مقالات سينمائيةمنوعات

بين طوفان البعث ونجوم النهار: سردية السينما السورية الجديدة/ بثينة عوض

الخميس 2025/08/21

أسير في أحد أحبّ شوارع دمشق إلى قلبي: شارع 29 أيار. أراقب تفاصيله الصغيرة؛ حجارة الأرصفة، وجوه العابرين، وضجيج المدينة الذي يحمل شيئاً من الألفة. أتابع المسير حتى أنحدر نحو شارع العابد، حيث تقع قهوة الروضة، ذلك المكان الذي ظل لعقود ملتقى للمثقفين والسياسيين والكتّاب.

أدفع بابها الخشبي العتيق، وأعرف وجهتي جيداً: الطاولة التي اعتاد أن يجلس إليها الصحافي ميشيل كيلو منذ عودته إلى سوريا عام 2000، بعد سنوات من الاعتقال في الثمانينيات ومنفى طويل في فرنسا. أجلس إلى جانبه كما اعتدت، نطلب قهوتنا، وأمدّه بالعدد الجديد من مجلة “أبيض وأسود”، أول مجلة سياسية مستقلة في البلاد اعمل فيها كصحافية استقصائية.

يحدّق إليّ مطولاً، بصمته المليء بالأسئلة، ثم ينهض فجأة تاركاً فنجانه من دون أن يحاسب، مشيراً للنادل بإيماءة أنه سيعود. نمشي معاً في شارع العابد. يحدّثني عن تجربته في السجن، وعن غربته الأشد وطأة في فرنسا، وعن شوقه العميق إلى مقهى الروضة، إلى هذه الطاولات والوجوه والهواء الدمشقي.

فجأة، يرمي في وجهي سؤالاً غير متوقّع: “ما هو فيلمك المفضل؟” أصمت. لم تكن السينما يوماً جزءاً من ثقافتي البصرية؛ نشأت في قرية نائية في ريف اللاذقية، بعيدة عن قاعات العرض، ثم جئت إلى دمشق طالبةً لا أملك ثمن بطاقة سينما. أتلعثم بكلمة، لكنه يربّت على كتفي ويبتسم: “خلص،… تعي، عازمِك على سينما الكندي”.

صالة مستباحة

ندخل إلى صالة سينما متواضعة؛ إضاءة باهتة وكراسٍ قديمة متعبة، بعضها يحتضن أجساد مجموعة من العساكر الذين غلبهم النعاس وسط العرض. في ركن معتم من الصالة، اختبأ شاب وفتاة يتبادلان الهمس أكثر مما يشاهدان الشاشة. كان الفيلم المعروض من النوع الهزلي الخفيف، يُعاد بثّه للمرة الثالثة في اليوم نفسه، حتى بدا المشهد كله كأنه دائرة مغلقة من التكرار والرتابة.

لم يكن ميشيل كيلو يولي اهتماماً للفيلم بقدر ما كان يراقب تفاصيل القاعة. عيناه تتنقلان بين المقاعد المهترئة، الجنود النائمين، والركن المظلم الذي يتحول إلى مساحة سرية لعاشقين. لم يكن يضحك كما يفترض بفيلم كوميدي؛ بل كان في عينيه حزن غامض، يشي بشيء أكبر من مجرد خيبة سينمائية.

خرجنا إلى الشارع بعد انتهاء العرض. لزم الصمت، لم ينبس بكلمة. كان يمشي مثقل الخطى، يطلق تنهيدة طويلة كأنها محاولة فاشلة لطرد ثقل جاثم في صدره. فهمت يومها أن ما رآه لم يكن مجرد عرض رديء في قاعة سينما باهتة، بل انعكاساً لبلد محاصر بالتكرار والجمود، حيث حتى الفرح يبدو مستعاراً.

حين عدنا إلى طاولته المعتادة في مقهى الروضة، التفت إليّ ميشيل كيلو قائلاً بصوته الهادئ، المحمّل بالمرارة: “بتعرفي ليش أخدتك لهنيك؟… لتفهمي شو عمل حافظ الأسد بهالبلد… بيعرف إنو لمّا بتلغي السينما بتلغي ذاكرة الشعوب”.

كان يرى أن القاعات ليست مجرد جدران وشاشة، بل مستودع لذاكرة جمعية، مرآة لحلم الناس بأن يكونوا جزءاً من العالم. في نظره، تدمير السينما أو تدجينها لم يكن إلا محاولة منهجية لشطب مخيلة السوريين.

يجف الدم في عروقي هو يتحدث علانية عن القائد البطل الخالد بل ويطلب من النادل، الذي كان يدور حولنا، أن يجلس ويكتب. كان يشير بذلك إلى أنه مخبر، يراقب الحوارات أكثر مما يوزّع الأكواب. شدّد كيلو على لفظ القاف ــ وهي سمة أبناء اللاذقية مثله

بطريقته في لفظ الكلام “قلي” بتعرفي إنو هالسينما الي شفتيها بالعناية المشددة؟ كانت اسمها سينما أدونيس، وبعدها بلقيس بستينيات القرن الماضي، قبل ما تصير سينما الكندي.

ثم استرسل، وقد عاد صوته ليتخذ نبرة الراوي العليم: “بعام 1970 اتخذ النادي السينمائي من صالة الكندي مقراً له. كان محمد ملص، وهيثم حقي، ونبيل المالح، وأسامة محمد يديرون العروض، ويقدمون أهم نتاجات الموجة الفرنسية الجديدة، وأفلام الواقعية الإيطالية. كانت الصالة ملتقى للحالمين، للشباب اللي بدّن يربطوا سوريا بالثقافة العالمية”.

صمت لحظة، ثم رفع صوته عالياً، وكأنما يريد أن يسمعها كل من في المقهى: “واليوم… قلبوها أوتيل لهالمعترين، ومكان للزعرنة”. خرجت الجملة أشبه بصرخة، تختصر في مرارتها تاريخ تحوّل الثقافة في سوريا من فضاء للحلم إلى فضاء مُصادَر.

تدجين

بعد سنوات قليلة، أصدرت مديرية أوقاف دمشق قراراً بفسخ عقد إيجار سينما الكندي العريقة، مبرّرة الخطوة بتحويلها إلى “مركز ثقافي”. القرار أثار حينها موجة من التساؤلات والقلق في أوساط المثقفين والفنانين، إذ بدت التسمية أشبه بواجهة دينية جديدة، تضاف إلى سلسلة من التحولات التي أعادت رسم المشهد العمراني والثقافي في دمشق، حيث راحت معالم الحياة المدنية تتراجع لصالح الطابع الديني المحافظ.

تحوّل الكندي لم يكن حادثة معزولة، بل حلقة في سلسلة طويلة من الانحدار الذي أصاب دور العرض السينمائي في سوريا. فبعد أن كانت البلاد تحتضن ما يقارب 130 صالة سينما في دمشق، وحلب، وحمص، واللاذقية، وغيرها، تراجع العدد تدريجياً حتى لم يتبقَّ سوى ست صالات فقط، معظمها غير مؤهلة تقنياً ولا تستوفي الحد الأدنى من شروط العرض الحديثة.

هذا التدهور لم يكن وليد المصادفة، بل نتيجة سياسات ممنهجة بدأت بالتضييق على النشاط السينمائي المستقل، ثم بتحويل بعض الصالات إلى مشاريع تجارية أو دينية أو حتى مستودعات مغلقة. ومع كل صالة تُطفأ أنوارها، كانت تُطوى صفحة من ذاكرة السوريين الجمعية، حيث شكّلت السينما يوماً نافذة على العالم، وفضاءً نادراً للحلم والحرية والاختلاط الاجتماعي.

ثقافة المنع

صالة الكندي، التي اعتُبرت لسنوات من أبرز الصالات السينمائية في سوريا، تتحرر اليوم من وصاية وزارة الأوقاف، معلنةً عودتها إلى الحياة بعد سقوط النظام البائد. غير أن هذه اللحظة، التي طال انتظارها، لم يسعف القدر الصحافي ميشيل كيلو ليرى بريقها؛ فقد رحل قبل أن يشهد استعادة المكان لروحه، وقبل أن يرى المخرج أسامة محمد يعود إلى دمشق بعد غياب دام أربعة عشر عاماً ليعرض أخيراً فيلمه “نجوم النهار (1988)”.

الفيلم، الذي أنجزته المؤسسة العامة للسينما بتمويل رسمي، لم يُمنع بقرار مكتوب، لكنه اصطدم بما عُرف بثقافة “المنع الشفوي”؛ ذلك العرف غير المعلن الذي طبع الحياة الثقافية السورية لعقود. لا وثيقة تشير إلى الحظر، ولا تصريح يجيز العرض، بل مجرد صمت إداري ثقيل أبقى العمل حبيس الأشرطة لسنوات طويلة.

هكذا تضافرت السياسة والرقابة لتصادر السينما مرتين: مرة حين صادرت الأمكنة وحوّلتها فضاءات فارغة أو مؤدلجة، ومرة حين كمّمت الأفلام داخل أدراج المؤسسة الرسمية. وعندما فُتحت أبواب الكندي من جديد، بدا وكأنها لا تستعيد دورها كصالة عرض فحسب، بل تُحيي ذاكرة ثقافية غُيّبت عمداً؛ ذاكرة جيل بأكمله كان يحلم بأن يرى واقعه على الشاشة.

ويُشاع أن وزيرة الثقافة السورية الأسبق، نجاح العطار ، اقترحت على الرئيس حافظ الأسد مشاهدة بعض الأفلام قبل السماح بعرضها، بسبب التحفظات الأمنية. ويُقال إن فيلمين عُرضا عليه مباشرة: “ليالي ابن آوى” (1989) للمخرج عبد اللطيف عبد الحميد، و”نجوم النهار” (1988) لأسامة محمد.

تتواتر الروايات أن الأسد ابتسم وضحك أثناء عرض الأول، بينما بدا متجهّماً إزاء الثاني، الذي حمل إسقاطات ورمزية عالية اعتُبرت تهكّماً غير مباشر عليه شخصياً. ومن أكثر المشاهد إثارة للجدل استخدام صور المطرب فؤاد غازي بالطريقة ذاتها التي اعتادت أجهزة الإعلام الرسمية عرض صور الرئيس، ما قرأته الأجهزة الأمنية كسخرية مبطنة.

في ذلك الزمن، كانت المخابرات تهيمن على كل تفصيل في المشهد الثقافي، ما دفع المخرجين إلى الاحتماء بالرمز والإيحاء. هكذا أسّس أسامة محمد لذهنية جديدة في السينما السورية: سينما محمّلة بالمعاني، قادرة على قول ما لا يُقال صراحة. “نجوم النهار” لم يكن فيلماً عابراً، بل محاولة جريئة لتفكيك علاقة السلطة بالمجتمع في الساحل السوري، حيث نشأ المخرج وينتمي. وقد اتخذ خطوة غير مسبوقة حين جعل فيلمه أول شريط روائي طويل ناطق بلهجة جبال العلويين، وهو خيار زاد من حساسية الأجهزة الأمنية تجاه العمل.

جاء ذلك في مرحلة كانت البلاد بالكاد تتنفس بعد المواجهة الدامية بين النظام والإخوان المسلمين في الثمانينيات، وما تلاها من موجة قمع طالت حتى أطرافاً يسارية تعاطفت الى حد ما مع حركة الاخوان وما تعرضت له من قمع . وسط هذه الأجواء، بدا أن مجرد الإشارة إلى المجتمع الساحلي خارج إطار “الرواية الرسمية” يشكّل تهديداً سياسياً.

غرقت سوريا في بحر من الرقابة الصارمة، قبل العرض وبعده. ومع ذلك، نجح أسامة محمد بدهاء في خداع لجنة قراءة النصوص، إذ مرّر سيناريو بدا على الورق أقرب إلى دراما اجتماعية تقليدية، بينما جاء الفيلم في صورته النهائية صادمًا، محمّلاً بدلالات سياسية تناقض خطاب السلطة. وهكذا تحوّل “نجوم النهار” إلى علامة فارقة في تاريخ السينما السورية: فيلم لم يُمنع رسمياً، لكنه لم يُعرض يوماً، وظل حاضراً بظلّه الثقيل كعمل “خارج النص”، يعكس حدود الممكن والممنوع في الثقافة السورية.

الثورة

ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، غادر المخرج البلاد، ليغيب عقداً كاملاً قبل أن يعود اليوم. غير أن عودته لا تُقرأ كعودة فردية، بل كعودة للسينما السورية التي تستحق أن تُشاهد؛ تلك التي صاغها هو وجيله من المخرجين الذين حملوا على عاتقهم همّ الذاكرة والواقع، بعيداً عن الأسماء التي عملت المؤسسة العامة للسينما على تلميعها سنوات طويلة دون أن تقدّم أي عمل سينمائي جاد أو جدير بالمشاهدة.

لقد تحوّلت المؤسسة، طوال عقود النظام البائد، من فضاء يُفترض أن يدعم الفن السابع إلى ما يشبه مزرعة بيروقراطية، ينهبها الفساد وتتحكم فيها عقلية الولاء. فمنذ وصول حافظ الأسد إلى الحكم عام 1970، تغيّرت آلية عمل المؤسسة العامة للسينما بشكل جذري، حيث فُرضت على المخرجين قيود مشددة لإنتاج أفلام لا تخرج عن حدود الإيديولوجيا البعثية الرسمية.

هذه السياسة دفعت المبدعين الحقيقيين إلى الالتفاف على الرقابة عبر الرمز والاستعارة والتجريد الزمني، في محاولة لتمرير رؤاهم حول القضايا الاجتماعية والسياسية دون الاصطدام المباشر مع السلطة. ومن هنا وُلدت “السينما الرمزية السورية”، التي وإن حوصرت داخل البلاد، فقد صنعت لنفسها سمعة خاصة في المهرجانات الدولية، بوصفها سينما قادرة على قول ما لا يُقال في واقع مكبّل.

عودة أسامة محمد اليوم ليست مجرد عودة مخرج إلى مدينته، بل عودة لذاكرة جيل كامل من السينمائيين السوريين الذين حاربوا الرقابة بالعتمة والرمز، وصاغوا مع الثورة سردية جديدة لسينما تنتمي إلى الناس، لا إلى السلطة.

نقد لاذع

اشتهر المخرج السوري عمر أميرلاي، المولود في دمشق عام 1944، بكونه أحد أبرز الأسماء التي رسّخت للسينما الوثائقية العربية حضوراً عالمياً. وُلد على مرمى حجر من مقام الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي، وهو ما ترك أثراً غامضاً في وجدانه؛ حتى أنه كان يعاهد نفسه، كلما شرع في إنجاز فيلم جديد، أن يذبح ذبيحة عند المقام، كأنما يستحضر دم الطفولة وذاكرة النذور الأولى.

قضى أميرلاي طفولته في حي الشعلان الدمشقي، على بعد خطوات من المقر التاريخي لحزب البعث ــ المبنى الذي تحوّل اليوم إلى متجر صغير لبيع الألبسة الجاهزة. هناك، في بيت عربي متواضع، كانت أوسع نوافذه المطلة على الشارع العام، هي نافذته الأولى على صخب الحياة وحركة الناس.

بدأ مسيرته بدراسة الفنون الجميلة في دمشق، لكنه سرعان ما تركها متجهاً إلى باريس لدراسة المسرح وهو في الحادية والعشرين من عمره. وفي عام 1967، التحق بمعهد الدراسات السينمائية العليا (IDHEC)، المؤسسة التي خرّجت أجيالاً من أبرز صانعي السينما الأوروبية. في أروقة باريس، صاغ أميرلاي وعيه الفني الأول، متأثراً بالتيارات الطليعية والواقعية الجديدة التي كانت تزدهر آنذاك.

مع مطلع السبعينيات، عاد إلى بلاده حاملاً زخم التجربة الأوروبية، فأنجز أول أفلامه القصيرة “محاولة عن سد الفرات” (1970). كان الفيلم أقرب إلى أنشودة بصرية تحتفي بالمشروع العملاق الذي روّج له النظام بوصفه “إنجاز القرن”. ومع ذلك، لم ينجُ العمل من مقص الرقابة، ليكتشف أميرلاي مبكراً أن التوثيق في سوريا لا يمكن أن يكون بريئاً أو محايداً.

بعد مراجعة نقدية قاسية لتجربته الأولى، بدأ بالتعاون مع الكاتب المسرحي سعد الله ونوس، وفي أقل من عامين شرعا معاً في التحضير لفيلم أصبح لاحقًا حجر زاوية في السينما العربية: “الحياة اليومية في قرية سورية” (1974). لم يكن الفيلم مجرد وثيقة عن الريف السوري، بل تشريحاً بصرياً حاداً للعلاقة بين السلطة والفلاحين، ولطريقة الدولة في صناعة خطابها الأيديولوجي عبر أبسط تفاصيل الحياة اليومية.

كان ذلك العمل إعلان ميلاد عمر أميرلاي الحقيقي، ليس كصانع أفلام فحسب، بل كصوت ثقافي ناقد حمل الكاميرا في مواجهة سلطة أرادت احتكار الحكاية.

في واحدة من أغنى مناطق سوريا بالثروات الطبيعية والزراعية، وجّه أميرلاي عدسة كاميرته نحو قرية المويلح في ريف دير الزور. هناك، حيث يُفترض أن تكون وفرة الموارد مصدر رخاء، كشف عن مشهد آخر: فقر مدقع وظلم لا محدود يلاحق السكان في تفاصيل حياتهم اليومية. لم يتردّد في تفكيك “الكذبة الكبرى” التي روّج لها حزب البعث منذ استيلائه على السلطة عام 1963، ليظهر بوضوح أن شعارات التنمية والتحديث لم تكن سوى ستار يغطي سياسات التهميش والإفقار.

في فيلمه الأشهر “طوفان في بلاد البعث” (2003)، قدّم مواجهة بصرية مباشرة مع خراب متعدد الوجوه: بيوت لا تشبه البيوت، مدارس كأنها ثكنات، شوارع محفّرة، مخافر ومستوصفات خاوية، وحقول مهدورة. كل مشهد كان بمثابة إدانة صارخة لسياسات النظام، من حافظ الأسد إلى بشار، ولحزبٍ رفع شعار “أمة عربية واحدة” فيما كان يمعن في تفكيك المجتمع وإهانة كرامته.

حمل الفيلم نقداً سياسياً لاذعاً لسياسات التربية والتعليم، حتى أن عنوانه الأصلي كان يُفترض أن يكون: “خمسة عشر سبباً لكرهي حزب البعث”. لكن الرقابة الرسمية لم تسمح بمرور مثل هذا العنوان، ولا بمضمونه. فكان أن مُنعت أعمال أميرلاي من العرض في صالات السينما السورية، لأنها كسرت الخطوط الحمراء وسمّت الأشياء بأسمائها، مقدّمة شهادة بصرية نادرة على عطب النظام في جذره.

ومع ذلك، لم تُمحَ هذه الأفلام. فخلال العقد الأول من الألفية، ومع انتشار الإنترنت ومواقع مشاركة الفيديو، شاهدها السوريون على نطاق واسع، ووجدوا فيها مرآة لما يعيشونه، وسردية بديلة عمّا فرضته السلطة عبر إعلامها الرسمي. لقد تحوّل المنع إلى دعاية عكسية؛ فكلما حُجبت أفلام أميرلاي عن الشاشة، ازدادت رغبة الناس في مشاهدتها.

في الخامس من شباط 2011، وقبل أسابيع قليلة من انطلاق الثورة السورية، رحل عمر أميرلاي إثر أزمة قلبية مفاجئة. رحل كما رحل صديقه ميشيل كيلو لاحقاً، كلاهما من دون أن يشهد اللحظة التي انتظراها طويلًا: لحظة انكسار جدار الخوف، وانفتاح الحكاية السورية على زمن جديد.

منع ديني

تُعدّ السينما السورية من أوائل التجارب السينمائية في العالم العربي، إذ تعود محاولات الإنتاج الأولى إلى مطلع القرن العشرين. ففي عام 1908، شهدت مدينة حلب أولى العروض السينمائية، قبل أن تنتقل التجربة بعد سنوات قليلة إلى دمشق عام 1912، لتصبح الشاشة البيضاء نافذة السوريين على هذا الفن الراقي القادم من أوروبا، وأداة جديدة للتعبير عن تفاصيل الحياة اليومية والأحداث المتسارعة.

ومع منتصف عشرينيات القرن الماضي، بدأت تتبلور ملامح حركة سينمائية محلية، عندما اجتمع عدد من الشباب السوري المتحمّس ممن رأوا في السينما أكثر من مجرد فرجة؛ اعتبروها وسيلة للتوثيق والتعبير عن الهوية الوطنية.

بدأت أولى المحاولات الجادة لإنتاج فيلم سينمائي في وقتٍ كان فيه هذا الفن الجديد يثير فضول النخب الشابة في دمشق وحلب. وفي مقدمة هؤلاء، برز اسم رشيد جلال، الذي امتلك معدات نادرة آنذاك: كاميرا سينمائية، آلة عرض، ولوازم للتحميض والطبع. اتفق جلال مع رفاقه، ومن بينهم أحمد تلو، على إنجاز فيلم يستند إلى قصة حقيقية عن عصابة لصوص عاثت فسادًا في دمشق وضواحيها خلال عهد الملك فيصل الأول. حمل الفيلم عنوان “المتهم البريء”، واستغرق تصويره ثمانية أشهر من العمل المضني، وبلغ طوله نحو 800 متر، وأُنتج تحت اسم شركة “حرمون للإنتاج السينمائي” التي أسسها جلال.

لكن العقبات لم تكن تقنية فحسب؛ إذ أثارت مشاركة ممثلة مسلمة في الفيلم غضب رجال الدين، ما اضطر جلال إلى إعادة تصوير المشاهد التي ظهرت فيها، مستعينًا بفتاة ألمانية تُدعى لوفانتيا كانت تقيم في دمشق آنذاك. ورغم العراقيل، اكتمل العمل عام 1928، ليُعرض في سينما الكوزموغراف بساحة المرجة، محققًا نجاحاً لافتاً لدى جمهور لم يعتد بعد على مشاهدة إنتاج محلي على الشاشة الكبيرة.

في السياق ذاته، برز اسم بهجت المصري، الشاب الدمشقي الذي بدأ عام 1925 كعارض سينمائي قبل أن ينخرط في إنتاج الأفلام القصيرة. وفي عام 1926، تعاون مع مجموعة من الهواة لإنتاج فيلم، لكنه سرعان ما فضّل العمل منفرداً، فقام بالتصوير والطبع بنفسه مستخدماً مواد بدائية، حتى أنه طبع أول أفلامه على ورق السجائر الرقيق. أنتج المصري عدداً من الأفلام التسجيلية القصيرة، وبات يُعد من أوائل روّاد السينما السورية إلى جانب رشيد جلال.

ومع نهاية العشرينيات، كانت سوريا قد دخلت بالفعل عالم السينما بخطوات شاقة لكنها واعدة. لم تكن هذه المحاولات مجرد مغامرات فردية، بل إعلانًا عن ولادة حلم سينمائي سوري سيتطور لاحقًا ليصبح جزءاً من المشهد الثقافي العربي، رغم العراقيل التي فرضها المجتمع والرقابة والسياسة.

الثلاثينيات: التأسيس المؤسسي

في عام 1931، عاد رشيد جلال لمتابعة نشاطه السينمائي، فعقد اتفاقاً مع عدد من التجار الدمشقيين، من بينهم عطا مكي، لتأسيس شركة إنتاج حملت اسم “هيلوس فن”. ومن خلالها، دخل السينما السورية شريك جديد هو إسماعيل أنزور، الذي سبق أن خاض تجربة سينمائية في النمسا، إلى جانب المخرج أرطغرل محسن. تولّى أنزور كتابة السيناريو وإخراج الفيلم الروائي الطويل “تحت سماء دمشق” (1932)، الذي اعتُبر ثاني الأفلام الروائية في سوريا. وقد جرى تصويره وتحميضه وطباعة نسخه في معامل الشركة بدمشق، وعُرض لأول مرة في سينما “سي جنق” بحي الصالحية، إحدى أرقى دور العرض في المشرق.

النضج الفني

مع دخول الأربعينيات والخمسينيات، استمرت عجلة الإنتاج، وظهرت شركات جديدة، فيما بدأت الدولة السورية بعد الاستقلال تولي اهتماماً أكبر بهذا القطاع. في هذه المرحلة، برز اسم نزيه الشهبندر، المهندس الدمشقي الذي أسس استوديو للتصوير السينمائي في حي باب توما، وأنتج العديد من الأفلام الوثائقية والقصيرة، ما جعله من أبرز رواد السينما السورية في منتصف القرن العشرين.

في عام 1963، تأسست المؤسسة العامة للسينما، وشكّلت محطة فاصلة في تاريخ السينما السورية. تولّت المؤسسة إنتاج أفلام ذات طابع فني جاد، ما منح السينما السورية اعترافاً عربياً ودولياً. إلى جانبها، ازدهر الإنتاج الخاص والمشترك، وتم إنتاج أكثر من 300 فيلم روائي طويل وقصير ووثائقي. هذه المرحلة شهدت أيضاً بروز نجوم الشباك مثل دريد لحام ونهاد قلعي، إضافة إلى الممثلة إغراء التي أثارت جدلاً واسعاً وجذبت جمهوراً خاصاً بها.

بين الطموح والرقابة

استمرت عجلة الإنتاج في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، رغم الرقابة المشددة. برزت أسماء مخرجين كبار مثل محمد ملص، ونبيل المالح، وأسامة محمد، الذين قدّموا أفلاماً جمعت بين الجمالية والرمزية السياسية. أما في الألفية الجديدة، فتراجعت وتيرة الإنتاج، واقتصر أغلبه على محاولات متفرقة، في ظل ضعف التمويل واشتداد قبضة الرقابة.

ومع ذلك لم تذهب سيرة الرواد طي النسيان؛ فقد أُنجز لاحقاً فيلم وثائقي عن أحدهم، هو نزيه رشيد، تولّى إخراجه عمر أميرلاي بالتعاون مع محمد ملص، في محاولة لتوثيق البدايات الشاقة للسينما السورية، واستعادة الذاكرة الجماعية التي صنعتها الشاشة الكبيرة.

حافظ الأسد

منذ وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970، بدا جلياً أن السينما، شأنها شأن باقي الفنون، لن تُترك خارج دائرة السيطرة. فالرجل الذي بنى سلطته على الخوف وتقديس الفرد، أدرك مبكراً خطورة الشاشة الكبيرة بوصفها وسيلة قادرة على صناعة أبطال شعبيين. والسلطة الاستبدادية، بطبيعتها، لا تحتمل وجود رموز خارج هالتها، لا في الواقع ولا في المخيلة.

هكذا، سعى النظام إلى ترويض السينما أو محاصرتها، خشية أن تتحول شخصياتها الدرامية إلى نماذج تلهم الناس. فالأبطال، في نظره، يجب أن يكونوا حصرياً من صناعة الحزب والقائد. وقد أدى ذلك إلى عقود من الرقابة والمنع الشفوي وتهميش الأصوات المبدعة، مقابل الترويج لأعمال مكرّسة لتمجيد السلطة أو الترفيه الخالي من المضمون.

لكن المفارقة أن ما حاول النظام طمسه على الشاشة عاد ليولد في الواقع. فـ”الأبطال الشعبيون” الذين خشي الأسد من ظهورهم في السينما، نشأوا في شوارع المدن السورية خلال الثورة: شباب وفتيات بصدور عارية وهتافات صاخبة، وصور تلتقطها الهواتف المحمولة، صنعت ذاكرة بصرية جديدة غطّت على أكثر من نصف قرن من التزوير الرسمي. لقد صنعت الثورة رموزها من قلب المعاناة، وأعادت للكاميرا دورها الأصلي: شهادة حيّة على زمن لا يمكن حجبه.

بدت الحياة نفسها كأنها شريط سينمائي طويل، لا يكون فيه الانتصار إلا لعين الكاميرا الثاقبة التي تلتقط اللحظة المدهشة والمزلزلة، وتعرّي الديكتاتور برمزية تتجاوز حدود الزمان والمكان.

الآن، وأنا أمشي في شارع العابد بدمشق، يداهمني طيف سينما الكندي. أمرّ مراراً أمامها، أستعيد مقاعدها المهترئة، وأتخيّل كرسي ميشيل كيلو الفارغ، سترته السوداء الطويلة، وقبعته الرمادية التي لم تفارقه. أتمناه حاضراً ليسألني مجدداً: “ما هو فيلمك المفضل؟” هذه المرّة، كنت سأجيبه من دون تردد: “نجوم النهار” ــ ذلك الفيلم الذي قاوم المنع والطمس، وبقي حاضرًا في ذاكرة السينما السورية كصرخة ضد القهر.

ثم أواصل المسير، أبحث عن أسامة محمد في وجوه العابرين، وأتأمل واجهة سينما الكندي وقد استعادت اسمها ووجهها، عائدة إلى حضن السينما من جديد، كأنها تبشّر بولادة ذاكرة سورية مختلفة… ذاكرة لن تُصادر بعد اليوم.

المدن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى