الأدلة التفصيلية. وينبغي أيضًا تطوير آلية استباقية للردّ على الشائعات، بحيث لا تترك فجوات معلوماتية يمكن استغلالها لإعادة إنتاج السرديات الدعائية أو التحريضية.

    إنشاء آلية مستقلة لمتابعة تنفيذ التوصيات: غالبًا ما تواجه لجان التقصي خطر التلاشي المؤسسي بمجرد انتهاء ولايتها، ولضمان استدامة أثر عملها، يُوصى بإنشاء وحدة متابعة مستقلة تُعنى برصد تنفيذ التوصيات القضائية والمؤسسية التي تضمنّها التقرير النهائي. ويمكن لهذه الوحدة أن تكون مرتبطة بجهاز وطني لحقوق الإنسان، أو بهيئة عدالة انتقالية، على أن تنشر تقارير دورية تُظهر مستوى التقدّم، بما يعزز من المصداقية العامة، ويمنع طيّ الملف تحت ضغط الزمن أو المساومات السياسية.

    مواءمة نتائج التحقيق مع المسار الوطني للعدالة الانتقالية: لا يمكن النظر إلى لجان تقصي الحقائق كمبادرات معزولة عن الإطار العام لإصلاح النظام القضائي والأمني في سورية. بل ينبغي أن تشكّل هذه اللجان رافدًا أساسيًا، في بناء سجلّ وطني للانتهاكات يُستخدَم أساسًا للملاحقات القضائية، وبرامج جبر الضرر والإصلاح المؤسسي. وهذا يتطلب تأسيس آلية مركزية تستوعب مخرجات هذه اللجان وتحوّلها إلى سياسات عامة، سواء من خلال إنشاء محاكم مختصة أو إدماجها في خطة وطنية للعدالة الانتقالية.

خاتمة

إنّ تجربة لجنة تقصي الحقائق، في أحداث الساحل السوري خلال آذار/ مارس 2025، تُمثّل أول اختبار عملي في السياق السوري الجديد، لآلية وطنيّة تُعنى بالتحقيق في انتهاكات جسيمة وقعَت في ظروف انتقالية معقدة. وعلى الرغم مما تحمله هذه الخطوة من دلالات على الاعتراف الرسمي بأهميّة التوثيق والتحقيق، فإن تقييم جدواها وفاعليتها يستوجب النظر بعمق إلى الإطار المؤسسي والعملي الذي حكم عملها. حيث أظهرت اللجنة قدرةً على جمع معطيات ميدانية واسعة نسبيًا، في مدة زمنية قصيرة، وعلى توثيق أنماط من الانتهاكات راوحت بين القتل خارج نطاق القانون، وحرق الممتلكات، والاعتداءات الجسدية واللفظية ذات الطابع الطائفي، مع تحديد قائمة بالمشتبه بتورطهم وإحالتها إلى النيابة العامة. ومع ذلك، فإن النتائج المعلنة ظلّت محكومة بقيود عدّة، حالت دون تحقيق الأهداف القصوى لأي لجنة من هذا النوع، وفي مقدمتها الربط المباشر بين الانتهاكات الموثقة، والمسؤولية الفردية القابلة للمساءلة القضائية.

وعلى الرغم من أنّ التقرير النهائي تضمّن أرقامًا دقيقة نسبيًا وإفادات ميدانية متنوعة، فإنّه لم ينجح في تقديم صورة مكتملة، من حيث تغطية النطاقَين الزمني والجغرافي للانتهاكات، أو استيعاب شهادات جميع الأطراف المتضررة، ما يثير مخاوف من فجوات في الرواية الرسمية أو إغفال لبعض الوقائع. لكن ليس لدينا التقرير الكامل، بملاحقه وتفاصيله الإجرائية، للحكم بشكل قاطع على منهجيته وشمولية تغطيته، الأمر الذي يجعل التقييم النهائي لمدى دقة نتائجه رهنًا بإتاحة الوثيقة الكاملة لمراجعة متخصصة مستقلة.

من الناحية المؤسسية، تكشف هذه التجربة عن قصور في مواءمة آليات تقصّي الحقائق مع الإطار الأوسع للعدالة الانتقالية، حيث بقي عمل اللجنة معزولًا عن مسارات إصلاحية متكاملة تشمل جبر الضرر، وإصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية، وضمان عدم التكرار. هذا الانفصال جعل اللجنة أقرب إلى استجابة إجرائية ظرفية تستهدف امتصاص الضغط المحلي والدولي، بدلًا من أن تكون خطوة تأسيسية لنهج وطني دائم في المحاسبة وكشف الحقيقة. وثمة تجارب دولية عديدة، مثل لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا أو هيئة الإنصاف والمصالحة في المغرب، أظهرت أن نجاح هذه اللجان لا يُقاس بإصدار التقارير فحسب، بل بقدرتها على دمج نتائجها في سياسة وطنية شاملة، تترجم التوصيات إلى إصلاحات ملموسة وتدابير مؤسسية طويلة الأمد.

إن التحدّي الأكبر أمام المسار السوري يكمن في الانتقال، من التحقيق في أحداث محددة، إلى بناء نموذج وطني شامل لتقصي الحقائق يتمتّع باستقلالية فعلية، وأدوات منهجية متقدمة، وضمانات قانونية لحماية الشهود، وآليات متابعة مستقلة لتنفيذ التوصيات. ولتحقيق ذلك، ينبغي ألا تعَدّ لجان تقصّي الحقائق مبادرات معزولة، ويجب أن تُعدّ أذرعًا مكملة لمسار العدالة الانتقالية، بحيث ترفد السجلّ الوطني للانتهاكات وتدعم الملاحقات القضائية وإصلاح المؤسسات، بما يسهم في ترسيخ ثقافة المساءلة وتعزيز الثقة المجتمعية. وفي غياب هذا التكامل، ستظلّ هذه اللجان محكومةً بسقفِ ما تسمح به موازين القوى الراهنة، من دون قدرة حقيقية على إحداث تحوّل نوعي في بنية العدالة ومكافحة الإفلات من العقاب.

قائمة المراجع

    المواجهات في الساحل السوري.. التداعيات والمواقف، مركز حرمون للدراسات المعاصرة، 11 آذار/ مارس 2025، الرابط:https://bit.ly/4fFvl6K

    سمير العبد الله، نوار شعبان، إعادة بناء الأمن في سورية: تحديات واستراتيجيات نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج وإصلاح القطاع الأمني (DDR/ SSR)، مركز حرمون للدراسات المعاصرة، 11 نيسان/ أبريل 2025، الرابط: https://tinyurl.com/56dcw2y4

    “الإنصاف” هيئة طوت “سنوات الرصاص” بالمغرب، الجزيرة، 11 حزيران/ يونيو 2015، الرابط: https://tinyurl.com/yyk4hhry

    إعادة التفكير في نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج في جنوب السودان (DDR)، مسح الأسلحة الصغيرة – جنيف، أيار/ مايو 2012، https://tinyurl.com/49wx6ues

     العنف الانتخابي في نيجيريا (2011): تجاهل محافظات نائية وضرب مصداقية اللجان التحقيقية في ظل قيود لوجستية وزمنية، اللجنة الرئاسية النيجيرية المعنية بأعمال العنف بعد الانتخابات، نُشر في 2011، https://tinyurl.com/mry3f22e

    تقرير لجنة التحقيق الدولية في انتهاكات دارفور، الأمم المتحدة، صدر في 25 كانون الثاني/ يناير 2005، https://tinyurl.com/sw536x58

    تقرير لجنة التحقيق الدولية في دارفور، الأمم المتحدة، 25 كانون الثاني/ يناير 2005، رقم الوثيقة S/2005/60. الرابط: https://tinyurl.com/yeycjadm

    تقرير لجنة الحقيقة والعدالة والمصالحة في كينيا (2008–2013)، لجنة الحقيقة والعدالة والمصالحة – كينيا، التقرير النهائي، أيار/ مايو 2013، الرابط: https://tinyurl.com/52jjw73r

     تقرير لجنة الاستقبال والحقيقة والمصالحة في تيمور الشرقية (2002–2005)، لجنة الاستقبال والحقيقة والمصالحة – تيمور الشرقية، التقرير النهائي، 31 تشرين الأول/ أكتوبر 2005، الرابط: https://tinyurl.com/2xatcvnx

السويداء بين التدخل العسكري والفراغ الأمني: تموضع وانتكاس، المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة،21 تموز/ يوليو 2025، الرابط: https://bit.ly/4fALFpg

[1] وصفت اللجنة “الفلول” بأنهم “بقايا مجموعات مسلحة منظمة مرتبطة بنظام الأسد السابق، خارجة عن القانون وشرعية الدولة.

[2] المواجهات في الساحل السوري.. التداعيات والمواقف، مركز حرمون للدراسات المعاصرة، 11 آذار/ مارس 2025، شوهد في 23 تموز/ يوليو 2025، الرابط: https://bit.ly/4fFvl6K

[3] مؤتمر صحفي للجنة تقصي الحقائق في أحداث الساحل السوري، نشر في 22 تموز/ يوليو، شوهد في 22 تموز/ يوليو 2025، الرابط: https://tinyurl.com/4cukvspp

[4] لجنة التحقيق بأحداث الساحل السوري: 298 متورطًا والقتلى 1426 شخصًا، الجزيرة نت، نشر في 22 تموز/ يوليو 2025، شوهد في 23 تموز/ يوليو 2025، الرابط: https://bit.ly/3UWxMrI

[5] سمير العبد الله، نوار شعبان، إعادة بناء الأمن في سورية: تحديات واستراتيجيات نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج وإصلاح القطاع الأمني (DDR/ SSR)، مركز حرمون للدراسات المعاصرة، نشر في 11 نيسان/ أبريل 2025، الرابط: https://tinyurl.com/56dcw2y4

[6] هيئة الإنصاف والمصالحة في المغرب: الحقيقة، الإنصاف، وجبر الضرر، المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، الرباط، نُشر في 7 كانون الثاني/ يناير 2004، الرابط: https://tinyurl.com/yyk4hhry

[7] إعادة التفكير في نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج في جنوب السودان (DDR)، مسح الأسلحة الصغيرة – جنيف، نُشر في أيار/ مايو 2012، الرابط: https://tinyurl.com/49wx6ues

[8] العنف الانتخابي في نيجيريا (2011): تجاهل محافظات نائية وضرب مصداقية اللجان التحقيقية في ظل قيود لوجستية وزمنية، اللجنة الرئاسية النيجيرية المعنية بأعمال العنف بعد الانتخابات، نُشر في 2011، الرابط: https://tinyurl.com/mry3f22e

[9] تقرير لجنة التحقيق الدولية في انتهاكات دارفور، الأمم المتحدة، صدر في 25 كانون الثاني/ يناير 2005، الرابط: https://tinyurl.com/sw536x58

[10] تقرير لجنة التحقيق الدولية في دارفور، الأمم المتحدة، 25 كانون الثاني/ يناير 2005، رقم الوثيقة S/2005/60. يوضح التقرير في قسم «تحديد الجناة» أن اللجنة تحدّد المشتبه بهم بناءً على “جسم موثوق من المواد متّسق مع ظروف مُتحقَّق منها” (أي وفق السلوك والأفعال على الأرض)، لا على الصفات الرسمية وحدها، ويناقش العلاقة الوظيفية/ الفعليّة بين المليشيات (الجنجويد) وأجهزة الدولة و “الأجهزة بحكم الواقع”، ومفهوم “السيطرة الفعلية”، عند تحليل المسؤولية، الرابط: https://tinyurl.com/yeycjadm

[11] تقرير لجنة الحقيقة والعدالة والمصالحة في كينيا (2008–2013)، لجنة الحقيقة والعدالة والمصالحة – كينيا، التقرير النهائي، نُشر في أيار/ مايو 2013، الرابط: https://tinyurl.com/52jjw73r

[12] تقرير لجنة الاستقبال والحقيقة والمصالحة في تيمور الشرقية (2002–2005)، لجنة الاستقبال والحقيقة والمصالحة – تيمور الشرقية، التقرير النهائي، نُشر في 31 تشرين الأول/ أكتوبر 2005، الرابط: https://tinyurl.com/2xatcvnx

[13] السويداء بين التدخل العسكري والفراغ الأمني: تموضع وانتكاس، المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، نشر في 21 تموز/ يوليو 2025، شوهد في 23 تموز/ يوليو 2025، الرابط: https://bit.ly/4fALFpg

  تحميل الموضوع

مركز حرمون

——————————–

أحداث الساحل السوري.. أوجه التقاطع والتباين بين تقريري دمشق والأمم المتحدة/ باسل المحمد

15/8/2025

بعد أسابيع من نشر اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق تقريرها عن أحداث الساحل السوري في مارس/آذار الماضي، جاء تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا عن تلك الأحداث ليعيد هذا الملف إلى واجهة الجدل السياسي والحقوقي في البلاد.

التقرير الأممي الصادر في ظرف انتقالي بالغ التعقيد يضع روايته جنبا إلى جنب الرواية الوطنية، كاشفا عن تقاطعات لافتة في توصيف حجم الانتهاكات وخطورتها، ويبرز -في المقابل- تباينات في قراءة الدوافع وتحديد المسؤوليات.

وفي حين أن التوازي بين التحقيقين يسلط الضوء على تنوع المنهجيات واختلاف زوايا النظر، فإنه يفتح الباب أمام تساؤلات أعمق عما إذا كانت هذه النتائج ستتحول إلى خطوات ملموسة نحو العدالة المنشودة.

من يتحمل المسؤولية؟

في مارس/آذار الماضي، أسفرت المواجهات عن سقوط مئات الضحايا في مدن وبلدات اللاذقية وطرطوس، معظمهم من المدنيين، وسط اعتراف من الحكومة السورية بارتكاب عناصر في الجيش انتهاكات، مما دفعها لتشكيل لجنة للتحقيق في ملابسات ما حدث، وتحديد هوية المسؤولين عن ارتكاب الانتهاكات من الطرفين.

ورغم تقاطع نتائج عمل اللجنتين الوطنية والدولية في توصيف حجم الانتهاكات وخطورتها، فإن جوهر الجدل تمحور حول سؤال من يتحمل مسؤولية الانتهاكات التي جرت في الساحل السوري؟

وخلص تقرير لجنة التحقيق الأممية إلى أن جرائم حرب ارتكبها طرفا الصراع، بيد أنه أوضح أنه لم يجد دليلا على وجود سياسة أو خطة حكومية منظمة لتنفيذ تلك الهجمات، مرجحا أن ما وقع كان نتيجة أفعال مجموعات شاركت في العمليات العسكرية ولم تلتزم بالأوامر التزاما جيدا.

بالتوازي مع ذلك، حمّل تقرير اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق “فلول النظام السابق” المسؤولية الأساسية، متهما إياهم بتنفيذ سلسلة هجمات منسقة في السادس من مارس/آذار استهدفت مواقع أمنية وعسكرية، وأسفرت -وفق تقديرات اللجنة- عن مقتل 238 عنصرا من الجيش والأمن، بعضهم أُعدم ميدانيا وهم أسرى أو جرحى.

وأوضح التقرير أن الرد العسكري الحكومي -الذي تضمن مشاركة قوات نظامية وفصائل محلية- شهد بدوره تجاوزات واسعة النطاق أودت بحياة 1426 شخصا معظمهم من المدنيين، بينهم 90 امرأة، بعضها وقعت بعد توقف المعارك نتيجة حملات تفتيش وانتقام نفذتها مجموعات غير منضبطة.

وفي هذا السياق، يشير المحامي والمستشار في القانون الجنائي الدولي محمد الحربلية إلى أن تقرير لجنة التحقيق الدولية وزّع المسؤولية بين مقاتلي النظام السابق وعناصر من فصائل تم دمجها في القوات الحكومية، إضافة إلى أفراد عاديين انخرطوا في العمليات، معتبرا أن بعض الجرائم ارتُكبت بطريقة ممنهجة وعلى أساس الانتماء الديني، مما يشي بضلوع مسؤولين في مواقع قيادية.

وفي المقابل، يلفت الحربلية -في تصريح للجزيرة نت- إلى أن التقرير الوطني اعتبر الانتهاكات التي ارتكبها مقاتلون من الفصائل أو مجموعات مستقلة “أفعالا فردية وغير ممنهجة”، ولا تعكس سياسة معتمدة من جانب الحكومة، وإن كانت قد أسهمت في اتساع دائرة الانتهاكات.

تباين في توصيف الدوافع

وفي حين يتفق التقريران الأممي والوطني على خطورة ما جرى في الساحل السوري خلال آذار/مارس الماضي، فإنهما يختلفان في توصيف طبيعة تلك الأحداث وأهدافها، إذ لا يقتصر هذا التباين على التفاصيل الميدانية، بل يمتد إلى تفسير الخلفيات السياسية والعسكرية.

من جانبه، أشار تقرير اللجنة الوطنية إلى أن ما جرى كان “محاولة انقلابية” منظمة، موضحا أن الهجمات التي استهدفت قوات الأمن والحواجز العسكرية، وتدمير 6 مستشفيات، واستهداف المدنيين، وقطع الطرق الرئيسية، جاءت ضمن خطة للسيطرة على أجزاء من الساحل وفصلها عن الدولة.

وتدعم هذه الرواية تصريحات وزير الداخلية السوري أنس خطاب، الذي أعلن في 16 أبريل/نيسان أن الحكومة السورية أنهت “مشروع انقلاب” كان يجري التحضير له على يد مجموعة من ضباط النظام السابق.

في المقابل، لا يتبنى تقرير لجنة التحقيق الأممية هذا التوصيف، ولا يشير إلى وجود محاولة لعزل الساحل، بل يضع ما حدث في سياق أوسع يتعلق بمسار العدالة الانتقالية، مسلطا الضوء على أن أغلب من كان في الجيش والأمن السابقين ينتمون للطائفة العلوية.

ويوضح رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، أن التقرير الدولي يربط أحداث الساحل بغياب إطار واضح للعدالة الانتقالية بعد سقوط الأسد، مما دفع بعض الأفراد إلى تطبيق القانون بأيديهم، ويتطرق أيضا إلى وقائع سابقة للأحداث.

وأشار عبد الغني -في حديثه للجزيرة نت- إلى أن التقرير الأممي يتضمن نقطة إيجابية لمصلحة الحكومة السورية، إذ سمحت للجنة بدخول المنطقة وتسجيل ملاحظاتها وتسهيل مهمتها، بخلاف النظام السابق الذي كان يمنعها من دخول البلاد.

ووفقا لتحقيق بثته الجزيرة، فإن التمرد في الساحل كان أقرب إلى محاولة انقلاب منظم، إذ قسّم قائد أركان الفرقة الرابعة في جيش النظام السابق، غياث دلا، قواته إلى 3 مجموعات: “درع الأسد”، و”لواء الجبل”، و”درع الساحل”، وسيطرت هذه القوات على نقاط مفصلية داخل مدن ومراكز محافظتي اللاذقية وطرطوس، قبل أن تتمكن قوات وزارتي الدفاع والداخلية والمجموعات الموالية لهما من إفشال المخطط.

التوصيف القانوني للانتهاكات

لا يقتصر الفرق بين استنتاجات اللجنة الوطنية ولجنة التحقيق الأممية على جانب من توصيف ما حدث، بل يمتد إلى التوصيف القانوني للانتهاكات التي شهدها الساحل السوري وإلى الإطار التشريعي الذي ينبغي أن يُعتمد عند الحكم على الأحداث.

من ناحيتها، اعتمدت اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق في توصيفها على قانون العقوبات السوري وقانون العقوبات العسكري، معتبرة أن ما جرى يندرج تحت جرائم القتل العمد، والتعذيب، والشتم بعبارات طائفية، ومحاولة سلخ جزء من أراضي الدولة، وإثارة النزاعات الطائفية، والسلب، وتخريب الممتلكات، ومخالفة الأوامر العسكرية.

أما لجنة التحقيق الأممية فقد اختارت إطارا أوسع، وصنفت الانتهاكات على أنها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، مستندة إلى أحكام القانون الجنائي الدولي العرفي، نظرا لمحدودية تطبيق معاهدات الجرائم الدولية في سوريا، وما تتيحه المعايير الدولية من آفاق أوسع للمساءلة أمام هيئات قضائية عالمية.

وفي هذا السياق، يوضح الحربلية أن هذا التباين يعكس اختلافا جوهريا في المرجعيات، إذ يمنح التوصيف الأممي إمكانية ملاحقة المسؤولين على الصعيد الدولي، بينما يقيد التوصيف الوطني إجراءات المحاسبة بإطار محلي.

وكانت اللجنة الوطنية نفسها أقرت -في أثناء مؤتمرها الصحفي الذي عرضت فيه نتائج التحقيق- بضرورة مواءمة القوانين الوطنية مع الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها سوريا، وفقا لمقتضيات الإعلان الدستوري، وهو ما يتطلب استكمال تشكيل السلطة التشريعية لإجراء الإصلاحات اللازمة.

وفي هذا السياق، شدد تقرير صادر عن المركز الأوروبي لحقوق الإنسان والقانون على أن غياب المواءمة بين القوانين الوطنية السورية والمعايير الدولية للعدالة الجنائية يعوق محاسبة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة، ويفتح الباب للإفلات من العقاب.

من جانبه، شدد رئيس اللجنة الوطنية، جمعة العنزي، في مقابلة سابقة مع الجزيرة، على أن عمل اللجنة تم “بكل شفافية” وبلا أي تدخل حكومي، وأنها سلمت أسماء المتورطين إلى النيابة العامة قبل صدور التقرير لفتح تحقيقات رسمية.

بين الترحيب وتحمل المسؤولية

لم يقتصر تفاعل الحكومة السورية مع تقرير لجنة التحقيق الأممية على التصريحات البروتوكولية، بل اتخذ شكلا أقرب إلى تبني جزء كبير من مضمونه وتوصياته، في خطوة رآها مراقبون رسالة سياسية للمجتمع الدولي بشأن جديتها في التعاون والالتزام بمعايير العدالة.

وفي هذا السياق، أعرب وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني عن شكره لرئيس لجنة التحقيق الأممية باولو سيرجيو بينيرو على “جهوده في إعداد التقرير الأخير حول أحداث الساحل”، معتبرا أن ما ورد فيه “ينسجم مع تقرير لجنة تقصي الحقائق الوطنية المستقلة”.

وفي بيان صادر عن الخارجية السورية، أكد الشيباني أن الحكومة “تأخذ على محمل الجد الانتهاكات المزعومة” الواردة في التقرير، كما شدد على التزام بلاده بدمج توصيات اللجنة الدولية ضمن مسار بناء المؤسسات وترسيخ دولة القانون.

من ناحيته، يرى الحقوقي فادي موصلي -في حديثه للجزيرة نت- أن ترحيب الخارجية السورية بالتقرير الأممي “يوجه رسالة للمجتمع الدولي بأن الحكومة الجديدة ملتزمة بالتعاون مع المنظمات الدولية واحترام القانون الدولي”، ما يعزز -برأيه- شرعيتها على المستوى الخارجي.

وأشار موصلي إلى أن تعزيز الشفافية والسير نحو طريق أفضل على مستوى تحقيق العدالة يتطلب خطوات عملية، مثل نشر المنهجية الحكومية الكاملة، وإعلان أسماء الموقوفين والتهم الموجهة إليهم، وإنشاء آلية شكاوى للضحايا، إضافة إلى إشراك ممثلي الأقليات في مراقبة قطاع الأمن وتدقيق انتساب الأفراد إلى التشكيلات العسكرية والأمنية.

من جهته، يشدد مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني أن على الحكومة السورية البناء على هذا التحقيق، وعدم الاكتفاء بنتائج لجنة التحقيق الوطنية، بل الجمع بين التقريرين، إضافة إلى تقارير الشبكة ومنظمات أخرى، بهدف المحاسبة وتعويض الضحايا والاعتراف بما جرى.

ودعا إلى حماية المقابر الجماعية، واتخاذ خطوات لإعادة الثقة بين الأهالي، خاصة في أوساط المجتمع العلوي، ووقف التحريض الطائفي أو الكراهية، مع إشراك القيادات المجتمعية والدينية في جهود المصالحة.

وكان المتحدث باسم لجنة التحقيق الوطنية، ياسر الفرحان، أكد في تصريحات صحفية، أمس الخميس، أن الحكومة بدأت التحقيق مع الموقوفين على خلفية هذه الأحداث، مشددا على أن مساءلة المتورطين تمثل “أولوية قصوى”. وأشار الفرحان إلى أن توصيات اللجنة الوطنية تتفق مع توصيات اللجنة الأممية، وأن الإجراءات الحكومية المتخذة حيال أحداث الساحل تمثل “خطوة غير مسبوقة نحو تحقيق العدالة”.

المصدر: الجزيرة

——————————–

هل تنهي العدالة الانتقالية في سوريا الإفلات من العقاب؟/ عمار دروبي

13/8/2025

دمشق – يشكل مبدأ عدم الإفلات من العقاب أحد الركائز الأساسية لتحقيق العدالة الانتقالية في سوريا، بعد أكثر من 13 عاما من الصراع الذي خلّف مئات آلاف الضحايا، وملايين المهجرين، وكمّا هائلا من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.

في هذا السياق، برزت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا كجهة حقوقية تسعى، من خلال التعاون الدولي، إلى ملاحقة المسؤولين عن ارتكاب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وضمان محاسبتهم أمام هيئات قضائية مختصة.

وتضطلع الهيئة -المشكلة وفق مرسوم رئاسي صدر في 17 أيار الماضي- بمحاسبة رموز النظام السابق على رأسهم الرئيس المخلوع بشار الأسد وكافة المسؤولين السابقين من العسكريين والمدنيين المتهمين بالضلوع بارتكاب جرائم بحق الشعب السوري منذ بدء الحراك الشعبي في سوريا ربيع 2011 الماضي وحتى سقوط النظام.

جبر المتضررين

ويلخص رئيس الهيئة عبد الباسط عبد اللطيف مهامها الرئيسية بكشف الحقيقة حول الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي تسبب بها النظام البائد، وتوثيق الانتهاكات وفق المعايير الدولية وجبر الضرر الواقع على الضحايا.

ويوضح عبد اللطيف في حديث للجزيرة نت أن الهيئة تهدف لتحقيق العدالة والمساءلة القانونية في سوريا بالتنسيق مع الجهات المعنية الاخرى، وحفظ الذاكرة الوطنية وتخليد الذكرى وتحقيق المصالحة الوطنية.

كما تولي الهيئة -وفق رئيسها- اهتماما بدعم الضحايا وذويهم، والمتضررين من جرائم الحرب والانتهاكات، و ذلك عبر تعويضات مادية تساعدهم على إعادة بناء حياتهم و تحقيق الاستقرار لهم من خلال ما يطلق عليه اسم “صندوق جبر المتضررين”.

إضافة إلى دعم معنوي يضمن الاعتراف بمعاناتهم وتخليد ذكراهم والعمل على إعادة إدماجهم بالمجتمع وتأمين حياة كريمة لهم.

1- لقاء بين رئيس هيئة العدالة الانتقالية في سوريا عبد الباسط عبد اللطيف مع القائم بأعمال السفارة الفرنسية في دمشق (الصفحة الرسمية للهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا)

تنسيق الجهود

وخلال أكثر من 13 عاما من عمر الثورة السورية برز دور المنظمات الحقوقية السورية في توثيق الانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين، إذ اكتسبت تلك المنظمات والعاملون بها خبرات عملية واسعة لا يستهان بها، يجعلها شريكة في أي مسار للعدالة في البلاد.

وحول التنسيق بين الهيئة ومنظمات الحقوقية السورية أو الدولية، يشير عبد اللطيف إلى أن ⁠هناك تعاونا مستمرا مع منظمات المجتمع المدني المحلية التي تعنى بقضايا حقوق الإنسان وتوثيق الانتهاكات بحق السوريين خلال فترة حكم النظام المخلوع.

موضحا أن هذه المنظمات راكمت على امتداد سنوات الثورة خبرات قانونية في مجالات العدالة الانتقالية وقضايا المفقودين، إضافة إلى توثيق مختلف الانتهاكات.

وبحسب عبد اللطيف، فالمنظمات الحقوقية هي شريك أساسي في مسار العدالة الانتقالية والعمل والتنسيق مع الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، وذلك عبر المشاركة بالمعلومات والوثائق والخبرات وتنفيذ الأنشطة المشتركة، بما يضمن تكامل الجهود وتوسيع نطاق الوصول للضحايا كونهم شركاء أساسيين بمسار العدالة الانتقالية.

بدوره، لفت رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني إلى وجود تواصل وانفتاح مع هيئة العدالة ورئيسها بهدف تحقيق التعاون، رغم التحفظ على طريقة تشكيلها، مشيرا في حديث للجزيرة نت إلى أن الشبكة تدعم جهود الهيئة كي تنجح في العمل المنوط بها.

ويتساءل ذوو ضحايا في سورية عن كيفية محاسبة مجرمي الحرب الفارين إما داخل البلاد أو حتى خارجها وعلى رأسهم الرئيس المخلوع بشار الأسد الذي فر إلى روسيا حليفته السابقة مع عدد غير محدد من ضباط الجيش والأمن السابقين، وفق تقارير حقوقية.

ويؤكد رئيس هيئة العدالة عبد الباسط عبد اللطيف أن الأمر يحتاج إلى تجهيز ملفات وأدلة تدين الرئيس المخلوع بشار الأسد بكل الجرائم التي ارتكبها هو ونظامه، ومن ثم عرضها على القضاء وصدور مذكرة توقيف بحقهم، عندها سيتم التواصل مع الإنتربول عن طريق وزارة الداخلية، لإجراء المقتضى القانوني بحقهم وملاحقتهم دوليا.

ملاحقة الفارين

ويبين حقوقيون أن الأمر يتطلب تكثيف ملاحقة الفارين من العدالة لا سيما أن العديد منهم يعتقد أنهم لم يغادروا البلاد، منذ سقوط نظام الأسد.

ويرى رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، أن السبيل الأول لمحاكمة المجرمين هو الملاحقة المكثفة من قبل السلطات السورية واعتقالهم بحجز احتياطي حتى يتم تحضير الظروف لمحاكمتهم، داعيا إلى ضرورة بذل جهود استخباراتية وتعاون أوسع مع المجتمع المدني.

واعتبر عبد الغني أن هناك تقصيرا من السلطات السورية في ملف ملاحقة مرتكبي الانتهاكات في سوريا، مشيرا إلى وجود الآلاف منهم خارج قبضة العدالة، مشددا على ضرورة توسيع حملات الاعتقال بحقهم.

المصدر: الجزيرة

—————————

 من يحاكم من؟ هل هناك قضاء غير مؤهل يتصدر مشهد العدالة في سوريا؟/ ميشال شماس

2025.08.14

في خطوة أثارت جدلاً واسعًا بين الأوساط الحقوقية والسياسية والمهتمين بمسار العدالة الانتقالية في سوريا، أصدرت وزارة العدل السورية والنائب العام للجمهورية العربية السورية بيانين منفصلين يعلنان فيهما بدء دراسة ملفات الموقوفين المتهمين بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في سوريا، وبدء محاكمة عدد من الموقوفين، من بينهم عاطف نجيب، وأحمد بدر حسون، ومحمد الشعار، وإبراهيم الحويجة. ورغم ما يحمله هذا الإعلان من دلالة على وجود إرادة – ولو متأخرة – لمحاسبة بعض المسؤولين عن الجرائم الجسيمة، إلا أن هذه الخطوة تثير جملة من الإشكالات القانونية والسياسية التي لا يمكن إغفالها، أبرزها خرق واضح للإعلان الدستوري المؤقت، وتعدٍّ خطير على صلاحيات الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية.

خرق صارخ للإعلان الدستوري ولمرسوم تشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية

في 13 آذار 2025، صدر الإعلان الدستوري المؤقت ليكون الإطار القانوني الناظم للمرحلة الانتقالية في سوريا، وقد نصت المادة التاسعة والأربعون منه على أن اختصاص العدالة الانتقالية هو اختصاص حصري للهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية.

هذه الهيئة شُكّلت بموجب مرسوم جمهوري في 17 أيار 2025، بوصفها هيئة مستقلة عن جميع السلطات، بما فيها السلطة القضائية. وقد مُنحت صلاحيات واضحة تشمل: النظر في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، تحديد آليات المحاسبة والمصالحة الوطنية، كشف الحقيقة، وإصلاح مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الجهاز القضائي.

غير أن إعلان وزارة العدل والنائب العام عن البدء بدراسة ملفات المتهمين، من دون إشراف مباشر أو تنسيق مسبق مع الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، يشكّل مخالفة دستورية صريحة. هذا التجاوز يمثل تقويضًا لروح الإعلان الدستوري، وتحويلًا للمسار الانتقالي من مشروع قانوني إلى مسرح سياسي يخضع لتوازنات لحظية وأجندات آنية.

مؤسسة القضاء المترهلة تحاكم من أنتجها؟

المفارقة المحزنة أن المحاكمات المشار إليها ستُجرى في إطار القضاء السوري القائم حاليًا، وهو قضاء يعاني من ترهّل بنيوي وفساد مزمن، وعدم استقلالية، بل إن كثيرًا من مكوناته متورط، إما بصمت أو بمشاركة، في انتهاكات سابقة.

إن توكيل هذا القضاء بمحاسبة شخصيات ذات نفوذ سابق، من دون إصلاح شامل للجهاز القضائي، يعد بمثابة إضفاء شرعية شكلية على منظومة فاقدة للثقة. فالعدالة الانتقالية لا تُبنى إلا من خلال مؤسسات جديدة تمتلك الأهلية القانونية والأخلاقية لتفعيل مبادئها. أما تكليف المؤسسات القديمة، التي كانت جزءًا من المشكلة، بأدوار المحاسبة، فهو كمن يعهد للجلاد بالتحقيق في سجله الإجرامي.

غياب النصوص القانونية التي تعاقب على جرائم الحرب وجرائم الإبادة وضد الإنسانية

من المعلوم أن القانون السوري الحالي لا يشمل نصوصًا قانونية تُعرّف وتُجرّم الجرائم الدولية الخطيرة، مثل جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، أو الإبادة الجماعية، كما وردت في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. بل إن قانون العقوبات السوري لا يحتوي على أي صياغة دقيقة لهذه الجرائم، ولا يوفر عقوبات متناسبة معها، ولا يراعي طبيعتها المنهجية أو الجماعية.

وبالتالي، فإن إجراء أي محاكمة لمرتكبي هذه الجرائم من دون إجراء تعديل تشريعي شامل، يُدخل هذه الجرائم في المنظومة القانونية السورية، يعني أننا أمام محاكمات فارغة المضمون قانونيًا. هذا الخلل لا يعرّض نتائج المحاكمات للبطلان فحسب، بل يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب، ويضع الضحايا مجددًا أمام واقع قانوني لا يعترف بحقوقهم، ولا يمنحهم أدوات إنصاف فعالة.

تجاوز الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية.. انحراف عن روح المرحلة الانتقالية

ما يجعل العدالة الانتقالية ممكنة وفعالة هو استقلاليتها ومصداقيتها، لا سيما لدى الضحايا والمجتمع المدني. والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية يفترض أنها تجسيد قانوني لهذه الاستقلالية، وهي الجهة التي وُجدت لتقود العملية بما يضمن الحياد والموضوعية وعدم التوظيف السياسي أو الانتقائي للمحاسبة.

أما أن تتجاوز السلطة هذه الهيئة وتباشر الإجراءات الحساسة بشكل منفرد، فهو يرسّخ رسالة سلبية مؤداها أن العدالة ليست هدفًا، بل أداة. هذه الرسالة لا تهدد شرعية الهيئة فحسب، بل تُجهض مشروع العدالة من أساسه، وتُسهم في تعميق الفجوة بين المجتمع والسلطة، وخصوصًا الضحايا الذين يحتاجون إلى مسار شفاف يُنصفهم، لا يُهمّشهم.

غياب البنية المؤسساتية الملائمة للمحاسبة

حتى في حال توفرت النوايا الصادقة، لا يمكن للمحاسبة أن تتحقق ما لم تتوافر شروط بنيوية، منها:

1- تعديل قانون العقوبات وقانون أصول المحاكمات الجزائية لإدراج نصوص خاصة بالجرائم الدولية.

2- إنشاء غرف قضائية ونيابات تتبع للهيئة الوطنية.

3- تدريب وتأهيل الكوادر القضائية على المعايير الدولية للمحاكمات.

4- إشراك منظمات حقوق الإنسان، وجمعيات الضحايا، والمبادرات المدنية لضمان الشفافية والتكامل.

من دون هذه الشروط، فإن أي محاسبة ستكون مبتورة، غير مؤهلة لتحقيق النتائج المرجوة، بل قد تُستخدم لتصفية حسابات سياسية أو لإنتاج براءة مصطنعة لمرتكبي الجرائم.

العدالة الانتقالية ليست شعارًا.. بل مشروع وطني

قد تبدو تصريحات وزارة العدل والنائب العام من حيث الشكل بداية تحريك للملف، لكنها من حيث المضمون تشكّل تحديًا حقيقيًا لجوهر العدالة الانتقالية. هذه العدالة لا تقوم على مؤسسات فاقدة للمصداقية، ولا تتحقق عبر إجراءات مفاجئة تُقصي الهيئة المختصة بالعدالة الانتقالية، بل تحتاج إلى مسار طويل الأمد يقوم على القانون، والثقة، والمساءلة الشفافة.

وإن استمرت التدخلات غير الدستورية، وتهميش الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، وتوظيف مؤسسات غير مؤهلة، فإن العدالة ستكون عنوانًا بلا أي مضمون، وسيُنسى الضحايا، وسيدور البلد في الحلقة نفسها من العنف والإفلات من العقاب.

المرحلة الانتقالية تتطلب محاكم جديدة وقضاة مؤهلين، ونصوصًا قانونية مستحدثة، وإرادة سياسية صادقة. العدالة ليست ترفًا، بل حجر أساس في بناء وطن جديد يستند إلى قيم الكرامة، والمساءلة، والمصالحة.

تلفزيون سوريا

—————————

العدالة الانتقالية في سورية من بوابة السويداء/ أحمد مظهر سعدو

14 اغسطس 2025

لعل عقدة السويداء (في جنوب سورية) التي لم تحل بعد، ولا يبدو أنها تمتلك (في المنظور القريب) بوادر جدّية عملانية لحلها، حيث ما زالت المسائل تتعقّد قضية إثر قضية، وتتلاطم الأمواج وتتوسّع، كما تتّسع الشقوق بشكل كبير، التي اقتربت (حسب بعض المتابعين) من أن تكون شاقولية، وصعبة الحل أو المراس أو البلسمة على الأقل بوجود جراح مفتوحة وغير مندملة.

ولكن أيضاً لا بد من السؤال: هل يمكن لمسار العدالة الانتقالية في سورية أن يتحرّك ويمضي بشكل حقيقي وجدّي، ضمن أنساقه المطلوبة من دون المرور والتوقف طويلا مع مشكلات السويداء التي باتت مستعصية، والتي تتصاعد يوميّاً من دون هوادة، وتتعقد أكثر وأكثر، ثم تلعب بها قوى خارجية، ليس آخرها إسرائيل، التي لا تريد بالضرورة لسورية إلا أن تكون دولة ضعيفة مهلهلة مفتّتة، قابلة للانقسام والتشظي، إنفاذًا للرؤيا الإسرائيلية التي تقول: لا يمكن لإسرائيل أن تستمر بالوجود والعيش إلا بالتساوق مع وجود محيط إقليمي عربي ضعيف قابل في كل لحظة للتشظي والانشقاق.

ما زال مسار العدالة الانتقالية الذي بدأ في سورية أخيراً على استحياء يعثر في الأكم وفي الوهد محتملاً المزيد من الأعباء والأثقال، التي تساهم في إعاقة تقدّمه أو مضيه في مساراته التي أضحت ضرورية جدّاً لإنجاز وحدة السوريين، ومحاسبة الجاني، وجبر الضرر الكبير جدّاً، الذي وقع فوق رؤوس البلاد والعباد في سورية منعاً لأية احتمالات جديدة للاحتراب البيني، وهي التي قد لا تغلق فيما لو فُتحت لا قدّر الله.

أما عن السويداء التي لم تعد مستريحة البال، كما كان سابقاً، على سفح جبل العرب الذي يحضنها بعطفٍ وحنان، فهي ما زالت محتاجة إلى الكثير جدّاً، وكذلك للاشتغال حثيثاً على مسألة إنفاذ كل مسارات العدالة الانتقالية، لأنها كانت وما زالت ولا يمكن إلا أن تكون المدخل الأكيد الضروري واللازم، للسلم الأهلي في سورية والمنشود من الجميع، عدا التدخّلات الإسرائيلية العدوانية، التي لا تريد لسورية استقراراً ولا خيراً بكل تأكيد.

لا يمكن أن يُنجز السلم الأهلي في السويداء وجبل العرب بدون عملية البدء في سياقات جدّية لانبثاقات الاشتغال في أتون مسألة العدالة الانتقالية في سورية، التي هي وحدها ومع وجود مساراتٍ حقيقيةٍ لحوار جدّي يوازيها ويتساوق معها، يمكنها بذلك أن تعبر بسلاسة وهدوء عنق الزجاجة، خروجاً نحو فضاءات أرحب لإنجاز مهام الدولة الوطنية السورية المبتغاة، وتعيد بالضرورة إنتاج الوطن السوري الواحد الموحّد، عالي الأسوار، توطئةً لصياغة الدستور الوطني الدائم للبلاد، وكذلك العقد الاجتماعي السوري، الذي يجمع ولا يفرّق ولا يستثني أحداً على المستوى الإثني أو الطائفي أو الأيديولوجي… ثم إقامة دولة المواطنة التي يحلم بها كل السوريين، بعد أن حرموا منها 54 عاماً خلت من حكم حافظ الأسد وابنه الوريث غير الشرعي بشّار الأسد، قبل أن يفرّ إلى موسكو.

ارتكاباتٌ كثيرة تتكشف وتتمظهر إلى السطح، قضية إثر أخرى في السويداء، وهذه القضايا كانت وما زالت ويجب أن تكون في صلب اشتغال هيئة العدالة الانتقالية، وضمن مهامّها، ولعل العمل عليها سريعاً في جبل العرب والسويداء، بات أكثر ضرورة وحاجة، حيث ستساعد العدالة الانتقالية والبدء في مساراتها كذلك، على رأب الصدع وعودة السويداء إلى أهلها السوريين، فمحاسبة الجناة وجبر الضرر باتا ضرورتيْن ملحّتين كل الإلحاح، ولا خروج من ماهية الانقسام الذي حصل، من دون العودة ومن ثم الدخول في أتون عمل يومي حقيقي وقانوني وعادل، يبلسم الجراح، ويحاسب كل المرتكبين، من كل الأطراف، بلا مهادنة، ولا تسويفات، إذ لا بدّ من أن يُعاقَب كل من ارتكب فعلاً يُحاسِب عليه القانون، لابد من أن يعاقب قانونيّاً من دون رحمة وضمن سياقات القانون السوري الوضعي.

تحتاج السويداء الآن جميع السوريين من كل ألوان الطيف السياسي، والأيديولوجي، لمنع كل التحرّكات والأدوات التي تفعل يوميّاً وبشكل دؤوب لجرّها إلى مآلاتٍ لا يريدونها، وارتماءات في أحضان إسرائيل، العدو الرئيسي للأمة وللوطن، كما لا يريدها أهل السويداء الوطنيون العروبيون، وهم أغلبية مطلقة في جبل العرب، حيث لا يشكّل هؤلاء الذين يستقوون بالإسرائيلي إلا قلة قليلة لا تعبّر، ويجب ألا تعبّر، عن جموع السوريين في السويداء وخارجها.

نعود إلى القول إن الدفع الجدي بمسار العدالة الانتقالية، ومن ثم المضي به مباشرة في السويداء خاصة، وبعدها في كل أصقاع الجغرافيا السورية، بات ضرورة ملحّة ومهمّة أيما إلحاح، ولوجاً بمسألة السلم الأهلي المبتغى. وبغير ذلك، حسب رؤية الكاتب، قد يكون الاستقرار السوري برمته، ليس فقط في السويداء، صعباً وخطراً، لأن من السهل العمل عليها خارجيّاً من إسرائيل وسواها، إن لم يسارع السوريون إلى كبح جماحها وعرقلتها كليّاً عبر الإصرار المباشر على المضي في مسار العدالة الانتقالية في السويداء وخارجها. وهذا عمل سياسي وطني مطلوب من الحكومة السورية الحالية التي عليها حقّاً الاشتغال عليه ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً. وبشكل سريع، قبل أن تكون هناك انزياحات كبرى قد تؤدّي إلى تفتّت الوضع السوري وتشظّيه. فهل من مستمع لذلك ضمن الفاعلين الأساسيين من أهل الحكم في دمشق؟ كما أن الأمل ما زال قائماً والتعويل عليه ممكناً، في مقبل الأيام، من أجل سورية ديمقراطية تعدّدية، تعمل على إقامة دولة المواطنة المطلوبة شعبيًاً.

العربي الجديد

————————–

مؤسسات وخبراء حقوقيون يدعون إلى المحاسبة في أحداث الساحل السوري/ منهل باريش

شكل اتهام فصائل منضوية سابقًا تحت هيئة «تحرير الشام»، إحراجًا كبيرًا لوزارة الدفاع. وتورط فرقتي «السلطان سليمان شاه» و«الحمزة»، المقربتين من أنقرة، يضع تركيا في موقف محرج.

أصدرت لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة بشأن سوريا، الخميس الماضي، تقريرها حول أعمال العنف التي شهدتها مناطق عدة في الساحل السوري في أذار (مارس) من العام الجاري.

وخلص تقرير اللجنة إلى أن أعمال العنف التي شهدها الساحل السوري في تلك الفترة، كانت منهجية وواسعة النطاق، كما أشار التقرير إلى أن الانتهاكات التي تضمنتها أعمال العنف قد «ترقى إلى جرائم حرب»، كما لفت إلى أن اللجنة لم تجد أي دليل على وجود سياسة، أو خطة حكومية لتنفيذ مثل «هذه الهجمات»، وفي ذات الوقت أكد التقرير على مشاركة مسلحين موالين لحكم النظام السابق في ارتكاب الانتهاكات.

وجاء في تقرير لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة، أن «أعضاء قوات الحكومة الانتقالية، والأفراد العاملين معها أو بجانبها، اتبعت نمطا منهجيا في مواقع متعددة وواسعة الانتشار»، كما ذكر أن أعمال العنف التي شهدها الساحل السوري في آذار (مارس)، شملت القتل والتعذيب والأفعال اللا إنسانية المتعلقة بمعاملة الموتى، والنهب واسع النطاق وحرق المنازل».

وذكر التقرير، أنه على النحو المفصل في ملخصات القضايا التي تضمنها «هناك أسباب معقولة للاعتقاد بأن أفرادا من فصائل معينة من قوات الأمن التابعة للحكومة الانتقالية، ارتكبت أفعالا ترقى إلى انتهاكات للقانون الإنساني الدولي، بما في ذلك أفعال ترقى إلى جرائم حرب، فضلاً عن انتهاكات جسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان»، كما أشارت اللجنة في تقريرها إلى أنه من ضمن القوات المشاركة في الانتهاكات، قوات الأمن العام والفرقة 62 التي كانت تعرف سابقا باسم «لواء السلطان سليمان شاه»، والفرقة 76 والمعروفة سابقا باسم «فرقة الحمزة»، و«الفرقة 400» التي تضم مجموعة من الألوية التي كانت منضوية سابقا ضمن هيئة تحرير الشام.

الجدير بالذكر، أن الاتحاد الأوروبي كان قد فرض عقوبات في أيار (مايو) الماضي على كل من محمد الجاسم «أبو عمشة» قائد فرقة السلطان سليمان شاه، وسيف بولاد «أبو بكر» قائد فرقة الحمزة» على خلفية موجة العنف التي شهدها الساحل السوري في آذار (مارس)، واتخذ حينها مجلس الاتحاد ما وصفها بـ «تدابير تقييدية جديدة» بموجب نظام العقوبات العالمي لحقوق الإنسان التابع للاتحاد الأوروبي

رئيس اللجنة، باولو سيرجيو بينهيرو، قال إن «حجم ووحشية العنف الموثق في تقريرنا أمر مقلق للغاية»، ودعا بينهيرو السلطات الانتقالية إلى «ملاحقة جميع الجناة بغض النظر عن انتماءاتهم أو رتبهم».

بدوره قال المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان جوداريك، الخميس الماضي، إن نتائج لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة بشأن سوريا، وتقريرها، «مقلقة للغاية»، وأكد على مسؤولية من هم في السلطة في دمشق في ضمان شعور كل السوريين بالأمان والحماية، لافتا إلى أنه «لا ينبغي لأحد أن يواجه خطر القتل أو المضايقة أو الاختطاف، لمجرد عرقه أو دينه».

وفي ذات السياق، استندت اللجنة في تحقيقها على مقابلة أكثر من 200 شخص من «ضحايا وشهود»، وزيارة ثلاثة مواقع لمقابر جماعية، بالإضافة إلى لقاءات مع مجموعة من المسؤولين، كما خلصت اللجنة إلى أن أكثر من 40 ألف شخص فروا إلى لبنان في تلك الفترة.

واعتمدت اللجنة في التقرير على منهجية تضمنت، تقارير عن أكثر من 42 حادثة، وتحقيقات معمقة في 15 «حادثة رمزية» في كل من اللاذقية وطرطوس وحماة، كما سعت خلال تحقيقها إلى الحصول على المعلومات عن الحوادث والتطورات من الحكومة الانتقالية، كما أرسلت بعثة وصلت للمناطق الساحلية في حزيران (يونيو) الماضي، التقت بمسؤولين حكوميين محليين، وقادة أمن وشهود وعائلات ضحايا، وأشاد التقرير بتسهيلات السلطة الانتقالية للبعثة من خلال إمكانية وصولها بدون أي قيود للمناطق الساحلية، وبجهود الحكومة المبذولة في استعادة الهدوء وتهدئة مخاوف المجتمع المحلي، بالإضافة للجهود الحالية في تدريب القوات الخاضعة لقيادة الحكومة الانتقالية بشكل ملائم.

وذكر تقرير اللجنة التابعة للأمم المتحدة، أن فريقها في سوريا التقى في نهاية آذار (مارس)، وفي حزيران (يونيو)، بلجنة تقصي الحقائق الوطنية في أحداث الساحل، والتي شكلت بقرار من الرئيس الانتقالي أحمد الشرع للتحقيق في الانتهاكات المرتكبة في الساحل السوري في آذار (مارس)، والتي أصدرت نتائج تحقيقاتها في 22 تموز (يوليو) الفائت.

ردود فعل رسمية وحقوقية

من جانبه، وجه وزير الخارجية والمغتربين في الحكومة السورية، أسعد الشيباني، رسالة شكر إلى رئيس لجنة التحقيق الدولية المعنية في سوريا باولو سيرجيو بينهيور على تقرير اللجنة، مرحبا بما وصلت إليه من نتائج، وقال الشيباني في الرسالة التي نشرتها الوزارة على منصاتها «نرحب باستنتاجكم أنه لا يوجد أي دليل على وجود سياسة أو توجيه حكومي بارتكاب هذه الجرائم. بل على العكس، أشرتم إلى صدور أوامر واضحة لمنع الانتهاكات واستعادة الانضباط»، وأضاف الوزير «نرحّب بإشارة تقريركم إلى الإجراءات التي اتخذناها في سبيل المساءلة، بما يتوافق مع التزاماتنا الدولية كدولة ذات سيادة. وتعكس هذه الجهود عزمنا على بناء مؤسسات قائمة على العدالة وسيادة القانون، بعد أن ورثناها في حالة انهيار وفساد من النظام البائد»، كما لفت الشيباني إلى أن تقرير اللجنة ينسجم مع ما توصلت إليه لجنة تقصي الحقائق الوطنية المستقلة، التي أعلنت عن نتائجها الشهر الماضي.

بموازاة ذلك، أصدر المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، بيانا رحب به بتقرير لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة بشأن سوريا، وجاء في البيان الصادر عن المركز الخميس الماضي «يرى المركز أن توصيات اللجنة تمثل خريطة طريق عملية وواضحة لمعالجة جذور الانتهاكات ووضع حد لدائرة العنف والإفلات من العقاب في سوريا. نرحّب بهذه التوصيات ونتبنّى جوهرها باعتبارها خطوة أساسية لا غنى عنها لضمان محاسبة الجناة بدون أي تمييز أو اعتبارات للرتبة أو الانتماء، والشروع في إصلاحات هيكلية تعيد الاعتبار لسيادة القانون وتُرسِّخ ضمانات عدم التكرار. تنفيذ هذه الخطوات بصورة عاجلة سيشكّل عاملاً حاسماً في حماية المدنيين والمدنيات واستعادة الثقة وفتح الطريق نحو سلام دائم».

ودعا المركز، الحكومة السورية الانتقالية إلى تنفيذ توصيات لجنة التحقيق بالكامل وبدون تأخير وبشفافية تامة، باعتبار ذلك خطوة أساسية لإنهاء الإفلات من العقاب ومنع تكرار الانتهاكات مثل تلك التي ارتكبت مؤخراً في السويداء.

وشدد على ضرورة إيقاف جميع الأفراد المشتبه بتورطهم في انتهاكات جسيمة، بمن فيهم من يشغلون مواقع قيادية في الأمن العام ووزارة الدفاع، عن العمل مؤقتاً بانتظار تحقيقات جنائية سريعة وشاملة ومستقلة وشفافة حول الانتهاكات المزعومة. وتقديم من يثبت تورطه منهم لمحاكمات علنية شفافة تتوفر فيها شروط المحاكمة العادلة.

كما دعا بيان المركز، إلى التعجيل ببدء مسار عدالة انتقالية شفاف وشامل، بما يضمن كشف الحقيقة وتحقيق المساءلة وجبر الضرر ووضع ضمانات عدم التكرار.

وفي الإطار، قال فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان إن «القيمة الحقيقية تكمن في قراءة التقرير ذاته، لا في خلاصاته الإعلامية».

وأشار في اتصال مع «القدس العربي» إلى أن التقرير الأممي يعيد توصيف الأحداث إلى جذور تركيبة السلطة في عهد عائلة الأسد، مذكرا أن «الغالبية الساحقة من عناصر الجيش والأمن الذين ارتكبوا الانتهاكات خلال العقود الماضية كانوا من الطائفة العلوية، في حين كان الضحايا، وفق التقرير، في معظمهم من السنة».

واعتبر التقرير أن الانتقام، بعد سقوط النظام، جاء نتيجة فشل الإطار العدلي الجديد، وغياب العدالة الانتقالية، ما دفع بعض الأفراد إلى محاولة تطبيق القانون بأيديهم.

أبرز ما يميّز التقرير الأخير، وفق عبد الغني، هو إشارته الإيجابية النادرة تجاه الحكومة السورية الحالية، التي سمحت بدخول اللجنة الدولية، وسهلت مهمتها، بل ودعمت تمديد ولايتها، في تناقض واضح مع تعامل النظام السابق، الذي كان يمنعها من دخول البلاد، ويهاجم عملها باستمرار.

والجدير بالذكر، أن التقرير وثّق بدقة الانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين العلويين، من بينها الإعدامات الجماعية، رمي الضحايا من الأسطح، حرق وتشويه الجثث، واستخدام خطابات طائفية عبر قنوات مثل «تلغرام»، إضافة إلى عمليات نهب وسرقة قامت بها جماعات منضوية ضمن قوات الأمن.

ومع ذلك، شدد عبد الغني على أن حصيلة الضحايا الحقيقية بلغت نحو 1400 شخص، وهو رقم مرعب، لكنه أقل بكثير من الأرقام المبالغ فيها التي تداولتها بعض الجهات الإعلامية (2500–7000)، والتي وصفها بـ«الشلف غير الموثق».

في نقطة حساسة أخرى، أوضح عبد الغني أن التقرير «لم يعثر على دليل يثبت وجود قرار مركزي من الحكومة السورية بتنفيذ تلك الانتهاكات، لكن ذلك لا يُعفيها من المسؤولية، لأن الأفراد الذين ارتكبوها كانوا ضمن تشكيلاتها الأمنية». ولفت إلى أن بعض عناصر الأمن «حاولوا حماية المدنيين»، ما اعتبره التقرير «نقطة لصالح الدولة».

كما ربط بين نتائج التقرير الأممي وما وثقته الشبكة السورية لحقوق الإنسان، مؤكدًا أن الأرقام الواردة حول الضحايا وانتهاكات النظام السابق «تتقاطع بشكل كبير مع توثيق الشبكة، ما يعزز من مصداقية الطرفين ويوحّد الرواية الحقوقية المستقلة».

وفي ردود الأفعال، ثمن المحامي أيمن أبو هاشم المتخصص في القانون الدولي تقرير اللجنة الدولية، وأوضح انه على خلاف ما ورد في تقرير «رويترز»، يشير التقرير الأممي إلى أن هذه الانتهاكات «لم تأت بأوامر مركزية من الدولة أو من القيادات العليا، بل كانت أفعالًا منفلتة من قبل هذه المجموعات، من دون وجود تراتبية أوامر واضحة تربطها بالحكومة الجديدة».

رغم ذلك، فإن التقرير لا يُعفي الحكومة من المسؤولية، بل يدعوها إلى ⁠محاسبة المنتهكين من صفوفها أو من المجموعات التابعة لها، وإلى ⁠إعادة هيكلة الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية و اتخاذ خطوات فعالة لضبط الأمن ومنع تكرار الانتهاكات، خصوصًا مع ما جرى في السويداء كمثال واضح على استمرار الفوضى.

وشدد أيمن أبو هاشم في حديث لـ «القدس العربي» أن تقرير اللجنة الأممية جاء بعد شهر من تقرير لجنة التحقيق الوطنية، ولكن عدم نشر التقرير الوطني رسميًا حتى الآن «يُعد نقطة ضعف واضحة، في حين أن تقرير اللجنة الدولية نُشر بشكل شفاف وكامل». وأشار إلى «ضرورة نشر التقرير الوطني لكونه معنيًا بطمأنة المواطنين السوريين، ويمثل نوعًا من الالتزام الرسمي تجاههم».

وحذر من أن عدم المعالجة الجادة والسريعة «قد يؤدي إلى مزيد من الفوضى والانتهاكات، ويُضعف ثقة الناس بالدولة وقدرتها على فرض القانون وحماية المدنيين».

ويشكل اتهام فصائل منضوية سابقًا تحت هيئة «تحرير الشام»، إحراجًا كبيرًا لوزارة الدفاع السورية. كما أن تورط فرقتي «السلطان سليمان شاه» و«الحمزة»، المقربتين تاريخيًا من أنقرة، يضع تركيا في موقف محرج، مما يعزز الدعوات إلى المحاسبة وإصلاح الأجهزة الأمنية.

—————————

بيان حول تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية

المركز السوري للإعلام وحرية التعبير

باريس, 14 آب /أغسطس 2025

يرحب المركز السوري للإعلام وحرية التعبير (المركز) بالتقرير الأخير الصادر عن لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية (اللجنة)، بعنوان “الانتهاكات ضد المدنيين في الساحل السوري ووسط غرب سوريا خلال الفترة من كانون الثاني/يناير إلى آذار/مارس 2025”.

يرى المركز أن التقرير قدّم تناولاً موضوعياً ومتوازناً للانتهاكات، حيث وثّق بوضوح انتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، التي قد يرقى بعضها إلى جرائم حرب، مبرزاً مسؤوليات اطراف متعددة، بما في ذلك مقاتلون موالون للحكومة السابقة وأفراد من قوات الحكومة المؤقتة، إضافة إلى أفراد مدنيين. هذا النهج الحيادي يعزز مصداقية النتائج ويجعل منها أداة أساسية لتعزيز المساءلة وحماية المدنيين وضمان عدم تكرار الانتهاكات.كما يثمّن المركز سماح السلطات السورية للجنة بالوصول إلى داخل سوريا، في سابقة هي الأولى من نوعها تمكّنت خلالها اللجنة من إجراء تحقيقاتها من داخل البلاد، وهو ما يُعد خطوة إيجابية نحو تعزيز التعاون الفعّال مع آليات التحقيق الدولية وتحقيق العدالة والحد من الإفلات من العقاب وضمان حقوق الضحايا.

يتفق المركز مع ما خلصت إليه اللجنة من أن الانتهاكات التي وقعت في أوائل عام 2025، بما في ذلك أحداث شهر آذار/مارس 2025، لم تحدث بمعزل عن السياق العام، بل جاءت على خلفية سنوات من الانتهاكات الواسعة النطاق لحقوق الإنسان، وجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها جميع أطراف النزاع وخاصة النظام السابق منذ عام 2011، والتي سبقتها عقود من القمع والانتهاكات في ظل الحكومات المتعاقبة. ويؤكد المركز أن هذه الأحداث هي نتيجة مباشرة لهذا الإرث المزمن من الإفلات من العقاب والانتهاكات الممنهجة، الأمر الذي يجعل معالجتها عبر آليات المساءلة وضمانات عدم التكرار ضرورة ملحّة، ولذلك يجب أن تكون ضمانات عدم التكرار في صميم عملية العدالة الانتقالية في سوريا، ليس فقط باعتبارها التزاماً قانونياً بل كركيزة أساسية لتحقيق السلام والمصالحة وبناء مستقبل قائم على الحقوق والكرامة.

ويرى المركز أن توصيات اللجنة تمثل خارطة طريق عملية وواضحة لمعالجة جذور الانتهاكات ووضع حد لدائرة العنف والإفلات من العقاب في سوريا. نرحّب بهذه التوصيات ونتبنّى جوهرها باعتبارها خطوة أساسية لا غنى عنها لضمان محاسبة الجناة دون أي تمييز أو اعتبارات للرتبة أو الانتماء، والشروع في إصلاحات هيكلية تعيد الاعتبار لسيادة القانون وتُرسِّخ ضمانات عدم التكرار. تنفيذ هذه الخطوات بصورة عاجلة سيشكّل عاملاً حاسماً في حماية المدنيين والمدنيات واستعادة الثقة وفتح الطريق نحو سلام  دائم.

بناءً عليه، يدعو المركز السوري للإعلام وحرية التعبير الحكومة السورية الانتقالية إلى:

    تنفيذ توصيات لجنة التحقيق بالكامل ودون تأخير وبشفافية تامة، باعتبار ذلك خطوة أساسية لإنهاء الإفلات من العقاب ومنع تكرار الانتهاكات مثل تلك التي ارتكبت مؤخراً في السويداء.

    إيقاف جميع الأفراد المشتبه بتورطهم في انتهاكات جسيمة، بما في ذلك من يشغلون مواقع قيادية في الأمن العام ووزارة الدفاع، عن العمل مؤقتاً بانتظار تحقيقات جنائية سريعة وشاملة ومستقلة وشفافة حول الانتهاكات المزعومة. وتقديم من يثبت تورطه منهم لمحاكمات علنية شفافة تتوفر فيها شروط المحاكمة العادلة.

    التعجيل ببدء مسار عدالة انتقالية شفاف وشامل، بما يضمن كشف الحقيقة وتحقيق المساءلة وجبر الضرر ووضع ضمانات عدم التكرار.

    إجراء إصلاحات هيكلية حقيقية وشفافة لإنهاء دوائر الانتهاكات وبناء سلام دائم لجميع السوريين والسوريات، بما في ذلك إصلاح وتنظيم الأجهزة الأمنية والجيش من خلال:

    ضمان التعريف الواضح بهوية جميع عناصر الأمن والجيش.

    فرض تدريب منتظم وإلزامي على القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان والقوانين السورية ذات الصلة.

    حظر تشكيل أو تشغيل أي مجموعات مسلحة خارج إطار السلطة الشرعية للدولة.

في النهاية، لا بد من التأكيد على أن الانتهاكات الجسيمة التي شهدتها السويداء، بما في ذلك الإعدامات خارج نطاق القانون، والتعذيب والمعاملة اللاإنسانية، وتدمير الممتلكات المدنية والتهجير القسري، وغيرها من الانتهاكات، تشكل ضرورة ملحة لتنفيذ توصيات اللجنة دون تأخير وبشفافية تامة. وإن التعجيل ببدء مسار العدالة الانتقالية والأخذ بعين الاعتبار توصيات اللجنة وتنفيدها بشفافية، خطوة أساسية لضمان المساءلة وجبر الضرر للضحايا ومنع تكرار الانتهاكات في مناطق أخرى وإرساء أسس السلام والعدالة المستدامين في سوريا.

———————————

 عدد المفقودين في سوريا منذ السبعينيات قد يتجاوز الـ300 ألف

الثلاثاء 2025/08/19

أعلن رئيس الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا أن عدد الأشخاص الذين فقدوا خلال عقود من حكم عائلة الأسد والحرب الأهلية قد يتجاوز 300 ألف شخص.

وقال رئيس الهيئة التي شكلت في أيار/مايو محمد رضا جلخي أن ولاية الهيئة تمتد من 1970 إلى الوقت الراهن، ولا يقيدها إطار زمني لإنجاز عملها. وأضاف في تصريح لوكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا” “تقديراتنا لعدد المفقودين تتراوح بين 120 و 300 ألف شخص، وربما يتجاوز ذلك بسبب صعوبة الحصر”، حسبما نقلت وكالة “فرانس برس”.

وأوقف واختفى عشرات الآلاف من الأشخاص خلال الحرب الأهلية السورية وحدها التي اندلعت العام 2011 بعد حملة قمع وحشية للاحتجاجات المناهضة لبشار الأسد الذي أطيح من الرئاسة في كانون الأول/ديسمبر الماضي. وخلال الحرب، اتُهمت جميع الأطراف بارتكاب فظائع، ومن بينها تنظيم “داعش” الذي سيطر على مساحات شاسعة من سوريا والعراق المجاور، وارتكب انتهاكات واسعة النطاق شملت الإعدامات. وحكم بشار الأسد بقبضة من حديد، مثل سلفه والده حافظ الأسد الذي تولى السلطة في انقلاب عسكري أبيض العام 1971. وكان حكم العائلة من بين الأكثر دموية في المنطقة، وقضى أو اختفى في سجونه ومن بينها سجن صيدنايا الشهير، عشرات آلاف الأشخاص.

وتابع جلخي: “لدينا خريطة تتضمن أكثر من 63 مقبرة جماعية موثقة في سوريا”، من دون الإدلاء بمزيد من التفاصيل عن مواقعها أو الجهات التي أقامتها أو الجثث التي دفنت فيها. وأوضح المسؤول أن العمل جار على إنشاء بنك بيانات للأشخاص المفقودين.

وتعهّدت السلطات السورية الجديدة تحقيق العدالة لضحايا الفظائع التي ارتكبت في ظل حكم عائلة الأسد. وفي كانون الثاني/يناير، قالت رئيسة “اللجنة الدولية للصليب الأحمر” ميريانا سبولياريتش أن تحديد مصير الذين فقدوا خلال الحرب سيكون مهمة هائلة من المرجح أن تستغرق سنوات. وقال محمد رضا جلخي أن عمل هيئته “حاجة أساسية لمسار العدالة الانتقالية والسلم الأهلي”، واصفاً قضية المفقودين بأنها “من أعقد الملفات وأكثرها إيلاماً في سوريا”.

——————————-

تقديرات بفقدان 300 ألف سوري خلال حكم عائلة الأسد

19/8/2025

أعلن رئيس الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا أن عدد الأشخاص الذين فُقدوا خلال عقود من حكم عائلة الأسد وفترة الحرب التي أعقبت الثورة قد يتجاوز 300 ألف شخص.

وقال رئيس الهيئة -التي شُكلت في مايو/أيار الماضي- محمد رضا جلخي إن تقديراتنا لعدد المفقودين تتراوح بين 120 و300 ألف شخص، وقد يتجاوز عددهم ذلك بسبب صعوبة الحصر، مشيرا إلى أن ولاية الهيئة تمتد من 1970 إلى الوقت الراهن، ولا يقيدها إطار زمني لإنجاز عملها.

وتابع جلخي “لدينا خريطة تتضمن أكثر من 63 مقبرة جماعية موثقة في سوريا”، من دون الإدلاء بمزيد من التفاصيل عن مواقعها أو الجهات التي أقامتها أو الجثث التي دُفنت فيها، موضحا أن العمل جار على إنشاء بنك بيانات للأشخاص المفقودين.

واُعتقل واختفى عشرات الآلاف من الأشخاص خلال الحرب السورية وحدها، والتي اندلعت عام 2011 بعد حملة قمع وحشية للاحتجاجات المناهضة لبشار الأسد الذي أطيح به من الرئاسة في ديسمبر/كانون الأول الماضي.

وبحسب المسؤول السوري ذاته، فإن عمل هيئته “حاجة أساسية لمسار العدالة الانتقالية والسلم الأهلي”، واصفا قضية المفقودين بأنها “من أعقد الملفات وأكثرها إيلاما في سوريا”.

اتهامات وضحايا

وخلال الحرب اُتهمت جميع الأطراف بارتكاب فظائع، من بينها تنظيم الدولة الإسلامية الذي سيطر على مساحات شاسعة من سوريا والعراق المجاور وارتكب انتهاكات واسعة النطاق شملت الإعدامات.

وقد حكم بشار الأسد بقبضة من حديد مثل سلفه والده حافظ الأسد الذي تولى السلطة في انقلاب عسكري أبيض في 1971.

وكان حكم العائلة من بين الأكثر دموية في المنطقة، وقد قضى أو اختفى في سجونه -ومن بينها سجن صيدنايا الشهير- عشرات آلاف الأشخاص.

وتعهدت السلطات السورية الجديدة بتحقيق العدالة لضحايا الفظائع التي اُرتكبت في ظل حكم عائلة الأسد.

وفي يناير/كانون الثاني الماضي قالت رئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر ميريانا سبولياريتش إن تحديد مصير الذين فُقدوا خلال الحرب سيكون مهمة هائلة من المرجح أن تستغرق سنوات.

المصدر: الفرنسية

———————————-

 الهيئة السورية للمفقودين: لدينا خريطة لـ63 مقبرة جماعية

الثلاثاء 2025/08/19

 كشف رئيس الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا، محمد رضا جلخي، عن وجود خريطة لأكثر من 63 مقبرة جماعية موثقة، مرجحاً أن يتجاوز عدد المفقودين خلال حكم عائلة الأسد، أكثر من 300 ألف مفقود.

ست مراحل

وقال جلخي لوكالة الأنباء السورية (سانا)، إن ولاية الهيئة تغطي الفترة الزمنية منذ عام 1970 وحتى اليوم، وإن لا مدة محددة لإنجاز عملها، موضحاً أن خطة عملها للانطلاق الفعلي على الأرض تتكون من 6 مراحل، وتستمر بين 3 و6 أشهر.

وأضاف “لدينا خريطة تتضمن أكثر من 63 مقبرة جماعية موثقة في سوريا، وتقديراتنا لعدد المفقودين تتراوح بين 120 و300 ألف شخص، وقد يتجاوز العدد ذلك بسبب صعوبة الحصر”.

وأشار إلى أن عمل الهيئة هو حجر الأساس لمسار العدالة الانتقالية والسلم الأهلي، موضحاً أن العمل يتم وفق 6 مبادئ، تتضمن التشاركية والشفافية والشمولية، لافتاً لوضع هيكلية مؤقتة بمجلس استشاري، وآخر تنفيذي ضمن 5 قطاعات عمل.

كما أوضح أن المهام الأساسية للهيئة تنحص في محورين، هما الدعم والتوثيق الذي يتم عبر وسائل متعددة، من بينها جمع بيانات الحمض النووي، والبصمات الوراثية، لافتاً إلى حصول الهيئة على موافقات للاستفادة من مخابر وزارة الصحة وهيئة الطاقة الذرية السورية، كما حصلت على منح لتدريب كوادر سورية في دول أوروبية بمجال الطب الشرعي والتوثيق.

بنك معلومات

وقال جلخي أن العمل جارِ على إطلاق “منصة رقمية وطنية” لإنشاء بنك معلومات للمفقودين في سوريا، كما كشف عن مشروع بطاقة لدعم ذوي المفقودين قانونياً ونفسياً واجتماعياً. ولفت إلى وجود بروتوكولات لحماية الشهود واستلام وتسليم البيانات، مشيراً إلى أن ملف المفقودين هو من “أعقد الملفات وأكثرها إيلاماً في سوريا”.

كما كشف جلخي عن عقد مشاورات مع جهات دولية في جنيف، كذلك يجري توقيع على بروتوكولات تعاون مع مؤسسات دولية لدعم التوثيق القانوني والطب الشرعي، وذلك “ضمن رؤية تؤكد أن مسار المفقودين يجب أن يقوده السوريون أنفسهم”. وأكد أن الهيئة تستعد لعقد مؤتمر وطني موسع حول حقوق واحتياجات عائلات المفقودين.

وفي 18 أيار/مايو، أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع مرسوماً يقضي بتشكيل هيئة الكشف عن مصير الموقوفين، لكشف مصير “آلاف” من المفقودين والمخفيين قسراً، بعد أكثر من خمسة أشهر على الإطاحة بحكم الرئيس المخلوع بشار الأسد.

————————–

========================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى