إشتباكات السويداءالأحداث التي جرت في الساحل السوريسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

سوريا الغائبة.. من حلم المواطنة إلى كابوس الطائفية/ مصطفى ديب

17 أغسطس 2025

في كل ما حدث في سوريا، بعد إسقاط نظام الأسد وحتى الآن، هناك غائبٌ واحد يزداد غيابًا: سوريا نفسها. وليس رفع العلم الإسرائيلي وسط ساحة الكرامة في مدينة السويداء يوم أمس، والهتاف “بدنا إسرائيل.. بدنا إسرائيل”، سوى دليل إضافي على هذا الغياب. بل إنه الدليل الأشد إيلامًا إن لم يكن جرحًا سيظل مفتوحًا لوقتٍ طويل.

هو جرحٌ لأن المظاهرة كشفت مدى سهولة المطالبة بشيءٍ مثل “الانفصال”، بل التخلي عن سوريا. ولأن من طالب بالانفصال فعل ذلك تحت العلم الإسرائيلي الذي كان إعلانًا صريحًا بالقطيعة مع سوريا وطنًا وأرضًا وهوية. كما كان تعبيرًا عن الرغبة في “وطنٍ” آخر يبدو أن كل هؤلاء الذين كانوا موجودين في الساحة عاجزين عن فهم أنه مشروع استعماري يرتكب، الآن، بينما كانوا يتظاهرون ويهتفون له، إبادة جماعية علنية بحق الفلسطينيين.

يستحق هذا أن نفرد له مقالًا منفصلًا. ما يعنيني هنا أو ما أود قوله إن مظاهرة السويداء كانت ربما الدليل الأشد وضوحًا على أن سوريا التي ظننا أنها عادت لأبنائها بعد إسقاط النظام، تحولت من وطن جامع، كما كنا نتمنى، إلى جثة رمزية تفتت على طاولة الجماعات. بدا ذلك واضحًا منذ أحداث الساحل، وبات أشد وضوحًا بعد أحداث السويداء.

خلال هذه الفترة، لم يعد أحد يتحدث باسم سوريا ككل، بل باتوا يتكلمون كلٌ من موقع جماعته: الدروز، والكرد، والعلويون، والسنة، والعشائر، والمهجرون، والمظلومون، والغاضبون، وفوق ذلك كله: “بنو أمية”، الفكرة التي لا تمت بصلة للدولة الحديثة التي نطمح لها ونسعى إليها.

فجأة، تحولت سوريا إلى كعكة يتقاسمها الجميع، ويكفر بها الجميع في الوقت نفسه. يعرّفها كل منا كما يشتهي ويريد، أو كما تشتهي وتريد جماعته. يطلق عليها أحدهم أحكامًا شاملة، فيرد آخر بأحكام أكثر شمولًا. يصرّ البعض على أنها دولة أموية، بينما يرى آخرون أنها لا تصلح للحياة فيطالبون بالاستقلال/ الانفصال. هكذا أصبحنا أمام دولة أموية وأخرى درزية.. إقليم علوي وآخر كردي. وبين هذا الإقليم وذاك، وهذه الدولة وتلك، تُنسى سوريا كوطنٍ وأرضٍ وهوية!

فجأة، لم تعد تجد من يقول “نحن السوريون”، سواء في مواقع التواصل، أو في الواقع نفسه. بدلًا من ذلك، يُقال “نحن الدروز”، “نحن العلويون”، “نحن السنة”، “نحن الكرد”، “نحن أبناء العشائر”.. إلخ. يفعلون ذلك ولا يدركون أن ما يفعلونه يتماهى تمامًا مع توجه إسرائيل، التي تعبث بنا من الجنوب إلى الشمال وأقصى شرق البلاد، لخلق سوريا مفككة غير موحدة.

لم تعد هناك خلال المدة معركة من أجل بناء الدولة، بل من أجل إثبات العصبيات والجماعات. لم تعد المعركة معركة إعادة النهوض ببلد مريض علينا جميعًا أن نعمل للحفاظ على وحدة ترابه، بل إثبات أنه قابلٌ للتجزئة والتفكك.. أننا لسنا مؤهلين للعيش المشترك فيه، واللافت أن هذا الاعتقاد بدأ يلقى قبولًا واسعًا لدى بعض السوريين، ومنهم من صار يسمّي نفسه “سوريّ سابقًا”.

ما بين أحداث الساحل وصولًا إلى أحداث السويداء وانتهاءً بالمظاهرة الكارثية التي شهدتها المدينة أمس، ازداد الانكفاء الجماعي على الذات الفرعية وإنكار الذات الوطنية، وهذا ليس سوى دليل على موت المعنى المؤسس لسوريا كوطن حديث. أمام كل ذلك، نتذكر نداء جبران خليل جبران في بدايات القرن الماضي، حيث وصف سوريا بـ”المسكينة”.

لكن الفرق اليوم أن لا أحد يوجه هذا النداء. لا أحد يفتقد سوريا. لا أحد حتى يذكر اسمها. بل على العكس تمامًا، ينهش الكل جسدها ويتبرأ من جلدها، بينما بقيت هي مجرد اسم على الخريطة، مكانًا منسيًا بلا أصحاب حقيقيين، في ظل الانشغال بالأحقاد والهويات الصغيرة، ناسيين أنها كانت يومًا ما حُلمًا.

لا يمكن لما يجري اليوم أن يكون قدر سوريا الوحيد ونهاية تاريخها، بل إنها مجرد أعراض لانتصار الطائفية على الوطنية.

واجبنا أن نعلنها بوضوح: الطائفة ليست وطنًا، والجماعة ليست دولة، والهوية لا تُختزل في العصبية.

سوريا التي تستحق البقاء هي سوريا المواطنين الأحرار المتساوين في الحقوق والواجبات، لا سوريا المذاهب والقبائل. فإمّا أن نواجه هذا المنطق البائس ونفكك أحقاده، أو نترك للتاريخ أن يسجّل أننا فرّطنا ببلدٍ كان يمكن أن يكون حصنًا للجميع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى