تطور الإقتصاد السوريسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

تحوُّل مصرفي في سوريا: الإسلامية تتقدّم والتقليدية تتراجع/ دمشق – رهام علي

الأربعاء 2025/08/20

يشهد القطاع المصرفي في سوريا تنافساً متزايداً بين المصارف الإسلامية والتقليدية، وسط تحديات اقتصادية كبيرة. إذ تحقق المصارف الإسلامية نمواً واضحاً بفضل عوامل دينية واقتصادية وتنظيمية، بينما تواجه المصارف التقليدية صعوبات متعددة تؤثر على أدائها. وفي مقارنة بين النوعين تظهر اختلافات جوهرية في النمو، الأرباح، وثقة العملاء، تعكس واقع السوق المصرفي السوري اليوم.

الصيرفة الإسلامية والتحول الاقتصادي

يرى الباحث الاقتصادي ملهم جزماتي أن نمو المصارف الإسلامية في سوريا يعكس قدرة هذه المصارف على استقطاب مدخرات شريحة واسعة من السوريين الذين يفضلون الخدمات المالية المتوافقة مع اقنناعاتهم الدينية وتجنب الفائدة الربوية. هذا الميل الثقافي والديني يتحول بحسب جزماتي إلى “ميزة اقتصادية”، خصوصاً في أوقات الأزمات، حيث يزداد الطلب على حلول مصرفية تراعي القيم المجتمعية.

ويشير جزماتي في حديث لـ”المدن”، إلى أن تراجع عمل البنوك التقليدية، ولاسيما الحكومية، يعود إلى مشكلات هيكلية مثل ضعف الإدارة، التدخل الحكومي، وارتفاع القروض المتعثرة. بالمقابل، تعتمد المصارف الإسلامية على مشاركة المودعين في الأرباح والخسائر، ما يقلل من تكاليف القروض المتعثرة.

ويوضح الباحث الاقتصادي أن الطلب الشعبي ليس وحده السبب، فيقول: “المصارف الإسلامية تتمتع بمرونة تمويلية أكبر، حيث ترتبط أدوات التمويل الإسلامي بعمليات تجارية حقيقية، ما يجعلها أكثر عملية في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة”. كما قدمت منتجات جديدة مثل الإجارة المنتهية بالتمليك التي تلبي احتياجات العملاء، إضافة إلى أن فقدان الثقة في البنوك التقليدية بسبب قروض متعثرة منحت المصارف الإسلامية فرصة لاستقطاب عملاء جدد، بحسب تعبيره.

ويعتبر جزماتي أن الفارق في أداء المصارف الإسلامية والتقليدية ليس طفيفاً، بل هو تحول ملحوظ، حيث تتفوق الإسلامية في النمو، عدد العملاء، والأرباح، إذ باتت الخيار الأكثر أماناً ومصداقية، فيما فقدت المصارف التقليدية الكثير من بريقها بسبب ضعف الأداء المالي وعدم قدرتها على التكيف مع الواقع الاقتصادي.

في السياق، يلفت الباحث إلى سياسات حكومية واضحة تدعم الصيرفة الإسلامية، مثل نية إصدار صكوك إسلامية سيادية، والسماح للمصارف التقليدية بتقديم منتجات إسلامية. كما ساهمت سياسات البنك المركزي في تعزيز رأسمال البنوك الإسلامية، مع خلفية حكومية تمنع التعامل بالقروض الربوية.

ثقة رجال الأعمال

من جانبه، يرى رجل الأعمال السوري هادي غزلان أن المصارف الإسلامية استقطبت جمهوراً واسعاً من السوريين، نتيجة العقبات المتزايدة التي واجهت البنوك التقليدية، خصوصاً الحكومية منها، والتي عانت من ضعف الإدارة، وتدخلات سياسية، وارتفاع نسب القروض المتعثرة.

في المقابل يقول غزلان لـ”المدن” استفادت المصارف الإسلامية من بنيتها المختلفة، القائمة على الشراكة في الأرباح والخسائر، وأدوات تمويل مرتبطة بالتجارة الحقيقية، ما منحها مرونة وقدرة على التعامل مع الظروف الاقتصادية الصعبة”.

هذا التحول لم يكن مجرد خيار ديني أو ثقافي وفقاً لرجال الأعمال، بل أصبح استجابة واقعية لحاجة الناس إلى خدمات مالية موثوق فيها، تعكس القيم المجتمعية وتراعي ظروف السوق. ومع فقدان الثقة في القطاع المصرفي التقليدي خلال حكم النظام السابق، برزت المصارف الإسلامية كخيار أكثر جاذبية، مدعوم بتجربة تمويلية متنوعة، ومخاطر أقل، وانضباط تشغيلي أعلى.

المصارف السورية: وجهتان مختلفتان

تؤكد إحصائيات البنك المركزي السوري المنشورة في تقريره السنوي لعام 2023 أن أصول المصارف الإسلامية ارتفعت بنسبة تقارب 28 في المئة مقارنة بالعام السابق، ما يعكس تفضيلاً متزايداً لدى العملاء للخدمات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية. وبحسب التقرير، يُعزى هذا النمو إلى عوامل عدة، منها تحسن الأطر التشريعية ودعم السلطات المالية للصيرفة الإسلامية، إلى جانب ازدياد وعي العملاء وتوجههم نحو منتجات مالية أخلاقية ومستدامة. كما أشار التقرير إلى أن المصارف الإسلامية استطاعت تقليل نسبة القروض المتعثرة مقارنة بالمصارف التقليدية، مما عزز ثقة المستثمرين والمودعين في هذا القطاع. ومع ذلك، لا تزال البيانات الرسمية مفصّلة حول أداء المصارف الإسلامية في سوريا محدودة، مما يستدعي متابعة مستمرة لتقويم دقيق وتحديث مستمر للمعلومات.

الفارق القانوني والواقع الاقتصادي

يشرح المحامي يزن نواف الحكيم المتخصّص بقانون المصارف التقليدية والإسلامية، أن القانون ينظر إلى المصارف التقليدية كمؤسسات مالية تمارس أعمالها وفق قوانين محددة، وتركز على تحقيق الربح من خلال الفائدة على القروض والودائع، وتخضع لرقابة البنوك المركزية التي تصدر التراخيص والتعليمات المنظمة لعملها. وتتضمن أنشطتها قبول الودائع، منح القروض، إجراء التحويلات، وتحقيق الأرباح عبر الفائدة. كما تواجه هذه المصارف مخاطر متعددة مثل الائتمانية والسوقية والتشغيلية، مع دور فعال للبنك المركزي في تنظيم عملها.

أما المصارف الإسلامية فتخضع وفقاً للحكيم، لإجراءات الترخيص عينها، لكنها تلتزم بأحكام الشريعة الإسلامية التي تحظر التعامل بالفائدة، وتعتمد على عقود مثل المرابحة والمشاركة والمضاربة لتنظيم العمليات، مع وجود هيئة رقابة شرعية تتابع مطابقة أعمالها لأحكام الدين. وتصدر تشريعات خاصة لتنظيم عملها، مع الالتزام بالشفافية والإفصاح المالي.

ويشير الحكيم في تصريح لـ”المدن” إلى أن هناك مبالغة إعلامية أحياناً في تقويم أداء المصارف الإسلامية، نتيجة التسويق المكثف والارتباط العاطفي بالدين، وقلة الدراسات المحايدة، ما يستدعي إجراء تقويم شامل وموضوعي لأداء هذه المصارف مع مراعاة الإيجابيات والسلبيات.

ويؤكد أن المصارف التقليدية في سوريا تواجه تحديات كبيرة تشمل العقوبات الاقتصادية، نقص السيولة، تراجع الثقة، ضعف البنية التحتية الرقمية، والمخاطر الائتمانية، إضافة إلى تأثيرات سعر الصرف وصعوبات إعادة الهيكلة والتحول الرقمي.

ويلخص الحكيم الفرق القانوني الجوهري بأن المصارف التقليدية تعتمد على الفائدة لتحقيق الربح، بينما المصارف الإسلامية تحظر الفائدة وتعتمد على المشاركة في الربح والخسارة، وتلتزم بمعايير أخلاقية تهدف إلى التنمية الاقتصادية المستدامة.

خلاصة السوق

وفقًا لتقرير صادر عن وكالة “رويترز” في نيسان 2024، شهد القطاع المصرفي الإسلامي العالمي نموًا مطّردًا، حيث تجاوزت الأصول الإسلامية 3.6 تريليون دولار، بمعدل نمو سنوي متوسط يبلغ 12 في المئة. ويُعزى هذا التوسع إلى الطلب المتزايد على الخدمات المالية المتوافقة مع الشريعة، خاصة في الأسواق التي تمر بأزمات اقتصادية. ويبدو أن سوريا تتحرك ضمن هذا السياق، إذ يُظهر السوق المحلي مؤشرات مشابهة في التوجه العام للمودعين والهيئات التشريعية، ما يعزز دور المصارف الإسلامية كبديل مالي متصاعد.

ومع ذلك، لا يعني هذا التوسع الإسلامي تراجعاً حتمياً للمصارف التقليدية، بل يشير إلى ضرورة إعادة هيكلة هذه المصارف، وتطوير أدواتها، وتعزيز شفافيتها لتتمكن من استعادة ثقة العملاء والمنافسة بفعالية في سوق مصرفي بات أكثر تنوعاً وتطلباً.

المدن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى