إشتباكات السويداءالأحداث التي جرت في الساحل السوريالعدالة الانتقاليةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعن أشتباكات صحنايا وجرمانا

العدالة الانتقالية تحديث 22 آب 2025

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي

العدالة الانتقالية في سوريا

—————————–

قضاء غير مؤهّل يتصدّر مشهد العدالة في سورية/ ميشال شمّاس

21 اغسطس 2025

في خطوةٍ أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط الحقوقية والسياسية، وبين المتّهمين بمسار العدالة الانتقالية في سورية، أصدرا، وزارة العدل السورية والنائب العام للجمهورية، بيانَين منفصلَين يعلنان فيهما بدء دراسة ملفّات الموقوفين المتّهمين بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في سورية، وبدء محاكمة عدة موقوفين، منهم عاطف نجيب، وأحمد بدر حسّون، ومحمّد الشّعار، وإبراهيم الحويجة. ورغم ما يحمله هذا الإعلان من دلالة على وجود إرادة (وإنْ متأخّرة) لمحاسبة بعض المسؤولين عن الجرائم الجسيمة، إلا أن هذه الخطوة تثير جملةً من الإشكالات القانونية والسياسية التي لا يمكن إغفالها، أبرزها خرق واضح للإعلان الدستوري المؤقّت، وتعدٍّ خطير على صلاحيات الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية.

في 13 مارس/ آذار 2025، صدر الإعلان الدستوري المؤقّت ليكون الإطار القانوني الناظم للمرحلة الانتقالية في سورية، ونصّت المادة 49 منه على أن اختصاص العدالة الانتقالية هو اختصاص حصري للهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية. هذه الهيئة التي شُكِّلت بموجب مرسوم جمهوري في 17 مايو/ أيار 2025، بوصفها هيئةً مستقلّةً عن جميع السلطات، بما فيها السلطة القضائية. وقد مُنحت صلاحياتٍ واضحة تشمل النظر في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وتحديد آليات المحاسبة والمصالحة الوطنية، وكشف الحقيقة، وإصلاح مؤسّسات الدولة، وفي مقدّمها الجهاز القضائي.

غير أن إعلان وزارة العدل والنائب العام البدء بدراسة ملفّات المتّهمين من دون إشراف مباشر أو تنسيق مسبق مع الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية يشكّل مخالفةً دستوريةً صريحة. ويمثّل هذا التجاوز تقويضاً لروح الإعلان الدستوري، وتحويلاً للمسار الانتقالي من مشروع قانوني إلى مسرح سياسي يخضع لتوازنات لحظية وأجندات آنية. المفارقة المحزنة أنّ المحاكمات المشار إليها ستُجرى في إطار القضاء السوري القائم حالياً، وهو قضاء يُعاني من ترهّل بنيوي وفساد مزمن، وعدم استقلالية، بل إن مكوّناتٍ كثيرة منه متورّطة إمّا بصمت أو مشاركة في انتهاكات سابقة. توكيل هذا القضاء لمحاسبة شخصيات ذات نفوذ سابق، من دون إصلاح شامل للجهاز القضائي، يُعدّ بمثابة إضفاء شرعية شكلية على منظومة فاقدة للثقة. فالعدالة الانتقالية لا تُبنى إلا من خلال مؤسّسات جديدة تمتلك الأهلية القانونية والأخلاقية لتفعيل مبادئها. أمّا تكليف المؤسّسات القديمة، التي كانت جزءاً من المشكلة، بأدوار المحاسبة، فهو كمن يعهد للجلّاد بالتحقيق في سجلّه الإجرامي.

معلومٌ أن القانون السوري الحالي لا يشمل نصوصاً قانونيةً تُعرِّف الجرائم الدولية الخطيرة وتجرّمها، مثل جرائم الحرب، والجرائم ضدّ الإنسانية، أو الإبادة الجماعية، كما وردت في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، بل لا يتضمّن قانون العقوبات السوري أيّ صياغة دقيقة لهذه الجرائم، ولا يوفّر عقوبات متناسبة معها، ولا يُراعي طبيعتها المنهجية أو الجماعية. وبالتالي، فإن إجراء أيّ محاكمة لمرتكبي هذه الجرائم من دون إجراء تعديل تشريعي شامل، يُدخل هذه الجرائم في المنظومة القانونية السورية، يعني أننا أمام محاكمات فارغة المضمون قانونياً. هذا الخلل لا يُعرّض نتائج المحاكمات للبطلان فحسب، بل يُكرّس ثقافة الإفلات من العقاب، ويضع الضحايا مجدّداً أمام واقع قانوني لا يعترف بحقوقهم، ولا يمنحهم أدوات إنصاف فعّالة.

ما يجعل العدالة الانتقالية ممكنةً وفعّالةً استقلاليتها ومصداقيتها، لا سيّما لدى الضحايا والمجتمع المدني. والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية يفترض أنها تجسيد قانوني لهذه الاستقلالية، وهي الجهة التي وُجِدت لتقود العملية بما يضمن الحياد والموضوعية وعدم التوظيف السياسي أو الانتقائي للمحاسبة. أمّا أن تتجاوز السلطة هذه الهيئة، وتباشر الإجراءات الحسّاسة بشكل منفرد، فذلك يُرسّخ رسالة سلبية مؤدّاها أن العدالة ليست هدفاً، بل أداةً. هذه الرسالة لا تهدّد شرعية الهيئة فحسب، بل تُجهض مشروع العدالة من أساسه، وتُساهم في تعميق الفجوة بين المجتمع والسلطة، وخصوصاً الضحايا الذين يحتاجون إلى مسار شفّاف يُنصفهم، لا يُهمّشهم.

وحتى في حال توافرت النيات الصادقة، لا يمكن للمحاسبة أن تتحقّق ما لم تتوافر شروط بنيوية، منها تعديل قانون العقوبات وقانون أصول المحاكمات الجزائية لإدراج نصوص خاصّة بالجرائم الدولية؛ إنشاء غرف قضائية ونيابات تتبع للهيئة الوطنية؛ تدريب وتأهيل الكوادر القضائية على المعايير الدولية للمحاكمات؛ إشراك منظّمات حقوق الإنسان، وجمعيات الضحايا، والمبادرات المدنية لضمان الشفافية والتكامل. من دون هذه الشروط، فإن أيّ محاسبة ستكون مبتورةً، غير مؤهّلة لتحقيق النتائج المرجوة، بل قد تُستخدم لتصفية حسابات سياسية أو لإنتاج براءة مصطنعة لمرتكبي الجرائم.

قد تبدو تصريحات وزارة العدل والنائب العام، من حيث الشكل، بداية تحريك للملفّ، لكنّها من حيث المضمون تشكّل تحدّياً حقيقياً لجوهر العدالة الانتقالية. هذه العدالة لا تقوم على مؤسّسات فاقدة للمصداقية، ولا تُحقَّق عبر إجراءات مفاجئة تُقصي الهيئة المختصّة بالعدالة الانتقالية، بل تحتاج إلى مسار طويل الأمد يقوم على القانون، والثقة، والمساءلة الشفافة. وإن استمرّت التدخّلات غير الدستورية، وتهميش الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، وتوظيف مؤسّسات غير مُؤهَّلة، فإن العدالة ستكون عنواناً بلا أيّ مضمون، وسيُنسى الضحايا، وسيدور البلد في الحلقة نفسها من العنف والإفلات من العقاب… تتطلّب المرحلة الانتقالية محاكم جديدةً وقضاةً مؤهّلين، ونصوصاً قانونيةً مستحدثةً، وإرادةً سياسيةً صادقة. العدالة ليست ترفاً، بل حجر أساس في بناء وطن جديد يستند إلى قيم الكرامة والمساءلة والمصالحة.

العربي الجديد

——————————-

 كيف نعيد بناء المؤسسات الشرطية والأمنية في سوريا؟/ ميشال شماس

2025.08.22

اليوم، مع انكشاف الخراب الذي خلّفه نظام الأسد المخلوع، وبداية البحث عن مسارات انتقال نحو نظام جديد مستقر، تبرز قضية إصلاح الأجهزة الأمنية والشرطية كواحدة من أعقد التحديات وأخطرها. فبعد عقود من تغوّل الأجهزة على المجتمع، وتحوّل الأمن إلى أداة للقمع لا للحماية، لم يعد ممكناً بناء دولة قانون دون مراجعة جذرية لطبيعة هذه المؤسسات ووظيفتها وعلاقتها بالمواطن.

إن إعادة تشكيل جهاز الشرطة والأمن في سوريا ليست مسألة إدارية أو فنية، بل هي خطوة تأسيسية نحو ترميم العلاقة المكسورة بين الدولة والمجتمع، على قاعدة الكرامة والعدالة وسيادة القانون.

في الدول التي تسعى إلى تجاوز الحروب والنزاعات وبناء نظام يقوم على القانون والمؤسسات، تُعدّ عملية إعداد وتكوين المؤسسات الشرطية والأمنية من أصعب المهام وأكثرها حساسية. فالمسألة لا تقتصر على فرض النظام العام أو حماية الممتلكات العامة والخاصة، بل تنطوي على إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة ومواطنيها على أسس جديدة. لذلك لا بد أولاً من التمييز بين رجل الأمن والمقاتل، بين رجل أمن يسخّر جهوده لحماية القانون، وبين مقاتل اعتاد على التعامل مع عدو مباشر لا على احترام الحقوق وحل النزاعات المدنية.

    آن الأوان للتخلي عن منطق الولاء مقابل التمكين، والبدء بتأسيس وتكوين مؤسسات شرطية وأمنية ترتكز على احترام القانون.

ويُخطئ من يظن اليوم أن كل من حمل بارودة في المعارك والحرب يصلح لأن يقوم بمهام الضابطة العدلية في حفظ الأمن. فالمقاتل، مهما كانت دوافعه نبيلة، لا يُدرّب على التعامل مع المدنيين، بل على الحسم ضد عدو واضح يقف أمامه، ويتخذ قراره وفق اللحظة الراهنة التي يعيشها على جبهات القتال. أما رجل الشرطة أو الأمن، فيتطلب منه قدرة التواصل مع الناس وضبط النفس حتى في أحلك الظروف.

والدول الحديثة اليوم تبني مؤسساتها الشرطية والأمنية على أسس صارمة من التدريب والانضباط والمحاسبة، حيث تخضع عناصرها لدورات متخصصة في الحقوق الدستورية والقانونية، في طريقة استخدام القوة ومتى؟ وفي تعلم مهارات التواصل وإدارة الأزمات، وفي كيفية ضبط النفس عند حدوث مشكلة ما، إضافة إلى تعلم مبادئ حقوق الإنسان. وقد شاهدنا مؤخراً كيف تعاملت بعض العناصر الشرطية والأمنية بشكل عنيف مع الناس لا لحماية القانون، كما لو أنها تريد الانتقام لا حماية الناس ومعالجة مشكلاتهم بروح القانون.

لذا، آن الأوان للتخلي عن منطق الولاء مقابل التمكين، والبدء بتأسيس وتكوين مؤسسات شرطية وأمنية ترتكز على احترام القانون، وتحظى بثقة المجتمع، وتعي مسؤولياتها ضمن إطار القانون. فالأمن في الدولة الحديثة لا يُقاس بعدد الحواجز أو بحجم السجون، بل بقدرة الناس على الشعور بالأمان دون أن يرَوه. وتُقاس قوة الأجهزة الأمنية بقدرتها على نزع فتيل التوتر، لا بإثارة الخوف والرعب. فلا يمكن بناء الثقة بجهاز أمني يضم في صفوفه من تلطخت أياديهم بالقمع أو الدم، أو من يوالي فصيلاً بدلاً من الدولة.

لقد أثبتت تجارب دولية عديدة أن دمج المقاتلين السابقين في مؤسسات الدولة، دون تأهيل نفسي ومهني وقانوني، سيقود إلى عسكرة المؤسسة، وإلى تكرار أنماط العنف السابقة. فهل من المنطقي أن يُوكل لمن مارس التعذيب والاعتقال التعسفي مهمة حماية المواطنين؟ وهل يكفي ارتداء البزة الرسمية لمحو الماضي وبناء الثقة من جديد؟ إن دمج المقاتلين يجب أن يخضع لمعايير صارمة تبدأ بتقييم دقيق للسيرة الذاتية، والتزام صارم بالخضوع لدورات إعادة تأهيل، وإشراف مباشر من جهة رقابية مستقلة، كهيئة العدالة الانتقالية أو مجلس مدني منتخب.

إن جوهر المؤسسة الشرطية والأمنية يقوم على احترام القانون، وهذا لا يتحقق إلا إذا شعر رجل الأمن نفسه أنه خاضع للمساءلة والمحاسبة. فلا يجوز أن نُطالب الناس باحترام رجل شرطة يتصرف فوق القانون، ويمارس الإهانة أو التعذيب، أو يعتقل الناس دون مذكرات قضائية، أو يتدخل في شؤونهم.

ولضمان التزام المؤسسات الشرطية والأمنية القيام بواجباتها وفقاً للقانون، لا بد من إنشاء آليات مستقلة لمراقبة عمل الشرطة والأمن، وإتاحة قنوات شكوى حقيقية للمواطنين، وتطبيق عقوبات صارمة على أي عنصر يسيء استخدام سلطته، والتشديد على عدم تسييس الأجهزة، أو استخدامها في تصفية الحسابات، أو توجيهها ضد فئة اجتماعية أو سياسية معينة. وهذا يتطلب العمل بالخطوات الخمس التالية:

1- إنشاء معهد شرطة وطني مستقل، يخضع لإشراف قضائي ومدني، ويعتمد مناهج حقوقية حديثة.

2- إعادة تقييم شاملة لكل العناصر الأمنية الحالية، وفصل أي عنصر لا تنطبق عليه المعايير المهنية والأخلاقية.

3- تفعيل الرقابة البرلمانية والقضائية على عمل كل المؤسسات الأمنية (أمن عام، شرطة)، وضمان عدم تحولها إلى سلطة فوق الدولة.

4- إطلاق برامج توعية مجتمعية، تشرح للناس حقوقهم، وتؤكد أن الأمن مسؤوليتهم كما هو حق لهم.

5- إشراك منظمات المجتمع المدني في تدريب عناصر الشرطة على التعامل مع الفئات الهشة، مثل النساء والأطفال واللاجئين وضحايا العنف.

ما يحتاجه السوريون اليوم هو تأسيس مؤسسات شرطية وأمنية حديثة تُكرّس لخدمة المواطن وحمايته، وتستمد شرعيتها من التزامها بالقانون، لا من تسلطها عليه. فالدولة التي تبني أمنها على القمع لا تنتج سوى الخوف كأداة للحكم، بينما الدولة التي تؤسس أمنها على العدالة تزرع الثقة بينها وبين الناس.

إن الشعب السوري لم يُضحِ بأثمان باهظة من دماء بناته وأبنائه ليُعيد إنتاج أدوات قمعية جديدة، بل لينشد دولة يحكمها القانون، وسلطة أمنية تُحاسَب كما تُحاسب الناس، ومؤسسة شرطية تُلهم الاحترام لا الخوف. فالأمن ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لبناء دولة عادلة متوازنة، يُعزّزها مواطن حر يحترم شرطياً يحترم القانون.

تلفزيون سوريا

—————————–

رئيس هيئة العدالة الانتقالية في سوريا لـ«الشرق الأوسط»: ملاحقة نظام الأسد تتطلب صبراً

العميد عبد الباسط عبد اللطيف قال إن الولاية الزمنية للهيئة 5 سنوات قابلة للتمديد

دمشق: سعاد جرَوس

19 أغسطس 2025 م

قبل انتهاء «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» من تشكيل مجلسها، بدأ القضاء السوري التحقيق مع أربعة من كبار رموز النظام السابق المدانين بارتكاب جرائم حرب ضد الشعب السوري، مما أثار التساؤلات عمّا إذا كانت سيُدرج في سياق مسار العدالة الانتقالية لا سيما في ظل غياب قانون سوري خاص بالعدالة الانتقالية.

غير أن رئيس الهيئة العميد عبد الباسط عبد اللطيف، أكد في مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط» أن «إحالة رموز النظام الأربعة إلى القضاء يندرج ضمن مسار العدالة الانتقالية»، وأن إحالتهم إلى القضاء جرى بالتنسيق بين الهيئة ووزارة العدل»، رداً على أنباء تشكك في جدية الدولة في ملاحقة مجرمي النظام البائد ومحاسبتهم.

كان النائب العام للجمهورية العربية السورية، القاضي المستشار حسان التربة، قد أعلن في 30 يوليو (تموز) الماضي، تحريك دعوى الحق العام بحق عدد من المُدعى عليهم بارتكاب جرائم وانتهاكات بحق الشعب السوري، انطلاقاً من تطبيق العدالة الانتقالية ومحاسبة المتورطين، وضمان حقوق الضحايا وأسرهم. وجرى تحريك الدعوى بحق كل من المسؤولين السابقين في عهد نظام الأسد: عاطف نجيب، وأحمد بدر الدين حسون، ومحمد الشعار، وإبراهيم الحويجة.

إطلاق مسار العدالة

أصدر الرئيس السوري في السابع عشر من مايو (أيار)، مرسوماً بتشكيل هيئة للعدالة الانتقالية، تتولى الكشف عن الحقائق بشأن انتهاكات النظام البائد، ومحاسبة المسؤولين عنها، وجبر الضرر الواقع على الضحايا. وذكر المرسوم أن تشكيل هذه الهيئة، «يأتي إيماناً بضرورة تحقيق العدالة الانتقالية بوصفه ركيزة أساسية لبناء دولة القانون، وضماناً لحقوق الضحايا، وتحقيقاً للمصالحة الوطنية الشاملة».

كما نص المرسوم على تعيين العميد عبد الباسط عبد اللطيف رئيساً للهيئة، وتكليفه بـ«تشكيل فريق العمل، ووضع النظام الداخلي خلال مدة لا تتجاوز 30 يوماً من تاريخ هذا الإعلان». وبيّن أن الهيئة «تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، وتمارس مهامها في جميع أنحاء الأراضي السورية».

والعميد عبد الباسط عبد اللطيف من مواليد دير الزور، شرق سوريا، 1963، درس الحقوق في جامعة حلب، وحصل على شهادات عليا بالعلوم الشرطية والقانونية، كما شغل منصب مدير منطقة القامشلي قبل انشقاقه عن النظام عام 2012. ثم شغل منصب الأمين العام للائتلاف الوطني السوري المعارض حتى سقوط النظام.

ستحقق الهيئة في شكاوى ضحايا الانتهاكات، وتشمل قمع نظام الأسد الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت في مارس (آذار) 2011، وطالبت بتداول سلمي للسلطة، بعشرات الهجمات بالأسلحة الكيميائية، والقصف الجوي الواسع ببراميل متفجرة على مناطق مأهولة، إلى جانب الاعتقالات التعسفية، والإخفاء قسري، والتعذيب الممنهج في مراكز الاحتجاز مما أدى إلى مقتل وفقدان مئات الآلاف من المدنيين، وفق تقارير صادرة عن الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية.

مشروع قانون ينتظر الإقرار

في لقاء مع «الشرق الأوسط» بدمشق، قال العميد عبد اللطيف إنه يجري العمل على إنجاز مشروع قانون للعدالة الانتقالية وجرائم الانتهاكات الجسيمة، من المنتظر صدوره بعد انتخابات مجلس الشعب التي ستجري قريباً، وأشار إلى أن المحاكمات «ستشمل كل أنواع الجرائم المحددة في نص المرسوم، وهي الجرائم الجسيمة التي تسبب بها النظام البائد، والتي تُعرفها اتفاقيات جنيف الأربع؛ أي جرائم الإبادة وجرائم الحرب وجرائم التعذيب وجرائم الإخفاء القسري واستخدام الغازات السامة والكيماوي».

وعن إمكانية ملاحقة رأس النظام بشار الأسد وشقيقه ماهر، الفارين خارج البلاد، أوضح رئيس هيئة العدالة الانتقالية أن الملايين من السوريين ينتظرون إلقاء القبض على المجرم الذي تسبب بقتلهم وتشريدهم، «لكن ذلك يتطلب الكثير من العمل في جمع الأدلة والإثباتات وترتيبها بشكل قانوني، والى قليل من الصبر، فلا شيء يتحقق بسهولة».

تجدر الإشارة إلى أن الهيئة الآن في مرحلة التحضير لبدء عمل اللجان، وإعداد ملفات الادعاء ورفعها إلى القضاء لاستصدار مذكرات توقيف قضائية، و«سيتم التعاون مع كل الجهات والهيئات الدولية في سبيل إقامة العدل، وإنصاف الضحايا، وإحالة المجرمين إلى القضاء». وستشمل المحاسبة، حسب العميد عبد اللطيف، مرحلتَي الأسد الأب والابن، على امتداد أربع وخمسين عاماً، لأنه «من غير الأخلاقي عدم تسليط الضوء على الجرائم التي ارتكبها نظام حافظ الأسد، والماثلة لغاية الآن أمام التاريخ»، مثل مجزرة حماة التي راح ضحيتها أكثر من ثلاثين ألف ضحية، ومجازر جسر الشغور وحي المشارقة في حلب، وسجون تدمر وغيرها. «أهالي حماة يسألون إذا كان عملنا سيشمل مجازر الثمانينات، التي لم يتم التركيز عليها عالمياً لغياب الإعلام حينذاك»، غير أنه يطمئنهم مؤكداً أن «الهيئة ستستمع للجميع».

جرائم الماضي

يغطي مسار العدالة الانتقالية في سوريا، الفترة ما قبل 8 ديسمبر (كانون الأول)، وليس بعدها، وفق المرسوم الرئاسي، «وعموماً العدالة الانتقالية تبحث في جرائم الماضي»، يقول العميد عبد اللطيف في رده على سؤالنا، ويوضح: «صدر إعلان النصر وإعلان مؤتمر الحوار والإعلان الدستوري، وتشكلت الحكومة الانتقالية التي تضم وزارات الدفاع والداخلية والعدل، وهي الجهات المعنية بالتحقيق في قضايا الانتهاكات التي تحصل على الأراضي السورية، والقبض على الفاعلين ومحاكمتهم». أما هيئة العدالة الانتقالية فليست لها علاقة بتلك القضايا، دون استبعاد احتمال تكليف الهيئة بنظر بعض الجوانب التي قد تتصل بمسار عملها.

وفيما يخص الجرائم التي ارتُكبت قبل سقوط النظام من فصائل ومجموعات مسلحة غير سورية، جدَّد العميد عبد الباسط تأكيده أن المرسوم حدد الجرائم التي تسبب بها النظام البائد، لكن بما أنه هو من تسبب بدخول تنظيمات وقوات عديدة إلى الساحة السورية، يحق لكل سوري تعرض لاعتداء من أي فصيل أو جهة التقدم بشكوى ودعوى رسمية للهيئة وهي ستنظر فيها.

تشكيل مجلس الهيئة

منذ صدور مرسوم تشكيلها منتصف مايو الماضي، تلقَّت الهيئة نحو 120 طلباً تقدم بها راغبون في العمل ضمن الهيئة، وجار اختيار خمسة عشر اسماً منها أعضاء في مجلس الهيئة، بالإضافة إلى الرئيس، ليكون عدد أعضاء المجلس ستة عشر عضواً. ويشرح القاضي العميد عبد اللطيف أن باقي المتقدمين سيتم توزيعهم إلى مجموعات حسب الاختصاص، للاستفادة منهم في عمل اللجان كلٌّ حسب اختصاصه. مع التأكيد على «الركيزة الأساسية لعمل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، أي الضحايا».

وكشف رئيس الهيئة عن لقائه مع ممثلين لأكثر من عشرين دولة، خلال الشهرين الماضيين، ونحو ثلاثين منظمة مجتمع مدني محلية ودولية، تُعنى بالشأن السوري وشؤون العدالة. وقال: «كان رجاؤنا مع الجهات الدولية الاتجاه نحو إنشاء صندوق جبر الضرر، بسيادة وطنية سورية ومساهمة دولية، لأن القضية السورية لها خصوصية كبيرة، فالنظام البائد دمَّر البلد بشكل كامل وخلَّف عبئاً ثقيلاً، والدولة غير قادرة على تحمل هذا العبء وإعادة الإعمار». معبراً عن أمله بإدراج إعادة الإعمار ضمن جبر الضرر، على الأقل من جهة ترميم البيوت التي تحتاج إلى ترميم جزئي، على سبيل مواساة المتضررين ومساعدتهم.

وعن التعاون مع المنظمات السورية، قال إنها «راكمت خلال السنوات الماضية خبرات ممتازة فيما يتعلق بحقوق الإنسان والعدالة الانتقالية والمفقودين والمختفين قسرياً»، ويعد «التعاون معها هو الجزء الثاني من تشكيل الهيئة، أما الجزء الثالث فسيتشكل من الأكاديميين الحقوقيين والمؤرخين، الذي سيعملون في لجنة الذاكرة الوطنية وتخليد الذكرى من أجل التوثيق للأجيال القادمة ومنع تكرار الجرائم».

وبعد صدور مرسوم منتظَر لتشكيل أعضاء مجلس الهيئة وعقد الاجتماع الأول، سيتم التوجه بشكل تدريجي إلى المحافظات، بدءاً من الأكثر تضرراً، لكن في الوقت الراهن، يقول العميد عبد اللطيف، إنه لا إمكانات لفتح أربعة عشر فرعاً في المحافظات.

آلية تلقي الدعاوى

حول آلية العمل وتلقي الدعاوى، جارٍ العمل على إطلاق منصة إلكترونية و تخصيص أرقام هواتف لتلقي الطلبات، مع وجود برنامج لحماية الشهود. وستفرَز الطلبات وفق عمل اللجان؛ مثلاً، تذهب الادعاءات إلى لجنة الكشف عن الحقيقة التي تتولى جمع الدلائل والبراهين واستكمال ملفات الدعاوى.

وحول مدى الاستفادة من تجارب العدالة الانتقالية في العالم، قال عبد الباسط عبد اللطيف، إن العديد من الدول ذهبت في اتجاه المصالحة، ودول أخرى اتجهت نحو العدالة والمحاسبة، «نحن سنسعى لتجنب الأخطاء التي وقعت فيها تلك التجارب، ونحاول قدر الإمكان الاستفادة من إيجابياتها». وحسب رؤيته «لا بد من توازي المسارين في سوريا؛ الأول إطلاق مسار العدالة والإنصاف و المحاسبة حتى يطمئنّ المجتمع السوري بشكل كامل إلى أن العدالة أخذت مجراها، حينها يمكن الذهاب نحو مسار المصالحة الوطنية والسلم الأهلي».

وبالنظر إلى وجود أكثر من خمسين تجربة للعدالة الانتقالية في العالم، بعض الدول استغرقت خمس سنوات، وأخرى ثماني سنوات، أما النظام الداخلي للمرسوم السوري، فحدد مدة الولاية الزمنية بخمس سنوات، رغم التحديات الصعبة والكثيرة، «نأمل في إنجاز المهام خلال خمس سنوات، وإذا لم تكن كافية يمكن طلب تمديد لسنة وسنتين».

الشرق الأوسط

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى