إشتباكات السويداءسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

في مأزق النخبة السورية.. التفاجؤ طريقة للتخلي/ رائد وحش

14 أغسطس 2025

في لحظات الانهيار الوطني، لا يملك المثقفون ترف الانسحاب. فالكتابة، وتسجيل الملاحظة المباشرة، ومساءلة البُنى الاجتماعية والسياسية.. هي أدوات البقاء الثقافي والسياسي. بعد الحروب الأهلية، حين تتفكك الأطر القديمة، يصبح طرح الأسئلة الصحيحة شرطًا لبدء أي بناء جديد. وهنا يكون التخلي إفراغًا للواقع من قواه الفاعلة، وتركه رهينة لخطابات القوة والعنف وحدها، وليس حيادًا فقط.

سمعنا أصواتًا، بين مثقفي ومثقفات سوريا، تُعبّر عن دهشة كبرى، بعد أكثر من عقد من الثورة والحرب والمجازر، من “اكتشافها” المجتمع السوري.

سؤال مثل “هل كنا نعيش مع هؤلاء الناس؟”، يعكس مشكلة قصور العقل الذي يطرحه، قبل أن يطرح وجود تيارات إسلامية متشددة، أو عنف طائفي، أو تحولات اجتماعية غير متوقعة.

ماذا يعني أن يُفاجَأ المثقفون بشعبهم؟ ومتى تتحوّل الدهشة من علامة صدمة إلى دليل على الانفصال العميق عن المجتمع؟

نشأت أغلب النخبة الثقافية السورية في بيئات علمانية أو منفتحة، لكنها لم تُنتج معرفة حقيقية بالطبقات الشعبية، ولا حتى بالنخب التي تنتمي إليها، وكل ما أنتجته هو خطاب منمق لا علاقة له بالواقع المتعدّد والطبقي والطائفي. وفي اللحظة التي رحل فيها نظام الأسد، لم تكن هذه النخبة مهيّأة لرؤية ما تحته، فجاءت الأسئلة الساذجة من قبيل: “هل كانوا هناك طوال الوقت؟”، الذي يعني فعليًا: “لم أكن أراهم، أو لم أكن أريد أن أراهم”.

وبهذا لا يمكن للتعبير عن الصدمة الثقافية أو الاجتماعية أن يكون موقفًا سياسيًا، بمقدار ما هو تعبير عن محدودية صلة المصدومين والمصدومات بواقعهم.

نعيش في لحظة فريدة هي لحظة مواجهة “الآخر”، من لم يدخل يومًا صالة المسرح، ولا قرأ رواية، ولا عاش في أحياء النخبة. ولهذا لا تكفي المقاربة من بوابة الفن، ولا من ذلك المنظور السطحي الطبقي الذي يرى في التديّن ردّ فعل على الفقر. ما نحتاجه الآن هو مقاربة بنيوية ترى التديّن منظومة ترتبط بتراكمات تاريخية وبُنى الدولة والهوية، ولا تختزلها ظروفها الاقتصادية فقط.

جزء كبير من النخبة السورية، خاصةً في المنافي، يرى الشعب أقرب إلى قوة عشوائية لا يمكن الوثوق بها. وهذه الرؤية تكرّس خطابًا متعاليًا: المثقف من جهة، والجمهور “الخطير” من جهة أخرى.

تقتل هذه الثنائية إمكانية التضامن الوطني، وترسّخ الانقسام بين “سوريا المفيدة” والهوامش الإنسانية والاجتماعية المجهولة.

لم تأت هذه الفجوة من فراغ، والحقيقة أن نظام الأسدين الذي صاغ الحياة السورية ضمن طبقات شبه مغلقة: بيروقراطية الدولة، مؤسسات الثقافة الرسمية، والرقابة السياسية الأمنية.. كلها أسهمت في عزل النخبة في “دوائر متحكّم فيها” حيث النقاشات مؤطرة ومُفلترة.

غذّى هذا الانفصال البنيوي أوهامًا كثيرةً عن مجتمع متجانس في علمانيته وحداثته، لكن هذا الوهم تحطم بعنف عندما انهارت الرقابة الصلبة منذ 2011.

لا تمر إعادة بناء علاقة النخبة بالمجتمع عبر نزول ظرفي إلى “الأحياء الشعبية”، أو كتابة نصوص شفقة، أو بالتخلي، بل تحتاج مشروعًا ثقافيًا يدمج البحث الميداني بقراءة التاريخ الاجتماعي مع تفكيك البُنى التي رسّخت الانقسام الطبقي والطائفي.

لا يستطيع المثقف الذي لا يغامر بالخروج من حيزه ادعاء تمثيل، أو حتى فهم، شعبه. والمشكلة أن النخبة لم تكن تريد أن ترى وليس بأنها فوجئت. وفي لحظة الانكشاف، تحوّل جزء كبير منها إلى المراقبة بدلًا من الفعالية الواعية.

من لا يعرف ناسه لا يستطيع أن يبني معهم وطنًا، ومن يرى فيهم مادة للدهشة أو الخوف، سيعيد إنتاج كل أشكال الوصاية التي ثاروا عليها.

الترا سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى