أبحاثسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

في المثقف وأطيافه: الأفعال الثقافية وأنماطها ومواقعها في اللحظة السورية الراهنة/ حازم السيد

15-08-2025

        منذ الثامن من كانون الأول «ديسمبر» والشأن العام السوري يبدو أقرب إلى كرةٍ ثلجية، نُغذّيها في تهاويها. مع كل حدث، نحاول الإدلاء بآرائنا أو التعبير عن مواقفنا، ولكن الأحداث لا تتوقف عن التدفق ومعها آراؤنا ومواقفنا وتحليلاتنا، لينتقل كثيرون من موقع المواطن الفعّال إلى موقع المثقف صاحب الحضور والتأثير.

        يجعل هذا الواقعُ التفكيرَ في مقولة المثقف مسألةً شديدة الحيوية والتعقيد، فهذه المقولة، التي تغطي فئةً واسعةً من الأفراد الذين تتباين فاعليتهم وأدوارهم وقيمتهم الاجتماعية، لتبدأ بالكتّاب والفنانين وتنتهي ببعض المؤثرين وصُنّاع المحتوى الذين تفرزهم منصات وشبكات التواصل الاجتماعي، مروراً بآلاف الصحفيين ممن لا يمكن لمنصات الإعلام والترفيه تدوير مكناتها دونهم، تبدو أقرب إلى متاهة مُركَّبة بأبعادٍ عديدة لا بد من تفكيكها.

        المثقفون؛ فئة اجتماعية من ذوات عالية؟

        للمثقفين أسلافٌ كثر في أوروبا والعالم الإسلامي، إلا أن المثقف يبقى ظاهرةً حديثة، ويوجد ما يشبه الإجماع على أن مقالة إيميل زولا أنا أتّهم المنشورة عام 1898 تُجسّد الحدث الرمزي لولادته. قام الروائي والصحفي الفرنسي بكتابة عريضته الشهيرة لفضح تواطؤ السلطة في قضية الضابط الفرنسي اليهودي دريفوس لتُبقيه في منفاه، بتهمة الخيانة العظمى، رغم وجود اعترافات تثبت براءته، وبما يبدو أقربَ للتواطؤ مع المزاج المعادي للسامية المتنامي في تلك المرحلة. اتخذ زولا موقفاً أخلاقياً حاداً وجذرياً ونشره وبأعلى نبرة في صحيفة أورور الشهيرة، ليُعيد فتحَ القضية ويحوّلها إلى قضية رأي عام، ويقوم بإطلاق كرة ثلج لن تتوقف عن اجتذاب الأنصار قبل أن تجبر السلطات الفرنسية على إعادة فتح ملفات القضية وتبرئة الضابط اليهودي.

        قبل هذه المرحلة، لم تكن كلمة المثقف دارجة، ولم يكن من الممكن الحديث إلا عن فلاسفة وشعراء وكتاب ومفكرين وفنانين، وذلك ربما لأن الفردانية التي تتطلبها نشاطاتهم وقلة عددهم واعتماد الكثير منهم على البلاطات لمعيشتهم لم تكن تسمح بالنظر إليهم بوصفهم شريحة اجتماعية وقوة مستقلة وقادرة على التأثير في حياة المدينة وفضائها العام.

        انتشار التعليم وإلزاميتُه وانتشار الصحافة الشعبية وتَطوُّرها وشيوع فنون الكاريكاتير التي صالحت الصحافة مع العمال الأميين؛ أمورٌ ساهمت في زيادة أعداد المثقفين ليكونوا من يُنتِج الجريدة، والتي تحولت قراءتها إلى «صلاة الإنسان المعاصر»، على حد تعبير هيغل الشهير. اكتسب بذلك موقفُ زولا في قضية دريفوس الزخم التاريخي لتتحول إلى لحظةٍ لإعلان ولادة لاعب اجتماعي جديد، وليكون المثقف هو من يعمل في مجال فكري لا عضلي، ومن يتدخل في الفضاء العام ويؤثر في الحياة الاجتماعية عبر منتجاته الثقافية والإبداعية ومواقفه الأخلاقية.

        * * * * *

        اليوم، وبعد أكثر من قرن وربع على ولادتهم، يمكن «تعريف المثقفين» بوصفهم تلك الفئة الاجتماعية المكونة من شخصيات عامة تقوم بإنتاج فاعلية ثقافية هدفها الحضور والتأثير في الفضاء العام.

        يخلق هذا التعريف نوعاً من التوتر بين البعد الوظيفي والطاقة التحررية التي تسمح بها هذه المقولة، فالمثقفون هم فئة اجتماعية تكسب قُوتها من عملها في عوالم الثقافة. فإن لم تخلُ المجتمعات يوماً من مبدعين قادرين على التأثير والحضور في حياة مجتمعاتهم، إلا أنهم طالما كانوا قلةً نادرةً وطفيلية. بالمقابل، وإن كان المثقفون فئة اجتماعية، فإن هذه الفئة مكونة من شخصيات بكل ما تحمله هذه الكلمة من تطلُّع للفرادة والتقدير، فالمثقف ليس فرداً عابراً وإنما شخصية عامة أو مشروع شخصية عامة تطيل النظر في المرآة وتصرف الكثير من وقتها على صورتها، ولا يُسمَّى المثقف مثقفاً إلا عند امتلاكه لرصيد من الأفعال الثقافية، يسمح بفهم الخلفيات والقيم والحساسيات التي ينطلق منها في صياغة فعله الثقافي، بما يسمح برسم صورة معقولة عنه وبتجذيره في الواقع. يقضي لذلك المثقفون الكثير من الوقت وهم يفكرون بالأثر الذي ستتركه أفعالهم وأقوالهم على صورتهم، فيرفض بعضهم التوقيع على البيان الفلاني أو اتخاذ موقف في صدد المسألة العلّانية، ويقومون بإجراء الحوارات وإطلاق التصريحات ويتفاعلون بل ويرحبون بتفاعل الصحافة معهم، وكثيراً ما يقوم المثقف بإنتاج أفعال ثقافية يتمحور هدفها حول الحضور في الفضاء العام، لا التأثير فيه، خوفاً من النسيان.

        تتنوع أشكال الفاعلية الثقافية التي يُنتجها المثقفون، بل وطالما كانت الجِدّة والتجديد في شكل الفاعلية واحدة من غاياتهم. قد تقتصر على التنوير المعرفي، الذي يقوم خلاله مفكرون وأكاديميون وصحفيون بإنتاج الأفكار والمقولات والتحليلات، وقد يتمحور حول الموقف الأخلاقي، والذي كثيراً ما يتجلى في المواقف والعرائض والبيانات التي يوقّعها الخبراء والسياسيون والكتّاب وغيرهم ممن يتمتعون بسمعة وازنة ويتطلّعون إلى لعب أدوار سياسية في حياة بلدانهم. قد تقتصر الفاعلية الثقافية على التعبير الإبداعي والمعنوي، ليقوم كتّاب وفنانون وأدباء بإنتاج الروايات والأشعار واللوحات وغيرها من أشكال التعبير الأدبي والفني، ولكن كثيراً ما تدفع السياسة وروابط الانتماء المثقفين إلى فعالية ثقافية مُركَّبة يتداخل فيها التنوير المعرفي بالموقف الأخلاقي والتعبير الإبداعي لينتج أشكالاً أخرى، كمقالات الرأي والتعليق السياسي التي تركز على الجمع ما بين المعرفي والأخلاقي والسياسي، أو الأعمال الروائية التي كثيراً ما يتضافر فيها الإبداعي بالمعرفي والأخلاقي.

        مسننات الصناعة الثقافية؟

        ترتبط مقولة المثقف بالكثير من الكليشيهات، ومنها كليشيه المقهى، ليكون المثقفون مجموعةً من الشباب ممن يقضون نهارهم وهم يتجادلون في قضايا نظرية بدلاً من البحث عن «عمل حقيقي»، ولكن هذا الكليشيه يجعلنا ننسى بأنه لم يعد بإمكاننا تخيل حياتنا دون «المحتوى» الذي يعمل آلاف المثقفين الوظيفيين على إنتاجه. فنقضي الكثير من أوقاتنا ونحن نشاهد المسلسلات، على شاشات التلفزة والمنصات. نتابع الفيديوهات الترفيهية والفيديوهات التثقيفية، ونقرأ الكثير من الأخبار، لنقضي الكثير من وقت صحوتنا على الشاشات بهدف التواصل والتسلية، القائمة على الاستهلاك الثقافي. 

        يستحضر ذلك مقولةَ «الصناعة الثقافية» لتيودور أدورنو، والتي استخدمها لمقاربة ظاهرة انتشار الثقافة الشعبية وتراجع الثقافات الكلاسيكية الرفيعة وانتقالها من عوالم الخلق والإبداع إلى عوالم الإنتاج والذي يتطلب التنظيم وفقاً لمعايير وإجرائيات وبروتوكولات صناعية، بما يتسبب بخضوعها لقواعد الربح والخسارة ولآليات تقسيم العمل والتخصُّص الفائق ولامتثالها لقوالب جاهزة تفقدها أصالتها، وهو ما يحوّل المثقفين إلى عمال وموظفين أو «صنّاع محتوى»، يخضعون كالمنتجات التي يساهمون في صناعتها لقواعد العرض والطلب، ويفقدون القدرة والسيادة على منتجهم ليصبحوا فريسة الاغتراب، كحال عمال الصناعات الأخرى.

        اليوم، بعد أكثر من نصف عقد على موت الفيلسوف الألماني، وتَعاقُب عدد غير مسبوق من الابتكارات والثورات التقنية والمعلوماتية، بلغت الصناعة الثقافية واحدة من ذُراها ودفعَ الطلب المتنامي على منتجات هذه الصناعة إلى اتساع الحاجة للعاملين في هذه القطاعات، كما أسهم هذا التقدم التقني في خفض عتبة الموهبة المطلوبة للتأهيل والتوظيف، وهو ما حوّلَ المهن الثقافية إلى مهن شائعة وبائسة وما خلق جيشاً من صنّاع الثقافة، ممن لا يمتلكون من مقولة المثقف إلا بُعدها الوظيفي، ولا يعيشون هذه المقولة إلا في عوالم بيروقراطية وتقنية، قد لا يمكن التعويض عن بلادتها إلا عبر اجترار بعض المقولات السريعة للتحول من مجرد عامل تقني إلى مثقف، بما يسمح بالحصول على جرعة من تقدير الذات والمعنى ويرفع احتمالات الترقي الوظيفي، وبما يتسبب بتفخيخ هذه المقولة وبدعوتنا إلى التعامل معها بالخفة التي يطلق فيها الكثير من هؤلاء المثقفين رطاناتهم الجوفاء وكلامهم المُعلَّب.

        * * * * *

        «صانع المحتوى» أو المؤثر هو المثال الأبرز والأكثر ابتذالاً على استفحال دينامية تسليع الثقافة وطغيان طابعها الاستهلاكي. التوصيف تقني للغاية، ويبدو مُستمَداً من عوالم الفيزياء، والحسبة بالكيلو، فالمؤثر يعرف وبدقة مقدار الربح الذي سيُحصِّله لكل مليون مشاهدة، وللخوارزميات معايير واضحة يساعده احترامُها على زيادة عدد الملايين والأرباح، والتلاعب بالعقول واجتذاب انتباهها، عبر استغلال نقاط ضعفها أو ما يسمى بالانحيازات المعرفية، باتت بديهيات لا بد منها لصناعة المحتوى والتأثير. بالمختصر، لا يهتم صانع المحتوى بالتحول إلى شخصية ذات هوية ولا حتى بالتأثير بالفضاء العام، وليس الفضاءُ العامُ إلا سوقاً تشتغل فيه دكانته، والتي يستثمر فيها بكل ما يمليه عليه السوق، وهو من ينتج اليوم جزءاً وازناً من الثقافة التي نستهلكها.

        الدحيح مثلاً، ورغم جودة المحتوى، هو في نهاية المطاف «علامة تجارية» تقوم بتنوير زبائنها ليل نهار عبر صناعة محتوى مبتكرة، بدأها أحمد غندور وحيداً ولكنها لا تتوقف عن التمدد لتصبح اليوم اليوم شركة متعدية للجنسيات. يتجنب الدحيح شُبهة المواقف الأخلاقية، ويعمل مع كل المنصات، أياً كان مصدر تمويلها، ولا يدخل في أي سجال، معرفي أو أخلاقي أو سياسي، لا مع القنبيي ولا مع غيره، وعندما يتعرض لهكذا مواقف محرجة يدعو متفرجيه إلى مشاهدة المصادر، فهو مجرد «شركة مساهمة مغفلة».

        المثقف، شاعر القبيلة؟

        يشكل «المثقف الإعلامي» الحلم الأبرز لأغلب عُمّال ماكينات الصناعة الثقافية وصُنّاع المحتوى، فالوصول إلى هذه الرتبة يسمح بالتحول إلى ضيف مزمن على شاشات التلفزة وإلى وجه معروف بل وإلى التسلل إلى عوالم النجومية. المفارقة أن المثقف الإعلامي يفتقد لأدنى درجات الفردانية ويبدوا شديد الخضوع لآليات الصناعة الثقافية، فالمحطات التلفزيونية هي التي تصنعه وتعلن ولادته، وهي من تدفنه وتنعيه، ولا يمكنه إلا لعبُ الدور المناط به، ليتحول إلى «ممثل نموذجي» تنتخبه القناة الإعلامية للنطق باسم الحزب أو المدينة أو الطبقة أو الفئة الاجتماعية بما يجعله أقرب إلى النظير العصري لشاعر القبيلة، وهو ما يشهد عليه الكثير من ضيوف برنامج الاتجاه المعاكس، من شريف شحادة إلى موسى العمر وماهر شرف الدين وفيصل القاسم. المثقف الإعلامي يمثل جماعته وكثيراً ما يحاول أن يكون لسان حالها، لتفقده صفته التمثيلية الفردانية والاستقلالية التي تتطلبها مقولة المثقف، وليفقد قدرته على التحكّم بتوقيت وإيقاع ظهوره في الفضاء العام.

        في العالم العربي عموماً، هشاشةُ المؤسسات الجامعية التي تتولى عادةً مسؤولية إنتاج النخب وتأهيلها، وتواضعُ المؤسسات الثقافية والإعلامية الوسيطة واتكال الصناعة الثقافية على منظومات إعلامية خليجية حكومية وشبه حكومية تمنح هذه المؤسسات قدرة هائلة على صياغة المشهد الإعلامي والثقافي لتتحول إلى المصانع الأساسية لنخب العالم العربي وثقافته ومثقفيه.

        * * * * *

        يمكن النظر للمثقف الإعلامي بوصفه إحدى التجلّيات الكاريكاتورية لمقولة «المثقف العضوي»، التي اقترحها أنطونيو غرامشي. وفقَ المنظّر الإيطالي، يلتحم هذا المثقف بطبقته ويسعى للتحول إلى لسانها، ومساعدتها على امتلاك وعيها بذاتها لتكون طبقةً لذاتها ولتتمكن من تحقيق الهيمنة لمقولاتها وقيمها وتطلعاتها. 

        كالمثقف الإعلامي، لا يوجد الكثير مما يغري في مقولة المثقف العضوي اليوم، فهذا المثقف الذي يتنازل عن فردانيته لصالح انتمائه الطبقي/الجمعي لا يبدو هو أيضاً شديد الاختلاف عن شاعر القبيلة. ولكن هذه المقولة تُبرِز مدى ارتباط المثقف بالسياسة، فمهما اشتغل على فردانيته، لا يستطيع المثقف أن يتفلّتَ نهائياً من محدداته الاجتماعية والهابيتوس الذي يتمثله، وهو ما يجعل محاولاته للترفع والتسامي فوق الصراعات الاجتماعية أو تجاوزها مسألةً إشكاليةً وشديدة التعقيد، ومثيرةً للشبهات. سنوات الثورة السورية الأولى خير دليل على ذلك، وهو ما تشهد عليه تلك الأهمية التي اكتسبتها مواقف كبار المثقفين السوريين من صادق العظم إلى أدونيس.

        اليوم، ومع احتدام الصراعات السياسية والاجتماعية وتَصلُّب الجماعات الأهلية والانتماءات الطائفية، يزداد الطلب على هذا المثقف، ليكون المثقف وفياً لانتماءاته الاجتماعية وقادراً على المصالحة بين تناقضاتها أو لا يكون، ولنشهدَ تناسل عدد غفير من المثقفين العضويين أو «مثقفي المكونات»، والذين لا تتوقف حدة الصراع عن زيادة عددهم في الوقت نفسه الذي تسلبهم فيه الكثير من قدرهم وتأثيرهم.

        من ناحية، يعتقد الكثير ممن باتوا يختزلون أنفسهم بانتمائهم إلى أهل السنة والجماعة بأننا نعيش اليوم مخاض إعادة تأسيس الدولة وسوريا الجديدة بعد خمسة عقود من سوريا الأسد وبأن التعبيرات العسكرية والسياسية للأرياف السنية، التي دفعت ضريبة مقاومة البربرية والتي تمكنت بفضل ثباتها في حرب الاستنزاف الطويلة من تحرير سوريا هي من يجب أن يقوم بإعادة التأسيس، وبأن مطلب مشاركة السلطة مطلب غير منصف وملغوم، لا يتبناه إلا خبثاء يريدون سحب البساط من تحت أقدام السلطة الحالية للاستيلاء تدريجياً على السلطة وإعادة إنتاج ما لن يختلف كثيراً عن النظام القديم، أو سذّج يعتقدون بأن تأسيس الدول يمكن أن يقوم على التعاقدية والتشاركية والشفافية والعمل الجماعي والنوايا الحسنة، لا المكر والدهاء والميكافيلية والسينيكية التي تتطلبها لحظة تقسيم كعكة الدولة والسلطة والثروة. يحاول «المثقف السنّي» الدفاع عن هذا الطرح، وعن هذه السلطة وعن هزالتها ورثاثتها، ويعتبر أنه يدافع عن جنين الثورة السياسي الذي لم ينل من الوقت والاسترخاء ما يسمح له بإجادة الكلام والتصرف وما يسمح للمجتمع السوري بالتعرف على حقيقته، وهو ما يورطّهم بالدفاع عن حق هذه السلطة في التعلم والتجريب، بالمجتمع، للتحول من عوالم الميليشيا والحرب إلى عوالم السياسة والدولة، على اعتبار بأن فشل هذه السلطة لن يعني إلا إعادة إنتاج النظام القديم.

        مثقفو المكونات الأخرى، يعتقدون بدورهم بأن سوريا الجديدة التي تَعِدُ بها هذه السلطة الرثة لن تختلف كثيراً عن سوريا الأسد وأنهم وأبناء مجتمعاتهم سيقبعون في أسفل هرمها الاجتماعي، ليشهدوا فوق التهميش الاجتماعي والاقتصادي الذي عانت منه أرياف الشمال السني في سوريا الأسد تضييقاً وحصاراً على أنماط عيشهم وحرّياتهم الفردية. أداء السلطة الداخلي الذي لا يتوقف عن استلهام لغة الحرب الأهلية، على النحو الذي تشهد عليه المجازر وحملات العقاب الجماعي في الساحل والسويداء، والذي لا يقدم أي رؤى متماسكة وملموسة لمشروع الدولة، تجعل عهود هذه السلطة صعبة التصديق. يدفع ذلك مثقفي المكونات، المالكة لبعض عناصر القوة والقادرة على رفض السلطة ودعم خيار المجابهة، إلى الالتحام بجماعاتهم والتحول إلى أذرع لزعاماتها.

        ولأنه من السخيف ألا تردّ كيهودي على من يهاجمك ليهوديتك، على حد تعبير حنة آرنت، يمتلك هذا الخيار الكثير من المشروعية وهو ما يبدو جلياً في حال بعض مثقفي السويداء اليوم. بالمقابل، لا يمكن أن مقاربة مواقف مثقفين آخرين، من المجتمع ذاته، من نفس الزاوية، على اعتبار أنهم ارتضوا لأنفسهم التحول إلى أذرع لزعامات جماعاتهم في استراتيجية هجومية هدفها مجابهة السلطة وهم يعرفون أن عناصر قوة استراتيجيتهم لا تستند إلا على ميول واستثمارات كولونيالية، كالاستقواء باسرائيل وتحالف الأقليات وحمايتها.

        لحظةُ السويداء واصطفافاتها تصل بسؤال «المثقف العضوي» إلى ذُراه، وتدفعنا إلى التساؤل، وبحيرة كبيرة، إن كان يوجد اليوم من معنى لأي خيار يختلف عن خيار التحول إلى مثقف عضوي، سوى خيار الدفاع عن حق الالتحام بالجماعة في لحظات المقاومة والنجاة، وفضح من ارتضوا هكذا التحام في باقي اللحظات، والتمسّك بآفاق أوسع للانتماء، وبالفردانية في هكذا لحظات قطيعية، ومحاولة المساهمة في خلق هوامش للفاعلية والإخاء.

        المثقف، بين الامتثال لعوالمه وتجاوزها

        لا يعمل أغلب المثقفين في الصناعة الثقافية فيكسبون رزقهم من مواردها فحسب، وإنما ينتمي أغلبهم أيضاً إلى عوالم الطبقات الوسطى وهو ما يبدو مُتوقَّعاً بحكم أشغالهم، فالعمل في هكذا مجالات يتطلب تأهيلاً جامعياً وبيئةً عائليةً ميالة للانفتاح والتسامح ووضعاً معيشياً معقولاً يسمح للعائلة بدفع أبنائها إلى عوالم مهنية مفتوحة على احتمال البطالة.

        المنبت الطبقي لأبناء هذه الفئة الفردانية والمعولمة، شديدة الإعجاب بذاتها والمُتمحورة حولها، يجعلهم ميالين إلى اختزال الواقع، بألف التعريف ولامها، في واقعهم الاجتماعي المحدود. يبدو ذلك جلياً من خلال الدراما السورية على سبيل المثال، فسوريا التي نُشاهدها اليوم، بتعقيداتها وصراعاتها، لا تختلف عن سوريا التي رسمتها مسلسلات الدراما الاجتماعية التي سادت في العقد الأول من القرن بسبب ما خلّفته صراعات العقد الماضي فقط، بل أيضاً لأن صُنّاع أغلبية هذه المسلسلات المنحدرين من الطبقات الوسطى قد استقوها من عوالمهم الاجتماعية الهادئة والمنضبطة رغم أن هذه البيئات لا تمثل إلا جُزُراً حضرية صغيرة في مجتمعات شديد التعقيد والتنوع.

        وبذلك، عندما نتحدث عن المثقفين فإننا غالباً ما نتحدث عن أفراد ينتمون إلى عوالم الطبقات الوسطى ويكسبون قُوتهم من عملهم في مجال الصناعة الثقافية، وهو ما يضعنا قبالة شريحة ميّالة إلى التماهي مع وسطها الاجتماعي والامتثال لإملاءاته، وهو ما قد يفسر الجبن والامتثالية التي طبعت عموم وجوه الدراما السورية قبالة جرائم نظام الأسد، أو ميل الكثير من مثقفي المجتمعات العلوية إلى التماهي مع سلطة النظام السابق وميل الكثير من مثقفي المجتمعات السنية اليوم إلى التماهي مع السلطة الحالية، وهمٌ يعاودُ دعوتَنا إلى التعامل مع كلمة المثقف بالخفة التي يطلق فيها أبناء هذه الشريحة الاجتماعية مواقفهم وآرائهم.

        * * * * *

        «المثقف الخبير» يجسد مدخلاً مناسباً ونموذجاً معقولاً لفهم تأثير هذا المنبت الطبقي، فالشهادات العليا التي يكتسبها هؤلاء المثقفون في جامعات غربية مرموقة تفرض على مؤسسات الصناعة الثقافية احتراماً في التعامل معهم أكبر ممّا تكّنه للمثقف الإعلامي. شهاداتهم وعملهم في الجامعات والمؤسسات الغربية والباسبور الذي قد يمتلكونه يمنحهم الكثير من المعارف التخصصية التي لا يمكن لمجتماتعهم التقدم دونها، كما تمنحهم شكلاً من الحصانة وبعض الاحترام والسمعة لتشكل بمجموعها رأسمالاً رمزياً يُمكِّنهم من الحضور والتأثير في الفضاء العام. بالمقابل، غالباً ما تقتصر فاعليتهم على الاستعراض المحايد لمختلف الخيارات الممكنة في الواقع المعطى ليتركوا للمسؤولين الخيار ويلقوا على عاتقهم كافة التبعات الأخلاقية والسياسية. بالمقابل، تعقيداتُ الواقع الذي يتطلب خبرتهم والطابعُ السياسي لهذه التعقيدات أمورٌ تضفي على الخيارات بعداً سياسياً وازناً، وتتعارض مع ما اعتاد عليه هؤلاء في عالمهم البرجوازي ورغبتهم براحة البال وحرية الحركة فوق مختلف التضاريس، ما يجعلهم ميالين إلى التنصل من الدور الأخلاقي الذي سيفرض نفسه إن أرادوا الذهاب بخبرتهم إلى نهاياتها المنطقية.

        بالمحصلة، وكما في حالة المثقف الإعلامي، نضيف صفة خبير أو إعلامي للتأكيد على أننا قبالة صفة تنال من موصوفها، وبأن هكذا مثقفين غالباً ما يضطرون على التنازل عن الكثير من الطاقة التحرُّرية الكامنة في مقولة المثقف، فلا يمكن أن يكون للمثقف الخبير جدوى حقيقية ما لم يكتسب خبرته ويصقلها في جامعات بلاده وواقعها وعبر جذرية حضوره في فضائها العام ومجتمعها السياسي، وهو وحده ما يمكن أن يجعله يتخلص من قالب المثقف الخبير ليغدو مثقفاً وخبيراً. المثقف والخبير الاقتصادي عارف دليلة خيرُ دليل على ذلك، والسجن الذي تعرّضَ له وقلة اكتراث المنظومة الإعلامية الرسمية بخبرته تعطي الكثير من المؤشرات عن الجدّية التي يجب نقابل بها الكلام المقولب الذي ينتجه عمال الصناعة الثقافية من مثقفين خبراء ومثقفين إعلاميين، ما لم يقدموا الكثير من المؤشرات عن وعيهم بالحدود التي تقتضيها مواقعهم وعن قدرتهم على مناورتها والتمرد عليها إن لزم الأمر.

        * * * * *

        لا يُبنى الرأسمال الرمزي على المعرفة التخصصية والأكاديمية وحسب، فقد يرتكز على معارف نقدية أو موسوعية أو على الإبداع والصنعة الفنية، ويمكن له، بل ويُتوقَّع منه، أن يمتلك شحنةً سياسيةً أعلى بكثير مما يقدمه أغلب المثقفين الخبراء. كما ينتظر المجتمع من المثقفين أدواراً أساسية فيما يتعلق بصيانة المعنى وتجديده. هم من يجدر بهم أن يكونوا أصحاب رؤى ومشاريع فلاسفة، وهم من يعشق المعنى والكلمات ويسكن في اللوغوس والمفهوم فلا يبتذلون الكلام، ويحفظون لكل مفردةٍ كرامتها، ولا يقبلون إلا تفكيراً جاداً ومتسقاً، ضد الذات وأهوائها والجماعة وإملاءاتها.

        يظهر ذلك في الكثير من السجالات التي تجمعهم حول مواضيع ومقولات بعيدة عن اليومي، لدرجةٍ تبدو فيها مثل هذه السجالات وكأنها إضاعةٌ للوقت واستنزافٌ للطاقة، وهو ما تشهد عليه على سبيل المثال تلك السجالات على موعد انطلاق الثورة السورية بين 15 و18 آذار. يلعب «المثقف النقدي» هذه الأدوار، مُستلهِماً التراث النقدي الحديث من كانط إلى مدرسة فرانكفورت وما تلاها ليكون استمراريةً وطنيةً لهذه التقاليد، ولينتمي  إلى اليسار قيمياً وفكرياً، رغم احتمال خلافه مع اليسار السياسي الرسمي.

        اليوم، ومع استفحال الصراع السياسي في سوريا، قد يلوم البعض المثقف النقدي على قلة كلماته ومواقفه، ويحولونها إلى مدخل لإدانة قلة جذرية موقفه من السلطة، ليجد نفسه في امتحان جديد لقدرته على الجمع بين الموقف الأخلاقي والمقاربة الرصينة لواقع سائل ومعقد، بعيداً عن الدوغمائيات الساذجة والمقاربات المعلّبة، أملاً بالوصول إلى كلام ذي معنى وإلى موقف أخلاقي مستنير بمعرفة عميقة، إن استعرنا منظور الفيلسوف الأمريكي ستانلي كافيل.

        إرادات حرة مستنيرة، في عوالم مُتخَيّلة!

        تنطوي سيرة إيميل زولا وموقفه في قضية دريفوس على الكثير من التفاصيل التي تمنحها ثقلها الرمزي. واحدة من هذه التفاصيل هي بكل تأكيد أن موقف إيميل زولا الأخلاقي لم يكن مجرد موقف معلق في الهواء، فقد صدر عن ذلك الكاتب الذي كانت أعماله الروائية في طليعة المذهب الطبيعي، والذي يحاول تسجيل واقع فقراء الفرنسيين ونقله بأدق تفاصيله، والذي كانت روايته جيرمينال واحدة من أشهر الروايات التي تسجل الصراعات الطبقية التي تسود عصره وعذابات العمال الفرنسيين. وبذلك، الموقفُ الأخلاقي من قضية دريفوس، والذي يعاكس فيه «العامةَ» الراغبةَ بتحقق الكليشيه الذي يربط اليهودي بالخيانة، صدر عن ذلك المثقف الذي أمضى الكثير من سنوات عمره وهو يحاول التماهي مع هذه «العامة» والإحساس بعذاباتها، ليكون قد أثبت عمق إحساسه بالآخر وانتمائه وعمق تغلغل قيم الأخوة والتضامن في كلماته قبل المضي في تمرده وثباته على موقفه الرافض لإملاءات الجماعة. من ناحيةٍ ثانية، تؤكد مقولة التنوير، بنسختها الكانطية، على أنه إن كان التنوير يعني الخروج من القصور والوصاية إلا إنه لا يمكن أن يكون فردياً، بل إنه جهدٌ جماعي بما يفتح على مقولات الانتماء والتضامن والأخوة.

        اليوم، وبعد هزائم العقود الماضية وإرهابها، وبعد انهيار النظام السوري ووصول ميليشيا هيئة تحرير الشام إلى سدة السلطة في سوريا وفصول الترهيب التي تقوم بها للتأسيس لسوريا لا تبدو شديدة الاختلاف عن سوريا الأسد في مركزيتها وعصبويتها، تتصلب الجماعات الأهلية بمختلف ألوانها، لتلعبَ الثقافة أدواراً تتجاوز ما اعتادت عليه، ويصبح التحليل بالماهيات والجوهر شديد الإغراء، كما تصبح الحاجة إلى الاستنارة شديدة الإلحاح في الوقت نفسه الذي تزداد فيه صعوبتها على اعتبار أنها باتت بحاجة إلى أشكال مختلفة عن التنوير التقليدي، الذي توفره المدارس ووسائل التواصل والإعلام دون الحاجة لوسيط يشبه ما كانه فلاسفة الأنوار الموسوعيين في مطلع القرن الثامن عشر أو مفكرو دائرة المعارف في حقبة النهضة العربية.

        صعوبة التنوير في مجتمعات تعيش في ظل سيولة المعلومات والاتصالات والصناعة الثقافية والتنوير المعلّب تجعل «المثقف التنويري» يرتكز في فعاليته الثقافية على الموقف الأخلاقي والمقاربات المعيارية دون ربطها بأسس نظرية وازنة، ليتحول التنوير إلى إيديولوجيا هزيلة تقتصر فعاليتها على تسجيل المواقف والرفض والإدانة، لتبدو هذه الأخلاق المفرطة في كثير من الأحيان إحدى تجليات هزائم العقود الماضية وعطبها لا ترياقها، وتنويراً بلا انتماء أو «أنا اعترض» بلا «جيرمينال»، واستعراضاً أخلاقياً لا يتوقف عن توبيخ الثقافات والناس وتسطيحهم على كنبات التحليل النفسي، واختزالهم في ماهيات وجواهر، يؤسس أصحابها لشرعيتهم على رفض متعجرف للواقع وتعقيداته.

        اليوم، تساهم السوشال ميديا ومُعضلات الاجتماع في سوريا اليوم في خفض العتبة اللازمة لاحتراف التنوير، لنشهد ولادة «صانع محتوى تنويري» يقوم بتقديم خمسة تأملات جينيالوجية وأركيولوجية ومحاولات تفكيكية لهويات السوريين وكياناتهم وذهنياتهم وثقافاتهم في الشهر، عبر مقالات لا تتجاوز الألف كلمة، أو «صانع محتوى أخلاقي» لا يتوقف عن الإدانة والاستنكار والرفض والشجب والتنديد.

        * * * * *

        إن كان المثقف التنويري يميل إلى التفكير بالماهيات والجواهر الثابتة التي لا تتغير، ليقوم بتفسير الكثير من تعقيدات الواقع بمقولات تعطي للثقافة أكثر من حجمها، كاختصار التخلف بالتدين، فإنه هذه الثقافوية لا تقتصر على هذه الشريحة من المثقفين، وتتجلى بشكل آخر لدى «المثقف المثالي/ الليبرالي»، والذي يظن بأن المجتمع ينتظر من المثقف قيادته، وأن يقول كلمته لكي يلتحق بها، وأن المشكلة أن المثقفين يخونون دورهم فلا يتّحِدونَ على كلمة الحق، وهو ما يتحول إلى أحد أسباب الاستعصاء. في سوريا مثلاً، يعتقد بعض المثقفين بأن «استنكاف غالبية المنشغلين بالشأن العام عن فعل الدور المؤثر لفرض اتجاه تَشارُكي في الحكم» هو أحد الأسباب الأساسية لقيام سلطات هيئة تحرير الشام بإعادة إنتاج «سوريا الشرع»، والتي لا يبدو بأنها ستختلف كثيراً في بنيتها عن «سوريا الأسد». 

        وإن كان المثقف التنويري يعطي للثقافة قدرات سحرية فيما يتعلق بفهم الواقع وتحليله، فإن «المثقف المثالي/ الليبرالي»، والوافد للمفارقة من خلفيات نضالية ماركسية، يعطي بدوره للثقافة والمثقفين قدرات سحرية فيما يتعلق بالتأثير على الواقع وتغييره، ويبدو قليل النباهة أمام البُعد الطبقي لمقولة المثقفين وعوالمهم، وأنهم في نهاية المطاف شريحة اجتماعية تأكل عيشها من ممارسة مهن الصناعة الثقافية، وأن المواقف الأخلاقية التي تصدر عن أغلب أبنائها لا يمكن أن يُعوَّل على صدقها وإخلاصها وجديتها، وأنها مجرد أداة يقوم فيها «البرجوازي الصغير» بقضاء بعض حاجاته لتقدير الذات وحب الظهور، وبأن المثقف الذي يلتزم بتفعيل الطاقة التحررية التي تنطوي عليها هذه المقولة شديدُ الندرة، وبأن ذلك لا يقتصر على سوريا أو الثقافة العربية، بل وعلى مجتمعات شديدة الحيوية والتقدم كالمجتمعات الغربية، والتي أظهر عموم مثقفيها مواقفَ شديدة الامتثالية عندما تعلق الأمر بإبادة غزة على سبيل المثال.

        من ناحية ثانية، يتبنى هكذا مثقفون في مقاربتهم منظوراً ليبرالياً يفترق كلياً عن واقع «دونَ ليبرالي»، فيطنون بأن مواقف المثقفين وآرائهم والتي تساهم بتوعية وتعبئة «الإرادات الحرّة» في «المجال العام» ستنتهي في نهاية المطاف إلى تشكّل «رأي عام»، تعكسه «وسائل الإعلام الوطنية» لتستشعر السلطة خطر التوتر السياسي الذي قد ينتهي إليه المشهد وتُسارِعَ إلى استدراكه، أو تقوم «المؤسسات الوسيطة»، من «نقابات» و«أحزاب سياسية» و«جمعيات ومنظمات» بترجمة هذا الرأي العام إلى سياسات مباشرة تعبر عنها البيانات والاعتصامات والإضرابات والتظاهرات.

        كل المقولات الموجودة بين إشارتي تنصيص في المقطع السابق، والتي تبدو أقرب إلى بداهات المثقف المثالي، تعبّر عن تقاليد ومكتسبات سياسية واجتماعية كبرى لم تتمكن مجتمعاتنا من إرسائها أو تكريسها، بل وتبدو أقرب لمقولات وعناوين لأجندة وطنية كبرى يجب على المثقف أن يساعد في تحقيقها، وهو ما تشهد عليه يومياتنا منذ أشهر، فاليوم، وعندما يقوم بعض المثقفين بالتنوير والحشد والتعبئة يتشكل ما يمكن أن نسميه بالرأي العام، ولكن هذا الرأي غالباً ما يكون شديد الهشاشة وغير قادر على فرض نفسه بسبب غياب الثقة في أصحاب هذا الرأي وفي المؤسسات الإعلامية الوطنية ذات المصداقية وجنينيتها، لتبقى آراؤنا في حيّز الإشاعة و«الهبد»، ويعجز الرأي العام عن المضي إلى ما يتجاوز الترند، ونبقى بسبب ضآلة قدرتنا على ترجمته إلى سياسة قائمة على الحشد والتظاهر والتأثير المباشر في الحياة اليومية تحت رحمة السلطات، الرثة والهزيلة، فإما أن تحاول الاستجابة والاستيعاب، كما كان يحدث في الأيام الأولى، أو تتجاهله أو ترد عليه بوعود بتحقيقات ولجان كما يحدث اليوم. بالمحصلة، لا يمتلك المثقف الكثير من الأثر في سياقات ليبرالية هادئة، ويفقد الكثير من أثره المتواضع أصلاً في ظل منظومة أو إيكوسيستم عاطل كما هي أحوالنا اليوم، ليتحول، إن ارتضى أن يكون أسير هذه المقاربة، إلى مجرد رافد آخر لمناخات الشحن والاستقطاب والمظلومية التي نعجز عن الخروج منها.

        بين ماكروية الرؤية وميكروية الفعل؟

        لا يمكن التفكير جدياً في مقولة المثقف دون استدعاء مثال جان بول سارتر، فإن كان المثقف الإعلامي يدفع بمقولة المثقف نحو بُعدها الصناعي ليحوله إلى صانع محتوى، وإن كان المثقف التنويري يدفع بهذه المقولة إلى بعدها الأخلاقي، والمثقف الخبير نحو بعدها المعرفي، والمثقف العضوي يسجنها في عوالم السياسة والانتماء، والمثقف المثالي يبقى أسير منبته البرجوازي وعالمه الذي لا تصنعه إلا الإرادات الحرّة، فإن سارتر، ورغم الكليشيهات المتداولة، تمكن في سيرته وأعماله من التحول إلى ظاهرة فريدة عبر التأسيس لحضوره فلسفياً وأدبياً وصحفياً وسياسياً، بما يجعل كل محاولة للتفكير بمقولة المثقف بعيداً عن تجربته محاولةً منقوصة.

        كان جان بول سارتر تجسيداً لمقولة «المثقف الملتزم» والتي تؤكد على مركزية موقف المثقف، وعلى مسؤوليته قبالة كل قضية ومسألة، ليكون بوصلة مجتمعه، وذلك الذي «لا يتردد عن التدخل فيما لا يعنيه»، إذا استلهمنا تعريفه للمثقف. لم تكن أخلاقيته ساذجةً أو مثالية، بل كانت صرخةً وجوديةً ترى بأن الحرية هي قدر الإنسان وبأنه لا بد له من الاستجابة لهذا القدر بكل مسؤولية للتصالح مع الوجود.

        تعددت مواقفه المبدأية والمتطلّبة أخلاقياً لتتناول الكثير من قضايا عصره ومسائله، بل وأغلبها، وقد أثار ذلك الكثير من الحماسة لذلك المثقف الرسولي، ولكن هذه المواقف أظهرت فيما بعد بأنها لم تمتلك من النباهة والاتساق ما يكفي، وبخاصة في حماسه للجريمة الماوية الكبرى المسماة بالثورة الثقافية، وبأنها لم تستطع أن تحقق ما تطالب نفسها به، وهو ما يشهد عليه قلة التزام سارتر بالمقاومة عند تعرضه بلاده للاحتلال النازي، وبأنها غالباً ما تنتهي بصاحبها إلى تناقضات ومقاربات تبسيطية للواقع، وإلى كلام نظري لا يجد ما يشهد عليه في الواقع العملي. محاولة مقاربة تناقضات هذا الفيلسوف، من مسافة بعيدة قد تقودنا إلى إدانة سهلة لمثقف يساري يشبه ما اعتدنا عليه من يساريي اليوم، ولكن معاودة فحص هذه التناقضات من مسافة أقرب، ومنخرطة أكثر في واقع تلك المرحلة وروحها وتعقيداتها يجعل هكذا أحكام أكثر صعوبة بكثير. يمكن الاستدالال على ذلك من خلال مثال تشومسكي، والذي يشبه سارتر في التزامه، والذي كثيراً ما قمنا بانتقاد موقفه من الثورة السورية، والذي يمكن لمحاولة إعادة قراءة مواقفه بعد كل هذه السنوات أن يجعل نقدنا أقل حدّيةً.

        بكل الأحوال، يسمح مثال سارتر باستكشاف عبثية مسعى المثقف للتحول إلى رسول كلي الحضور وبوصلة لمجتمعه، كما يسمح بالتأكيد على ضرورة تمسك المثقف برؤية نقدية وبمقادير عالية من التواضع أمام الواقع وتعقيداته، وبأنه لا بد للمثقف من موازنة تمسُّكه بالموقف الأخلاقي مع تطلعه إلى معرفة عميقة ومعنى أصيل لا يمكن الوصول إليهم دون المراقبة المتأنية للواقع ودينامياته.

        قد يُبقي ذلك البابَ مفتوحاً على أسئلة معقدة عن توقيت الموقف الأخلاقي وشكله، وقد لا تمتلك هكذا أسئلة أجوبةً نموذجية وأغلب الظن أن رد كل مثقف على هذه الأسئلة هو واحدة من الجوانب التي تمثل فرادته وتميّزه، لتكون قدرته على خلق نوع من الإيقاع والمعنى لتوقيت موقفه وشكله أحد أهم ما يمنحه صفة المثقف.

        * * * * *

        التيارات البنيوية وما بعد البنيوية، والتي كانت في أحد وجوهها رداً على الوجودية السارترية، والتي أرادت التأكيد على أن الإنسان محكوم بالبنية، لا الحرية، كما يدّعي سارتر، انتهت مع ميشيل فوكو إلى مقولة «المثقف التخصصي أو الميكروي».

        تنطلق هذه المقولة من مقاربة شديدة الشمول والعمق لمقولة السلطة، فلا تكتفي بمعانيها السياسية، وترى حضورها وتجلياتها في جميع تفاصيل الحياة وفي محاولات إطباقها على كل شيء بما فيه أجسادنا ومعارفنا، لتصبح محاولة مجابهتها على مختلف الجبهات، غير المرئية، السياق الأنسب لالتزام المثقف ودوره الاجتماعي وطاقاته التحررية، وهو ما يتطلب منه أن يكون تخصصياً محدداً وقادراً على التنقيب في اليومي والبديهي لتقويض السلطة ومعاييرها وملاحقة مَزاعمها والبداهات التي تُطبِقُ من خلالها على الفرد والمجتمع.

        مقولة المرض مثلاً تحمل في أعماقها أبعاداً سلطوية لا بد من مجابهتها، ولا بد للمريض من فرض حضوره في مسار تعريف المرض، وهو ما لا يقتصر عند فوكو على الأمراض النفسية أو المثلية والعبور الجنسي. تشهد على ذلك نضالات جمعيات مرضى الأيدز في فرنسا، والتي انخرط فيها الكثير من المقرّبين من الفيلسوف الفرنسي، والتي سمحت لهم بالمساهمة في إقرار السياسات الواجب اتباعها مع المصابين، ومجابهة محاولات التمييز والتهميش من قبل السلطات الطبية.

        ازدهر هذا النوع من الفاعلية ومن المثقفين في الغرب في الفترات الماضية، لتتناسل الجمعيات والنضالات الاختصاصية والميكروية في مختلف جوانب الحياة، وتُحقق الكثير من المكتسبات التحررية، ولكنها عانت من التذرُّر ليتحول المجال العام إلى أرخبيل من النضالات التي لا يجمع بينها الكثير، بل وكثيراً ما تحاول الحصول على موقع متقدم فيه من خلال النيل من النضالات الأخرى، لتظهر الممارسة العملية بأن مقولة «التقاطعية» لم تتمكن من تحويل بريقها البلاغي إلى ممارسة ملموسة قادرة على التوليف بين هذه النضالات والقطع مع حالة التذرّر والغرق في اليومي في عوالم التشريع والدولة، وإدارة ظهرها للمستقبل وعجزها عن الحلم.

        بالإضافة، لا يجد هكذا مثقف هامشاً واسعاً لفاعليته في عوالمنا، فالسلطة لدينا لم تضطر بعد إلى التخلي عن سيادتها المباشرة والخشنة في عالم بلا أي حقوق طبيعية، بما فيها حق الحياة. بكلمات أخرى، النضال من أجل مساواة لغوية، تُجندر اللغة، بما يسمح بمحاربة هيمنة المخيال الذكوري على جبهة اللغة، يبدو أقرب لجهد ضائع في عوالم لا يمكن فيها مساءلة ممارسات كالختان.

        * * * * *

        يتيح الفعل الثقافي لصاحبه الكثير من أسباب العيش الطيب، فالفعل الثقافي هو فعل تنويري قائم على الأخوّة والتضامن والإحساس بالآخر، وهو فعلٌ سياسي وأخلاقي يمكن من خلاله الانتماء للجماعة والمجتمع وإشباع حاجة الذات إلى التقدير وإلى الإحساس بدورها وفائدتها الاجتماعية، كما أنه فعلٌ مفتوحٌ على الإبداع والمعنى وما يعنيه ذلك من قدرته على منح صاحبه القدرة على تحقيق الذات وإشباع تطلعاتها إلى المجد والخلود.

        بالمقابل، لا يسمح الانتماء إلى العالم الاجتماعي والإنتاجي للمثقفين بإنتاج أفعال ثقافية تستحق اسمها، بل وكثيراً ما تتحول هذه الأطر إلى عوائق أمام أي فعل ثقافي يمتلك من الأصالة والطاقة التحررية ما يجعله يستحق اسمه، وهو ما قد يتطلب التمرد على هذه الأطر والتفكير ضدها أو عيشها بوصفها ضرورات لا بد من الوعي بطبيعتها لامتلاك بعض الحرية.  بالإضافة، المنبت البرجوازي للمثقفين وماكينات الصناعة الثقافية تلدُ جيشاً من المثقفين الوظيفيين، ممن تملأ الرثاثة التي ينتجونها الفضاء العام لتبتذلَ المقولةَ وتدفعَ نحو فك ارتباطها بالفعل الثقافي التحرري، ليبدوا هكذا فعل مقتصراً على مواطنين جذريين، أو أرواح قلقة لا تتوقف عن العمل على معارفها وضميرها بحثاً عن رؤية أكثر عمقاً وشمولاً وماكروية، ولا تتوقف عن البحث عن أثر اجتماعي قائم على الفرادة والأصالة من جهة، وعلى التضامن والأُخوّة والإحساس بالآخر من جهةٍ أخرى، وفي فضاءات ميكروية تضمن لها استقلاليتها وفرادتها وتُمكِّنها من تحويل الديمقراطية إلى طريقة عيش وموقف من الحياة.

موقع الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى