سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

السوريون في تركيا… أسباب متعددة لرفض العودة أو تأجيلها/ عدنان عبد الرزاق

21 اغسطس 2025

عاد عشرات آلاف السوريين من تركيا بعد إسقاط نظام الأسد، لكن مئات الآلاف لم يعودوا، وبعضهم يرجئون العودة لأسباب من بينها عدم استقرار الأوضاع أو عدم توفر الخدمات، والبعض الآخر قرر عدم العودة زائراً.

تبدلت ظروف السوريين وآمالهم سريعاً بعد نشوة التحرير وإسقاط النظام في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، ما دفع كثيراً من المقيمين في تركيا إلى مراجعة قرار العودة إلى الوطن، وتزامن ذلك مع تبدل تعامل الأتراك، حكومة وشعباً، مع السوريين، إذ غابت مظاهر العنصرية، وتراجعت نسب العنف والإساءة، وبالتالي لم تبلغ أعداد العائدين مليون سوري، ولا حتى نصف هذا الرقم، كما بشرت توقعات مسؤولين ومحللين سوريين وأتراك.

والخميس الماضي، أعلنت السلطات التركية عودة أكثر من 411 ألف سوري إلى بلادهم طوعاً منذ سقوط نظام بشار الأسد. وقالت إدارة الهجرة التركية، في بيان، إن عدد السوريين العائدين إلى بلادهم منذ عام 2016، بلغ مليوناً و151 ألفاً، وشهد عدد السوريين المقيمين في إطار الحماية المؤقتة تراجعاً إلى مليونين و543 ألفاً.

وتعددت أسباب السوريين الذين قرروا عدم العودة، فالبعض يتعلل بسوء الخدمات وقلة فرص العمل، وآخرون بغلاء المعيشة مقارنة مع الدخل، أو لارتباطهم بدراسة أولادهم، في حين كان تردد الغالبية لأسباب أمنية، بخاصة بعد عودة الصراعات إلى عدة مناطق، من بينها الساحل السوري ومحافظة السويداء، وتوقع نشوب صراعات في الشمال الشرقي حيث مناطق سيطرة “قسد”.

تعيش السورية رولا (34 سنة) في غازي عنتاب جنوبي تركيا، وتقول لـ”العربي الجديد”: “ظروف العيش في سورية الحالية غير مشجعة على العودة، وقد دفعنا أثماناً وعذابات حتى استقررنا أخيراً، ولن أزاود وطنياً وأتحدث عن الحنين والذكريات، أو عن دوري في الإعمار، فنحن لا نمتلك منزلاً بمسقط رأسي في حلب، وعرفنا أن إيجار البيت يوازي دخل الموظف بالكامل، كما أن أولادي يدرسون هنا، وباللغة التركية، فيما عمل زوجي مستمر، وأنا أعطي دروساً في اللغة العربية للأطفال منذ توقف المدارس العربية قبل سنوات. ننتظر ادخار بعض المال، وربما نعود حينما يستقر البلد”.

بدوره، يقول حسين (38 سنة): “أعمل بمنشأة تركية، وأنا مسجل بالتأمينات، ودخلي جيد، في حين لا أمتلك بيتاً بمسقط رأسي في ريف إدلب الشرقي (أبو الظهور)، إذ هدم المنزل، وخسرت كلّ ممتلكاتي خلال فترة الثورة. العودة “حتمية، لكن ليس الآن. أنتظر استقرار البلد، وادخار بعض المال كي أتمكن من بناء البيت، وإيجاد عمل للإنفاق على أسرتي. من عادوا من معارفي لم يتلقوا أية مساعدة، ولم تدعمهم أي جهة رسمية، سواء بتعويضات، أو ترميم المنازل، أو حتى تأمين فرص عمل”.

ومن بين أسباب عدم عودة السوريين من تركيا، ارتباط أولادهم بالدراسة الجامعية، كما هو حال منال التي تنحدر من العاصمة دمشق، أو ينتظرون لم الشمل في أوروبا، كما هو حال أم عمر من حمص، أو الارتباط بتجارة أو استثمار تصعب تصفيته أو بيعه سريعاً، كما هو حال نبيل الذي يستثمر بالقطاع الزراعي الحيواني.

هناك أيضاً من ينتظرون الحصول على الجنسية التركية، ما يحول دون عودتهم، إذ فتحت تركيا ملف منح الجنسية من جديد، وتقدم تسهيلات لمن كانت ملفاتهم مجمدة بالمرحلة الرابعة “الأمنية”، ومن هؤلاء المدرس خالد (53 سنة) المقيم بمدينة إسطنبول، والذي قال لـ”العربي الجديد”: “تظل الجنسية عامل أمان لي ولأولادي، وقد انتظرنا 6 سنوات، واليوم عاد الأمل بعد إعادة فتح ملف الجنسيات. بعدها سأعود إلى سورية”.

في المقابل، عاد السوري بلال حسين (29 سنة) إلى محافظة إدلب منهياً لجوءه في تركيا بعد ثماني سنوات أقام خلالها بعدة ولايات، من بينها إسطنبول، حيث عمل بالقطاع السياحي، قبل الانتقال إلى ولاية كوجي إيلي، حيث عاش لنحو ثلاث سنوات، ثم في ولاية غازي عنتاب لمدة سنتين. ويقول في اتصال هاتفي مع “العربي الجديد”: غلاء المعيشة أرهقني، فبالكاد ما أحصله يكفي إيجار المنزل والفواتير وحياة التقشف، لذا فضلت العودة إلى سورية. ظروف العيش ليست بالسوء الذي يصوره البعض، فالخدمات وفرص العمل متوفرة بمحافظة إدلب، لكن بالطبع لا يمكن مقارنة وضع الخدمات والرفاهية مع تركيا”.

بدورها، عادت المهندسة بتول الدرويش (28 سنة) إلى مدينة حلب، بعد خمس سنوات من اللجوء في تركيا، عاشت فيها ربة منزل، وأنجبت خلالها ولدين. وتقول لـ”العربي الجديد”: “كنا نعتمد على عمل زوجي، وعانينا بسبب الغلاء. ظروف العيش في سورية جيدة… لا تقارن بتركيا، لكنه بلدنا، وكنا سنعود عاجلاً أم آجلاً”.

ولم تقتصر العودة على حملة بطاقات الحماية المؤقتة “كيملك” بل عاد بعض الحاصلين على الجنسية التركية إلى سورية لأسباب متنوعة، من بينها المساهمة في بناء بلدهم، أو تأسيس عمل، أو لتنشئة أولادهم في الوطن، وعدم خسارة اللغة العربية، مع ملاحظة عودة سكان المدن أكثر من سكان الأرياف، ربما لتوفر الخدمات وفرص العمل.

يعمل محمد عرموش في منظمة إغاثة دولية، ويقول لـ”العربي الجديد” إنه أنهى إقامته بتركيا، وباع منزله في ولاية هاتاي، واشترى منزلاً في مدينة الدانا، بريف إدلب الغربي الشمالي، وبدأ التأسيس لعيش دائم. ويوضح: “إن حدثت أيّ طوارئ أو مستجدات فجنسيتي التركية تخولني الذهاب إلى دول عدة من دون فيزا. لكن العيش في سورية رغم المنغصات يظل أفضل، اقتصادياً واجتماعياً، وثمة استقرار نفسي لا يحس به إلا من اغترب لسنوات”.

من ناحية أخرى، هناك فئة من السوريين ترى في تركيا وطناً بديلاً بعد الحصول على الجنسية، أو تأسيس عمل والاندماج بالمجتمع، من دون التنكر للوطن السوري، وهؤلاء يرجحون أن يزوروا مع أولادهم وطنهم الأصلي ضيوفاً أو مستثمرين، لا للإقامة.

يقول أكاديمي سوري فضّل عدم ذكر اسمه، إن أولاده باتوا أتراكاً بكل معنى للكلمة، إذ درسوا ويعملون في تركيا، ولغتهم الأولى هي التركية، ويتحدثونها أفضل من العربية، وهم يرفضون العودة إلى سورية. ويوضح لـ”العربي الجديد”: “نظرتي للوطن وارتباطي به يختلف عن مواقف أولادي، والأرجح أن أعود، لكن ليس الآن، بعد أن أؤمن على أسرتي هنا، وقد لا أعود سوى كزيارات”.

تقيم السورية “أم محمد” في منطقة اسينيورت بإسطنبول، وقالت لـ”العربي الجديد”، إنها وأسرتها حسموا قرارهم بالبقاء في تركيا، كون أولادها باتوا أتراكاً جنسية واندماجاً وعادات، وأن قرار عدم العودة إلى سورية صار نهائياً.

من جانبها، تشير إدارة الهجرة التركية إلى أن أعداد السوريين الراغبين في العودة الطوعية تشهد ارتفاعاً منذ سقوط نظام الأسد، وبثت فيلماً قصيراً بعنوان “سماء واحدة وآمال جديدة”، وثّقت فيه مراحل عودة السوريين المدعومة بتسهيلات حكومية، والعبور السريع والسلس من المعابر، بما يشمل نقل الأمتعة والمركبات من دون تعقيدات.

وأظهرت مصادر رسمية تركية أن عدد السوريين تحت الحماية المؤقتة تراجع بنسبة 25.8% خلال آخر خمس سنوات، ليصل إلى نحو مليونين و699 ألف شخص في 5 يونيو/حزيران الماضي، مقارنة مع 3 ملايين و641 ألفًا و370 شخص في نهاية عام 2020.

وبحسب بيانات توزع السوريين في تركيا، لا تزال مدينة إسطنبول تستضيف أكبر عدد، بأكثر من 469 ألف شخص، تليها غازي عنتاب بـ 377 ألفاً، ثم شانلي أورفا بـ 235 ألفاً. أما بالنسبة لأعلى نسبة للسوريين مقارنة بعدد السكان، فقد سجلت كيليس النسبة الأعلى بـ 26.95%.

ويقول المدير السابق لمخيّم نيزب للاجئين السوريين، جلال ديمير: “لا تزال تركيا تقدم تسهيلات للاجئين السوريين، وبعد تحرير سورية تغيرت طرق التعامل، وغابت ملامح الكراهية والعنصرية التي غذتها بعض الأحزاب، خاصة خلال الاستحقاقات الانتخابية، وتم إلغاء كثير من القيود، سواء المتعلقة بالإقامة أو استئجار المنازل أو التنقل بين المحافظات. لن تفرض تركيا على أي سوري العودة، لكنها تشجع على العودة الطوعية”.

ويؤكد ديمير لـ”العربي الجديد”: “القرار التركي الرسمي هو دعم سورية والسوريين، وستبقى تركيا تقدم للاجئين جميع فرص العمل والإقامة، ولم ولن تطرد أحداً، والخطة هي زيادة التسهيلات، ومنح أذونات العمل، وحتى تسريع منح الجنسية للمتوقفة ملفاتهم. هذا ما طرحه وزير الداخلية التركي، علي يرلي قايا، خلال استقباله وزير الداخلية السوري، أنس خطاب، في أنقرة قبل أيام”.

وتتقاطع آراء المسؤولين في دمشق حول عودة السوريين من تركيا وغيرها من بلدان اللجوء، ويعترف المسؤولون السوريون بأن ثمة معوقات، أهمها المنازل المهدمة، وتردي الخدمات. ويقول وزير الاقتصاد والصناعة السوري، محمد نضال الشعار، لـ”العربي الجديد”، إن “الحكومة تولي ملف اللاجئين أولوية خاصة، لأن هؤلاء ضحوا وتعبوا خلال فترة لجوئهم هروباً من الملاحقة والموت خلال حكم نظام الأسد، ومن حقهم العودة للعيش في وطنهم بأمن وسلام وكرامة”.

ويضيف الشعار: “الحكومة تبذل قصارى الجهد لتأمين الخدمات، والتي بدأت تتوفر تباعاً، سواء الماء أو الاتصالات أو المواصلات، كي لا يكون المناخ السوري طارد. لكن علينا الاعتراف بأن البلد مهدمة بكل معنى الكلمة، وقد قوضها نظام الأسد قبل هروبه، لذا يعمل الجميع على استعادة شروط الحياة الكريمة، وتوسيع فرص العمل عبر استثمارات عربية ودولية، وفتح جميع ملفات الظلم، من عودة المفصولين، أو مصادرة الممتلكات والأموال، وطي صفحة الملاحقات والحجز”.

ويختم: “سورية اليوم بخير، وتنتظر عودة أبنائها من الكفاءات والشباب، ليساهم الجميع في مرحلة البناء والتطوير، وستكون الأمور أفضل في المستقبل القريب، وقد يعود مليون سوري أو أكثر من تركيا، كما نتوقع عودة اللاجئين من الدول العربية، ومن أوروبا، وكل ذلك مرهون بالتطور على الأرض، وتأمين الخدمات وظروف العيش الكريمة، والتي نسعى جميعنا لتحقيها، وستتحقق بهمة السوريين”.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى