الاتفاق بين الحكومة السورية و"قسد"سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

مياه ملوثة على موائد الحسكة.. أزمة صحية تتفاقم على ضفاف الخابور وجغجغ/ محمد جفال

19 أغسطس 2025

في أحياء مدينة الحسكة، حيث يمتزج غبار الصيف برائحة الأسواق المزدحمة، تقف نورا محمد، امرأة في الخمسينيات من عمرها، تحمل سلة مليئة بالخضروات اللامعة، داخلها البندورة الحمراء والخيار الأخضر الطازجة، لكن خلف هذا المظهر الجذاب تكمن قصة مأساوية تهدد صحة الآلاف في محافظة الحسكة شمال شرق سوريا.

تقول نورا، بصوت يعكس الإرهاق واليأس، لموقع “الترا سوريا”: “في كل صيف، يصاب أحد أطفالي بمرض معوي”، وتضيف “المياه الملوثة تتسرب إلى كل شيء، من شربنا إلى طعامنا. هذه الخضروات التي نأكلها نيئة هي مصدر الإسهال والأمراض التي تنهكنا”.

نورا ليست الحالة الوحيدة في قرى وبلدات الحسكة، حيثُ يعيش السكان تحت وطأة أزمة صحية وبيئية متفاقمة. فقد أصبحت مياه الصرف الصحي غير المعالجة مصدرًا رئيسيًا لري المحاصيل الزراعية على ضفاف نهري الخابور وجغجغ، وقد تحولت هذه الممارسة، التي فرضتها ظروف الجفاف ونقص الموارد، إلى كارثة تهدد حياة الأجيال الحالية والقادمة.

نهرا الخصوبة يتحولان إلى قنوات للصرف الصحي

كان نهر الخابور، الذي ينبع من تركيا ويمر عبر مناطق رأس العين والحسكة والشدادي قبل أن يصب في نهر الفرات، رمزًا للخصوبة في هذه المنطقة. وكان رافده الرئيسي نهر جغجغ يغذي حقولًا ومشاتل أنتجت أجود أنواع الخضروات، لكن منذ مطلع الألفية تغيرت الصورة بشكل جذري.

انقطاع تدفق المياه النظيفة، بالإضافة إلى تصريف مياه الصرف الصحي غير المعالجة في النهرين، ما حول مجراهما إلى مستنقعات ملوثة تنبعث منها الروائح الكريهة وتتكاثر فيها الحشرات.

وفي الأعوام الأخيرة، وصلت الأزمة إلى ذروتها مع توقف جريان الخابور تمامًا في بعض المناطق، مما أدى إلى تشكل برك ملوثة. هذا الوضع دفع المزارعين إلى استخدام مياه الصرف لري محاصيلهم، ليس فقط بسبب نقص المياه النظيفة، بل أيضًا بسبب ارتفاع تكاليف الوقود والكهرباء.

وأشار تقرير صادر عن منظمة الأغذية والزراعة “الفاو” عام 2024 إلى أن آلاف الدونمات تُزرع الآن باستخدام هذه المياه الملوثة، حيث يستخدم المزارعون مضخات لسحب المياه مباشرة من النهرين.

يقول المزارع الأربعيني، أحمد حسين، لـ”الترا سوريا”: “لا خيار لدينا”، ويضيف موضحًا: “المياه النظيفة شحيحة، والوقود باهظ الثمن. إذا لم نستخدم مياه النهر، سنخسر محاصيلنا ومعيشتنا”، رغم أن هذا القرار، الذي يبدو اضطراريًا، يأتي بتكلفة باهظة على الصحة العامة.

أزمة صحية تتجاوز الحدود

الآثار الصحية لري المحاصيل بمياه الصرف الصحي مرعبة، ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، يرتبط استخدام مياه الصرف غير المعالج في الزراعة بحوالي 432 ألف حالة وفاة سنويًا في مختلف أنحاء العالم، نتيجة أمراض مثل الإسهال، الكوليرا، التيفوئيد، والتهاب الكبد الوبائي.

في الحسكة، تظهر الأرقام المحلية واقعًا قاتمًا. في العام الماضي، سجلت المستشفيات المحلية 780 إصابة بالإسهال بين الأطفال، بالإضافة إلى 270 حالة بين البالغين خلال 50 يومًا فقط، معظمها مرتبط بتناول خضروات مروية بمياه ملوثة.

يوضح الدكتور، محمود الخالد، في حديثه لـ”الترا سوريا” أن “الخضروات التي نأكلها نيئة، مثل البندورة والخيار، تحمل البكتيريا في أنسجتها”، مشيرًا إلى أنه “حتى غسلها لا يكفي لإزالة الملوثات، لأن السموم مثل النترات تتراكم داخل النباتات، مما يغير طعمها ويسبب أمراضًا خطيرة”، مضيفًا أن هذه السموم قد تؤدي إلى مضاعفات طويلة الأمد، بما في ذلك الفشل الكلوي وحتى السرطان.

ويصف عبد القادر عبد القادر، وهو من سكان ريف الحسكة الشمالي، الوضع الراهن لـ”الترا سوريا” بأنه “كارثة صحية مباشرة”، مضيفًا “هذه المياه ليست مجرد سبب للإسهال، بل تؤدي إلى أمراض خطيرة مثل السرطان وبكتيريا الدم”، وتابع حديثه: “النساء الحوامل في قريتنا يعانين من مضاعفات، والأطفال يمرضون باستمرار”.

وقد حاول عبد القادر مع جيرانه منع الزراعة بمياه الصرف، لكنهم واجهوا مقاومة من المزارعين الذين يرون في هذه الممارسة وسيلة لتقليل التكاليف وزيادة الأرباح.

في قرية مجاورة، تروي سميرة علي، أم لثلاثة أطفال، لـ”الترا سوريا” معاناتها قائلة: “ابني الصغير، البالغ من العمر خمس سنوات، أصيب بالإسهال ثلاث مرات هذا الصيف. في كل مرة، نضطر لدفع مبالغ طائلة للعلاج في المستشفى”، وتابعت “لا نعرف من أين تأتي هذه الأمراض حتى أخبرنا الطبيب أن الخضروات التي نشتريها من السوق هي السبب”، مضيفة بحسرة: “نحاول غسلها جيدًا، لكن هذا لا يكفي”.

جذور الأزمة وتحديات الحل

كشفت دراسة أجرتها منظمة “Justice For Life” في عام 2024 أن معظم مياه الري في الحسكة ملوثة بسبب تسرب الصرف الصحي إلى شبكات المياه، حيث زاد هذا التلوث، إلى جانب الجفاف الشديد الذي ضرب المنطقة، من تعقيد المشكلة.

وسجلت المستشفيات زيادة ملحوظة في حالات التسمم الغذائي والإسهال في صيف 2025، وسط تحذير الأطباء المحليين من ارتفاع حالات السرطان والفشل الكلوي على المدى الطويل.

تقول نورا: “نحن نعيش في خوف دائم”، مضيفة “كلما اشترينا خضروات من السوق، نشعر أننا نلعب بالنار. لكن ماذا يمكننا أن نفعل؟ لا يوجد بديل رخيص”. ويعكس هذا الشعور بالعجز واقع السكان، حيث يستمر بيع الخضروات الملوثة في الأسواق المحلية رغم التحذيرات المتكررة.

والجفاف ليس السبب الوحيد، إذ تلعب العوامل الاقتصادية دورًا كبيرًا، كما يوضح أحمد حسين، مضيفًا “نعلم أن هذه المياه خطرة، لكنها مجانية ومتوفرة ولا بديل لدينا”. ويسلط هذا الواقع الضوء على الحاجة إلى حلول شاملة تتجاوز توفير المياه النظيفة إلى دعم المزارعين اقتصاديًا.

دعوة للتدخل العاجل

إن أزمة مياه الصرف في الحسكة ليست مجرد مشكلة محلية، بل تهديد إنساني يتطلب تدخلًا عاجلًا، إذ يؤكد الخبراء أن ضمان مصادر غذائية آمنة يبدأ من توفير مياه نظيفة للري، لكن مع استمرار الجفاف وتدهور البنية التحتية، يبدو الحل بعيد المنال.

يؤكد الخالد حاجة المدينة إلى “محطات معالجة لمياه الصرف ومشاريع لإعادة تأهيل النهرين”، لافتًا إلى أنه “من دون تدخل فعلي، ستستمر هذه الكارثة في التفاقم، وستدفع الأجيال القادمة الثمن”. وأضاف عبد القادر قائلًا: “نريد أن نعيش بكرامة، أن نأكل طعامًا نظيفًا، وأن نشرب ماءً لا يقتلنا”.

في الوقت الحالي، يبقى السؤال معلقًا: هل سيعود الخابور وجغجغ إلى سابق عهدهما كمصدرين للخصوبة والحياة؟ أم أن هذه الأزمة ستستمر؟ وبينما تنتظر نورا وسميرة، إلى جانب عبد القادر، والآلاف غيرهم، تبقى الخضروات اللامعة في أسواق الحسكة رمزًا لمعاناة صامتة، وتحديًا ينتظر حلًا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى