سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

عن عودة القرار 2254 إاى الواجهة -مقالات مختارة-

————————-

هل ينقذ مجلس الأمن سوريا من احتمال تجدد الصراعات الداخلية؟/ بكر صدقي

بصدور البيان الرئاسي لمجلس الأمن بخصوص سوريا، في أعقاب مجازر السويداء، عادت المشكلة السورية إلى لحظة سقوط نظام الأسد في مطلع كانون الأول 2024. كان الاحتضان الأمريكي ـ التركي ـ الأوروبي ـ الخليجي لسلطة هيئة تحرير الشام قد منح الأخيرة فرصةً للتملص من قرار مجلس الأمن 2254 الصادر في العام 2015، على أن تقوم بالإيفاء بمقتضياته: إقامة سلطة انتقالية تشاركية تراعي التنوع السياسي والديني والطائفي والإثني والمناطقي في سوريا، تمهيداً لانتقال سياسي ديمقراطي، بالتوازي مع رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا في السنوات والعقود السابقة، للبدء بورشة إعادة إعمار وانتشال البلد المدمر من الحضيض وتأسيس دولة سورية جديدة تكون على النقيض من النظام الأسدي الذي أكل نصف عمر الكيان السوري.

طوال الأشهر الثمانية من حكم هيئة تحرير الشام تم العمل بخلاف هذا التوجه على طول الخط، فأهدرت تلك الفرصة بسبب إساءة قراءتها للاحتضان المشار إليه واعتباره شيكاً على بياض يمنحها إمكانية فعل ما تشاء إزاء المحكومين، طالما راعت الشرط المتعلق بإسرائيل و«هواجسها» الأمنية! وخيّل إليها أن رعاتها الإقليميين والدوليين سيغضون النظر عن استفرادها بالسلطة، وانتهاكاتها بحق السكان، واندفاعها للاستيلاء على الأصول الاقتصادية، وصولاً إلى حملات الإخضاع بالعنف للمكونات الوطنية غير الراضية عن استفرادها بالسلطة والثروة وسعيها الحثيث لفرض إيديولوجيتها. وخسرت سوريا ثمانية أشهر كان من المحتمل أن تنجز خلالها الكثير من الاستحقاقات التي لا مفر منها من أجل استعادة الاستقرار.

الآن وقد أهدرت السلطة تلك الفرصة استعاد مجلس الأمن توافقه على وجوب المضي في تطبيق قراره الصادر قبل عشر سنوات، 2254، الذي كان نظام الأسد قد عرقل تطبيقه في حينه بدفع من ظهيره الإيراني وحماية من حليفه الروسي، مقابل فتور حماسة الأمريكيين والأوروبيين في الضغط من أجل تطبيقه، مسلمين أمر سوريا لروسيا وضمناً إيران حين كانت هذه قوة إقليمية كبيرة. أما وقد انهارت هذه القوة في المشرق العربي، وانكفأت روسيا على نفسها بعد ورطتها في أوكرانيا، وتحولت إسرائيل إلى مخلب فتاك بيد واشنطن لهندسة الإقليم بالقوة العارية، فلم تعد سلطة دمشق تملك رفاهية تجاهل بيان مجلس الأمن الجديد الذي يعيد التأكيد على القرار 2254، والاكتفاء بالدعم التركي ـ الخليجي. فهذان الداعمان نفسيهما لا يملكان رفاهية الخروج على الاستراتيجية الأمريكية بشأن سوريا ومحيطها الإقليمي.

ثمة تفصيل غريب بشأن الدور التركي في سوريا يتعلق بهاجسها التقليدي المتعلق بكرد سوريا. ففي الوقت الذي تمضي فيه الدولة التركية بثبات في مشروعها التاريخي للمصالحة مع كردها، تعود إلى تكرار ضغوطها على كرد سوريا لدفعهم في اتجاه الاستسلام لسلطة دمشق بلا شروط، في الوقت الذي أثبتت فيه تلك السلطة فشلها في التعاطي مع المكونات الوطنية، مرة مع العلويين في مناطق الساحل، وأخرى مع الدروز في الجنوب. وفي الوقت الذي تتواصل فيه اجتماعات «اللجنة الوطنية للتضامن والأخوّة والديمقراطية» (لجنة برلمانية تشكلت من ممثلي الأحزاب السياسية في البرلمان) لبلورة حل سياسي للمشكلة الكردية المزمنة في تركيا، بعدما حل حزب العمال الكردستاني نفسه وتخلى عن السلاح، يعود وزير الخارجية هاكان فيدان إلى لغة التهديد تجاه قسد طالباً منه «الالتزام باتفاق العاشر من آذار» في قراءة تركية لنصه تفترض تماثلاً مع الصيغة التركية، دون الأخذ بعين الاعتبار اختلاف «نظام» هيئة تحرير الشام قيد التشكل عن «سيستم» الدولة التركية راسخة الجذور القائم على دعامتي الديمقراطية والعلمانية. ففي تركيا ما يبرر حل حزب العمال الكردستاني لنفسه والاندماج في الدولة التركية من خلال القنوات السياسية المتاحة (أحزاب سياسية، برلمان تمثيلي، إعلام حر، مؤسسة قضائية راسخة… على رغم كل عيوبها) في حين أن سلطة دمشق هي سلطة أقلية ترفض المشاركة في تأسيس الدولة وتتعاطى مع المكونات بعقلية الإخضاع بالقوة، فضلاً عن ثبوت فشلها في أبسط أمور إدارة الدولة. فلا شيء يمكن أن يشجع قسد في سوريا على اتباع مسلك حزب العمال الكردستاني في التعاطي الإيجابي مع مبادرة دولت بهجلي. هذا من غير التذكير بأن قسد ليس ممثلاً للكرد فقط، بل هو تحالف عسكري يضم عرباً وسرياناً وعشائر من المناطق الشرقية، وإن كانت القيادة الفعلية بيد حزب الاتحاد الديمقراطي.

وإذا راقبنا تعامل سلطة دمشق مع قسد، في الأشهر الأولى بعد سقوط نظام الأسد، لرأينا تعاطياً واقعياً إلى حد كبير وصولاً إلى توقيع اتفاق العاشر من آذار بين أحمد الشرع ومظلوم عبدي، فيما أنعش شيئاً من التفاؤل بين السوريين بعد نكسة مجازر الساحل. ثم تعزز هذا التفاؤل من خلال البدء بتطبيق بنوده من حيي الأشرفية والشيخ مقصود في اتفاق الأول من نيسان بين الجانبين. من الواضح اليوم أن التوتر هو الوصف الصحيح لهذه العلاقة. فمفاوضات «تنفيذ اتفاق آذار» متعسرة، انتقلت من دمشق إلى باريس، ورفضت دمشق المشاركة في اجتماع باريس، وحدثت في موازاة ذلك اشتباكات ـ محدودة إلى الآن ـ في شرق حلب، وتعزيز قوات «الأمن العام» في محيط الحيين الكرديين في مدينة حلب فيما ينذر بتصعيد جديد ليس من مصلحة أحد. من الواضح أن تركيا تضغط على سلطة دمشق لدفعها للتصلب مع قسد. هذا هو الأمر غير المفهوم من دولة بدأت خطوات شجاعة لحل مشكلتها الكردية في الداخل، مع بقاء سياستها تجاه كرد سوريا على ما كانت عليه طوال السنوات السابقة.

في غياب استخلاص سلطة دمشق لأي دروس من مجازر الساحل والسويداء وتفجير كنيسة مار الياس في دمشق، يبقى العامل الحاسم في تقرير مصير السوريين هو مدى عزم المجتمع الدولي في تطبيق قرار مجلس الأمن 2254 تجنباً لانطلاق صراعات جديدة تدمر ما لم يدمره نظام الأسد.

كاتب سوري

القدس العربي

————————-

بعد عودته إلى الواجهة.. ما الذي تبقى من القرار 2254؟/ محمد كساح

13 أغسطس 2025

فيما جاء البيان الأممي حول أحداث السويداء مثبتًا للقرار 2254 الصادر في العام 2015، يرى مراقبون أن تطبيق النص السابق للقرار لن يكون مجديًا للحالة السورية بعد المتغيرات الهائلة التي كرسها إسقاط النظام، بينما يلمح بعض الخبراء رسائل ضمنية بين سطور البيان تتمثل بالضغط على العهد الجديد لإعادة ضبط بوصلة الحل السياسي ضمن قواعد أممية متفق عليها، لا وفق الرؤية التي تحاول السلطة الانتقالية تنفيذها.

وكان مجلس الأمن الدولي أدان في بيان رئاسي صدر يوم الأحد 10 آب/أغسطس بقوة أعمال العنف التي ارتكبت بحق المدنيين في السويداء وشملت عمليات قتل جماعي وفقدان الأرواح، وأدت إلى نزوح نحو 192 ألف شخص داخليًا.

وحثّ المجلس الأطراف كافة على ضمان أن تتمكن الأمم المتحدة وشركاؤها في التنفيذ والمنظمات الإنسانية الأخرى، من إيصال المساعدات الإنسانية إلى جميع المجتمعات المحلية المتضررة في السويداء وجميع أنحاء سوريا على نحو كامل وآمن وسريع ودون عوائق، وكرر مجلس الأمن تأكيد دعوته للسلطات المؤقتة “على توفير الحماية للسوريين قاطبة، كائنًا ما كان انتماؤهم العرقي أو الديني”.

كما رحب المجلس بالبيان الذي أصدرته السلطات السورية المؤقتة وأعلنت فيه إدانة أعمال العنف واتخاذ إجراءات للتحقيق فيها ومحاسبة المسؤولين عنها. ودعاها إلى ضمان إجراء “تحقيقات موثوقة وسريعة وشفافة ونزيهة وشاملة” وفق المعايير الدولية.

وأدان المجلس جميع أشكال التدخل السلبي أو الهدام في عملية الانتقال السياسي والأمني والاقتصادي في سوريا، مشيرًا إلى أن هذه التدخلات تقوض الجهود الرامية إلى استعادة الاستقرار في البلاد، وأهاب بجميع الدول الامتناع عن أي عمل أو تدخل قد يزيد من زعزعة استقرار البلد، في سبيل “تنفيذ عملية سياسية شاملة” للجميع “يقودها السوريون ويمسكون بزمامها، استنادًا إلى المبادئ الرئيسية الواردة في القرار 2245”.

عملية غير مجدية

ولا يزال القرار 2254 هو الأساس الذي تعتمده الأمم المتحدة للحل في سوريا، لكن عملية تطبيق هذا القرار وفق النص السابق الذي يتحدث عن مفاوضات بين النظام المخلوع وقوات المعارضة تبدو غير منطقية بحسب ما يرى محللون سياسيون تحدثوا لـ “ألترا سوريا”.

ويرى الكاتب والمحلل السياسي فراس علاوي أن تطبيق القرار بشكله الحالي على الواقع السوري “غير منتج”، خاصة في ظل تجاوز البلاد للفقرات الأولى منه. ويوضح خلال حديث لـ “ألترا سوريا” أن إسقاط النظام في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 يعني تجاوز الفقرة المتعلقة بالحوار بين النظام والمعارضة إضافة للفقرة المتعلقة بهيئة الحكم الانتقالية.

وبما أن بيان الأمم المتحدة أعاد تثبيت القرار، يرجح علاوي أنه سيتم الاعتماد على ما تبقى من فقرات يتضمنها، وعلى رأسها الذهاب إلى دستور ومن ثم انتخابات.

وبناء عليه، يعتقد أن الأمم المتحدة سوف ترعى هاتين الفقرتين، لكن الآلية غير معروفة حتى هذه اللحظة، أما الاعتماد على القرار بنصه السابق فهو “غير مناسب”، إلا في حال تم تطبيق أجزاء منه أو إصدار قرار 2254 معدل.

تنفيذ السلال الأربع

ويتفق السياسي السوري المقيم في أمريكا أيمن عبد النور مع قراءة الكاتب فراس علاوي في أن “القضية لم تعد بتطبيق القرار 2254 بحذافيره، لأن النظام الأسدي لم يعد موجودًا، وبالتالي اختلف الوضع عن السابق”.

ويوضح خلال حديث لـ “ألترا سوريا” أن “المطروح أمميًا هو تنفيذ المبادئ الرئيسية من القرار والمتمثلة بالسلال الأربع، مكافحة الإرهاب، الحوكمة، إنتخابات حرة بإشراف الأمم المتحدة، الخ، وهي مبادئ يمكن تطبيقها سواء في حال وجود أو عدم وجود النظام السابق لأنها مبادئ ينبغي تنفيذها في سوريا بهدف بث الأمان بين الدول المحيطة وبالتالي تغييب عوامل التوجس والقلق التي قد تستغلها إسرائيل للدخول إلى سوريا ومن ثم تتدخل واشنطن وعمان لحل إشكالات بينية داخل فئات ومكونات الشعب السوري”.

واعتبر أن هذه الإشكالات والتدخل الدولي أو الإقليمي لحلها “يعد من الأمور النادرة التي حصلت في تاريخ سوريا المعاصر، إذ لم يحدث أن تدخلت الدول لحل مشكلة ببن محافظتين سوريتين أو مكونين سوريين، وهذه نقطة خطيرة يجب الانتباه إليها”.

رسالة محملة بضغوط دولية

ويرى الباحث والأكاديمي مالك الحافظ أن “الإشارة الواضحة إلى القرار في البيان الأممي تضع السلطة الانتقالية أمام اختبار جديد، إذ تعكس وجود ضغوط دولية لإعادة ضبط مسار الحل السياسي ضمن قواعد متفق عليها سلفًا، وليس وفق الترتيبات التي قد تحاول فرضها السلطة الانتقالية على الأرض”.

ويضيف خلال حديث لـ “ألترا سوريا”: “يمكن قراءة البيان كجزء من عملية رسم خطوط مسار سياسي جديد، أو على الأقل إعادة تفعيل خطوط كانت قد تلاشت بفعل التحولات الميدانية والسياسية”.

كما أن هذا الموقف يوجه رسالة ضمنية مفادها أن المجتمع الدولي لا يزال يرى الحل في سوريا مرتبطًا بمسار تفاوضي أوسع، يتضمن جميع الأطراف ويستند إلى معايير الشرعية الدولية، ما يعني أن أي محاولة لإنتاج صيغة حكم دائمة أو فرض وقائع نهائية بمعزل عن هذا الإطار ستواجه تحديًا في نيل الاعتراف والدعم الخارجي.

ويلفت الحافظ إلى أن بيان مجلس الأمن يمكن أن يترجم إلى سلسلة أدوات ضغط غير مباشرة على السلطة الانتقالية، موضحًا أن أول هذه الأدوات هو إعادة ربط أي مسار للاعتراف الدولي أو تقديم الدعم الاقتصادي بمدى التزام السلطة بخطوط القرار 2254، بما في ذلك الانخراط في عملية سياسية جامعة لا تستبعد القوى والتيارات التي ما زالت خارج المشهد الحالي.

كما يمكن للبيان أن يفتح المجال أمام إعادة تنشيط دور المبعوث الأممي، في مراقبة خطوات السلطة الانتقالية ومدى التزامها بالمعايير الأممية، الأمر الذي قد يحد من قدرتها على فرض نموذج حكم أحادي.

إضافة إلى ذلك، فإن تكرار الإشارة إلى القرار 2254 يوفّر غطاءً دبلوماسيًا للدول الفاعلة الراغبة في الضغط على السلطة، سواء عبر آليات العقوبات أو من خلال مشروطية الدعم المالي وإعادة الإعمار، بحيث يُربط أي انفتاح اقتصادي أو سياسي بالتقدم الفعلي في المسار السياسي المتوافق عليه دوليًا بالانطلاق من القرار الأممي، وفقا للقراءة التي أدلى بها مالك الحافظ.

ما هو القرار 2254؟

وينص القرار 2254 الصادر يوم 18/كانون الأول/ ديسمبر 2015 على التوقف الفوري من جميع الأطراف عن شن هجمات على أهداف مدنية في سوريا، ودعوة ممثلي الحكومة السورية والمعارضة إلى الدخول في مفاوضات رسمية بشأن عملية انتقال سياسي.

ويدعم مجلس الأمن، وفقًا للقرار، عملية سياسية بقيادة سوريا تيسرها الأمم المتحدة، والتي من شأنها أن تنشئ حكمًا ذا مصداقية وشاملًا وغير طائفي في غضون ستة أشهر، وتضع جدولًا زمنيًا وعملية لصياغة دستور جديد، وينص أيضًا على إجراء انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف المنظمة العالمية، بهدف تنفيذ عملية انتقال سياسي.

الترا سوريا

—————————-

سوريا ومأزق الحل السياسي: التدخلات الخارجية وتحديات تنفيذ القرار 2254/ أحمد الجابر

القرار 2254 والحل السوري: بين إصرار مجلس الأمن وتعقيدات الواقع

2025-08-13

أعرب مجلس الأمن الدولي عن إدانته لجميع أشكال التدخلات السلبية في مسار الانتقال السياسي والأمني والاقتصادي في سوريا، محذراً من أن هذه الممارسات تُضعف الجهود المبذولة لاستعادة الاستقرار في البلاد، وداعيًا جميع الدول إلى تجنب أي إجراءات من شأنها زيادة حدة التوتر والاضطراب.

وفي بيان رئاسي صدر حديثاً، شدد المجلس على ضرورة تنفيذ عملية سياسية شاملة يقودها السوريون أنفسهم، وتستند إلى القرار 2254، بما يضمن حماية حقوق جميع المواطنين ويُمكّنهم من تقرير مصيرهم بشكل سلمي، مستقل، وديموقراطي.

وجدد المجلس تأكيده على أهمية الدور الذي تضطلع به الأمم المتحدة، وبخاصة مكتب المبعوث الخاص، في تسهيل الانتقال السياسي في سوريا، مشيراً إلى التزامه بسيادة واستقلال ووحدة وسلامة الأراضي السورية، ومطالباً جميع الأطراف الدولية باحترام هذه المبادئ.

ويأتي البيان في وقت يشهد فيه الملف السوري متغيرات ميدانية وسياسية متسارعة، وسط استمرار تعثر الحل السياسي في الداخل، حيث لا تزال السلطة الحاكمة تعتمد خطاباً إنكارياً وتراهن على الغلبة، بينما يتصاعد الزخم الدولي نحو تفعيل القرار 2254 مجدداً كمرجعية أساسية.

البيان الرئاسي الذي صدر الأحد الماضي، أعرب المجلس عن قلقه من تصاعد العنف في السويداء، وحث على حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية، مع ضرورة محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. ورغم أن البيان يُعد إشارة سياسية وليس قراراً ملزماً، إلا أنه يُعيد التأكيد على أهمية دور الأمم المتحدة والمبعوث الخاص في دعم الحل السياسي.

وفي المقابل، رحب المجلس بالبيان الذي أصدرته الحكومة السورية والذي دان أعمال العنف الأخيرة، مشددًا على ضرورة إجراء تحقيقات شفافة وشاملة، ومحاسبة المسؤولين عنها وفقًا للمعايير الدولية. ولفت إلى إعلان وزارة الدفاع السورية عن تشكيل لجنة للتحقق من هوية المتورطين وخلفياتهم، مشددًا على أهمية العدالة والمصالحة كركائز أساسية لتحقيق سلام دائم.

البيان الرئاسي لم يغفل الإشارة إلى الاتفاق الموقع عام 1974 بشأن فض الاشتباك بين سوريا وإسرائيل، مطالباً جميع الأطراف بالالتزام بمضمونه وتجنب التصعيد في المنطقة العازلة، ومؤكدًا دعم ولاية قوات الأمم المتحدة العاملة هناك. كما تناول التهديدات الأمنية الناجمة عن تنظيمي “داعش” و”القاعدة”، محذراً من استمرار خطر المقاتلين الأجانب، وضرورة مواصلة الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب.

من جانب آخر، يُواجه تنفيذ القرار 2254 تحديات كبيرة، منها انقسام الأطراف السورية وتردد بعض القوى في تبني الحلول السياسية، فضلاً عن التدخلات الخارجية وتعقيدات الملف الأمني والإنساني. كما أن غياب آلية تنفيذ فعّالة واستمرار العنف يعيقان الانتقال السياسي.

ويتطلب الحل في سوريا التزاماً دولياً جاداً بضمان تنفيذ القرار 2254، وتعاوناً إقليمياً لوقف التدخلات، مع بناء ثقة بين الأطراف السورية عبر حوار شامل يضمن مصالح جميع المكونات.

امتحان للحكومة

يقول عصمت منصور، صحفي ومحلل سياسي، لـ”963+”، أن “القرار يضع الجهات الحكومية في سوريا أمام امتحان حقيقي لإثبات أن سوريا ونظامها الجديد والعهد الجديد فيها هو لكل السوريين، ويوفر الأمان والرعاية والشراكة لكل من يتواجد في سوريا بغض النظر عن انتمائه وطائفته وخلفيته”.

ويؤكد على أن “هذا امتحان حقيقي لهذه الدعوة، وأن يصل الأمر إلى نقاش مجلس الأمن وبيان رئاسي فيه، أعتقد أنها لحظة مهمة في تحول تشهده سوريا، ويمكن من خلالها ضمان التحول نحو الأفضل وليس نحو الأسوأ. لأنه توجد تناقضات وتدخلات وصراعات وظروف إقليمية وغيرها، بالإضافة إلى الحالة المعيشية، كل هذه العوامل تجعل التحديات أكثر صعوبة وقابلة للاشتعال والانفجار، وتعطي هذا المسار زخماً”.

ويضيف أن “الجزئية المتعلقة بالقرار 2254، أعتقد أن أهم ما فيها هو التأكيد على سيادة ووحدة الأراضي السورية، هذه الفكرة الأساسية، هذا المبدأ الذي أصبح في خطر في ظل ما يتعرض له الشعب السوري وما يعانيه الآن من تغيرات. لذلك، التشديد على وحدة سوريا مهم جداً، وهو العامل الأساسي لنهضة سوريا واستقرارها وتقدمها، والخروج من الأزمة التي تمر بها. وما دون ذلك، أعتقد أن كل شيء سيتعثر وستتفاقم الصراعات الداخلية والأطماع الخارجية”.

ويرى أن “الطرف الأكثر تدخلاً في سوريا، والذي يحاول العبث بها وفرض وصاية على أطرافها، ويستغل التناقضات ويفرض الاحتلال العسكري على أجزاء منها، هو إسرائيل. لذلك، كف يد إسرائيل ومنعها هو المهمة الأولى والشرط الأساسي لتقدم سوريا، لأن هذه التدخلات تعيق أي تقدم”.

ويلفت إلى أن مهمة كف يد إسرائيل عن التدخلات في سوريا تعتبر من المهام الأساسية التي تقع على عاتق المنظمات الدولية، “لكن إذا لم يوجد حل، فإن المهمة ملقاة على عاتق السوريين أنفسهم، وعلى النظام الجديد في سوريا أن يعي أنه دون احتواء جميع السوريين، فإن إسرائيل قادرة على اللعب في التناقضات”.

فيما يقول طارق وهبي، باحث في العلاقات الدولية يقيم في باريس لـ”963+”، إن “هذا البيان من مجلس الأمن يعكس إجماعاً دولياً على ضرورة تحريك المسار السياسي، وهذا يضغط على الأطراف المحلية والإقليمية لخفض التصعيد والانخراط في المفاوضات. رغم أن البيان غير ملزم قانونياً مثل القرار، إلا أنه يرسل رسالة واضحة بأن استمرار الوضع الحالي مرفوض، وأن المجتمع الدولي قد يدفع لاحقاً باتجاه قرارات ملزمة”.

أساس ومرجعية

يضيف وهبي أن “القرار 2254 الصادر في كانون الأول/ديسمبر 2015 يشكل أساساً شرعياً دولياً للحل السياسي في سوريا، ويتضمن: وقف إطلاق النار على مستوى البلاد، ومفاوضات بين النظام والمعارضة برعاية أممية، وصياغة دستور جديد، وتنظيم انتخابات بإشراف الأمم المتحدة”.

ويرى أن الذكر المتكرر لهذا القرار يعني أن الأمم المتحدة لا تعترف بأي مسار أو اتفاق خارج إطاره، حتى لو كانت هناك ترتيبات إقليمية أو ثنائية. مشيراً إلى أن “هذه الجزئية مهمة جداً، والتي حتى وإن لا تستطيع الأمم المتحدة صد أي ترتيبات أو اتفاقات يقوم بها النظام السوري الحالي، فإنها إشارة إلى أي مدى الأمم المتحدة حاضرة في هذا الملف”.

ويتابع: “بعد سقوط النظام، ستتحول الأولوية من “عملية انتقالية بمشاركة النظام” إلى “إعادة بناء مؤسسات الدولة” وملء الفراغ السياسي. قد يحتاج القرار إلى ملحق أو تعديل لتحديد: آلية مؤقتة لإدارة الدولة (حكومة انتقالية أو مجلس سيادي)، وهنا يطرح السؤال هل تستطيع الأمم المتحدة الوقوف ضد إرادة الرئيس الحالي أحمد الشرع؟

كما يجب، بحسب وهبي، وضع خطة مدروسة عاجلة لإعادة الأمن والخدمات، وجدول زمني واقعي للانتخابات مع ضمانات أمنية لمنع الفوضى، ومشاركة أوسع وبأي إطار قانوني للمجتمع المدني والقوى المحلية، وليس فقط المعارضة التقليدية.

ويقول إن “المضمون الأساسي للقرار 2254 (دستور + انتخابات + إشراف أممي) سيبقى، لكن صيغة ‘المفاوضات مع النظام’ ستصبح بلا معنى. أما موقف مجلس الأمن بشأن العنف الداخلي، فهو كالعادة يدين الانتهاكات التي تستهدف المدنيين أياً كان الفاعل (النظام، المعارضة، الميليشيات)، لكنه يتجنب تحديد مسؤولية مباشرة إلا إذا كان هناك توافق بين القوى الكبرى”.

ويضيف: “أما بشأن التدخلات الإسرائيلية، فإن موقف المجلس هنا متباين بسبب الفيتو الأميركي، ما يجعل الإدانة المباشرة لإسرائيل شبه مستحيلة. غالباً ما تُذكر الهجمات الإسرائيلية في بيانات أممية بصيغة عامة مثل ‘القلق من انتهاك سيادة سوريا’ دون اتخاذ إجراءات عملية، إلا إذا ارتبط الأمر بتصعيد إقليمي واسع. إن الوضع الحالي من الاحتلال الإسرائيلي خطير جداً، لأن الداخل المشرذم ودمار البنية التحتية العسكرية السورية يجعل أي مطالبة وكأنها بالنسبة لإسرائيل تهديد لأمنها القومي”.

+963

—————————————

=========================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى