سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

“احتكار العنف”.. الكلاشينكوف والشرعية والمواطنة/ مالك داغستاني

 

 (1)

2025.08.07

“على الدولة وحدها أن تحتكر العنف والسلاح”. عبارةٌ يردّدها أغلب السوريين اليوم. قد تبدو  هذه المقولة الشهيرة محقة نظرياً، بل ومُستلهمَة من الأدبيات الحقوقية، حيث من البديهي أن الدولة هي الكيان الوحيد المخوَّل باستخدام العنف. لكن في الظرف السوري الراهن، حتى البديهيات تحتاج للحوار.

مع بعض التبصّر، سنجد أن إيراد العبارة بطريقةٍ مجتزأة، دون فهم لبنية الدولة ومفهوم السلطة، ورقابة المجتمع والقضاء والقوانين، يجعلنا كمن يعطي تصريحاً لاستخدام العنف ضد الخصوم تحت عباءة الشرعية. لم ينسَ السوريون بعد، أن دولة الأسد احتكرت العنف لعقود، لكن على طريقتها. احتكرته بالكيماوي، والبراميل، وصواريخ سكود، بقتل المتظاهرين السلميين، واعتقال المعارضين، والإخفاء القسري. واليوم، حين يطالب مؤيدو الإدارة الجديدة بالاحتكار ذاته، فإن هذا المطلب، على وجاهته ظاهرياً، إنما تلزمه اشتراطات، أهمها أن يأتي في سياق ضمانات ديمقراطية ودستورية وقانونية.

طرح هذا الأمر اليوم في السياق السوري يبدو، حتى لو لم يُرد أصحابه، وكأنه يدلل على دعم غير مشروط للسلطة في احتكار ليس العنف وحسب بل كل شيء، كما توحي معظم المؤشرات في سوريا حتى الآن. فقد تحوّل هذا المفهوم، بعموميته، إلى غطاء للسيطرة على البلاد بكل تفاصيلها. الاقتصاد والموارد الشحيحة المتاحة، المؤسسات، والوظائف العامة. وقريباً، بعد تمام ابتلاع الدولة، ربما يصل إلى كل مفاصل المجتمع. كل ذلك يبدو للمراقب أنه يتمّ استقواءً بالرعاية الغربية والإقليمية، (هذه ليست شيكاً دائماً على بياض) دون التفاتٍ للداخل الوطني، ولا حتى اهتماماً كافياً بمستقبل البلد ومواطنيه.

بينما الطبيعي أن الدولة، حتى لو حظيت بالرعاية الدولية، فإنها لا تحتكر العنف لقمع المجتمع أو بعضه، بل لضبط الأمن ضمن القانون. أما التذرع والاطمئنان للشرعية الخارجية دون الالتفات للمحاسبة داخلياً، فهو ما سوف يدفع كثيرين للبحث عن سلطات موازية تحميهم. فشرعية احتكار العنف لا تُمنَح بمنطق الغلبة، ولا بتصفيق الموالين، بل تُنتَزع بثقة الناس. ثقةٌ لم تُبنَ حتى الآن، بل على العكس، يجري تبديدها كل يوم بفعل الصمت عن الانتهاكات المتكررة، واستمرار السير بمنطق الميليشيا التي تتزيّا بزيّ الدولة. وبديهيّ أن الأوطان لا تُبنى بالمراوغة، وأن الثقة لا تُستعاد بالبيانات الحكومية، بل بالأفعال المؤسسية الشجاعة.

ما يحدث عادةً في السياقات السلطوية غير المستقرة، هو محاولة تفريغ المفاهيم القانونية، وحتى الدستورية، من مضمونها بهدف إعادة تعبئتها في قوالب جديدة تناسب مقاس السلطة الجديدة. فتُستخدم فكرة “الشرعية” لتبرير التجاوزات والانتهاكات، ويُرفع شعار “الدولة” لتبرير احتكار المصالح من فئة بعينها لمفاصل تلك الدولة ومؤسساتها الاقتصادية الفاعلة. مع ذلك، يبدو الخطر الأكبر هنا في انزلاق المجتمع نفسه إلى هذا الفخ الكارثيّ، فنرى الجمهور يطالب بالانضباط بعيداً عن كل مستلزماتهِ وأهمها العدالة، ويتنازل عن حقه في مساءلة السلطة وانتقادها بدعوى الاستقرار، بل وتبدأ حملات لتقريع كل من يوجّه ولو انتقاداً بسيطاً. في مثل هذا المناخ، لا يكون الاحتكار أداةً لتنظيم العنف، بقدر ما هو محاولة لإخفاء أصله ومنابعه. فتتحوّل “الدولة” إلى قناعٍ لمصالح القوة والاقتصاد، بدل أن تكون تجسيداً لسيادة القانون.

في هذا المقام، وعلى ذكر المعارضة والموالاة، يبدو لي أن تربية الأسد لم تضِع معنا في الكثير من المناحي. كان الأسد الأب، ومن بعده الابن، يعتبرُ المعارضين خونة وعملاء ويستحقون الموت أو أقلّه السجن. اليوم، في الأوساط السورية الموالية والمعارضة، نُفجع يومياً بذات اللغة. فالمعارض الحالي يرى الموالي، بل وحتى من يرى الأمور بإنصاف وبعينين مفتوحتين، مجرد خائن لمبادئ الثورة. أما الموالين للسلطة الجديدة فلا يرون في المعارضين لها سوى خونة وعملاء دون أدنى شك، يستحقون الموت والسجن، حتى لو كان دافع هؤلاء المعارضين القلق على مستقبل البلد. الواقع أننا نحتاج لغة جديدة تقطع مع ثقافة “سوريا الأسد”. فالمعارض قد يكون بمثابة سفينة الإنقاذ، أو على الأقل البوصلة التي تصوِّب نحو الاتجاه الصحيح،  في الكثير من الأحيان. بينما يمكن أن يكون الموالي، في العديد من الحالات، مصيباً وليس مجرد ذيل و”مُطبِّل” يؤيد السلطة بعماءٍ مطلق، كما يصفه المعارضون.

بالعودة إلى صلب الموضوع، فالدولة المحتكرة للسلاح بمعناها الحديث، ليست الحاكم، ولا الأجهزة الأمنية، ولا حزباً بعينه. الدولة هي منظومة مؤسسات تستمد شرعيتها من الناس، وتُحاسَب حين ينحرف من هم في مفاصلها. هي عقد اجتماعي، لا أداة لقهر المختلف، ولا وسيلة لإعطاء الضوء الأخضر للمحازبين والموالين لاقتناء السلاح، مع سحبه من المختلفين. بكلمة بسيطة، احتكار العنف ليس امتيازاً، بل تفويضٌ مشروط بتحقيق العدالة، وهو ما لم يتحقق حتى الآن، حيث لا تبدو القرارات الارتجالية معبّرةً عن سيادة الدولة، بل قناعاً يحاول تغطية عجزها.

مثلكم، أعلم أن كل ما سبق لا يجيب وحده عن سؤال السلاح والشرعية والمواطنة، بل يفتح الباب لطرح الأسئلة الأهم: كيف يمكن أن تتحول الدولة من كيان يثير الريبة والخوف، مثلما عاش السوريون في عهد الأسدين، إلى كيان يُعوَّل عليه في حماية الناس؟ وما الذي يجعل احتكارها للسلاح حقاً مشروعاً، لا تهديداً إضافياً؟ فيما سيأتي تالياً، من خلال التوقف عند بعض التجارب الدولية التي واجهت تحديات مماثلة، ومقارنة مساراتها بما يحدث اليوم في سوريا، قد نتلمَّس ملامح خطواتٍ ممكنة تتجاوز التنظير واللغة الإنشائية وتلامس الواقع على الأرض.

—————————-

 “احتكار العنف”.. الكلاشينكوف والشرعية والمواطنة

 (2)

2025.08.14

رغم أن “مشروعية احتكار الدولة للعنف” أمر قانوني يناقشه عادة المختصون في اجتماعاتهم أو عبر الأبحاث والدراسات. فإن الأمر، سورياً، يختلف اليوم. إنه هنا تجربة واقعية تجري، أو ستجري على الأرض. وسوريا، مع خصوصية حالتها، إلا أنها ليست خارج العالم لنبتكر لها حلولاً مختلفة بعيداً عن التجارب المشابهة دولياً.

واقع الحال اليوم، أن السلاح في سوريا ليس بيد (الدولة) فقط، بل بيد أعداد مخيفة من المدنيين، والمجموعات العشائرية أو الطائفية، أو شبكات تهريب ومافيات الحرب، وليس من المبالغة القول إن معظمها مرتبط بقوى خارجية. هذا الواقع لا يُعالج بشعار “نزع السلاح” مجرّداً، بل بفهم السياق الذي جعل السلاح ضرورة للناس أو جزءاً جوهرياً من حياتهم، وأحياناً وسيلة للحماية وحفظ الكرامة.

لم يكن نزع السلاح في البوسنة، كمثال، فعلاً أمنياً فقط، بل مساراً لإعادة الثقة، وإصلاح القطاع الأمني، والتأكيد على حيادية الدولة ونزاهتها. فكانت هناك حاجة لمعالجة مخلّفات الحرب ونزع الخطاب الإقصائي المستند إلى سرديات الحرب، بهدف الوصول إلى تسويات تنتج لغة جامعة تؤدي إلى دولة المواطنة.

في العراق، تمت محاولات لنزع السلاح من دون خطة واضحة ولا بدائل، ما أدّى إلى خلق فراغ أمني ملأته قوى أكثر تطرفاً وطائفيةً. وفي السياق ذاته، تُظهر التجربة اللبنانية نموذجاً آخر لا يقل خطورة، حيث تم حل معظم الميليشيات بعد اتفاق الطائف، باستثناء “حزب الله”، مما كرّس سلاحاً خارج الدولة، أوشك على ابتلاعها، عدا أنه أسس لانقسام طويل، ما زلنا نشهد نتائجه حتى اليوم. احتكار العنف في هذا المقام، لا يكون برفعه كشعار وحسب، بل بتطبيقه محاطاً بشروط سياسية وأمنية ومجتمعية دقيقة ومُحكمة.

في سوريا، للأسف، لا يزال مستقبل بُنية السلطات وخصوصاً المؤسسة الأمنية والعسكرية موضع نقاش، يبدو أنه لم يُحسم حتى في مركز صنع القرار، وهذا لا يمكن أن يكون تفصيلاً إدارياً، بل فعل سياسي يؤسس أو يقوّض الثقة بالدولة. فإذا جاءت القوى الأمنية الجديدة مجرّد نسخة ولو “ملطّفة” من أجهزة قمع نظام الأسد، فهذا لن يعني سوى أننا دخلنا في دورة تاريخية جديدة من القمع والعنف. ولكن هل يُفهم مما أقول هنا، أنني أدعو إلى ترك مناطق كاملة تحت رحمة فصائل مسلحة لآجال غير محددة؟ طبعاً لا. فهذه وصفة مماثلة لسيناريو تقسيم البلاد أو الانهيار التام.

هذه الدروس من التجارب السابقة تُبرز الحاجة إلى ضرورة الاستفادة من البرامج الدولية لدعم الدول الخارجة من النزاع، كما فعلت دول مرّت بما نمرّ به اليوم، فبادرت إلى إصلاحات فعلية بالتعاون مع الأمم المتحدة وجهاتٍ فنية مختصة. ببساطة، على السلطة السورية أن تدرك أن التحدي الذي نواجهه اليوم لا يمكن حله بعناد الانغلاق أو برغبة إثبات القدرة الذاتية وحدها. فنحن لسنا أمام أزمة عابرة، بل  جميعنا غارقون في خرابٍ مجتمعي وأمني عميق يتجاوز في حدّته ما عاشته دول استعانت بالدعم الأممي علناً ونجحت.

التجارب تقول إن طلب المساعدة ليس ضعفاً أو انتقاصاً من السيادة، بل ربما هو الشرط الضروري لبنائها على أسس صلبة. أما الإصرار على العمل بمفردنا، فهو أقصر الطرق لتكرار أخطاء من ظنوا أن القوة المحلية والقدرات الذاتية تكفي، فانتهوا إلى انهيار أوسع وفشلٍ أبقى. وقناعتي أنه لن تنجح أي سلطة في سوريا، أياً كانت خلفيتها، إذا واصلت المكابرة وتوهّمت أن بإمكانها تفكيك معضلة السلاح والانقسام المجتمعي بمفردها. فنحن أمام خراب معمم، يتجاوز في حجمه وعمقه ما واجهته دول أخرى سارعت لطلب المساعدة الأممية.

بينما اختارت تلك الدول الإصلاح والتعاون الدولي، نجد لدينا، على ما يبدو لي حتى اليوم، أن الإدارة الجديدة تحاول تجريب كل الطرق الخاطئة قبل الوصول إلى الطريقة الوحيدة الصحيحة والناجحة. كأنها ما زالت تهاب كل مبادرة داخلية من مختصين سوريين أو خارجية أممية، حتى الفنية والإدارية منها، وكأن السيادة (السلطة) تعني الانغلاق. ومن البديهي الاستنتاج هنا، أنه لا يمكن لسلطة تجفل من المبادرات المجتمعية أن تدّعي قدرتها على بناء السلم الأهلي الذي ينشده السوريون.

يعتبر الخبراء الدوليون أن تجربة “سيراليون” من أفضل النماذج لنجاح عملية نزع السلاح بعد الحرب الداخلية. حيث لعبت البعثة المدنية التي أوفدتها الأمم المتحدة دوراً محورياً في دعم البرنامج. فساعدت، بدعم أممي شفاف، على جمع السلاح، وتقديم حوافز وتأهيل للمقاتلين والأطفال المجندين، وربط ذلك بمسارات المصالحة والعدالة الانتقالية، مما ساعد في تفكيك العنف وتحقيق الاستقرار.

السلاح ليس مجرد مسدسات ورشاشات كلاشينكوف فقط، بل هو علاقة مع الخوف والسلطة. كثيرون اليوم لا يثقون بأي جهة تحمل السلاح باسم الحكومة السورية. والتجربة تقول إن نزع السلاح بالقوة، من دون حماية بديلة أو تعويضات وبدائل لمن امتهن حمله سابقاً، هو وصفة لانفجار اجتماعي لاحق. حلم معظم السوريين اليوم أن تنجح السلطة الجديدة، حتى لو اختلفوا معها سياسياً وفكرياً، فيعبروا معها هذا المضيق. لكن للأسف، لم تفعل الإدارة الحالية حتى اليوم، ما يشير إلى أنها تشارك السوريين هذا الحلم.

أية خطة في هذا الصدد، يجب أن تشمل عقداً أمنياً جديداً، تشرف عليه هيئة منتخبة أو ذات صدقيّة وطنيّة، بمشاركة الضحايا والمجتمع المدني والمكونات المختلفة من دون أي إقصاء. فيأتي نزع السلاح تدريجياً، يشمل التعويضات، والتأهيل النفسي والمهني للمقاتلين السابقين، مع ضمانات دستورية تُرسّخ حياد الأجهزة الأمنية وخضوعها للمساءلة. وبالتأكيد سنحتاج هنا لإشراف دولي فني وإداري، أو إشراف أية هيئات محايدة تسهم في مراقبة العملية.

ما هو مؤكد بالنسبة لي أن تجربة نزع السلاح والعدالة الانتقالية يجب ألا تقتصر على القضاء والقوانين وإدارة العملية، بل الأهم جوهرياً أن تشمل استعادة الثقة. ثقة السوريين بعضهم ببعض وثقتهم بالدولة. بعد سقوط نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، وُحِّدت الأجهزة الأمنية، وفُتحت ملفات الماضي، وواجه الضحايا رمزيّاً جلاديهم. هذا ما أكسب الدولة شرعية لاحقة لاحتكار العنف، والأهم أنها أظهرت لمواطنيها جميعاً، أنها قادرة على محاسبة نفسها وممثليها ومنتسبيها.

الحديث عن “احتكار الدولة للعنف” في سوريا الجديدة، يجب أن لا يُفهم كحق جاهز أو تلقائي، بل هو مسؤولية مشروطة. فالدولة التي لم تشكّل بعد آليات للمحاسبة والعدالة، وفشلت حتى الآن في تشكيل جيش وطني وقوى أمنية محايدة وتحت السيطرة، بداهةً لا يمكن أن تُمنح هذا الامتياز. والسلطة التي لم تعتذر ولم تحاسِب بعد عن جرائم ارتكبها أفراد يتبعون لها، لا تُعطى هذا الحق تلقائياً. فالمجتمع الذي يشعر بالتهديد، سيبحث دوماً عن حماية بديلة، حتى لو عبر بندقية غير شرعية.

في حالتنا نحتاج، بدلاً من ترديد العبارات القانونية، إلى إعادة تعريف الدولة لنفسها. لا كسلطة قهر كما عشنا لعقود في ظل نظام الأسدين، بل كعقد بين الأفراد، يتنازل فيه المواطنون عن العنف مقابل ضمان حقوقهم. عندئذ فقط، سيكون السلاح في يد الدولة أكثر ثقةً من بقائه في يد أفراد محكومين بالخوف والفوضى. وإلا فإننا بدل بناء الدولة، نقضي على أي أمل بالوصول إليها. وعلى الأغلب سنصل إلى دويلة خوفٍ سوف تعيد إنتاج الكارثة السورية ثانيةً، لكن بهوية بصريّة جديدة.

 تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى