نقد ومقالات

تحديد الضحية والجلاد في الرواية السورية/ محمد صارم

15 اغسطس 2025

استدعت، وربما سرّعت، الضجة التي أثيرت مؤخراً حول رواية “جنة البرابرة” لخليل صويلح طرح مجموعة من الأسئلة القديمة والجديدة، تمحور بعضها حول العنف الثقافي في سورية بشقّيه: ما يُمارس على الثقافة من عنف خارجي، وما تمارسه الثقافة بمكوّناتها من عنف تنميطي يمنحها شرعية وَسْم ثقافات محليّة أخرى بصفات تحقيرية مثل الانحطاط والخيانة والجهل، أو السخرية والنيل من الرموز الثقافية الأخرى.

كما ذهب بعضها الآخر إلى التساؤل عن مدى ارتباط المنتج الأدبي بالواقعي المعيش، وإلى أي مدى يمكن للرواية السورية التي تناولت موضوعات العنف الجاري في البلاد بعد ثورة 2011 أن تحمل في سرديّتها صدقية توثيقية، وربّما سياسية، لمجريات الأحداث من منظور هذا الطرف أو ذاك.

المشهد الأخير

كانت رواية “جنة البرابرة” (2014)، التي تتحدث عن عنف الجهات المتحاربة، قد مُنعت من التداول في سورية في زمن النظام السابق، وحدثت الضجة بعد أن طُلِب منها أيضاً، من النظام الوليد، إجراء مجموعة من التعديلات والتسميات فيها لمنحها الإذن بالتداول. والرواية المذكورة هي واحدة من قرابة 450 عملاً روائياً صدر في سورية وخارجها منذ اندلاع الثورة السورية، بحسب إحصاءات أولية، وتناولت معظمها الحدث السوري في مساره العنفي وتداعياته، وشكّل العنف الدائر الإطار العام لمجرياتها وحركة شخوصها وانفعالاتهم.

وليس العنف في الرواية السورية جديداً، لكنه -باستثناء الروايات التي ذهبت باتجاه أدب السجون وتصوير العنف على المعتقلين- بقي ضمن المنسوب المفهوم لآليات الصراع المجتمعي والسياسي في حينه، وخاضعاً لشروط التوظيف الفني والجمالي.

لكن الروائيين السوريين أنفسهم، القدامى والجدد، الموالين والمعارضين، وجدوا أنفسهم في السنوات الأخيرة مدفوعين إلى الغوص في تصوير العنف وتداعياته، ورصد الحياة الفردية والجماعية والبيئات المحلية وفق مندرجاته. ومن النادر أن تخلو واحدة من الروايات السورية، المنشورة منذ ذلك الحين إلى تاريخه، من تصوير العنف المباشر أو الأثر الناجم عنه.

وإذا كان لعناوين الروايات من دلالة، فإن رواية “الخائفون” (2017) لديمة ونوس، كشفت عمق العنف السياسي للنظام البائد وسعيه الدائم لتكريس ثقافة الخوف نقطةَ ارتكاز لاستمراريته. فيما تشير رواية “الموت عمل شاق” (2016) لخالد خليفة إلى تأثيرات العنف على مجمل مجريات الحياة وعلى أبسط البديهيات والحقوق، ليصبح نقل أبناء لجثة والدهم إلى مسقط رأسه لدفنه هناك تنفيذاً لوصيته، واحدة من المغامرات المضنية والكاشفة لمعاناة السوريين في ظل العنف المعمّم في البلاد.

أما أسماء معيكل، فقد فضّلت في روايتها “تل الورد” (2017) تصوير العنف المباشر الذي طاول عائلة سورية فرقت ظروف الحرب أفرادها وغيرت مصائرهم وأقدارهم، وتعرّضت نساء العائلة للخطف والاغتصاب، لتنتهي الرواية بصدمة أحد الأبناء العائدين من بلدان اللجوء، وهو يرى “تل الورد” وقد استحال ركاماً لا يمكن التعرف إلى تفاصيله.

تدوير العنف

لم تبتعد الرواية السورية منذ نشأتها عن أجواء العنف الكامن في المجتمع، بما يتناسب مع الخلفيات الاجتماعية والسياسية لأزمنة كتابتها. فجسّد حنّا مينة في شخصياته الكثير من مشاهد القوة البدنية التي شكّلت مفتاحاً لفهم شخصية مفيد الوحش، بطل روايته “نهاية رجل شجاع” (1989)، وهي شخصية لم تستطع أن تخرج من مفاعيل العنف الذي مورس عليها من قبل والدها في الطفولة، واستحالت تلك الذكريات إلى فاعل رئيس في تكوين شخصيتها.

وبالمثل، خيّم العنف غير المباشر على روايات هاني الراهب، الذي وجد نفسه في مناخات الهزيمة والقمع السياسي التي صوّرها في روايته “الوباء” (1981)، ليشكّل العنف السياسي والاجتماعي ملامح رئيسية لحركة شخصياته القابعة تحت وطأة العجز، وتذهب نبوءة شخصياته إلى أن الزمن القادم وفق هذه السيرورة هو زمن العنف العاري والهمجية الكاملة مع انهيار القانون والعدالة. وفي روايته “المهزومون” (1988) يحيل الراهب شخصياته إلى كائنات مخصية عاجزة عن الفعل، سلب العنف المجتمعي طاقتها الحيوية وأحالها إلى مجرد كائنات ثرثارة تجتر أحزانها وخيباتها، وتعيش في زمن أفقي رتيب.

أما خيري الذهبي، فيذهب في روايته “حسيبة” (1989) إلى كشف العنف الجندري الممارس على النساء من قبل المجتمع الذكوري وتعريته، نتيجة مخالفتهن أو عدم خضوعهن لأي من تفاصيل القانون السائد، بغض النظر عن الواقع والنتائج والمآلات. فأي شيء سيغفر لتلك المرأة ارتداءها البنطال وعيشها في الجبال مع الرجال، حتى لو كان والدها بصحبتها، وكان الهدف مقاومة المستعمر؟

محاكمة العمل الروائي

رغم تعدّد الثقافات المتناحرة في سورية، واتساع شقوق الواقع المنقسم، فإن جميع الروايات المصوّرة لتلك الحقبة لم تختلف على مبدأ نبذ العنف، ولا خلاف بينها أيضاً على استحضاره كحالة مدانة من خلال التعاطف الإنساني مع الضحية وتعرية الجلاد. لكنها دفعت الخلاف إلى دائرة المسلّمات والبديهيات التأسيسية، فاختلفت عندئذ على تعريف العنف وتحديد موقع الضحية والجلاد، وحاول كل منها احتكار موقع الضحية الراهن.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى