أبحاثسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

الردة عن الإسلام وحرية الاعتقاد/ علي العبدالله

الجمعة 22 آب 2025

أعادت المواجهات الدامية، التي وقعت في محافظة السويداء جنوب سوريا بين البدو والموحدين الدروز النقاش حول الردة وموقف الإسلام من ارتداد المسلم عن دينه وحكمه في ذلك.

ما موقف السلام من ارتداد مسلم عن دينه، وهل وضع لذلك حدا هو القتل؟

واقع الحال أن قضية الردة ليست جديدة على الاجتماع الإسلامي، فقد كانت حاضرة في معظم فترات التاريخ الإسلامي، لارتباطها بطبيعة الدولة الإسلامية، حيث إن الدين علة وجودها وأساس المواطنة فيها، واعتبار الحفاظ عليها، وعلى تماسكها مرتبطا ببقاء الالتزام بالدين وتعاليمه ومعاييره الأخلاقية والاجتماعية. وكان لافتا أن يشهد موقف الفقهاء من القضية تشديدا وتضييقا على حرية الرأي والاعتقاد، بالتوازي مع ضعف الدولة، وتآكل قدراتها وحدودها لتحصين المجتمع وتعزيز الدولة والحفاظ عليها، ما جعل هذا الموقف سياسيا بامتياز.

لقد أقر النص المؤسس للإسلام: القرآن الكريم حرية الاعتقاد وحق الإنسان في اختيار عقيدته الدينية، وتحمّل مسؤولية اختياره يوم الحساب، الآخرة أو يوم القيامة، وآياته التي قرر بها هذا الحق واضحة وصريحة، ولا تحتاج إلى شرح أو تفسير أو تأويل قال تعالى: «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» (البقرة: 256) وقال: «وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ» (الكهف:29). وخاطب الله عز وجل نبيه في آيات الذكر الحكيم في آيات عديدة محددا مهمته ودوره قال: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرا وَنَذِيرا» (الفرقان:56) وقال:»فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ» (الحجر:94) وقال: «فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ» (النحل:82) وقال: «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ» (يونس:99) وقال:»قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا، وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ» (يونس:108) وقال:»فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ إِلَّا مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ» (الغاشية:21 – 26).

تنطوي الآيات السابقة على موقف بالغ الوضوح، فحواه أن الإنسان حر في اختياره لعقيدته، وأنه مسؤول عن اختياره. وقد حاجج أصحاب موقف قتل المرتد أن هذا قبل أن يدخل الإنسان الإسلام، أما بعد أن يدخل فيه فيختلف الموقف، ويكون للارتداد تبعات وعقاب هو القتل بعد الاستتابة.

غير أن قولهم هذا يتعارض مع ما ورد في القرآن الكريم، حيث ذكر الردة والارتداد بعد الإسلام في آياته، ولم يرتب على ذلك حدّا يقام في الحياة الدنيا، بل جعل محاسبة المرتدين حقا حصريا لله، يحاسبهم على ارتدادهم يوم القيامة قال تعالى: «وَمَن یَرۡتَدِدۡ مِنكُمۡ عَن دِینِهِۦ فَیَمُتۡ وَهُوَ كَافِر فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ فِی ٱلدُّنۡیَا وَٱلۡاخِرَةِۖ وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ أَصۡحَـٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِیهَا خَـٰلِدُونَ» (البقرة:217)، تقول الآية ارتد ومات كافرا ولم تقل ارتد وقتل، وقال أيضا: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ» (المائدة:54). وقال:»يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيما فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ» (التوبة:74). آيات واضحات حاسمات جازمات، أن لا حد للردة في القرآن الكريم، وأن الحكم في قضية الاعتقاد عائد إلى الله، أو حق الله بتعبير الفقهاء، وموعد الحساب فيها يوم القيامة قال تعالى:»إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ» (الحج:17). وقد جاء فعل الرسول (عليه الصلاة والسلام) مؤكدا لهذا التوجه من حرية الاعتقاد وحق الإنسان في اختيار عقيدته، وأن أمر محاسبته عائد إلى الله عز وجل وموعده يوم القيامة، وقد تجلى ذلك في وقائع كثيرة منها، ارتداد عبدالله بن سعد بن أبي السرح، كان من كتبة الوحي، وعودته إلى مكة وتحريضه قريشا على محاربة النبي والمسلمين، فأهدر النبي دمه ولما فُتحت مكة لاذ المرتد بعثمان بن عفان (شقيقه بالرضاعة) فأخفاه عثمان حتى هدأت الأوضاع، وأخذه إلى النبي (عليه الصلاة والسلام) وطلب له الأمان فأمنه الرسول وعاد فأسلم.

وواقعة ارتداد عبدالله بن جحش الذي ارتد بعد هجرته إلى الحبشة وتنصّر فلم يطالب به النبي كي يقيم عليه الحد، ولم يطلّق منه زوجه أم حبيبة، كما فعل القضاء في مصر مع نصر حامد أبو زيد، التي بقيت على الإسلام وعادت الى المدينة بعد وفاته وتزوجها النبي. ففي الحالة الأولى هدر دم المرتد عبدالله بن سعد بن أبي السرح، لأنه دخل في عداوة مع الإسلام، وأخذ يحرّض المشركين على قتاله بينما كانت الحالة الثانية اختيارا عقائديا دون عداوة، أو حرابة، كما يحب الفقهاء القول، فلم يتخذ ضده إجراء. وارتد اثنا عشر مسلما بعد صلح الحديبية، وخرجوا من المدينة الى مكة ولم يعترضهم النبي (عليه الصلاة والسلام) أو يطلب من المسلمين قتلهم، وقد ، يا رسول الله ارتد ولداي وتنصّرا أأدعهما يدخلان النار فقرأ عليه النبي «لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ»، (البقرة:256). أما حكايته مع المنافقين وارتدادهم اليومي، عملا بنصيحة بعض اليهود كي يثيروا الريبة بالإسلام، ويشككوا المسلمين في عقيدتهم وصدق نبيهم فيرتدوا، فمشهورة وقد تجاوز عن أفعالهم.

تبقى قضية حروب الردة التي يعتمد عليها دعاة حدّ المرتد، باعتبارها سابقة في الإسلام المبكر ونفذها الخليفة الأول أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) الذي يحظى بمكانة واحترام كبيرين لدى المسلمين السُنّة. والواقعة للدارس الفطن واضحة، ولا تخدم موقف دعاة حدّ المرتد، لأنها جاءت على خلفية لا ترتبط بحرية الاعتقاد أو الارتداد عن الدين، بل جاءت على خلفية تمرّد أطراف على المركز، ورفضهم الاعتراف بسلطة الخليفة بعد وفاة النبي، ورفضهم دفع الزكاة لبيت مال المسلمين، والحوار الذي دار بين الخليفة أبي بكر وعمر بن الخطاب (رضي الله عنهما) يقدم صورة واضحة للموقف، حيث قرّر أبو بكر قتال المرتدين على رفضهم الخضوع للمركز، وتقديم الزكاة لبيت مال المسلمين، وكان موقف عمر أن يتساهل الخليفة في الأمر فرد عليه بقولته الشهيرة: «والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه للنبي لقاتلتهم فيه»؛ وأشار إلى تفريقهم بين الصلاة والزكاة، ما يعني أنهم على الإسلام وأن ردّتهم غير دينية، سياسية إن جاز التعبير، وتمرّدهم على المركز فيه هزّ لسيادة الدولة وتشكيك بشرعيتها. فحالة المرتدين هنا تشبه انفصال بيافرا عن نيجيريا ومحاولات الايرلنديين الانفصال عن بريطانيا والباسك عن اسبانيا والكيبكيين عن كندا والكورسيكيين عن فرنسا، ورد الدول الحديثة عليها كان مثل رد أبي بكر، حيث اعتبرتها خيانة عظمى وواجهتها بالقوة.

لم يقف أصحاب قتل المرتد عند معاقبة أفراد ارتدوا، بل ذهبوا بعيدا في دعواهم، حيث حكموا على مذاهب إسلامية بالردة وأباحوا دماء أتباعها كل أتباعها، رجالا ونساء؛ شيوخا وأطفالا، وقد نفذت فصائل جهادية هذا الحكم في سوريا والعراق ، وهو موقف غير إسلامي بالمطلق، حيث حرّم الإسلام قتل المدنيين غير المقاتلين، وحرّم قتل الشيوخ والنساء والأطفال، والاعتداء على الممتلكات. فقد حدّد الرسول (عليه الصلاة والسلام) لقادة جنده الحلال والحرام في القتال، فنهى عن قتل النساء والأطفال، وعن المساس بالكنائس والأديرة، وعن حرق النخيل، أو قلع الأشجار، أو هدم البيوت، أو أخذ شيء إلا بثمنه، وحرّم النهب، وقال موضحا مدى حرمته: «إن النهبة ليست بأحل من الميتة والميتة ليست بأحل من النهبة»، وحرّم ذبح الإنسان كالماشية والتمثيل بالجثث، وحدّد قتل القاتل والمفسد في الأرض بالسيف (الأداة الحربية لذلك الزمان). ولما عبر أسيد بن خضير عن استغرابه تحريم قتل الأطفال بالقول: «يا رسول الله إنما هم أولاد المشركين. ذكّره النبي قائلا: أوليس خياركم أولاد المشركين».

ووفق هذا المنطق تصرف الخلفاء الراشدون، أبو بكر وعمر وعلي، فقد أوصى أبو بكر الصديق قادة الجند قائلا: «لا تخونوا ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا ولا تقتلوا طفلا صغيرا ولا شيخا كبيرا ولا امرأة، ولا تقلعوا نخلا ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له». وكان موقف عمر بن الخطاب مما فعله خالد بن الوليد مع مالك بن نويرة قائد المرتدين في البطاح (قتله بعد استسلامه) ومطالبته الخليفة أبي بكر بإقامة الحد على خالد قرينة حاسمة على موقف الإسلام في القتال وتوسله الأساليب الشريفة والمشروعة في التصرف مع الأعداء.

وكان سلوك علي بن أبي طالب مع الخوارج، تجسيدا لتعاليم القرآن الكريم وتوجيهات الرسول الكريم في عدم الاعتداء والرد على العدوان عند وقوعه، والتوقف عن القتال عندما يتحقق ذلك، حيث لم يبادر إلى قتال الخوارج حتى بدأوه بالقتال، رغم أنه كان يعلم أنهم يستعدون لقتاله. هذا في التعاطي مع غير المسلمين، فكيف به مع المسلمين المختلفين في فهم الإلوهية ونواميس الكون وتنفيذ توجيهات الخالق وهديه؟ وكان لافتا أن التوجيه الإلهي أجاز القتال ردا على عدوان، أي أجازه كموقف دفاعي، وحرّم البدء بالعدوان، وحدد نهاية للقتال بتوقف العدوان. قال تعالى: «أُذن للذين يُقاتلون بأنهم ظلموا، وإن الله على نصرهم لقدير» (الحج:39). وأمر بالتوقف عن القتال عندما يتحقق هدفه: ارغام المعتدي على وقف عدوانه، قال عز وجل: «فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا» (النساء: 84). وحدّد سلوك المسلم مع غير المسلم المسالم بقوله جل وعلا: «فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ، فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلً» (النساء: 90)، وذهب عميقا في هذا التوجه السلمي التهادني قال تعالى: «عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ» (الممتحنة 7-8).

لا يمتلك دعاة حدّ المرتد أساسا أصوليا أو تاريخيا لتبرير موقفهم، وأن كل الأسس والمرتكزات التي استندوا إليها إما أحاديث آحاد مثل الحديث المنسوب إلى ابن عباس، الذي نصه «من بدل دينه فاقتلوه»، وقد سبق للفقهاء الاتفاق على عدم الأخذ بأحاديث الأحاد في مسائل الأصول والعقائد، أو اجتهادات مرتبطة بذهنية فقهية وبخلفية جامدة لا تتقبل التعدد والاختلاف، أو مرتبطة بخوف على الدولة والدين، ومحاولة لتحصينه بمعاقبة كل «جحد لمعلوم من الدين»، كما يقول الفقهاء، والتعسف في تفعيلها على طريقة الفقيه الحنبلي أحمد بن تيمية، الموصوف بشيخ الإسلام، الذي أفتى بقتل المسلم الذي لا يصلي كسلا، والمسلم الذي يؤخر الصلاة عن موعدها بسبب انشغاله بالعمل، بعد أن يستتابا، فإن لم يتوبا قتلا، وقتل العلماء الذين يخالفونه الرأي، وقتل أبناء المذاهب التي تخالفه المذهب قال: «ومن لم يندفع فساده في الأرض إلا بالقتل قتل مثل المفرق لجماعة المسلمين والداعي إلى البدع في الدين» (كتاب الفقه – الجهاد). ذريعة طريفة تعكس الاستخفاف بالنفس البشرية التي حرم الله قتلها وجعل قتلها يساوي قتل الجنس البشري قال تعالى:»مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ» (المائدة:32).

في الختام ثمة أساس لتجاوز الجماعات السلفية للهدي الإلهي الوارد في القرآن الكريم، والتصرف على الضد منه في كثير من القضايا والمسائل ألا وهو تحويل الفقهاء للسُنّة النبوية الشريفة، التي جاءت لتبسيط التوجيهات الإلهية للمسلمين، إلى أصل وتحويل الأصل، القرآن الكريم، إلى فرع. لقد وقع شطط مدمر في تحديد الأوزان والمواقع في الرؤية الإسلامية، حيث بات للحديث النبوي أولوية على القرآن الكريم في المنظومة الفقهية، بعد أن كان شارحا للقرآن الكريم وبات النبي (عليه الصلاة والسلام) في نظر المسلمين مصدرا للعقيدة، لا ناقلا وشارحا لها، وقد تجلى تسرب هذا التوجه إلى الحياة العامة للمسلمين، حيث باتوا يطلبون العون من الرسول لا من الله (مدد يا رسول الله مدد) حتى إن شاعرا كبيرا مثل أحمد شوقي وقع في المحظور بقوله في قصيدته نهج البردة «يا محمد هذا العرش فاستلم». وهنا تبرز الحاجة إلى إعادة الأمور إلى أصلها، بحيث يكون القرآن الكريم هو مصدر العقيدة ويكون الحديث النبوي الشريف شارحا ومقربا للفكرة والمعنى والعمل على تخليص الأحاديث النبوية الشريفة مما لحق بها، بالوضع الذي تفشى بعد انفجار الصراع السياسي على السلطة، الذي بدأ بعد وفاة الرسول الكريم واستفحل في الفترتين الأموية والعباسية، وليكون لنا في ما قاله أحمد بن حنبل، وما فعله عظة، قال إنه جمع ألف ألف حديث، أي مليون حديث في مصطلحاتنا الحديثة، وثبّت منها في مسنده أربعين ألفا، أي تخلى عن تسعمئة وستين ألف حديث.

كاتب سوري

القدس العربي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى