أبحاثإشتباكات السويداءالأحداث التي جرت في الساحل السوريالإعلان الدستوري لسوريا 2025الاتفاق بين الحكومة السورية و"قسد"التدخل الاسرائيلي السافر في سورياالعدالة الانتقاليةالعلاقات السورية-الأميركيةالعلاقات السورية-الروسيةالمقاتلين الأجانب و داعش في سوريةتشكيل الحكومة السورية الجديدةتطور الإقتصاد السوريسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوععن أشتباكات صحنايا وجرمانا

أي سوريا نريد – مقالات مختارة-

الحرب الأهلية السوريّة في طورها الثاني: عن نهاية سوريا وخيارات مستقبل «الأغيار» خارجها/ موريس عايق

22-08-2025

        مع سقوط نظام الأسد واستيلاء جبهة النصرة وحلفائها على النظام انتهى الطور الأول من الحرب الأهلية السورية، وقد حدا السوريين الأملُ بأن تكون هذه نهاية الحرب وبدء المرحلة الانتقالية. غير أن الأمل لم يعمر طويلاً، فالأحداث المتعاقبة من مجازر الساحل والهجوم الدموي على السويداء وما حصل بينهما، ما تعلق بالعدالة الانتقالية والمؤتمر الوطني والإعلان الدستوري والتعبئة الجماهيرية ضد العلويين والدروز والكُرد وغيرها، أشارت جميعها إلى أن ما بدأ هو الطور الثاني من الحرب الأهلية السورية.

        تسعى المقالة إلى النظر في أهم ما يميز هذا الطور من الحرب الأهلية: صعود الفاشية السُنية وتفكك الوطنية السورية التام وما بعدها، وانطلاقاً من هاتين السمتين يُحاول المقال تقديم عدد من السيناريوهات المتوقعة والإجابة عن سؤال «ما العمل؟». غير أن الإجابة عن هذا السؤال لن تكون ممكنة دون الإجابة عن سؤال «من نحن؟». على العكس من المرحلة السابقة التي اعتدنا أن نفكر من خلال «نحن» تُحيل إلى مجموعة السوريين الوطنيين الديمقراطيين وما يمكن أن يندرج تحت هذا الإطار، يبدو أن التفكير في أسئلة «من نحن؟» و«ما العمل؟» يجب أن ينطلق الآن من تفتت هذه الهوية وزوالها.

        الفاشية السُنيّة

        ما الذي نعنيه بالفاشية والفاشية السُنيّة؟

        هناك العديد من التعاريف للفاشية المتداولة في العلوم السياسي وتاريخ الأفكار السياسي، وتتباين هذه التعاريف فيما بينها بشكل كبير أو صغير. ولكن – وفيما يعنينا هنا – سوف اعتمد تعريفاً للفاشية يقوم على تقديم مجموعة من الخصائص التي تقاطعت عليها التعاريف المتنوعة للفاشية.

        – الفاشية حركة ثورية، معادية لليبرالية والشيوعية والتيار المحافظ. ثورية الفاشية تُميزها عن السلطويات المحافظة التي تقوم على التقاليد والمؤسسات التقليدية المرتبطة بها وصيانتها. فيما تسعى الفاشية في المقابل إلى عزل هذه المؤسسات التقليدية والتقاليد والأعراف المرتبطة بها.

        – تقوم الفاشية على نزعة قومية متطرفة ومرتبطة بأسطورة أصل عظيم وبعثه. فالفاشية لديها تصور عن شعبٍ نقيٍّ ومُؤَمْثَل، وتصور هذا النقاء ليس بالضرورة تصورٌ عرقيٌّ، بل قد يكون عَقَدِياً أو أخلاقياً. وعليه فالفاشية تعادي تماماً كل ما يمكن له تهديد هذا النقاء المفترض للشعب، إما عبر إبادته أو وضعه في درجة دنيا ومُقصاة عن الشعب الحقيقي الذي يجب القبول بسموه وتفوقه وسيادته.

        – تُبجل الفاشية العنف وتحضُ عليه، كما أنها تقوم على التعبئة الجماهيرية والحشد وإطلاق موجات من العنف عبر هذه التعبئة.

        – البعد الجماهيري للفاشية – التي تسعى إلى تحقيق تعبئة واسعة للمجتمع بأكمله وربطه بالحزب (الحركة السياسية) ومماهاته بالقائد (الزعيم) وبالتالي إقامة سلسلة مماهاة بين الجماهير والقائد والدولة – رفض النزعة المؤسساتية والنظم الشكلانية للقانون وعمل المؤسسات وهي أمور تنظر لها الفاشية باحتقار. هذا الاحتقار للمؤسسات مرتبط بتمجيد العنف والقدرة المباشرة على الحسم السريع والشجاع للأمور دون انتظار الإجراءات والشكليات التي تسم عمل المؤسسات.

        – تسعى الفاشية إلى بناء نظام شمولي.

        إن هذه الخصائص تُعرِّف ما أعنيه هنا بالفاشية. وكل إيديولوجيا تتحقق فيها هذه العوامل يُمكن وصفها بأنها إيديولوجيّة فاشية. وهنا يجب التمييز بين الفاشية ونزعات إيديولوجيّة ونظم سياسية تقترب منها دون أن تكون هي فاشية (وهذا لا يمنع إمكانية تحولها إليها). فالنُظم السلطوية المحافظة والتقليدية (مثل العديد من الديكتاتوريات العسكرية التي عرفتها أمريكا الجنوبية أو حكم فرانكو في إسبانيا) – وإن تقاطعت واقتربت كثيراً من الفاشية وصولاً إلى حضور تيارات فاشية صريحة في تحالفاتها مثل حزب الكتائب الإسبانية خلال عهد فرانكو – تفترق عن الفاشية في غياب النزعة الثورية، فهذه النظم تُبجل التقاليد وتحافظ على مؤسساتها وعلى السلطات الواسعة التي تحظى بها هذه المؤسسات. على العكس، لا تبدي الفاشية تقديراً لها، بل وتسعى إلى إضعافها وتجاوزها واستبدالها بالسيطرة المباشرة للدولة والتعبئة الجماهيرية. هذه النظم التقليدية ليست بدورها أنظمة شمولية ولا تسعى إلى هذا، فيما الفاشية هي شمولية تسعى إلى السيطرة التامة على كافة شؤون الحياة وأبعادها.

        ما هي الفاشية السُنيّة؟

        يُشكل الإسلام الجهادي نسختنا المحلية من الفاشية. يجد الإسلام الجهادي مصادره الأولى مع أعمال أبو الأعلى المودودي وسيد قطب، وقد سعى الأخير وقتها إلى إضفاء الثورية على الإسلام السياسي المحافظ مثلما مثّلته جماعة الإخوان المسلمين حينها، متأثراً بالتجارب الثورية عالمياً والنزعة الرومانسية الثورية. كانت السلفية الصاعدة مصدراً آخرَ لتشكيل الإسلام الجهادي. سعت السلفية لضبط كافة أمور الحياة والتحكم بها، من أنماط السلوك الأشد بساطة للأفراد (الاستماع للموسيقا، التحية، الذهاب للحمام وغيرها) حتى النسق الأخلاقي والاجتماعي للتعامل مع الآخرين (ذكور مسلمون، إناث مسلمات أو أغيار) والأنساق الاجتماعية الأخرى كافة (ثقافية وفنية واجتماعية واقتصادية…). فالسلفية تُقدم تصوراً شموليّاً للإسلام لا يوجد ما يتجاوزه، فالإسلام يحكم كل شيء دون استثناء. لن تقبل هذه الشمولية بالطبع بتعدد واسع للفهم أو السلوك الصحيح، وبهذا فإنها لا ترضى بالسعة التقليدية الكبيرة جداً التي عرفها الإسلام. زودت السلفيةُ الإسلامَ الحركي البُعدَ الشمولي الذي افتقده وتصوراته حول النقاء والصفاء، انطلاقاً من العقيدة وانتهاء بالجماعة، عبر أفكار الولاء والبراء والمجتمع الجاهلي وتمجيد العنف والحَض عليه باعتباره الطريق الأكثر فعالية لتحقيق المجتمع المنشود.

        نجحت السلفية بنسخها الأكثر تشدداً وتطرفاً في استملاك الإسلام السياسي، وحتى المجال الديني والاجتماعي للإسلام عامة، بحيث صار الإسلام السلفي المعاصر بيئة اجتماعية وثقافية تُعزز المزاج الفاشي لجمهورها، وبيئة خصبة لإنتاج حركيين مناضلين، دون أن يعني هذا بالضرورة تحول كافة أبنائها إلى فاشيين أو أنهم مشاريع فاشيين.

        هل تسمح الخصائص المذكورة أعلاه باعتبار الإسلام الجهادي تياراً سياسياً فاشياً؟

        إن جميع الخصائص التي تُميز الفاشية تنطبق على الإسلام الجهادي. لكن هناك نقطة يجب إيضاحها وهي ما يتعلق بالنزعة القومية المتطرفة ونقاء الشعب، وأسطورة الأصل والبعث. فالإسلام ليس قومياً. الواقع أن هذه النقطة تنطبق تماماً على هذا التيار، وتُقدم الحالة السورية شكلاً نموذجياً مفيداً هنا.

        ينظر هذا التيار إلى الإسلام-السني بوصفه هوية، جماعة هوياتية، حيث يُحيل بشكل منتظم إلى أهل السنة بوصفهم جماعة سياسية في مواجهة الأغيار. وهذه الجماعة تعود إلى أصل عظيم متخيل (أسطورة الأصل) وهو بني أمية. وما حصل مع سقوط نظام الأسد واستلام السلطة من قبل جبهة النصرة وحلفائها هو بعث الجماعة السنية بعد عقود من القمع والاضطهاد والمذلة الواقعة عليها. الآن، صارت السلطة بيد أهل السنة وعليهم ألا يتركوها مجدداً للأقليات، ويجب عليهم الحفاظ عليها بأي ثمن. حيث تتم المماهاة بين الأمة (أهل السُنة) والدولة (السلطة التي صارت بأيديهم) والحزب/القائد (الجولاني وأهل السلطة). عندها تسعى السلطة إلى بناء وتشكيل سلطة سُنية، يكون فيها أهل السنة الجماعة ذات الامتياز والتفوق، فيما يتوجب على الآخرين قبول وضعية دونية خاضعة لأهل السنة، في معادلة بسيطة وواضحة الأمان الفيزيائي مقابل القبول بالسيادة السُنية. وبالطبع، تحتاج الأمة السنية النقية رسم حدود واضحة وفاصلة بينها وبين الآخرين. لكن الأهم لاحقاً، هو التطهير الواجب تنفيذه داخل الجماعة السنية نفسها للحفاظ على نقائها وضمان عدم فسادها. حالياً، وفي سياق الصعوبات الواضحة مع الآخرين لم يُطرح هذا كمشروع واضح، ولكن علائمه بادية مع تمدد السيادة السلفية في كل مكان ببطء، ولكن بثبات.

        بقية الخصائص أعتقد أنها من الوضوح بحيث لا تحتاج إلى نقاش خاص، عبادة وتبجيل العنف والتعبئة الجماهيرية لمواجهة المؤامرات، كما في التعبئة الأولى ضد الفلول في الساحل، التي انطلقت من المساجد والجوامع في كافة مدن سوريا والتعبئة الثانية فزعة العشائر ضد الدروز. وقد انتهت هاتان التعبئتان إلى مجازر في حق الدروز والعلويين في نزوع إبادي وتطهير عرقي صريحين، بما سبقهما وترافق معها من حشد وتعبئة ضد هذه الطوائف، وتقديمها بوصفها أقليات خائنة متآمرة على أهل السنة، وتضمر لهم الشر وتتعاون مع الأعداء لسحقهم وتخريب الوطن، ويرتكبون كل الجرائم والشرور الممكنة، بما ينزع عنهم إنسانيتهم تسويغاً وتبريراً لقتلهم كما تُقتل الحشرات (’عوي ولاك‘ أحد تعبيراتها).

        كيف وصلنا إلى هنا؟

        تظهر الفاشية السُنية بوصفها تيار صغير داخل جسم الإسلام السياسي، وإن توسع باطراد على فترات مديدة. وأيضاً هي تيار أصغر بكثير فيما يتعلق بالجماعة السنية العربية نفسها. فالمُسيسون إسلامياً أقلية، وأقلية من هذه الأقلية تتبنى هذا التوجه السياسي. فكيف وصلنا إلى هنا؟.

        أعتقد أن هيمنة الفاشية السنية في سوريا تحققت نتيجة اجتماع عدة عوامل في لحظة خاصة، وبدون أخذ هذه العوامل جميعاً بعين الاعتبار لن نفهم ما حصل. فالفاشية السنية ليست شيئاً مقدراً ومحتماً في التقليد الإسلامي السني، ينتظر فقط تحققه. وهي بدورها ليست نتاج للحرب الأهلية وحدها، وإن لم يكن تحققها بهذا الشكل ممكناً دونها:

        – القاعدة السياسية ممثلة بالإسلام السلفي الجهادي والنسخة السلفية من الإسلام. حظي التيار السلفي في سوريا بموطئ قدم منذ عقود، وتقدم باستمرار رغم مواجهاته مع الإسلام العلمائي التقليدي في الشام (مثلاً سجالات محمد سعيد رمضان البوطي في مواجهة السلفية ومنها كتابه السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي). إضافة إلى الدور الذي لعبه النظام في رعاية واحتضان شبكات السلفية الجهادية ودعمها في سوريا من أجل تأمين الإمداد للحركات الإسلامية المقاتلة ضد الاحتلال الأمريكي في العراق. وبالطبع لا يمكن في النهاية تجاوز الدور الخليجي ولعنة النفط فيما يتعلق بانتشار المذهب السلفي، ليس في سوريا وحسب إنما في العالم أجمع.

        – الطائفية: اعتمد نظام الأسد طوال سنواته على استراتيجيات هيمنة طائفية عززت الانقسام الاجتماعي على خطوط الانقسام الطائفية. وخلال الحرب الأهلية السورية صار الانقسام الطائفي في المجتمع السوري راسخاً، خاصة مع اعتماد النظام على ميليشيات شيعية طائفية لمساندته والحفاظ عليه، في مقابل صعود الحركات الإسلامية، بكل تنويعاتها الإيديولوجية. فالهوية الإسلامية للعديد منها لم تزد عن كونها هوية طائفية دون بعد إيديولوجي أو كانت فقط تلبية لطلب المانحين الخليجيين حصراً.

        وهنا يجب التأكيد على الفارق بين الطائفية والفاشية. فالطائفية تسييس الانتماء الأهلي للجماعة في النزاعات، وهو ما نجده لدى جميع الطوائف لدينا، وخلال الحرب الأهلية اللبنانية أيضاً. لكن هذه الطوائف المتقاتلة وعصبياتها ليست فاشية النزوع عادةً، فهي لا تهدف إلى تثوير الطائفة نفسها وتحقيق دولتها الشمولية، مثلما أنها لا تملك تصوراً ثوريّاً لإعادة بناء المجتمع والطائفة من تحت، ولم تسعَ إلى استباحة وإبادة الطوائف المقابلة والقضاء عليها تماماً. كانت النزعات الطائفية محصورة في نطاق محدد من السياسات القائمة أساساً على الاعتراف بالطوائف الأخرى. ما سعت إليه النزعات الطائفية لدينا هو الدفاع عن تسويات معينة في توزيع السلطة والثروة بين الطوائف، أو إعادة النظر في التسويات المُحققة. حروب طائفية ومجزرة هنا أو هناك، لكن الأفق الذي يتحرك فيه الجميع كان التسوية والصُلحة في نهاية المعركة. وهذا يختلف عن التصور الفاشي.

        إن الفرق بين الطائفية والفاشية يُماثل الفرق بين النزعة القومية والفاشية القومية. لا فاشية دون قومية ولكن القومية ليست فاشية بالضرورة. والحال ذاته يصدق هنا، لا فاشية سنية دون طائفية، ولكن ليست الطائفية السنية فاشية بالضرورة.

        _المظلومية السنية: المظلومية ليست خطاباً يتعلق حقيقية بما وقع على السُنة من جرائم تطهير عرقي وجرائم ضد الإنسانية، إنما منطق يقوم على مجموعة مقدمات:

        _تطييف الجماعة السنية وتخيلها بوصفها جماعة موحدة ذات تمثيل في مواجهة الآخرين، بحيث يكون الفعل السياسي باسمها وبالإحالة إليها، وهذه الهوية تُحدد السلوك السياسي لأبنائها.

        _لقد كان أهل السُنة، الأكثرية تعريفاً، عرضة للظلم وقد وقعت عليهم جرائم تؤسس لشرعية امتلاكهم السلطة واقتصارها عليهم، سواء باعتبار هذا الأمر نوعاً من التعويض أو باعتباره شرطاً لمنع حصول الجرائم التي لحقت بهم.

        _امتلاك السلطة المُسوَغِ باسم المظلومية الواقعة عليهم يجد تسويغه الفعلي في كونهم الأكثرية من ناحية وجهة التاريخ السياسي والشرعي (من الشريعة) الموروث، الامتياز المُعتبرُ حقاً طبيعياً لهم. وهو ما يرتبط بالنقطة الأولى التي تطابق بين الهوية السياسية والهوية الطائفية، فتحصر حق التمثيل السياسي بالناطق باسم هذه الهوية وممثلها الحقيقي.

        – تحطيم المجتمعات السُنية التقليدية في الهلال الخصيب (سوريا والعراق). لقد عمل نظام الأسد منذ السبعينيات، وخاصة بدءاً من الثمانينيات وعلى خلفية قمع تمرد الإخوان المسلمين على سحق السياسة في سوريا، وتدمير المجال العام والأُطر السياسية والنقابية والمنظمات الاجتماعية بكافة أشكالها التي انتظم فيها السوريون للعمل في الشأن العام بكافة أبعاده، سواء السياسي أو الاجتماعي أو حتى الخيري. لقد تم إفقار المجتمع السوري عامة من السياسة وتفكيك قدرته على ممارستها وعلى إنتاج نُخبه وخطاباته. لكن هذا التحطيم للسياسة لم يُمثل إلا سوية دنيا من التحطيم الكبير والهائل الذي سوف يلحق المجتمعات العربية السُنية منذ سقوط صدام حسين إلى الحرب الأهلية العراقية الأولى (2006 – 2008) (وقد سجل كتاب أفول أهل السنة لديبورا وقائع المشهد العراقي من 2003 حتى 2010) والحرب ضد داعش في سوريا والعراق والحرب الأهلية السورية. لقد سُحقت هذه المجتمعات السُنية التقليدية، وتعرّضت للتهجير والمذابح الطائفية، والتحطيم المنظّم على يد ميليشيات طائفية. دُمرت المدن السنية الكبرى مثل حلب والموصل وحمص خلال هذه الحروب، تحولت العديد من البلدات إلى أثر بعد عين مثل جسر الشغور ومعرة النعمان والرستن وغيرها. بالطبع كان للحركات السلفية الجهادية دورٌ حاسمٌ وبارزٌ في دفع المعارك – خاصة في العراق – إلى هذه النهايات القصوى مع ما قامت به من قتل واستباحة الشيعة والطوائف الأُخرى، مثل مجازرهم ضد الإيزيديين سواء في الحرب الأهلية الأولى أو لاحقاً مع ما قامت به داعش. لكن هذا لا يلغي الطبيعة الإبادية والتطهير العرقي الذي مُوِرسَ ضد أهل السنة وكانت نتائجه شديدة القسوة على مجتمعاتهم التي دُمرت واستبيحت.

        إن دمار المجتمعات السُنية التقليدية عنى دمار معاشها وعمرانها واقتصادها، دمار قدرتها على إنتاج النخب والقيادات، تدمير شبكات التعاضد الأهلي، ونظم القيم والسلوك المستودعة لديها. لقد تحول ملايين منهم إلى لاجئين في المخيمات خارج مجتمعاتهم الطبيعة وشبكة علاقاتهم الطبيعية التي تؤمن لهم الحماية والأمان، مثلما تؤمن لهم اكتساب القيم والسلوكيات والحفاظ عليها. لقد نشأت أجيال في المخيمات دون تعليم أو جماعة طبيعية ينشأون فيها، لا يملكون ما يسد رمقهم ولا يتعلمون مهنة، في جو من شبح التهجير والاعتداء الدائم. أحد أهم الأعمال التي استقطبتهم كانت الميليشيات الخاصة بأمراء الحرب. ما أَنتج اقتصاد حرب ونهب تام في هذه المخيمات. وهؤلاء كان لديهم ذاكرة حقيقية وحية من القتل والتهجير والإخفاء والاغتصاب والاعتقال، ذاكرة مباشرة لما وقع على الأهل، على الأب والأم والأخت والأخ.

        حطام المجتمعات السنية التقليدية هو السياق الذي مكّن الفاشية من أن تنمو وتزدهر، بما مدها من ذاكرة للانتقام والثأر والمظلومية، ولكن أيضاً لأن هذا الحطام لم يعد به ما يواجه فيه هذه الفاشية، فلا قدرة على إنتاج نخب وقيادات مضادة، لا قدرة على حياة اقتصادية ومعاش طبيعي يجذب هؤلاء الشبان إلى أمور أخرى. فقط حطام، لا أكثر!!

        هذا هو إطار الفاشية السنية الصاعدة والمهيمنة على المجتمعات العربية السُنية، والتي تُحدد عنوان الطور الثاني من الحرب الأهلية السورية.

        نهاية الوطنية السورية وما بعدها

        في مقابل صعود الفاشية السُنية وهيمنتها على المجتمعات العربية السُنية وتَرسّخ الانقسامات الطائفية والإثنية تماماً في سوريا، تظهر الوطنية السورية وكأنها شبح من ماضٍ بعيد، انتهى دون رجعة. وطنية لا يحمل همها إلا قلة ممن لا يزالون يعيشون على الأطلال. تبدو الحرب الأهلية في طورها الثاني حرباً طائفية وإثنية واضحة، لا تتستر خلف شعارات وطنية، مناهضة للاستبداد ومن أجل الحرية مثلما كانت في طورها الأول، فقد خلعت الحرب الأهلية السورية كل أرديتها التي لطالما ارتدتها.

        لكن، أيضاً، كيف وصلنا إلى هذا الحال، عراة حتى من الوطنية السورية؟

        سأحاول هنا تقديم خطوط عامة لصعود وسقوط الوطنية السورية. بدايةً، فإن الوطنية السورية غائمة جداً، في مجمل مراحل حياتها، لكن خاصة حين يتعلق الأمر بالبدايات. فسوريا التي عناها الأقدمون منذ بطرس البستاني (وهو أول من أشار إلى سوريا باسمها هذا) فإنها لا تتطابق مع سوريا الحالية. والجيل النهضوي وحتى ما بعد الحرب العالمية الأولى لم يُميز بين السورنة والعروبة بوصفهما انتماءين مختلفين، بل كثيراً ما كانا يُستخدمان بتبادل وتقاطع كبير، فالعروبة نفسها لم تكن تعني ما نفهمه منها اليوم، سواء على مستوى الإيديولوجيا أو على مستوى الجغرافيا. هذه التمايزات الدقيقة كان عليها الانتظار بضعة عقود ليتم تأطيرها إيديولوجيّاً: القومية السورية أو القومية العربية أو الوطنية السورية الخاصة بكيان الجمهورية السورية. لهذا أتحدث عن الوطنية السورية بهذه السيولة، فالعروبة متضمنة فيها، مثلما تتضمن أي تصور يُحيل إلى ما يتجاوز الانتماءات الطائفية والجهوية والإثنية.

        تعود جذور الوطنية السورية الحديثة إلى عصر النهضة، وبشكل خاص إلى الدور الكبير الذي لعبته البعثات التبشيرية والمدارس المرتبطة بها، وقد كان لهذه المدارس والبعثات دور أساسي في تقديم فكرة «الوطن السوري» وتحقيق النهضة الثقافية للغة العربية التي أصبحت عاملاً أساسياً في تحديد الجماعة وتعيين هويتها. لعب المثقفون المسيحيون دوراً أساسياً في عصر النهضة، ما أكسب الوطنية السورية منذ بدايتها بعداً متجاوزاً للإسلام. إلى جانب المسيحيين ظهر المثقفون العرب المسلمون (مثل عبد الرحمن الكواكبي ورشيد رضا وشكيب أرسلان) الذين صاغوا خطاباً وطنياً التبَسَت فيه العلاقة بين العروبة والإسلام. تأسس هذا الالتباس في الوطنية السورية، ومنذ هذه الفترة المبكرة، على واقعة الانقسامات الأهلية الطائفية في بلاد الشام. هكذا حضرت نزعة ليبرالية وعلمانية صريحة داخل الوطنية السورية/العربية، مثلما حضرت فيها أيضاً توجهات تتداخل فيها الحدود ويتقاطع الانتماء بين العروبة والإسلام. لاحقاً، ومع صعود وترسخ النبرة القومية في خطاب الوطنية السورية في مواجهة الأتراك والتتريك، صار التأكيد على العروبة وتمايزها عن الإسلام أشد وضوحاً. فالمطلوب وقتها كان التأكيد على الاختلاف بيننا وبين الأتراك المسلمين من ناحية، ومن ناحية أخرى التأكيد على الوحدة التي تجمع العرب (الناطقين بالضاد) على تنوع انتماءاتهم الدينية والطائفية في بلاد الشام. وهو ما تجلى مع صعود الصيغ الإيديولوجيّة للقوميّة العربية النازعة أكثر باتجاه العلمنة، سواء لدى المسيحيين أو المسلمين، مثل عبد الرحمن الشهبندر وجورج أنطونيوس وساطع الحصري وقسطنطين زريق. لكن هذا لم يعنِ حل إشكالية العلاقة مع الإسلام بشكل واضح، فقد بقي هناك العروبيون الذين مزجوا بانتظام بين العروبة والإسلام (محمد عزة الدروز).

        يمكن القول، إن تشكّلَ خطاب الوطنية السورية ارتبط بنشوء وتبلور مجال عام خلال عصر النهضة. ومحدودية انتشار هذا الخطاب يُفسّرُها محدودية المجال العام نفسه ومؤسسات التعليم والدولة البازغة حديثاً. في المقابل بقيت الهويات والانتماءات الأهلية راسخة اجتماعياً، وعبرها يتعرف الناس عامة على أنفسهم، خاصة أنها كانت مرتبطة ببيئة قانونية وأهلية (أماكن السكن وأنماط الحياة) التي تُعيد إنتاجها بشكل منتظم ومستمر.

        غير أن توسع المجال العام وتبلوره سمح للخطاب الوطني السوري بتعزيز مواقعه. إن المجال العام مكان افتراضي لالتقاء أفراد ينتمون إلى مجموعات مختلفة، تَجمَعُهم لغة الضاد والمكان المتمثل بالوطن السوري، حيث يتبادلون الآراء ويتناقشون فيما يتعلق بشؤون حياتهم العامة، ويُفحصون هذه الآراء وينتقدونها. هذا المجال العام تحقق مع ظهور الصحافة والجرائد والكتب، والمنتديات والجمعيات، والمدارس والجامعات، والنقاش العام في السياسة. لقد كان كل من هؤلاء المنخرطين في المجال العام يتحدث إلى «جماعة متخيلة» تتجاوز حدود الجماعة الأهلية الأصلية التي ينتمي إليها المتحدث، وهذا ما فرض عليه استخدام لغة مشتركة وتقديم مسوغات تتجاوز ما اعتادت عليه جماعته الأهلية الخاصة، بغرض الوصول إلى توافقات وتسويات عمومية الطابع. ربما كانت النقاشات التي دارت حول دستور المملكة السورية واحدة من هذه اللحظات المعيارية للفعالية التواصلية في المجال العام. وقتها، توجب الوصول إلى تسويات بين تيارات إيديولوجية متباينة من ليبرالية علمانية وقومية وإسلامية محافظة وإصلاحية، حيث تم التوافق على مشتركات عامة يمكن قبولها من الجميع لتكون أساساً معتمداً في كتابة الدستور السوري الأول.

        أفسح المجال العام المكان لتعزيز فكرة الوطنية السورية، وتعزيز المجال العام وتَرسُّخه عنى أيضاً ترسخ هذه الوطنية السورية وتقدمها. لكن لم يعنِ هذا أن جميع التباسات هذه الوطنية قد تم حلها، وهي مؤسسة على تباينات عميقة واجتماعية لا يمكن حلها خلال فترة زمنية قصيرة. أيضاً، فإن الوضع التعليمي وما تعلق بجدة بُنى الدولة ومؤسساتها وغياب الغالبية عن المجال العام كانت عوامل حدّت من مدى انتشار الخطاب الوطني الذي بقي نخبوياً.

        ما يجب التأكيد عليه هنا، هو التلازم بين المجال العام والوطنية السورية. تعرض المجال العام إلى تحديات حقيقية لم يستطع الصمود في مواجهتها. الأول كان ظهور السياسات الجماهيرية مع التوسع السريع والكبير في مؤسسات الدولة والقدرة على التعبئة والحشد الجماهيري بفضل ظهور وسائط تواصل جماهيرية مثل الراديو والتلفاز وعدم الاكتفاء بالكلمة المطبوعة التي تفترض حصراً القدرة على القراءة. سمح التوسع الكبير في السياسات الجماهيرية بدخول الجمهور واختراقه المجال العام، الجمهور الذي لم تزل هوياته الأهلية وبناه التقليدية عوامل حاسمة في تكوين وعيه وتشكيل خبرته عامة. وهنا يمكن أن يرصد المرء أصلاً عودة سؤال العلاقة بين العروبة والإسلام بشكل أكثر حدة إلى الخطاب القومي وتراجعه – بالترافق مع تحوله إلى الجماهيرية – عن نزعته العلمانية الأسبق، مثلما يظهر لدى ميشيل عفلق.

        لعبت السياسات الجماهيرية دوراً مهماً في تعزيز الراديكالية بسبب عجز النظام البرلماني عن حل الأزمات الاجتماعية وأشكال الاستغلال الجائرة الواقعة على الفلاحين بخاصة (قضية الأرض). وقد تنكرت السياسات الراديكالية هذه لقضايا العمران والتهذيب والآداب والترقي (يمكن للمرء أن يقارن بين المفردات التي اعتاد كتّابُ عصر النهضة والليبرالية استخدامها مع تلك المفردات التي سوف تَسمُ كتّابَ العهد والتيار الثوري بدءاً من الخمسينيات). وهذه القضايا ظهر أنها كانت قضايا حاسمة في صيانة وتعزيز المجال العام والحفاظ عليه.

        مع البعث، وتحديداً مع انتصار حافظ الأسد سُحق المجال العام حرفياً. فقد تم اغتيال السياسة وإلغاؤها بقوة السلاح وتهديد السجون والقمع، وتحديداً على خلفية قمع تمرد الإخوان المسلمين. لم يكتفِ الأسد بسحق الأحزاب بشتى أنواعها، إنما هاجم النقابات وأخضعها وألحقها تماماً بنظامه، مثلما دمر أيضاً كل أشكال التجمع والعلنية. أمّا الصحافة الحرة فقد تم إنهاء وجودها منذ استلام البعث. إن سحق المجال العام عنى موضوعياً سحق الوطنية السورية نفسها، وهي قد ظهرت مع ظهوره وترسّخت مع تقدمه وتوسعه.

        بغياب مجال عام في عهد البعث لم يعد هناك جماعة متخيلة حقيقة يسعى المرء لأن يخاطبها، لم يعد هناك مجال لتقديم الآراء والدفاع عنها وتقديم مسوغاتها بما يفترض أنها آراء عمومية، أي أنها مطروحة للعموم الذين لا يقتصرون على جماعة أهلية. إن الجماعة المُتخلية التي يُشكلها المجال العام هي تعريفاً الجماعة الوطنية (أو القومية)، جماعة تتجاوز الجماعة الأهلية المباشرة التي لها أعرافها الخاصة وقيمها الخاصة وأنماط تسويغَها وبرهانها الخاصة. مع إلغاء المجال العام، عاد السوريون عموماً إلى جماعاتهم الأهلية بوصفها الجماعة الحامية والموثوقة. أما اللغة العامة فقد انحلت إلى لغة تقية لا تقول شيئاً سوى عبادة الأب قائد المسيرة وتمجيد الحزب القائد وتكرار كليشيهاته. إن إلغاء السياسة وإلغاء المجال العام عَنَيَا عملياً تدهور وتحلل الوطنية السورية، وهذا ترافق بالطبع مع تكريس غير معلن للانتماءات الطائفية في الدولة وبنية السلطة، حيث أن الدولة نفسها أصبحت دولتين، دولة رسمية ظاهرة ولكنها غير حقيقة ولا تحوز السلطة الفعلية، ودولة أخرى باطنية خفية تحوز السلطة ولها قواعد غير علنية وعمومية، بل قواعد تُشير إلى الانتماءات الطائفية والعائلية.

        إن بدء انهيار الوطنية السورية قد حصل في عهد حافظ الأسد، بالارتباط مع انهيار المجال العام ودفنه. لكن الحرب الأهلية السورية دفنت تماماً هذا الخطاب بغير رجعة، رغم أنها في أول سنتين منها ظهرت محاولة لبعث هذه الوطنية مرة أخرى. لكن لم يُقيَّضْ لها التحقق بغياب أي أساس اجتماعي حقيقي مع التحلل المديد للمجال العام أساساً. أيضاً لَعبت الحرب دوراً حاسماً في ترسيخ البعد الطائفي للنزاع في سوريا لعوامل عديدة، لكن يبقى أبسطها وأوضحها، أنه في الحرب عليك أن تكون واثقاً بمن يقاتل إلى جانبك بكل بساطة، وهذه الثقة في سوريا لم يكن ممكناً تحقيقها خارج الجماعات الأهلية، التي تتداخل بكثافة في الجماعة الطائفية. لهذا لم تَبزُغ فقط الهويات الطائفية في الحرب الأهلية السورية، بل أيضاً الهويات شديدة المحلية من العائلات الممتدة في حوران، إلى العشائر والقبائل، إلى البلدات. أيضاً، البعد الطائفي الواضح الذي أظهره حلفاء نظام الأسد، فقد لعبت الميليشيات الشيعية من إيران والعراق وأفغانستان ولبنان دوراً مركزياً في الحفاظ على نظامه ولم يكن لها هوية تتجاوز شيعيتها.

        لقد حضر الخطاب الطائفي في الحرب السورية منذ البداية، وترسّخ الوعي السُني مع الوقت بشكل منتظم، وقد صارت لاحقاً جميع الفصائل المقاتلة فصائل إسلامية. عرفت الحرب تنكيلاً وتدميراً على خلفيات طائفية من الجماعات المتقاتلة كلها (دون مساواة بينها). ومع سقوط الأسد، وانتصار جبهة النصرة وحلفائها ظهر هذا النصر انتصاراً للسُنة على العلويين، وهو ما بدأ يظهر بوضوح في المطابقة بين السلطة وأهل السنة، وقد تجلى هذا في التعبئة ضد العلويين خلال مجازر الساحل، وضد الدروز وما أدى إليه من مجرزة في السويداء، وضد الكُرد. اليوم نزع السوريون عن أنفسهم كل أردية اللغة الوطنية التي طالما اختبأوا وراءها دون قناعة منهم، وصارت الحرب واضحة دون توريات.

        لقد كانت الهوية الوطنية السورية مرتبطة بظهور وتطور مجال عام وترسّخه، ورغم التباساتها وتناقضاتها إلا أنها بقيت حيّة وتتقدم بقدر ما كان المجال العام حيّاً وفاعلاً. انهارت الوطنية السورية بانهيار المجال العام الذي كان بمثابة البنية التحتية لها. خلال الحرب الأهلية ماتت هذه الهوية تماماً، فيما ظهرت الهويات الطائفية والعشائرية والإثنية وعادت الجماعات إلى عالمها المُعاش لتستقي منه خبرتها وتعريفها لذاتها في سياق الحرب الدموية. صحيح أن السوريين يحوزون خبرة طويلة من العيش المشترك، إلا أن هذه الخبرة بدورها خبرة متعددة الأوجه، يمكن استخلاص كل ما يمكن لنا تخيله منها، وهذه الخلاصات تتعلق بالسياق الحالي الذي ننظر منه إلى هذه الخبرة. واليوم، وقد انهارت هذه الوطنية، فإن الخبرة التي ننظر منها إلى تجاربنا السابقة هي خبرة الحرب الأهلية وتمزُقاتها الطائفية.

        ما العمل؟ أربعة سيناريوهات

        إن المسار الذي قادنا إلى صعود وهيمنة الفاشية السُنية وتفكك الوطنية السورية وصعود ما بعدها هو مسار تاريخي طويل، لا يقتصر على الحرب الأهلية السورية وحدها، بل يعود إلى أسباب مرتبطة بطبيعة الكيان السوري نفسه وتركيبة المجتمعات السورية والسياق التاريخي لتطورها الاجتماعي-الثقافي وتفاعلها. لكن كذلك لا يمكن تخيل هذين العاملين بالشكل الحالي الذي نشهده دون هذه الحرب.

        تأسيساً على هاتين المقدمتين، صعود الفاشية السُنية وصعود ما بعد الوطنية السورية، يمكن القول بداية أنه لا معنى بعد للحديث عن «نحن» تُحيل إلى مجموعة الديمقراطيين الوطنيين السوريين. فالجماعة الوطنية السورية نفسها لم يعد لها مقابل واقعي، وخطابها ليس سوى بقية من أحلام ووقوف على الأطلال. قد تكون مشروعاً لمستقبل بعيد، ممكناً، لكنها بالتأكيد ليست أمراً مطروحاً علينا حالياً. وحتى هذا المستقبل البعيد يجب المرور إليه عبر استراتيجيات وطرق لا تستند إلى فكرة الوطنية السورية. على هذا الأساس فإن فكرة سوريا ديمقراطية علمانية موحدة ليست سيناريو مطروحاً أساساً هنا، ولن أتطرق إليه هنا. لطالما كان خطاب الوطنية السورية المترفع والمنكر للانقسامات الأهلية مؤذياً وخطيراً، لإنكاره المسألة الطائفية الموجودة تقريباً في كل تفصيل من تفاصيل سوريا، والتي توجب التعامل معها بحكمة وحنكة دون الترفع عنها باعتبارها بقية من ماضٍ ما قبل وطني سوف يتم تجاوزه مع الزمن. نكران كان حاضرنا أحد نتائجه المباشرة.

        ما هي السيناريوهات المطروحة علينا بناء على هاتين السمتين الخاصتين بهذا الطور من الحرب الأهلية السورية؟

        هناك أربعة سيناريوهات ممكنة:

        انتصار الفاشية السُنية عبر نجاح العصبة الحالية في بناء دولتها وهزيمة المعارضين لها.

        يبدو هذا الاحتمال الأقل إمكانية، حيث تواجهه الكثير من العقبات، مثلما أنه من المرجح ألا ينتهي إلى بناء نظام فاشي شمولي إنما نسخة سلطوية إسلاموية رديئة وبدائية. فالدولة السورية لا تحوز مؤسسات وبُنى بيروقراطية راسخة تُمكنها من بناء نظام شمولي، ولا تملك قاعدة صناعية أو بُنى تحتية في أي من المجالات وقد تم تدميرها كلها خلال سنوات الحرب الأهلية. القاعدة السُنية نفسها ليست موحدة، بل مقسَّمة على خطوط تصدع عديدة، مدينة/ريف/بادية، العشائر، إقليمية وجهوية وحتى دينية/مذهبية. ما يجمع السُنة في هذه اللحظة هو سردية المظلومية والمواجهة مع الأغيار. وما أن تنتهي هذه اللحظة وتبدأ الأسئلة المتعلقة ببناء الدولة وإدارتها وبناء اقتصادها وغيرها، فإن الانشقاق يصبح حقيقياً. وهنا لا يبدو من إمكانية للمحافظة على هذه الوحدة للجماعة السُنية إلا عبر إدامة لحظة الحرب والمواجهة، والحطام، قدر الإمكان.

        رغم صعوبة هذا الاحتمال، إلا أنه احتمال قائم وهو أشد الاحتمالات خطورة. بداية على الأغيار من غير العرب السُنة، وما يعنيه لهم من إبادة ثقافية بطيئة ومستمرة، إن لم تكن مباشرة وقاسية كما تجلت لحظاتها في مجازر الساحل والسويداء. لكن خطر هذا الخيار لا يقتصر عليهم وحسب، بل يمتد إلى العرب السنة أنفسهم، عبر إنتاج الأغيار داخل المكون العربي السني نفسه من جهة، ومن جهة أخرى عبر إنتاج نظام سلطوي يحتكر البلاد ومقدراتها وهو ما بدأنا نرى تباشيره، مثل تحقيق رويترز حول التسويات المعقودة مع رجال الأعمال المحيطين سابقاً ببشار الأسد والنقل الفردي لهذه الثروات إلى يد جماعة قريبة من الجولاني، قرابة أو ثقة، أو الصفقات الخرافية المعقودة مع رجال أعمال سعوديين. إن انتصار هذا الخيار لن يعني، في أفضل الاحتمالات، إلا إنتاج نظام الأسد بنسخة سُنية جديدة فيما يتعلق بالسُنة، ولكنها تعني الإبادة والعبودية للأغيار.

        صوملة سوريا (البقاء على الوضع الراهن).

        يبدو هذا الاحتمال الأكثر ترجيحاً في غياب توافقات دولية وإقليمية وهو تسوية في سوريا من ناحية، وغياب تفاهمات سورية داخلية لإنتاج تسوية معقولة داخلياً. هنا يبدو الاحتمال الصومالي ممكناً جداً. فالصومال عرف انهيار الدولة بعد سقوط حكم محمد سياد بري عام 1991، وتفكك البلاد التي لم تعد حياتها سوى دورات متعاقبة من الفوضى والحروب الأهلية والانتداب الأجنبي (الإثيوبي بين عامي 2006-2009). بقيت محاولات بناء الدولة في الصومال متعثرة وفاشلة رغم دعمها من قوى دولية أو إقليمية من حين إلى آخر، فالبلاد منقسمة عشائرياً وإثنياً وإقليمياً، كما توجد حركات إسلامية متنوعة تنقل بندقيتها من كتف إلى آخر، فيما تبقى أشدها راديكالية (حركة الشباب) خطراً على الجميع وكانت سيطرتها السبب المباشر لتدخل القوات الإثيوبية واحتلالها مقديشو عام 2006. يعيش الصومال في هذه الحال منذ 35 عاماً. يبدو الاحتمال الصومالي مرجحاً في الحالة السورية، فالانقسامات السورية الداخلية وتفكك هويتها الوطنية وبزوغ الانتماءات الطائفية والعشائرية والإثنية وغياب أي ثقة فيما بينها تجعل من توافقها مستبعداً. في المقابل، لا يبدو أن هناك توافقاً إقليمياً على تسوية واضحة ويمكن قبولها من السوريين أنفسهم، في غياب قدرة واضحة للقوى الإقليمية أو الدولية على فرض ورعاية تسوية فعلية بين السوريين.

        ومثلما هو الحال في الصومال لا يعني أن الحرب الأهلية والانهيار يُفترض أن يُعاش كل الوقت في المعارك، بل هي دورات حياة متنقلة بين الحرب والفوضى الهادئة، حتى تتغير الأمور يوماً لإنضاج تسوية ما مقبولة، وهو ما قد يأخذ زمناً لا يقل عن الزمن الصومالي، وخاصة في وضع تُفضل فيه الدول الإقليمية، خاصة إسرائيل وتركيا والخليج، دولة هشة وضعيفة ومفككة في سوريا بوصفها الخيار الأفضل.

        هل يقبل العالم بهذا الخيار أو الذي قبله؟ ربما لا، وربما نعم. العالم من حولنا تغيّر بشكل كبير، فها هو يقبل الإبادة المروعة الحاصلة في غزة عبر الحرب والتجويع، وقد قبل سنوات الخراب والدمار في سوريا. لقد أصبحت المنطقة سلفاً وخلال سنوات تحطيم الربيع العربي رمزاً للخراب والدم وكأن هذا حالها دوماً، فلِمَ على العالم أن يتدخل لمنع ما هو طبيعي؟ في المقابل فإن الحروب والصراعات صارت مشهداً يومياً في العالم نفسه، فهذه الحرب الروسية-الأوكرانية مستمرة منذ سنتين، عدا عن طبول الحرب التي تقرع في أماكن أخرى.

        الفيدرالية ودولة أقل ما يمكن.

        تحوز الفيدرالية ميزات عديدة في الحالة السورية، وهي نفسها كانت خياراً سورياً مبكراً ظهر في دستور 1920. مثلما أنها أيضاً مطلب سياسي لعدد من القوى السورية الفاعلة، مثل قسد والسويداء. لكن الفيدرالية تُعاني من تحديات عسيرة، وخاصة بعد الأحداث الأخيرة وما أدت إليه من انهيار الثقة بين الجماعات السورية المختلفة. فالأقاليم السورية في ظل الفدرلة لن تكون أقاليم إثنية أو طائفية، بل متنوعة مثل سوريا وإن كان لها بعض الخصوصيات الطائفية والإثنية. لكن مع غياب الثقة وانهيارها بين الجماعات السورية، فإن المعضلات نفسها تبقى. ما الذي سيكون عليه حال الكُرد في حلب وعفرين؟ ما حال السُنة في السويداء أو الساحل؟ ما حال العلويين في حماة وحمص؟ ما حال العرب في الجزيرة؟

        إن الجماعات السورية تعاني على جبهتين، جبهة تتعلق بالعلاقة بما بين الجماعات نفسها، وجبهة تتعلق بالعلاقة مع الدولة أو حتى حكومة الإقليم في حال تحقق النظام الفيدرالي. لهذا، يجب علينا الوصول إلى تسوية على هاتين الجبهتين. تُقدم الفيدرالية مساهمة هامة في هذا الجانب، لكن يجب تعزيزها في اتجاه اللامركزية وإضعاف السلطة حتى داخل الأقاليم نفسها. من خلال إعطاء قدر كبير من السلطة للجماعات الأهلية لإدارة شؤونها على كافة المستويات، وإضعاف صلاحيات مركز السلطة قدر الإمكان وتقييده، سواء أكان المركز الاتحادي أم السلطة الفيدرالية. جماعات قد تكون موجودة في أحياء أو بلدات أو قرى داخل الإقليم، وهو ما يعني نقل قدر كبير من السلطة إلى أدنى المستويات، وتفتيت هذه السلطة إلى أبعد حد ممكن. يمكن الحديث عن مقاربة أناركية أو محافِظة (دولة أقل ما يُمكن) أو استعادة إرث الدول السلطانية في ترك الجماعات المحلية تدير شؤونها بمعرفتها.

        بالتأكيد يواجه هذا الخيار تحديات كبيرة، ربما أكبرها إضعاف الدولة في مجتمع ودولة محطمين، وهو ما يطرح سؤالاً حول إعادة البناء والإعمار في ظل دولة أقل ما يمكن. إضافة إلى عدد من التحديات السياسية مثل الحياد التام والانعزال الذي تحتاجه هذه الدول عن الصراعات الإقليمية. يبقى أن كل هذا ممكن، وإن كان يحتاج قدراً كبيراً من الخيال.

        لكن المعضلة الحقيقية التي يواجهها هذا الخيار أن الشرط اللازم له هو إسقاط سلطة الجولاني وتفكيك المزاج الفاشي لدى المجتمعات العربية السُنية. وهذه المهمة تبدو مستبعدة بقدر كبير. لا يمكن للأغيار أن يقوموا بها، ولا يظهر أن هناك نُوى قوى داخل المجتمعات العربية السُنية قادرة على تحقيق هذه المهمة حالياً أو في المستقبل القريب. وهذه هي المعضلة الأكبر مع هذا الخيار، والتي تبدو شبه مستحيلة.

        الانفصال عن الكتلة العربية-السُنية.

        هيمنة المزاج الفاشي على الكتلة العربية السُنية من ناحية، وعدم وجود أفق واضح للخروج منه. مثلما أن هذا التحدي لم يعد تحدياً سورياً وحسب، إنما سياق يتجلى في محيط إسلامي واسع حيث هيمنت السلفية على معنى الإسلام المعاصر. يضاف إلى هذا انهيار الوطنية السورية وانتقالنا إلى ما بعدها. تجعل هذه العوامل المجتمعة من مسألة التعايش مع الكتلة العربية-السنية تحديّاً شديدَ الخطر والكلفة، مثلما أن الرهان على تجاوز هذه اللحظة مستقبلاً شديد الخطورة بدوره. تاريخ بلادنا لا يدعو للتفاؤل، تكفي نظرة على تاريخ الإبادات في الأناضول، والتدهور المستمر لجماعات أخرى بشكل بطيء في سوريا والعراق (المسيحيون والإيزيديون واليهود) حتى ندرك الاتجاه التاريخي الذي نعايشه.

        وهذا كله يطرح خيار الانفصال عن هذه الكتلة على الأغيار. والأغيار لا يقتصرون على من هم خارج الجماعة العربية-السُنية، بل أيضاً من أبنائها ممن لا يرون أنفسهم أمويين جدداً. و«الأغيار» هنا لا تُحيل إلى هوية محددة، بل فقط إلى لحظة الاختلاف عن المتن العربي-السني بلحظته الحالية. لا تقول صفة الأغيار  شيئاً محدداً على سبيل التعيين الإيجابي عن هؤلاء الناس أنفسهم، الذين يمكن أن يكونوا علويين أو دروزاً أو كرداً أو مسيحيين أو عرب سنة أيضاً. وهؤلاء الأغيار هم أيضاً الإجابة عن سؤال «من نحن؟»، نحن المعنيين بالإجابة عن سؤال «ما العمل؟».

        قد يكون التقسيم هو الشكل الأكثر وضوحاً لتحقيق هذا الانفصال. يبدو التقسيم بعيد المنال وصعب التحقيق للتداخل الكبير بين السكان. لكن هذا لا ينفي شيئاً حقيقياً عن إمكانيته، فقد كان التداخل السكاني في بلدان تعرضت للتقسيم والتبادل السكاني أكبر وأعمق مما نعرفه عن سوريا الآن، مثلما كان الحال في الأناضول خلال العقود الثلاث الأولى من القرن العشرين، أو بين الهند وباكستان. العامل الحاسم هو الوصول إلى العتبة التي تقتنع فيها الجماعات أن كلفة الانفصال أقل من كلفة الحياة معاً، مهما كانت هذه الكلفة كبيرة. وهذه القناعة لن تكون مبنية على حسابات رياضية وإحصائية، فنحن لا نعرف حقيقة الخيار الآخر غير المتحقق تاريخياً، فلا نعرف مثلاً ما هي كلفة بقاء الهند وباكستان موحدتين. سوريا تسير اليوم على هذا الطريق، حيث تبدو وبشكل متزايد أن كلفة التقسيم أقل من كلفة الحياة معاً، وربما يكون الكُرد والدروز قد وصلوا إلى هذه القناعة.

        ربما لا يكون التقسيم هو الشكل الوحيد لتحقيق الانفصال عن الكتلة العربية-السُنية. الصومال بدوره يقدم لنا نموذج جمهورية «أرض الصومال» التي انفصلت عملياً عن الصومال دون اعتراف دولي بها. وتبدو تجربة روجافا في سوريا نموذجاً أولياً لهذه التجربة، لكنه ما يزال بحاجة إلى تأسيس موازِ لها عبر بناء مؤسسات جمهورية من برلمان وأحزاب وانتخابات وغيرها.

        غير أن التنكر لإمكانية التقسيم ورفضها دون نظر في احتماليتها، خاصة لمصلحة خطاب حالم تماماً، قد يجعلنا في النهاية لا نقف في مواجهة التقسيم أو عدمه، إنما في مواجهة الموقف الأشد هولاً وهو التقسيم ورسم الحدود عبر الدم.

        يبدو لي أن خيار الانفصال هو الخيار الذي علينا السعي لتحقيقه، «الآن أو أبداً» هكذا عنون شودري رحمت علي دعوته لانفصال مسلمي شبه القارة الهندية عن هندوسها، فقد كانت أول إعلان صريح لرفض فكرة المواطنة المشتركة بين المسلمين والأغيار، وقد أتى هذا الرفض من طرف المسلمين أنفسهم بداية، والآن لا يوجد ما يظهر أن هذه المواطنة المشتركة القائمة على المساواة ممكنة في ظل التصورات السائدة. لقد كان تاريخنا المعاصر، تاريخ الفكرة الوطنية السورية، هو تاريخ السعي إلى تحقيق هذا الحلم، وقد انتهى إلى الفشل والهزيمة التامة. مثلما أن تاريخنا المعاصر يؤكد على تباعد تصوراتنا حول الجماعة الوطنية وقيمها وضعفنا في بناء توافقات عمومية حولها. فمنذ استقلالها عن فرنسا، لم تعرف سوريا استقراراً سياسياً إلا مع حافظ الأسد، واليوم نرى المذابح المتنقلة والواقعة على الأغيار باعتبارها وصفة بناء الدولة، وكأنها تشير إلى أن سوريا مستقرة لن تكون إلا على شاكلة سوريا الأسد أو أسوأ. الاعتراف بهزيمة الوطنية السورية يُلزمنا بالاعتراف بما يترتب عليها، واليوم علينا الانطلاق من واقعة الهزيمة التاريخية والنهائية لمشروع الدولة الوطنية بعد مضي ما يقارب القرن على انطلاق هذه المحاولة.

        إن مهمتنا أن نكون واضحين وصادقين قدر الإمكان، وأن تقدم الأسباب التي توجب خياراتنا. وهذا ما حاولت فعله هنا قدر المستطاع. إن سوريا قد انتهت وما علينا إلا دفنها، والسعي إلى مستقبل أفضل خارجها، حتى لو لم يكن لجميع السوريين، وهو ما لا يبدو خياراً متاحاً الآن.

        ربما، في لحظة مستقبلية وقد ارتاح السوريون مما يثقل عليهم، وامِنوا بعضهم بعيداً عن بعضهم البعض لزمن ما، يعودون وقتها – بفضل ما اكتسبوه من خبرة تاريخية جديدة – إلى السؤال عن إمكانية إحياء سوريا مرة أخرى. لكن الآن وهنا، لا يبدو التفكير في سوريا إلا وهماً ونوعاً ممن النوايا الطيبة التي لطالما عبدت الطريق إلى الجحيم.

موقع الجمهورية

—————————-

نحو إعادة تعريف لسوريا/ بكر صدقي

2025.08.21

قرابة تسعة أشهر انقضت على نهاية الحقبة الأسدية في تاريخ سوريا الحديث، وهي ما زالت أبعد ما تكون عن الاستقرار. وكأن اقتلاع النظام البائد قد أدى إلى ارتجاج عنيف لا يراد له أن يتلاشى. بل العكس هو ما حدث ويحدث: اشتعلت أحداث عنف جديدة في مناطق كانت هادئة إلى حد كبير في السنوات القليلة الأخيرة من حكم نظام الأسد، أبرزها مجازر الساحل والسويداء، من غير أن ننسى انتهاكات متفرقة في مناطق عديدة، بعضها على أساس طائفي، وأخرى محض إجرامية. أضف إلى ذلك الاختراقات الإسرائيلية التي بدأت، منذ لحظة فرار بشار الأسد وانهيار نظامه، بتدمير ما بقي من إمكانيات عسكرية، واجتياح للمنطقة الحدودية العازلة مع إعلان انتهاء العمل باتفاق وقف الاشتباك للعام 1974، وصولاً إلى قصف مبنى قيادة الأركان والقصر الجمهوري في دمشق.

مفهوم أن لا تعود سوريا إلى وضع «طبيعي» خلال بضعة أشهر، فالدمار الهائل في العمران والاجتماع والاقتصاد سيحتاج ربما إلى سنوات من العمل. ولكن الشرط الشارط لاستعادة الاستقرار هو البدء بخطوات جدية في اتجاهه، من المفترض أن تقوم السلطة الانتقالية بوضع خطة قابلة للتطبيق وتبدأ بتنفيذها، ولكي يشارك السوريون في ذلك على الخطة أن تحظى بقبول عام.

الواقع أن السلطة التي ملأت فراغ ما بعد نظام الأسد لم تعلن أي خطة، ولا أي تصور معلن لسوريا المستقبل باستثناء «نموذج سنغافورة» الذي تحدث عنه وزير الخارجية أسعد الشيباني في مؤتمر دافوس. لقد تجنب الناطقون باسم السلطة، الشرع والشيباني، لفظ كلمة الديمقراطية كما تجنبوا لفظ «الدولة الإسلامية» تاركين رسم ملامح «سوريا الجديدة» لإعلامييهم الذين ركزوا على الهوية الأموية، في مغازلة لمظلومية سنية نابذة للتنوع الاجتماعي في سوريا.

فإذا أضفنا تمسك هذا الإعلام بوصف السلطة الانتقالية بكلمة «الدولة» في استعادة لخطاب إعلام نظام الأسد وبيئاته الاجتماعية الموالية، حق لنا الاستنتاج بأن السلطة ومؤيديها ليس في أفقهم أي تصور لسوريا الجديدة يختلف عن سوريا القديمة في نموذجها الأسدي تحديداً: دولة شديدة المركزية، تحتكر فيها السلطة كل المجال السياسي، وهذه تتكون من عدد محدود من الأفراد بقيادة شخص واحد هو الرئيس الذي لا يساءل على ما يتخذه من قرارات، وحيث إعلام أحادي يبرر السياسات ويهندس الوعي العام… أي باختصار نظام شمولي لا يعترف بالتنوع السياسي والاجتماعي والثقافي. تتماثل في هذا النموذج السلطة مع الدولة مع الشعب (هذه هي الشعبوية) ويتم نبذ كل اختلاف وتجريم النقد والانشقاق. هذه بالطبع ليست مواصفات سلطة انتقالية من المفترض أن تقوم بإدارة رشيدة لمرحلة انتقالية تنتهي بانتخابات تنتج سلطة شرعية تمثل مصالح وتطلعات الناخبين.

ربما ينطلق مؤيدو السلطة الانتقالية من فرضية أن السنّة يشكلون أكثرية عددية من شأنها أن تنتج السلطة الانتقالية القائمة نفسها حين تقرر هذه إجراء انتخابات حرة ونزيهة بعد خمس سنوات كما ارتأى الإعلان الدستوري الذي لم يجر نقاش عام حوله. هذه فرضية غير مؤكدة، فمن قال إن السنة يشكلون كتلة سياسية واحدة متماسكة؟ حتى التيار الإسلامي نفسه متنوع وقد لا يتوحد في خياراته السياسية. وما دامت السلطة الانتقالية رافضة للتشاركية يمكننا أن نتوقع سلوكاً سياسياً معارضاً من المكونات الوطنية من غير العرب السنة. السلطة النابذة تنتج معارضتها تلقائياً فتفقد الصفة العمومية التي يفترضها مفهوم الدولة.

المفارقة أن الممسكين بالسلطة في دمشق يظهرون من التعقل (ليس دائماً) ما لا تظهره الأصوات الموالية لهم. فهذه الأخيرة منغمسة في التجييش ضد كل من يعترض على السلطة الانتقالية، وبعد العلويين والدروز جاء الدور الآن على «قسد». ففي الوقت الذي يتحدث فيه الشرع، في اجتماع حضره في مدينة إدلب، عن التوافق السياسي مع قسد وعن نبذ الاقتتال في العلاقة معه، تمتلئ صفحات التواصل الاجتماعي بالاستعدادات للحرب القادمة! هذا لا يعني أن السلطة الانتقالية غير راضية عن مسلك مؤيديها، بل يعني أنها لا تريد تحمّل مسؤولية العواقب. فهي تقدم الوعود لمحاوريها من الدول المحتضنة، ولا تستطيع التنصل منها، في حين يمكن لـ«قوى اجتماعية خارج سيطرتها» أن تشكل ضغطاً على قسد قد يرغمها على الخضوع كما تأمل السلطة. هذا ليس استبطاناً مغالياً لنوايا السلطة، فقد رأينا كيف أنها حمّلت عشائر البدو مسؤولية الفظاعات التي تم ارتكابها في السويداء، في الوقت الذي تتحمل هي المسؤولية عن 1600 قتيل من الدروز والبدو وقوات الأمن العام جميعاً نتيجة لقرار خاطئ باقتحام السويداء.

يستحق السوريون، بعد 14 عاماً من الثورة والحرب والخراب العام الذي أنتجه نظام الأسد بسبب تمسكه بالسلطة، أن يعيدوا تعريف سوريا من خلال نموذج للدولة يتوافقون عليه بعيداً عن العنف والقسر، دولة تمثل تنوعهم السياسي والثقافي والديني والمذهبي، تحترمهم وتخدمهم، تتمتع بمناعة ضد تسلط أي مجموعة تريد تحويلها إلى مزرعة تخصها حتى لو وصلت إلى السلطة بانتخابات. فهتلر نفسه صعد بأصوات الناخبين، وأطلق حرباً أدت إلى تدمير ألمانيا نفسها إضافة إلى البلدان التي قام باحتلالها.

كاتب سوري

القدس العربي

————————

أي سلطة في سوريا… أي معارضة… وأي مستقبل؟/ ياسين الحاج صالح

2025.08.21

في سوريا، كما في غيرها، يتحدد شكل المعارضة بشكل نظام الحكم، بخاصة إذا طال به الأمد. في الحقبة الأسدية شغل إسلاميون موقع المعارضة النوعية أو «الموضوعية»، بالنظر إلى تكوين النظام، وما تعرضت له البيئات السنية من تمييز وتقليل سياسي. كانت هناك قوى معارضة أخرى، يمكن أن نسميها معارضة متنحية أو ذاتية، يحفزها شعور بالواجب أو حس وطني أو دوافع عَقَدية، لكن أضعفها عدم قدرتها على إشغال موقع التضاد الحاسم مع نظام كان تكوينه بمزج بين الطائفية والسلاح، وليس فقط ما تعرضت له من قمع وتفكيك (بسَطتُ تصوريْ المعارضة في «المعارضة الموضوعية»: التشكيلة السياسية والتغير السياسي»، 2015). واليوم، المعارضة الموضوعية لحكم الإسلاميين، الذين يجمعون بين المعتقد السني أو صيغة سلفية منه والسلاح، هي شيء يشبههم: تركيبات بين هويات دينية أو إثنية والسلاح. تعبر عن مواقف معارضة مجموعات ليست هوياتية ولا مسلحة، يحركها هي الأخرى اعتبارات أخلاقية ووطنية وعقدية، لكن من لا يلتحق منها بالمعارضة الموضوعية لحكم الإسلاميين الحالي، يجدون أنفسهم في مواقع ضعيفة التأثير على سير الأوضاع في البلد.

بينما تخسر المعارضة الذاتية الفاعلية، فإن المعارضة الموضوعية، الإسلاميون يوماً والجماعات الأهلية المسلحة اليوم، تخسر الاستيعاب أو الاشتمال. لكن يتعين أن تتغير السلطة كي تتغير المعارضة، وتغيرهما معاً هو تغير التشكيلة السياسية القائمة اليوم.

ظهرت القوى المعارضة لنظام حافظ الأسد في سبعينيات القرن العشرين. كان بعض رموزها ناشطين قبل ذلك، لكنها كحركة معارضة، الموضوعية منها والذاتية، نشطت عملياً في النصف الثاني من السبعينيات. وكان أبرز قادتها من جيل حافظ الأسد، ومعظم كوادرها أصغر عمراً. عنف التشكيلة حال دون مشاركة من هم أكبر سناً، وهم على كل حال لجؤوا خارج البلد أو لاذوا بالصمت، أو اكتفوا بأدوار ثانوية تحت ظل الحكم الواحد الأسدي.

يحكم سوريا اليوم رجال في عمر حافظ الأسد حين استولى على السلطة قبل 55 عاماً. وتسير الأمور نحو ظهور قوى معارضة فتية، كما نحو استبعاد الأكبر سناً. منطق التشكيلة السياسية العنيف يحتم ذلك، وإن تكن فتية اليوم، ولا تزال فرص تغير التشكيلة، أي السلطة والمعارضة معاً، ممكنة. هل نستطيع تقدير سير الأمور في المستقبل القريب، أشهر وسنوات قليلة من اليوم؟ لدينا وضعان مرجعيان يمكن أن يُستأنَس بهما لتقدير الاحتمالات في هذا المدى الزمني، يطابقان بدايتين كبيرتين عرفتهما سوريا المستقلة: الاستقلال عام 1946، وحكم حافظ الأسد عام 1970. ووفقاً لما إذا كان حكم الإسلاميين الراهن سيشبه هذا أو ذاك، سيتحدد شكل المعارضة.

ربما نواجه أوضاعاً أشد شبهاً بما بعد الاستقلال من حيث الاضطراب وعدم الاستقرار والتقلب السياسي، وقد تضاف إليها صراعات دموية. هذه بيئة أنسب للقوى المسلحة، لأنه يستحسن في زمن مضطرب أن تصون قوتك لا أن تتخلى عنها. لكن بيئة اليوم، ولأنها بالكاد تتشكل، تطلب وتتطلب ظهور قوى تقدمية، تعمل على المستوى الوطني، تنحاز للمواطنة والديمقراطية، ولا تلتحق بالمجموعات الأهلية المسلحة، وتعمل في المجمل من أجل شكل سياسي جديد للبلد. من شأن ذلك أن يسهم في ضمان تعدد سوري لا يقتصر على ما هو أهلي وهوياتي. لا نخرج من الهوياتية بالالتحاق بالأهلي المسلح أكثر مما نخرج منها بالالتحاق بحكم الإسلاميين، الأهلي المسلح بدوره.

نخرج منها بالوطنية السورية كأرضية جامعة محتملة لسوريين مختلفين. والوطنية السورية مفهوم حقوقي وسياسي ومؤسسي، خلافاً للهوية/ الهويات، التي تحيل إلى ما هو ثقافي وجمعي وموروث. الوطنية يمكن أن تجمع، أما الهويات فلا تجمع، تفرق فقط. وهي لذلك، الوطنية، الأرضية التي يمكن أن تظهر عليها قوى تقدمية وتحررية، هي أوْلى ما تحتاجه سوريا اليوم. خمسينيات القرن العشرين كانت العقد الأكثر تقدمية في تاريخ سوريا، لكنها كانت عقداً مضطرباً انتهى بعملية انتحارية: الوحدة مع مصر، وذلك بفعل عدم قدرة السوريين على معالجة خصوماتهم وحل مشكلاتهم. ليس هناك أفق وحدوي مماثل أمام سوريين قد يعجزون عن حل مشكلاتهم، والانتحار يمكن أن يأخذ أشكالاً أخرى، منها انحلال البلد. القاعدة العامة أن من لا يستطيع حل مشكلاته ينحل هو بالذات.

أما إذا كان المرجع الأنسب لسير الأمور في سوريا في الفترة القادمة هو نموذج نظام حافظ الأسد: حكم مستقر من فوق، عنيف، يحطم خصومه وأعداءه السياسيين، ويُعوِّل على أن يكون أبدياً، مستنداً في ذلك إلى أجهزة أمنية وعسكرية مطيفة، فستكون الأمور أشد صعوبة على أي قوى سياسية مستقلة معارضة، وستجد نفسها محظورة وخارج الشرعية القائمة. ويبدو أن حكم الإسلاميين الراهن أقرب إلى نموذج حكم حافظ الأسد، والإعلان الدستوري يقرب أحمد الشرع من مؤسس السلالة الأسدية.

لكن ربما لا يصلح أي من هذين المرجعين، وقد نكون حيال وضع يمزج بينهما بصور يتعذر تقديرها اليوم. في حقبة الاستقلال كانت هناك ميول نابذة ووحدة ترابية غير مضمونة، لكن لم يكن هناك تجزؤ جغرافي فعلي، ولا جماعات أهلية مسلحة ولها روابط خارجية قوية، ولا مركز سلطة فئوي بهذا القدر. هذه فروق كبيرة. إسلاميو اليوم لا يشبهون في شيء حكم أعيان المدن سنيي المنبت في حقبة الاستقلال، وبين حين وآخر في الخمسينيات، ثم لعام ونصف من جديد بعد الانفصال عن مصر، وهذا بالنظر إلى أن إسلاميي اليوم طائفيون مبدئياً، تتحكم بهم غريزة جامحة لتركيز السلطة في أيديهم. ومن يحتمل أنهم ليسوا كذلك منهم لا يستطيعون أو لا يريدون ضبّ وضبط شتات القوى التي يتصدرونها، أي لا يظهرون ولا يتصرفون كدولة، قوة حكم عامة منظمة. وهو ما يعطي شرعية كافية للجماعات الأهلية المسلحة المناهضة لهم. هذه الجماعات هي المعارضة الموضوعية التي يتعذر أن تتغير دون تغير السلطة الأهلية القائمة.

لكن أليس لدينا وضع مرجعي ثالث؟ بلى، ثمة بداية سابقة على حكم السلالة الأسدية وعلى الاستقلال، هي ظهور الكيان السوري الحديث إثر الحرب العالمية الأولى. توجه سوريو تلك الأيام (وكانت سوريا تعني وقتها بلاد الشام التي تعرضت للتو للتقسيم إلى دول) إلى إقامة نظام دستوري استيعابي. هذه التجربة وأدها الاحتلال الفرنسي بعد قليل. لكنها جديرة بأن تستعاد اليوم، ولعلها الأجدر. فالأمر يتعلق بتأسيس فعلي، أو إعادة تأسيس وطني هو ما أهدرته السلطة الحالية بغفلة وأنانية. لقد وقعت بداية كبيرة جداً قبل ثمانية أشهر ونيف، لكنها أديرت بغرور وعقلية صغيرة، وبمعرفة تاريخية تبدو معدومة. وما تحصل من «شرعية ثورية» أهدر بسرعة قياسية عبر إعلان نهاية الثورة وبدء الدولة. ما بدأ في واقع الأمر لم يكن الدولة، بل حكم العُصبة، حكم أهلي مسلح. حكم العصبة هو نقيض التأسيس، واستئناف مغاير لحكم العصبة الأسدي. الشرعية الثورية تُتَجاوز فقط بتحولها إلى شرعية تأسيسية.

هل فات الوقت سلفاً على استعادة الشرعية؟ لعل الأزمة الوطنية التي تفجرت بعد الهجوم الطائش والمهزوم على السويداء تكون دافعاً للمراجعة والعمل على إصلاح ما أفسده مؤتمر النصر، ثم مؤتمر الحوار الوطني، فالإعلان الدستوري، فتشكيل الحكومة. يمكن للبديل أن يكون مؤتمراً سورياً عاماً، ينعقد في وقت قريب، بمشاركة أساسية من عقلاء سوريا ووطنييها، وهم كثيرون، أن يكون مؤتمر إعادة تأسيس، يقطع الدرب على المنازع الانتحارية المتنامية عند أطراف متعددة في البلد. التفصيل في ذلك في حاجة إلى تناول مستقل.

كاتب سوري

القدس العربي

————————————

 الحكومة في دمشق بين خيارين.. التنازل للخارج أو التنازل للداخل؟/ إياد الجعفري

2025.08.21

يُكشف تسريبان صحفيان، تم تمريرهما بالتزامن، قبل نحو أسبوع، عن أن السلطات في دمشق تتعرّض لضغوط خارجية غير مسبوقة، على خلفية أحداث السويداء، التي اندلعت الشهر الفائت. ونستطيع التقدير أن صانع القرار في دمشق بات بين خيارين: تقديم تنازلات مؤلمة لجهات خارجية، أو تقديم تلك التنازلات المؤلمة، للداخل.

قبل نحو أسبوع، مررت صحيفة “ذا ناشيونال” الإماراتية، الناطقة بالإنكليزية، معلومات عن عرض أميركي لتشكيل تحالف دولي لدعم التعافي وإعادة الإعمار في سوريا، مقابل تنازلات في السياسة الداخلية من جانب سلطة الرئيس أحمد الشرع. والملفت في هذا التسريب، الحديث عن التدخل بتشكيل الحكومة القائمة بدمشق، عبر تعيين تكنوقراط، تحددهم الولايات المتحدة وتركيا ودول الخليج والأردن. أي، الانتقاص من السيطرة المطلقة للمقرّبين من الشرع.

ترافق هذا التسريب، مع آخر مرّره موقع “أكسيوس” الأميركي، مفاده أن واشنطن تحاول إقناع السلطات في دمشق، بالموافقة على إنشاء ممر “إنساني” بين إسرائيل ومدينة السويداء، لإيصال المساعدات إليها. وهو الممر، الذي قالت وسائل إعلام عبرية، يوم الثلاثاء 19 آب، بأنه سيكون محور لقاء بين وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي، رون ديرمر، ووزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، بحضور المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم باراك، في العاصمة الفرنسية باريس.

ما الغاية من هذين التسريبين؟ عادةً ما تستخدم أجهزة المخابرات تقنية التسريبات الصحفية في السياسة الخارجية، كوسيلة للضغط وإحراج الخصوم، أو لإيصال رسائل سياسية لأطراف محددة. وغالباً ما تكون مصحوبة بحملة علاقات عامة مكثفة لتحقيق هدف إخضاع الطرف المستهدف. وقد تكون المعلومات المسرّبة مضللة. لكنها في حالات أخرى تكون صحيحة، ومقصود تسريبها بالفعل.

في نهاية الشهر الفائت، قام وزير الخارجية، الشيباني، بزيارة لافتة إلى موسكو. ويمكن قراءة هذه الزيارة بوصفها محاولة لموازنة الضغط الأميركي، بصورة رئيسة، عبر إدخال لاعب منافس. لكن الإشارة التي احتواها تسريب “ذا ناشيونال”، قبل أسبوع، قد يحبط أي جدوى لمحاولة الموازنة تلك، إذ يؤشر التسريب بوضوح، إلى أن واشنطن تخيّر الرئيس الشرع بين عملية إعادة إعمار جدّية وواسعة النطاق، لقاء تنازلات مؤلمة، وبين العودة إلى ذات المربع الذي انحشر فيه بشار الأسد طوال السنوات التالية للعام 2018، حين تمكن من استعادة مساحات واسعة من المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة المسلحة، وتجاوز خطر الانهيار العسكري، بفضل الدعم الروسي والإيراني. لكنه بقي في قفص العجز الاقتصادي المزمن، من جراء العقوبات، والفيتو الأميركي على أي نشاط اقتصادي حقيقي في المناطق الخاضعة لسيطرته. ولم تستطع لا روسيا ولا الصين، ولا حليفتهما المقرّبة إيران، من انتشاله من ذاك الضغط الاقتصادي الذي أدى في نهاية المطاف إلى تدهور معيشي غير مسبوق في أوساط حاضنته الموالية، كان أحد الأسباب العميقة لانهيار الروح القتالية لجيشه بصورة صادمة، خلال عملية “ردع العدوان”، قبيل 8 كانون الأول 2024.

يدرك صانع القرار في دمشق، ذلك. فهو حريص، وفق ما تؤشر إليه تحركات الوزير الشيباني، على التمسك بالانفتاح الأميركي عليه. لكن، لذاك الانفتاح كلفة مرتفعة للغاية. إذ تبدو كفة واشنطن أميل باتجاه الإرادة الإسرائيلية، التي تبحث عن سبل لتعزيز قيمة “الورقة الدرزية”، لتكون طرفاً فاعلاً في رسم معالم سوريا الجديدة، إلى جانب باقي اللاعبين الإقليميين.

وبالعودة إلى تسريب “ذا ناشيونال”، تبدو الرسالة واضحة. على أحمد الشرع أن يغيّر تركيبة السلطة وأجهزة الأمن والجيش التي شكّلها. عليه التخلص من سمة “اللون الطائفي الواحد”، والحد من نفوذ قادة الفصائل السابقين، والقبول بشخصيات خبيرة. ولا توجد فعلياً أي مشكلة في الخطوط العريضة لهذه الرسالة. بل قد يكون ذلك مطلب الكثير من النخب السورية التي انتقدت استفراد المقرّبين من “هيئة تحرير الشام”، بكل مواقع المسؤولية، بذريعة الحاجة لـ “فريق عمل متجانس”. لكن الخطير في هذه الرسالة، وفق تسريب “ذا ناشيونال”، هو الرغبة في الوصاية على دمشق، في تحديد أسماء شخصيات داخل مواقع المسؤولية.

لكن إن أهملنا تسريب “ذا ناشيونال”، وراهنا على أنه “مضلل” وغير حقيقي. كيف يمكن قراءة تزامنه مع تسريب “أكسيوس”، بخصوص “الممر الإنساني”، بين إسرائيل والسويداء؟ للوهلة الأولى، يمكن قراءة هذا التزامن، على أنه تخيير للسلطة في دمشق، بين فقدان سيطرتها المطلقة على إدارات الدولة، وبين القبول بفتح “الممر الإنساني” المرغوب إسرائيلياً. وربما الخيار الثالث، هو خسارتها للانفتاح الأميركي عليها، وهو ما يبدو أن سلطة الشرع، ليست في وارد الذهاب باتجاهه، أياً كانت الأثمان.

في العلاقات بين الدول، تستند الضغوط الخارجية على نقاط ضعف داخلية. وقد كشفت أحداث السويداء، الشهر الفائت، عن فشل ذريع في القدرة على التعامل مع إحدى نقاط الضعف الداخلية، من جانب السلطات في دمشق. وأفضل وسيلة لمقاومة الضغوط الخارجية، هي في معالجة نقاط الضعف الداخلية. في حالة ملف السويداء، يمكن مقاومة الضغوط الأميركية بخصوص “الممر الإنساني”، عبر استنفار كل القدرات لفتح قناة “دعم” حقيقية، لأبناء المحافظة. وبما أن الفصائل الممسكة بالأرض، في السويداء، ترفض التعامل مع السلطات الرسمية، يمكن الحض على تشكيل مبادرات شعبية ودعمها، وتكثيفها، والتفاوض باتجاه فتح ممرات آمنة لها، لإيصال المساعدات للمحتاجين هناك. ويجب استنفار كل القدرات لردع أي عرقلة لذلك، من جانب المسلحين المحسوبين على السلطات بدمشق. وهنا تجب الإشارة إلى حالات استهداف الخارجين من السويداء، في طريقهم

إلى دمشق، (تم تسجيل حالتين على الأقل في الأيام القليلة الفائتة)، خلال مرورهم بريف درعا الشرقي، وهو ما يؤشر إلى عجز السلطات عن ضبط المشهد الأمني في تلك البقعة. ووجود مسلحين منفلتين هناك. الأمر الذي يتطلب معالجة سريعة، وأكثر جدّية، تزيل ذريعة “الممر الإنساني”. ويجب اتخاذ إجراءات عاجلة للحد من خطاب الكراهية، في ضفة أنصار السلطة في دمشق.

ويجب فتح المجال أمام مبادرات الشخصيات الوسطية وغير المحسوبة على السلطات. من قبيل الاقتراح الذي قدّمه الرئيس الأسبق للائتلاف الوطني السوري، أحمد معاذ الخطيب، بأن يقوم رجال الدين بمجلس الإفتاء، بخطوة مباشرة للتواصل مع القيادات الدرزية في السويداء. مع منحهم الصلاحيات اللازمة لذلك. وقد تم عرض أكثر من مبادرة بهذا الاتجاه، في الأيام القليلة الفائتة، يجب دعمها، وإتاحة المجال لها، بدلاً من حصر كل مفاتيح الحل والربط، في قبضة المحسوبين مباشرة على السلطة، والذين فشلوا في إدارة الأزمة.

يجب على السلطة تقديم تنازلات جدّية لقوى سياسية ومجتمعية، ولشخصيات قادرة على التأثير، من الداخل السوري. وأن تتيح المجال لتشاركية حقيقية في صنع القرار الخاص بمستقبل هذا البلد، بدل الاستفراد به، وتقديم تنازلات مؤلمة للخارج، في سبيل الاحتفاظ بهذا الاستفراد. وللتذكير، فإن المصير النهائي الذي خلص إليه نظام الأسد، باتجاه السقوط، كان بصورة أساسية، حصيلة هذه العقدة: لنتنازل للخارج، على أن نكون “الوكلاء الحصريين” له، بدل تقديم تنازلات لقوى داخلية، تنتقص من سيطرتنا المطلقة. نأمل ألا يكون المنطق ذاته، ما يزال يحكم صانع القرار بدمشق، في الوقت الذي يتفاوض فيه مع الإسرائيلي، على فتح “ممر” إلى السويداء.

تلفزيون سوريا

—————————-

عن عواقب الخلط بين السلطة والدولة/ مروان قبلان

20 اغسطس 2025

لا بد لمتتبع تصريحات (وسلوكيات) ممثلي السلطة الجديدة في دمشق، وخصومها على السواء، أن يلحظ وجود خلط، مقصود أو غير مقصود، لديهم بين مفهومي الدولة والسلطة، بين الراسخ والمتغيّر، الدائم والمؤقت، المتفق والمختلف عليه. فخصوم السلطة يخاطبونها وكأنها الدولة، والسلطة تتحدّث عن نفسها كما لو أنها الدولة، وهذا ديدن نظام الأسد البائد، الذي درج على ترديد مقولة لويس الرابع عشر الشهيرة “أنا الدولة، والدولة أنا”، حتى يعطي الانطباع أن الخروج عليه خروج على الدولة. والخروج على الدولة، في كل مكان وزمان، جرم عظيم، يقترن بفعل الخيانة، ويستحق مرتكبه الموت. وقد بلغ الأمر بنظام الأسد أن قرن اسم سورية باسمه، فلا تبقى إلا ببقائه، وهو ما جسّده بوضوح شعار “الأسد أو نحرق البلد”، وهذا سلوك شائع في نمط الاستبداد الشرقي والدولة السلطانية، أو الدولة السلالية، التي يرتبط وجودها عادة بالأسر، أو السلالات الحاكمة، فإن هي سقطت، سقطت معها الدولة. ولذلك عندما ثار السوريون عام 2011 لم يثوروا على حكم الأسد، أو سلطته فحسب، بل ثاروا على دولته، بكل ما تمثله من ظلم وفساد وطغيان، لانتفاء الحدود بينهما. أما الدولة الحديثة، دولة القانون والمواطنة، التي تنزع السيادة من الحاكم وتضعها في الأمة، فهي تفصل بوضوح بين السلطة والدولة. الدولة هنا كيان سياسي قانوني، يشمل الإقليم والشعب، معترف به، يتمتع بالسيادة، حدوده مقدّسة، غير قابلة للتغيير بالقوة، وله مؤسّسات رسمية، تحظى بالشرعية، تدير شؤون المجتمع. أما السلطة فهي جزء من الدولة، تتجسّد في الأفراد أو الجماعات أو الأحزاب التي تدير “ماكينة” الدولة، تمثلها، وتمارس الحكم باسمها، لكن ضمن شروط معينة، بمعنى أنها تكتسب حقّ البقاء في مقعد القيادة (المنصب العام) ما دامت تحقق هذه الشروط، التي تسمّى اليوم بالشرعية.

والشرعية أنواع، أهمها، وأكثرها قبولاً اليوم، الشرعية القانونية، أو الدستورية، التي تعبّر عن إرادة الناس، وتأتي من خلال صناديق الاقتراع. والشرعية، بغض النظر عن نوعها (تقليدية، قانونية، ثورية/ انقلابية… إلخ) عقد، أو صيغة حكم بالتراضي، قد تكون ضمنية أو معلنة، عرفاً أو قانوناً، بين الناس والسلطة، يقبل بموجبها الأولون بشرعية حكم الثانية لهم ما دامت تحفظ عليهم حياتهم وممتلكاتهم وحرماتهم من أي تهديدٍ داخلي، أو خارجي، وتؤمن لهم سبل العيش الكريم، وتشركهم في إدارة شؤونهم. هذا ما يمكن السلطة من الحكم بسلاسة ومن دون اللجوء إلى وسائل الإكراه. إذا عجزت السلطة عن فرض الأمن، أو أخفقت في الدفاع عن مواطنيها ضد عدوان خارجي، أو فشلت في تأمين قوتهم وحفظ كراماتهم، أو حاولت كسر إرادتهم، عندها تغدو السلطة غير شرعية في أعين الناس.

إذا حدث هذا في النظم الديمقراطية يتم التغيير بآليات دستورية، ومن خلال المؤسّسات، أما في غير الديمقراطية، فقد يثور الناس، ويتم إسقاط الحكومة في الشارع، لعدم وجود مؤسّسات تتم ممارسة السياسة من خلالها، وقد يحمل الناس السلاح في وجه السلطة إذا استخدمت العنف الغاشم ضدهم. في كل الأحوال، سواء جرى إسقاط الحكومة في البرلمان، أو في الشارع، أو من خلال صناديق الاقتراع، أو حتى بقوة السلاح، لا تتنقل الخصومة إلى الدولة، بحيث يتم استهدافها، أو تقويضها، أو الاستعانة بالخارج عليها، أو الذهاب نحو الاستقلال بجزء منها، هرباً من ظلم تمارسه السلطة باسمها. هذا يحدث فقط عندما تحل السلطة بجسد الدولة، تذوب فيها وتتماهى معها، بحيث يغدو من المستحيل التمييز بينهما. هنا تختلط المفاهيم، ومعها حدود المسموح والممنوع القيام به. هذا تماماً ما حدا بمعارضين سوريين إلى طلب الدعم الخارجي ضد دولة/ سلطة الأسد، أو حتى التفكير بفصل جزء من البلد عنها في حال استمرارها، كما فعلت هيئة تحرير الشام عندما روّجت، في مرحلة ما، لإقامة “كيان سني في إدلب”، خارج سلطة الأسد. الأسد فعل الشيء نفسه عندما استعان بالخارج ضد شعبه الثائر على دولته.

قد يذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك، ويطلب العون من العدو، كما حصل في السويداء، الأسبوع الماضي، عندما رفعت شرذمة من الناس علم إسرائيل، وطلبت تدخلها (!). لهذا السبب تحديداً، يغدو التمييز بين السلطة والدولة أمراً مفصليّاً، وهذا يحصل فقط عندما تكف السلطة عن محاولاتها اختصار الدولة بشخصها، ويكفّ خصومها عن استهدافها وكأنها الدولة، فجوهر الخلاف في سورية يدور حول طريقة إدارة الدولة، وليس حول الدولة ذاتها. إذا لم نفعل، فكأننا نستعيد بذلك تجربة “دولة الأسد”، وكأن كل التضحيات التي قدّمها السوريون على مدى 14 عاماً ذهبت سدى.

العربي الجديد

————————-

 سوريا.. الغلبة والشراكة/ ميشال شماس

الأربعاء 2025/08/20

انكشفت هشاشة النسيج السوري وانفتحت جروح الهوية السورية على مصراعيها، ولم يعد من الممكن تجاهل الحديث الصريح عن الأقليات، أو التغاضي عن الخلافات العميقة، التي باتت تفتك بالنسيج الوطني.

باتت الدعوة للوحدة الوطنية بلا معنى، بعد أن تفجّرت الأسئلة المؤجلة حول معنى الانتماء، من نحن؟ وما شكل الدولة التي نريدها؟ ومَن يملك شرعية تمثيل السوريين والسوريات؟

في ظل هذا التصدّع، تبلورت ثلاثة تيارات رئيسية تعبّر عن تصورات متباينة لمستقبل الدولة، وتكشف عن مأزق الهوية الوطنية بين خيار الهيمنة وخيار التشاركية. هذه التيارات رغم اختلافها، إلا أنها تشترك في التعبير عن مأزق الهوية الوطنية بين خيار الغلبة وخيار الشراكة.

أولاً- تيار “الأغلبية القلقة”

يمثّل هذا التيار شريحة واسعة من العرب السنّة، الذين يرون أن تجاوز إرادتهم التاريخية في صياغة الدولة لم يعد مقبولًا. لا يطرح نفسه كتيار إقصائي، بل يسعى لاستعادة موقعه المركزي ضمن بنية الدولة، وفق رؤية تحترم عروبة البلاد وثقافتها الإسلامية، من دون العودة إلى النموذج السلطوي.

لا يخلو  هذا التيار من تناقضات داخلية، إذ تبرز داخله فئة ذات توجهات إقصائية، ولديها حضور ميداني مسلح وقوي، يمنحها نفوذاً في بعض المناطق. هذه الفئة تبدي رفضاً حاداً للخطابات المدنية أو التعددية، مما يعزّز القلق لدى المكونات الأخرى، ويعقّد مساعي بناء توافق وطني جامع قائم على الشراكة لا على الغلبة.

وعموماً يُبدي هذا التيار تحفظاً تجاه بعض الطروحات التي تدعو إلى “حياد الدولة دينياً” أو إلى “فصل القومية عن الهوية السورية”، خشية أن تُستخدم هذه المفاهيم -في ظل سياقات دولية مضادة للإسلام السياسي- كأدوات لتهميش المكوّن السنّي ثقافياً وسياسياً، أو لفرض نماذج مستوردة على الهوية الوطنية. لذلك، فإن طمأنته لا تتحقق بالخطابات المجردة، بل عبر بناء عقد اجتماعي متوازن، يضمن له شراكة عادلة من دون وصاية أو إقصاء.

ثانياً- تيار “الأقليات القلقة”

يتألف هذا التيار من مزيج المكونات الدينية والقومية التي تشعر أن السلطة الحالية لا تعبّر عن تطلعاتها، ولا تعكس خصوصياتها الثقافية أو الهوياتية. ورغم تقاطعه حول هذا الشعور، إلا أن التيار نفسه غير موحّد، إذ تتباين داخله الخطابات والتوجهات.

ففي جزء من هذا التيار يبرز خطاب متشدد يرى أن حماية الوجود المكوَّني تستلزم السيطرة الأمنية والإدارية على مناطق بعينها، ولا يجد حرجاً في الانخراط المباشر في تحالفات إقليمية أو دولية، ويرفض رموز الدولة مثل الإعلان الدستوري أو علمها الوطني، باعتبارها لا تمثّله.

وفي المقابل، تظهر داخل هذا التيار أصوات عقلانية تدافع عن صيغة الدولة السورية الجامعة، من دون إنكار خصوصياتها الثقافية أو الدينية، وتطالب بحلول سياسية تحمي حقوق المكونات من دون اللجوء إلى خيار التقسيم أو الانفصال. ومن أبرز الأمثلة على هذا الاتجاه العقلاني، قطاع واسع من السوريين الإسماعيليين والمسيحيين، الذين يرفضون الطروحات الانفصالية، ويحرصون على قيام دولة سورية مستقرة، عادلة، تصون التنوع وتحمي حقوق جميع المواطنين من دون تمييز. وينطلق المسيحيون في موقفهم من فهم عميق لمكانة المسيحية كمكون أصيل في الهوية الوطنية السورية.

ثالثًا- تيار “المجتمع المدني العابر للهويات”

يضم هذا التيار طيفاً واسعاً من المثقفين والنشطاء من خلفيات غير طائفية. ويرفض هذا التيار السلطة الحالية بوصفها سلطة شمولية، ويطرح بديلاً عنها تصوراً لدولة مدنية حيادية، تفصل بين الدين والسياسة، وتؤسس للمواطنة المتساوية كبديل عن نظام حكم شمولي. ويطمح هذا التيار إلى تجاوز الانقسامات الهوياتية التي رسّخها النظام السابق، وتحرير المجال العام من الهيمنة الطائفية أو القومية.

ورغم غِنى هذا التصوّر على المستوى النظري، إلا أن واقع التيار الميداني يكشف عن تحديات بنيوية، أبرزها غياب التماسك التنظيمي، وتفكك مكوناته، فضلاً عن افتقاره لقاعدة جماهيرية قادرة على تحويل هذا المشروع الفكري إلى قوة فعلية في المشهد السوري، الذي يظل مثقلاً بالاستقطاب والخوف من التغيير.

تُظهر هذه التيارات أن الأزمة السورية تجاوزت الخلاف السياسي، لتصبح أزمة عقد اجتماعي. كل تيار ينطلق من دوافع واقعية، لكنه يكشف أيضاً حدود مشروعه. والتحدي الأكبر هو: كيف نعيد بناء شراكة وطنية متوازنة تنقذ الدولة من التفكك؟

الجواب يكمن في طرح رؤية استراتيجية تستند إلى مبادئ واضحة تقوم على:

1- إقرار التنوع: الاعتراف بأن المجتمع السوري مركّب، وأن الصيغة المركزية القديمة لم تعد قابلة للاستمرار. يجب أن يُصاغ العقد الجديد بناءً على اللامركزية الإدارية، والاحترام الفعلي للتعددية، من دون أي مساس بكيان الدولة السورية.

2- ضمان حياد الدولة مع طمأنة الأغلبية: لا بد من إعادة تعريف الدولة السورية كدولة مدنية محايدة، لكن من دون أن يُفهم ذلك كاستهداف للأغلبية. وهنا يمكن اقتراح صياغات دستورية جديدة تحفظ الرموز الثقافية الجامعة، وتعطي ضمانات بعدم تهميش العرب السنّة أو وصمهم بسبب ماضي الجماعات الإسلامية المتطرفة.

3- تجريم التفرّد: كل سلطة قائمة خارج تفويض شعبي وطني يجب أن تُخضع للتدقيق والمساءلة. ويجب أن يُربط أي انتقال حقيقي بمؤسسات انتقالية ذات صلاحيات محددة ومراقبة، تنتهي بانتخابات تحت إشراف دولي.

باختصار، لا يمكن تجاوز المأساة السورية بالمجاملات أو القفز فوق التناقضات، بل بمواجهتها بجرأة، والانطلاق من الواقع لا الأمنيات. بناء الدولة لا يبدأ من رغبات الأطراف، بل من الاعتراف بالتنوع، والقبول المتبادل، وإعادة تعريف السلطة كخدمة وطنية لا امتيازاً فئوياً.

فتاريخ سوريا علّمنا أن التفرد لا يصنع وطناً، وأن قوة العقد الوطني تكمن في شجاعة المواجهة لا في التواطؤ أو المجاملة.

المدن

———————————

======================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى