حتى لا ننسى الذكرى الـ12 لمجزرة الكيماوي في الغوطة

———————————-
مجزرة الغوطة وصفقة الكيماوي 2013/ جوزيف ضاهر
السيادة والأكاذيب في سوريا
21 آب 2025
تحلّ اليوم (٢١ أغسطس/آب) الذكرى الثانية عشرة لمجزرة الغوطة التي استخدم فيها نظام الأسد السلاح الكيميائي، ممّا أسفر عن مقتل أكثر من ألف مدني، وما أدى في نهاية المطاف إلى تسليم نظام بشار الأسد السلاح الكيميائي بعد اتفاق روسي أميركيّ، ما يعكس الفجوة بين الخطاب الذي ادّعى الدفاع عن السيادة الوطنية والقضية الفلسطينية من جهة، بينما اتخذ قراراتٍ على حساب سيادة الدولة لإنقاذ حكمه الاستبدادي.
في ٢١ أغسطس/آب ٢٠١٣، استخدم نظام الأسد أسلحةً كيميائية لمهاجمة مناطق تسيطر عليها المعارضة في ريف دمشق، الغوطة الشرقية والغربية، ممّا أسفر عن مقتل أكثر من ألف مدنيّ. حصل ذلك أثناء وجود لجنة تحقيق دولية في دمشق كانت قد وصلت قبل ثلاثة أيام للبحث في هجومٍ كيماوي أضيق نطاقًا كان قد سبق بفترة قصيرة. بدا توقيت الهجوم تهوّرًا سياسيًا، بالإضافة إلى كونه جريمةً نكراء. في الأيّام التالية، تزايدت التهديدات بتدخلاتٍ عسكرية بقيادة غربية ضدّ النظام السوري على الساحة الدولية. إلا أنّ اتفاقًا أميركيًا روسيًا سمح للنظام السوري السابق بمواصلة قمعه للشعب السوري حتى سقوطه في ٢٠٢٤. انطلاقًا من هذا الحدث المأساوي، يتناول هذا المقال الفجوة بين خطاب النظام الأسدي السابق في سوريا، الذي ادّعى الدفاع عن السيادة الوطنية والقضية الفلسطينية من جهة، بينما اتخذ قراراتٍ على حساب سيادة الدولة لإنقاذ حكمه الاستبدادي.
في أعقاب الهجمات الكيميائية التي شنّها نظام الأسد على المدنيين في ريف دمشق، الغوطة الشرقية والغربية، والتي نفت دمشق مسؤوليتها عنها، أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما أنه قبل شنّ ضربةٍ عسكريةٍ متوقّعة على نطاقٍ واسع ضدّ قوات النظام، سيطلب أولاً تفويضًا من الكونغرس لاستخدام القوّة. كان من المفهوم أنّ أيّ عمل عسكري أمريكي سيعتمد على تصويت الأغلبية في الكونغرس الأمريكي المنقسم باستمرار. أدى هذا الخيار إلى تراجعٍ حاد في معنويات حلفاء واشنطن في المعارضة السورية، الذين كانوا يأملون بالالتزام بـ “الخط الأحمر” الذي كان الرئيس قد حدّده بشأن استخدام الأسلحة الكيميائية. جاء الهجوم بالفعل بعد عامٍ ويوم من تصريحات الرئيس الأمريكي باراك أوباما حول “الخط الأحمر” في ٢٠ أغسطس/آب ٢٠١٢، والتي حذّر فيها قائلاً: “حتى الآن لم أعطِ أمرًا بالتدخل عسكريا” في سوريا. وتدارك “لكن إذا بدأنا نرى نقلا أو استخدامًا لكمياتٍ من المواد الكيميائية فذلك سيغير حساباتي ومعادلتي “.
لكن لم يحدث شيء. لو تدخلت الولايات المتحدة، لكان من المرجح أن تتحسن قدرات الجماعات المسلحة التابعة للجيش السوري الحر، ممّا يقوض القدرة العسكرية للنظام. ألا أنّ الذي حصل هو أنّ الحركات الأصولية والجهادية تعزّزت بينما فقدت قوات الجيش السوري الحرّ مصداقيتها بشكل متزايد، واعتُبرت المعارضة المنفية منفصلةً عن الوضع على الأرض وأقرب صلةً بالدول الغربية. وقد استمرت هذه الديناميكية في السنوات التالية، مع تزايد نفوذ الحركات الإسلامية والجهادية.
في غضون أسابيع من الهجوم الكيميائي، تغيّر الوضع جذريًا، إذ توصلت واشنطن وموسكو إلى اتفاق للتخلّص من الأسلحة الكيميائية للنظام وتدميرها بحلول نهاية عام ٢٠١٤. ساعد هذا الاتفاق على دحض التهديدات الأمريكية بالتدخل العسكري، بينما أصبح بشار الأسد شريكًا في عملية نزع سلاحٍ بإشرافٍ دولي.. من الأهمية بمكان هنا التأكيد على أنّ هذه الأسلحة محرّمة دوليًا وأنّ المساعي لنزعها ضرورية، لكن المشكلة في الحالة السورية كانت أنّ الاتفاق استهدف الترسانة التي كانت تقلق إسرائيل، من دون نزعٍ تام يحمي المدنيين.
سارع الدبلوماسيون الروس والأمريكيون إلى التفاوض على اتفاقٍ لانضمام سوريا إلى اتفاقية الأسلحة الكيميائية، والذي يتضمّن تدمير مخزوناتها، التي طُوّرت في معظمها منذ ثمانينيات القرن الماضي (بما في ذلك غاز الخردل والسارين ، بالإضافة إلى صواريخ قصيرة المدى قابلة للتشتيت)، تحت رعاية منظمة حظر الأسلحة الكيميائية. صرّح الرئيس الأمريكي آنذاك بأن “فرصة تحقيق أهدافنا من خلال الدبلوماسية” أفضل من التدخل العسكري، لكن الولايات المتحدة لا تزال “مستعدة للتحرك” في حال عدم امتثال سوريا.
أظهر هذا استخفاف القوى العظمى التام بالأرواح البشرية، وخاصة في دول الجنوب. (ولنا في الإبادة الجماعية التي يتعرّض لها الشعب الفلسطيني في قطاع غزّة منذ ما يقرب من عامين أوضح مثال…) فالاتفاق لم يُقيّد قدرة سوريا على استخدام الأسلحة الكيميائية. صرّحت سوريا بامتلاكها ١٣٠٠ طن من الأسلحة الكيميائية بأنواعها، ألا أنّ النظام لم يسلّمها كاملة.. تمّ الاحتفاظ بنسبةٍ صغيرةٍ منها، مكّنت، نظام الأسد من الاستمرار باستخدام الأسلحة الكيميائية ضدّ الشعب السوري بشكلٍ متكرّر بعد ذلك ولعدّة سنوات من دون أن يواجه أيّة عواقب وخيمة، (باستثناء غاراتٍ جوية أمريكية على منشآتٍ عسكرية ٢٠١٧ و٢٠١٨). وبحلول عام ٢٠١٩، كان توثيق وقوع ٣٣٦ هجومًا قد تمّ، ٩٨ بالمئة منها من قِبل النظام الأسدي، والباقي من قِبل تنظيم داعش، وفقًا لتقرير صادر عن معهد السياسات العامة العالمية في برلين.
ومع ذلك، فإنّ القدرة المتبقية من الأسلحة الكيميائية للنظام السوري لم تعد تشكّل تهديدًا لجيرانه، أو على الأقل كذلك تمّ تقديمها في وسائل الإعلام الإسرائيلية. رحّبت تل أبيب بالاتفاق المذكور أعلاه. أخبر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وزير الخارجية الأمريكي جون كيري قبل إبرام الاتفاق أنه يجب أن يحاول التوصّل إلى اتفاقٍ مع روسيا لمصادرة ترسانة الأسلحة الكيميائية السورية كبديلٍ لضربةٍ أمريكية تهدّد بالإطاحة بنظام الأسد، وفقًا لصحيفة وول ستريت جورنال. علاوة على ذلك، لم تكن إسرائيل أبدًا مؤيّدة لإسقاط النظام السوري السابق بعد اندلاع الانتفاضة الشعبية في عام ٢٠١١. في تموز/يوليو ٢٠١٨، على سبيل المثال، لم يكن لدى نتنياهو أيّ اعتراضٍ على استعادة الأسد السيطرة على البلاد، بعد عودة قوات النظام للسيطرة على مناطق واسعة من ريف دمشق والمناطق الجنوبية، واستقرار سلطته فيها. وأضاف أنّ إسرائيل لن تتحرّك إلا ضدّ التهديدات من قوات إيران ونفوذ حزب الله، موضّحا: “لم تكن لدينا مشكلة مع نظام الأسد، ولم تطلَق رصاصةٌ واحدة على مرتفعات الجولان لمدة ٤٠ عاما”.
في الواقع، لم يُشكّل نظام الأسد تهديدًا مباشرًا لإسرائيل، على الرغم من ادعائه بأنه مناصرٌ للقومية العربية والقضية الفلسطينية. فقد تجنّب أيّة مواجهة مباشرة مع إسرائيل منذ عام ١٩٧٤. كما لم يردّ النظام السوري على حرب إسرائيل على غزة، على الرغم من تعرّضه أيضًا لهجمات. بالإضافة إلى ذلك، مارس النظام قمعًا تاريخيًا للفلسطينيين في سوريا، وقتل الكثيرين منهم منذ عام ٢٠١١. كما دمّر مخيم اليرموك في دمشق، الذي كان موطنًا لعددٍ كبيرٍ من اللاجئين الفلسطينيين ويُعتبر عاصمة فلسطين في الشتات. هاجم النظام أيضاً الحركة الوطنية الفلسطينية في مناسباتٍ عديدة، وحاول إخضاعها لمصالحه السياسية. في عام ١٩٧٦، تدخّل نظام حافظ الأسد ضدّ الحركة الوطنية الفلسطينية والمجموعات اليسارية اللبنانية لدعم الأحزاب السياسية اليمينية المتطرّفة في لبنان لدعم الأحزاب السياسية اليمينية المتطرّفة في لبنان. كما نفّذ عملياتٍ عسكرية ضدّ مخيّمات اللاجئين الفلسطينيين في بيروت عامي ١٩٨٥ و١٩٨٦. في عام ١٩٩٠، قُدّر عدد السجناء السياسيين الفلسطينيين المعتقلين في السجون السورية بحوالي ٢٥٠٠ معتقل..
السيادة والنضال ضدّ إسرائيل كانا كذبتين من كذبات نظام الأسد
علاوة على ذلك، وقبل سقوطه، كان نظام الأسد قد فقد الكثير من سيادته لصالح إيران وروسيا، سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، من أجل البقاء في السلطة. ولهذا السبب، لعب إضعاف حلفاء النظام الرئيسيين، روسيا وإيران (وحزب الله)، الرعاة والداعمين الدوليين الرئيسيين للأسد، دورًا رئيسيًا في الإطاحة به.
في هذا السياق، كانت موافقة النظام السوري على الصفقة الروسية الأمريكية بشأن ترسانة سوريا الكيميائية من أوائل قرارات التضحية السيادية التي اتُخذت لإنقاذ حكم الأسد. أزالت هذه الصفقة أيضًا تهديدًا أمنيًا مُتصوّرًا من قبل إسرائيل، وإن كان احتمال استعماله ضدها بعيدًا عن الواقع من نواحي عديدة. وبينما قدّم المسؤولون السوريون هذه الصفقة على أنها انتصارٌ أنقذ سوريا من اجتياحٍ أمريكي، إلا أنّ هذا الحدث أثبت أن السيادة لم تكن يومًا هدفًا حقيقيًا لنظام الأسد، ولا المقاومة أيضا، بل كان الهدف حماية حكمه الاستبداديّ بأيّ ثمن.
بشكلٍ أعمّ، يثير سلوك نظام الأسد واستراتيجياته تساؤلاً حول مفهوم السيادة. عموماً، يشير المفهوم الرئيسي للسيادة إلى امتلاك الدولة سلطةً مطلقةً ومستقلة على إقليمٍ معيّن. بمعنى آخر، احتكار العنف في أيدي الجيش والشرطة تحت سلطة الدولة وحماية حدودها. في الوقت نفسه، تمارس الدولة سلطتها الكاملة في قراراتها في مجال العلاقات الدولية، من دون أيّة قوى خارجية تُجبرها على التصرّف بطريقةٍ معيّنة أو الخضوع إلى التزاماتٍ معينة تجاهها.
ومع ذلك، فإنّ هذا الفهم للسيادة من “الأعلى”، يُغفل عجز بعض الدول عن تحقيق احتكار العنف على أراضيها. وتتعدّد الأسباب، بدءًا من تحدّي جهاتٍ غير حكومية، والحروب الأهلية التي تُؤدي إلى تفتيت سلطة الدولة، والتدخلات الأجنبية، وبالطبع تكمن المشكلة الأعمّ في عدم تكافؤ التنمية والعلاقات بين الدول في النظام العالمي.
علاوةً على ذلك، وسواءٌ أكانت الدولة هي الطرف الوحيد المسيطر من حيث احتكارها للعنف على الأراضي التي تحكمها أم لا، فإنّ هذا الفهم للسيادة يقتصر على استخدام القوّة والقوّة العسكرية. بدلاً من ذلك، ينبغي توسيع نطاق فهم السيادة ليشمل الحقوق الديمقراطية والاجتماعية والاقتصادية للسكان الذين يعيشون في دولةٍ معينة أو كيانٍ آخر. من هذا المنظور، تشمل السيادة أيضاً تنظيم الدولة الذي يوفّر “الأمن الإنساني” الذي يضمن احترام حقّ الحياة، والذي يتضمن دوراً محورياً في التنمية الديمقراطية والاقتصادية والاجتماعية.
وعلى نحوٍ مماثل، فإنّ الفهم الأوسع للسيادة، والذي يشمل مكوّنات الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتنمية، يمنح البلدان النامية قدرةً أكبر على مقاومة الضغوط الدولية، على الرغم من القيود القائمة في مواجهة اختلالات القوة العالمية.
ختامًا، في ذكرى شهداء الغوطة، وشهداء الثورة عمومًا، علينا أن نتعلم من دروس الماضي لنقول إنه لا سيادة حقيقية تُبنى إلا بإجماعٍ شعبي ومشاركةٍ شعبية، ولا يمكن مقاومة محتلٍّ دون سيادة حقيقية. السيادة لا تُفرض بالقوة، ولا بشعاراتٍ كـ “احتكار العنف بيد الدولة” إذا كانت هذه الأخيرة مستبدةً أو ظالمة.
ناشط سياسي، له منشورات بالعربية والفرنسية والانكليزية. يدوّن في SyriaFreedomForever (سوريا حرية للأبد). نال درجة الدكتوراة من كلية الدراسات الآسيوية والمشرقية (سواس) بلندن. ركزت رسالته على المادية التاريخية وحزب الله. يعيش د. ضاهر في سويسرا، حيث يدرس في جامعة لوزان.
حكاية ما انحكت
————————————-
عندما يصبح الهواء أداة للقتل.. كيماوي غوطة دمشق والتداعيات على الناجين/ سامر القطريب
2025.08.21
فجر الأربعاء 21 آب 2013، شنت قوات النظام المخلوع أكبر هجوم بالأسلحة الكيميائية في سوريا، استهدف الغوطتين الشرقية والغربية في ريف دمشق. وجاء الهجوم منسقاً بصواريخ محمّلة بغاز السارين، ضمن سياسة ممنهجة لاستخدام الأسلحة الكيميائية ضد السكان المدنيين، مع استهداف واضح للأطفال والنساء، بقصد إرهاب المجتمع وفرض السيطرة بالقوة.
وقالت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقرير لها في الذكرى الثانية 12 للمجزرة، إن “الذكرى تحلّ في مرحلة مفصلية من تاريخ سوريا، مع دخول البلاد مساراً انتقالياً يشهد التزاماً حكومياً متزايداً بالتعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، بما يفتح نافذة حقيقية لتحقيق العدالة، وكشف الحقائق كاملة، وضمان محاسبة جميع المسؤولين عن هذه الجرائم”
تفاصيل مجزرة الكيماوي في غوطة دمشق
شنت قوات نظام الأسد ليلة 21 آب 2013 أربع هجمات كيميائية متزامنة على مناطق مأهولة في الغوطة الشرقية والغوطة الغربية، بما في ذلك بلدة معضمية الشام، مستخدمةً ما لا يقل عن عشرة صواريخ محمّلة بغاز السارين بكمية إجمالية تُقدَّر بنحو 200 لتر.
وأطلقت الصواريخ من منصات مخصّصة بعد منتصف الليل، واستُغلت الظروف الجوية التي أبقت الغازات السامة قريبة من سطح الأرض، ما أدى إلى سقوط أكبر عدد ممكن من الضحايا في أثناء نومهم، في دلالة واضحة على نيةٍ مبيّتة لاستهداف المدنيين المطالبين بالتغيير السياسي. ترافق ذلك مع حصار خانق مفروض منذ نهاية عام 2012، منع دخول الوقود والدواء والمستلزمات الطبية اللازمة لعلاج المصابين، مما فاقم الكارثة الإنسانية، وفق تقرير الشبكة السورية.
وتؤكد الشبكة أن قرابة 80 % من ضحايا الكيماوي في سوريا سقطوا في هجوم الغوطتين، وسجّلت الشَّبكة السورية مقتل 1144 شخصاً اختناقاً، أي ما يعادل قرابة 76 % من إجمالي ضحايا الهجمات الكيميائية التي نفذها النظام منذ كانون الأول 2012 وحتى أيار 2019. وتوزّعت حصيلة هذا الهجوم على النحو الآتي: مقتل 1119 مدنياً، بينهم 99 طفلاً و194 سيدة (أنثى بالغة)، ما يثبت الاستهداف المباشر للمدنيين؛ إضافة إلى مقتل 25 من مقاتلي المعارضة المسلحة. كما أصيب نحو 5935 شخصاً، غالبيتهم من المدنيين، بأعراض تنفسية وحالات اختناق من جرّاء التعرّض للغازات السامة.
أحد الناشطين الناجين من مقتلة الكيماوي يستعيد تفاصيل تلك الليلة الدامية
مجزرة الكيماوي.. “الهواء القاتل“
يقول أنس محمد علي، من أبناء مدينة كفر بطنا في الغوطة الشرقية، لتلفزيون سوريا إنه عاش لحظات مجزرة الكيماوي التي ارتكبها النظام السوري في 21 آب 2013، وروى شهادته على ما جرى: “اليوم الذي تشعر فيه أن أنفاسك ثقيلة عليك وعلى الناس من حولك، لأنك ترى أشخاصًا أمامك يبحثون عن التنفس وعن الأكسجين، هو اليوم الذي لا يُمحى من الذاكرة. أنا أنس محمد علي، من كفر بطنا، عملت مواطنًا صحفيًا في الغوطة الشرقية من عام 2011 حتى 2018”.
وتابع “في الساعات الأولى بعد منتصف الليل، لم يكن الناس يدركون ما الذي يحدث. فجأة صدرت نداءات عبر المساجد، وارتفعت أصوات سيارات الإسعاف التي كانت تجوب الطرقات وتنقل المصابين، ما دفع معظم الأهالي إلى التوجه إلى أقرب مشفى. للمرة الأولى رأينا مشفى كفر بطنا ممتلئًا حتى خارج أبوابه، الجثث والمصابين ملأوا الطريق، والناس العاديون كانوا يساهمون بإدخالهم إلى الداخل ورش الماء عليهم”.
ويضيف “حين بدأنا بالتصوير كمجموعة مصورين من تنسيقية كفر بطنا، قلنا إنها “مجزرة بلا دماء”، فلم نكن نرى دماءً، وهذا ما بدا غريبًا بالنسبة لنا. اليوم وأنا أتذكر تلك العبارة أشعر وكأننا اعتدنا على المجازر التي يسيل فيها الدم، لكن هذه المرة رأينا أجسادًا مكدسة في كل مكان من دون دم. داخل المشفى امتلأت الطوابق بالجثث والمصابين، وفي الصباح بعد الساعة السابعة تقريبًا بدأ النظام يقصف المشافي والأماكن التي استقبلت المصابين والضحايا”.
“حينها ظهرت ضرورة الإسراع بدفن الضحايا، ليس فقط بسبب كثرة أعدادهم، بل أيضًا خوفًا من أن تحمل الجثث بقايا المواد الكيماوية. طُرحت فكرة دفنهم في مقابر جماعية، لكن المشكلة أن بعض الجثث لم يتعرف عليها ذووها بعد. وهنا كان دور المكاتب الإعلامية والمصورين، إذ التقطوا صورًا لكل ضحية حتى يتسنى لاحقًا لأهلها التعرف عليها إذا بحثوا عنها”.
ويشدد “يجب التوضيح أن المجزرة استهدفت بشكل أساسي بلدات زملكا، وتأثرت بها جوبر وعين ترما وحزة، لكن شهداء الكيماوي دُفنوا في معظم بلدات الغوطة”.
شعور الخوف استمر فترة طويلة بعد المجزرة. في بيتنا مثلًا، رأيت أمي لأول مرة تنام بملابسها الكاملة، مرتدية معطفها وحجابها، خوفًا من أن يُستهدف البيت مرة أخرى ويُضطروا إلى الإسعاف وهم غير مستعدين. بعد المجزرة، أظن أن أهالي الغوطة وأنا شخصيًا فقدنا الأمل بالعدالة الدولية وبالحل السياسي، لأن اللحظة التي كان يفترض أن يُحاسب فيها بشار الأسد كانت هذه، بعد استخدام السلاح الكيماوي.
ويستطرد “بعد وصولي إلى فرنسا، عملت على مسارين. الأول كنت شاهدًا مجهول الهوية في القضية المرفوعة ضد بشار الأسد وعدد من ضباطه المسؤولين عن المجزرة، وقدمت شهادتي وسلمت وثائق رقمية للقضاء الفرنسي. المسار الثاني كان فنيًا، إذ شاركت في مشروع لإعادة تمثيل مجزرة الكيماوي بصور تجريدية فنية، حتى نستطيع أن نتذكر دائمًا… شخصيًا، أردت أن أُبقي ذكرى المجزرة حيّة أينما ذهبت في شوارع باريس، فربطت المشروع بين الغوطة الشرقية وباريس باستخدام اللون الأصفر، الذي يرمز للتحذير من خطر المواد السامة”.
القتل كـ “لعبة”.. والتداعيات على الناجين
القتل الذي ارتكبته قوات النظام المخلوع لم يكن بالرصاص أو بالقصف التقليدي، بل عبر غاز الأعصاب السارين الذي يقتل في صمت ومن دون ضجيج، مما جعله أكثر رعبا وهو يتسلل إلى رئات المدنيين والأطفال، حيث ما تزال تداعيات الهجوم لدى “الناجين ـ الضحايا” ترتبط بالجانب النفسي والإنساني للجريمة، من خلال تلاشي الشعور بالأمان عندما يصبح الهواء نفسه أداة للقتل.
يقول الطبيب النفسي محمد الدندل لموقع تلفزيون سوريا، إن التداعيات قد تستمر طوال عمر الناجين خصوصا أنهم استيقظوا على حالة من الهلع والصدمة، وهو ما يسمى “اضطراب الشدة ما بعد الرض ـ PTSD” حيث يعيش الناجي خيالات اقتحامية وكوابيس عند أي ذكر للكيماوي أو الحادثة، وتجعله يعيش مشاعر أقرب لما عاشه في أثناء وقوعها كالشعور بالعجز وفقدان الحيلة خاصة إذا كان رب أسرة ولديه أطفال فهنا سيعيش الصراع بين إنقاذ نفسه وإنقاذ أطفاله.
ويتابع: “ما حصل أمر غير متوقع وغير مسبوق، أن تكون أنفاس الشخص قاتلة، إضافة إلى مشاهد الموت والاختناق لأناس أمامه، والعدد الهائل للضحايا في الغوطة لقد كان كل الموجودين يعانون من نفس الصدمة من دون أي ملجأ، فالقذيفة يمكن مناورتها والحصول على المساعدة من الجيران أو من الإسعاف وقد يستطيع الشخص الاختباء، أما الكيماوي فلا مكان للهرب خاصة أن الناس كانوا نياما وفترة الفجر حيث يكون الهواء باردا ووزنه ثقيل وتمركز المادة كثيف فيه، هذا يترك حالة من الصدمة.. أتوقع أن القسم الأكبر من الناجين لن يتعافوا إلا إذا خضعو لعملية علاجية طويلة ومعقدة، وللأسف هذا الأمر غير متوفر بسبب نقص الكوادر والاختصاصيين.. معظم ضحايا هذه الحادثة لم يتقلوا العلاج بعض المحظوظين يتلقون العلاج لكنهم قلة.. ما تبقى منهم سيروون الحدث لفترة طويلة قد تستمر لنهاية العمر..”.
أما بالنسبة (للقتل عن بعد) يقول د.الدندل “القاتل عن بعد شخص غير متعاطف مع الضحايا أساسا، فهو يقتل بدم بارد ولا يشعر بشيء، فالموضوع بالنسبه إليه عبارة عن ضغط زر الإطلاق.. القتل من بعد قد يجعل الأمر سهلا للقاتل لأنه لا يشاهد بأم عينه آثار أفعاله، وهناك أمثلة من الحروب العالمية وحرب الخليج، حيث انتشر مرض اسمه “مرض حرب الخليج” بين الكثيرين بعد عودتهم إلى بلادهم إذ من الممكن أن يعيش (المقاتل/القاتل) عقدة الذنب لأنه عايش قصص الضحايا.. أم في القتل عن بعد لن يتعرض لآثار فعلته بشكل مباشر لذلك لا يمكن خلق مشاعر ذنب ومن الممكن أن يجعل ذلك منه لاحقا شخصا يقتل بسهولة أكبر وبدم بارد.. وبدون لوم ذات اتجاه الضحايا فهو أصلا لا يعرف أشكالهم ولا أعدادهم.. وهم يتحولون لمجرد رقم.. خاصة ضمن حملات التعتيم والتضليل الإعلامي التي نفذها النظام السابق، الذي لم يعترف بما جرى حتى آخر أيام سقوطه”.
أما من وجهة نظر فلسفة التكنولوجيا، فإن القتل عن بعد هو نتاج تطور التكنولوجيا التي تفصل بين السبب والنتيجة. فحين نتحدث عن القتل كـ”لعبة” يصبح فعل القتل أشبه بلعبة فيديو، حيث يضغط الفرد على زر ويختفي الهدف من دون رؤية الألم والمعاناة الناتجة.
ويرى فلاسفة مثل “بول فيريليو” أن التكنولوجيا العسكرية الحديثة تحوّل الحرب من صراع بشري مباشر إلى صراع آلي، مما يفرغها من أي معنى أخلاقي أو بطولي ويزيد من إمكانية ارتكاب الفظائع. ويشير إلى أن “القتل عن بعد” ليس مجرد طريقة جديدة للقتل، بل هو تحول عميق في طبيعة العنف. ويمثل هذا الفعل قمة التجريد من الإنسانية، حيث يُنظر إلى الضحية على أنها مجرد نقطة على خريطة، أو هدف يتم محوه بضغطة زر.
المجازر في سوريا وقتل “الضمير”
رغم قسوة العنف التقليدي، إلا أنه يحمل في طياته نوعا من “المواجهة” التي قد تثير ضمير الفرد. لكن القتل الصامت عن بعد يقتل هذا الضمير، فهو يمنح القاتل راحة زائفة من الشعور بالذنب، لأنه لم يرَ الدموع، ولم يسمع الصرخات، ولم يشم رائحة الدم.
هذا النوع من القتل يحمل في طياته خطرا مزدوجا فهو لا يقتل الأبرياء فحسب، بل يقتل أيضا قدرتنا على التعاطف والمساءلة الأخلاقية، مما يجعلنا كبشر أكثر عرضة للقتل الجماعي والمجازر.
أما الرأي الفلسفي الأكثر شيوعا حول “القتل عن بعد” هو أنه يجرّد الضحية من إنسانيتها. عندما يكون القاتل على بعد آلاف الأميال أو محلقا بطائرته الحربية في السماء أو وراء لوحة لإطلاق الصواريخ، فهو لا يرى الضحية ككائن حي له قصة بل كهدف على شاشة. وتسمي ذلك الفيلسوفة حنة آرندت بـ “تفاهة الشر”، أي أن الجريمة قد تصبح “إدارية” أكثر منها “إنسانية”.
ضرب السلاح الكيماوي الأجساد في أكثر حالاتها هشاشة: النوم، التنفس، الحاجة الأساسية للحياة. هذا الأسلوب يُظهر أن القاتل “النظام المخلوع” لا يكتفي بقتل الجسد، بل يقتل حق الإنسان في الحياة الطبيعية (النوم، التنفس، الأمان)، ما يجعله جريمة مضاعفة أخلاقيا.
هذا البعد الجغرافي والرؤية المحدودة يمحوان التعاطف ويجعلان عملية القتل تشبه تدمير جماد أو هدف غير مهم. يرى الفلاسفة أن هذا التجريد من الإنسانية يسهل على الفرد ارتكاب أفعال عنيفة لم يكن ليقدم عليها لو كان يواجه الضحية وجها لوجه. ولكن الموضوع يبقى مثار جدل بسبب وقوع أعمال عنف وجرائم ضد مدنيين تمت وجها لوجه، لكن الأكثر وضوحا هو تأثيرها وتداعياتها على المرتكب والمنتهك. حيث يفترض أن القتل له عواقب حقيقية لا رجعة فيها: فقدان حياة، ألم للضحايا وعائلاتهم، وعقوبات قانونية. أما حين يصبح القتل لعبة تختفي هذه العواقب. (الشخصيات تُقتل وتُبعث من جديد، ويمكن للاعب إعادة المحاولة مرارا وتكرارا).
هذا التجريد للعواقب هو ما يجعل القتل كـ”لعبة” تجربة مختلفة تماما. لكن السؤال يبقى: هل يمكن أن يُؤدي هذا التجريد إلى تقليل قيمة الحياة البشرية في نظر “اللاعب/القاتل”؟
في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، اقترح روبرت فيشر، أستاذ القانون بجامعة هارفارد، أسلوبا جديدا، لكنه مروع، للطريقة التي يمكن أن تقرر بها الدول شن هجوم نووي.
وكتب فيشر في جريدة “علماء الذرة”، أنه بدلا من الاحتفاظ بالشفرة السرية لتفعيل ترسانة الأسلحة النووية في حقيبة يحملها رؤساء الجمهورية، يفضل أن توضع وسائل إطلاق القنبلة الذرية في كبسولة تزرع بالقرب من قلب أحد المتبرعين، على أن يرافق هذا المتبرع الرئيس أينما ذهب، ويحمل معه سيفا ثقيلا. بحسب أرشيف صحيفة نيويورك تايمز.
وإذا وافق الرئيس، وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة، على شن هجوم نووي، فعليه أولا أن يقتل ذلك المتطوع وينتزع قلبه حتى يستخرج الشفرة.
وعندما عرض فيشر هذا المقترح على أصدقائه من وزارة الدفاع الأميركية، أصيبوا بذهول، ورأوا أن هذا التصرف قد يؤثر على تفكير الرئيس وتقديره للأمور. لكن فيشر كان يريد من وراء هذا المقترح أن “يرى الرئيس القتل بعينه ويدرك حقيقة موت الأبرياء، قبل أن يقدم على قتل الآلاف. وأن تراق الدماء أولاً على بساط البيت الأبيض”.
تلفزيون سوريا
———————–
ذكرى مجزرة الغوطة: أيّ روابط مع الساحل والسويداء؟/ صبحي حديدي
الجمعة , 22 أغسطس , 2025
مآذن عديدة، في أرجاء سوريا عموماً وفي العاصمة دمشق وضواحيها خصوصاً، صدحت ليل أمس بتكبيرات اتسمت أيضاً بتعدّد في النصّ والنبرة والرسالة القصدية؛ وذلك على سبيل إحياء الذكرى الـ12 للضربة الكيميائية التي نفذها النظام السوري ضدّ الغوطتين الشرقية والغربية. وكما بات معروفاً، نُفّذت الضربة في الساعات الأولى من يوم 21 آب (آغسطس) 2013، واستخدم النظام خلالها صواريخ تحتوي على غاز السارين، وأسفرت عن 1400 ضحية، ولسوف يقول تقرير صادر عن «مجلس حقوق الإنسان» التابع للأمم المتحدة، صدر لاحقاً في سنة 2014: «استُخدمت كميات كبيرة من غاز السارين في هجوم خُطّط له جيداً لاستهداف مناطق مأهولة بالمدنيين، مما تسبب في خسائر بشرية كبيرة».
ومنذ ابتداء ذلك العام، ارتكب جيش النظام السوري سلسلة مجازر وحشية، بينها في شهر كانون الثاني (يناير) مصرع 87 من طلاب جامعة حلب و106 من أبناء حمص بينهم نساء وأطفال قُتلوا حرقاً أو بالسلاح الأبيض، والعثور على 80 جثة في نهر قويق، حيّ بستان القصر في حلب؛ وفي شباط (فبراير) مقتل 83 من المدنيين، بعضهم سقط جراء تفجير قرب مقرّ حزب البعث في دمشق؛ وفي نيسان (أبريل) أكثر من 483، بينهم نساء وأطفال، في مجزرة «جديدة الفضل» التي ارتكبتها وحدات الحرس الجمهوري؛ وفي أيار (مايو) إعدام قرابة 50 من السجناء في سجن حلب المركزي، ومقتل 145 رمياً بالرصاص في مدينة بانياس الساحلية؛ وفي حزيران (يونيو) مجزرة سقط خلالها 191 مواطناً في قرية «رسم النفل» من ريف حلب…
غير أنّ ذكرى مجزرة الغوطتين تحلّ هذا العام والنظام الذي ارتكبها انهار تباعاً وتفكك وسقط خلال زمن قياسي، الأمر الذي يعطي للاستعادة صفات خاصة عديدة، رمزية وإنسانية في المقام الأوّل، لا تخلو أيضاً من أبعاد سياسية تربط ذاكرة الماضي بالحاضر والمستقبل بالنظر إلى أوضاع شتى متقاطعة في سوريا الجديدة الراهنة. ولعلّ البعد الثقافوي لن يغيب أيضاً، حتى إذا كان الترجيحات لا تنتظر علوّ أصوات تردّد أصداء أدونيس (لماذا التكبيرات من المآذن، على غرار استنكار خروج مظاهرات احتجاج 2011 من المساجد، مثلاً)؛ أو أصوات تنشغل بالسجال حول منع الموديل العارية في كلية الفنون الجميلة (وهل القرار من الأسد الأب، أم زاده وريثُه سوءاً على سوء، أم اتخذته سلطات الشرع الحاكمة اليوم بأمرها).
وقد يصحّ، حتى يثبت العكس ربما، الافتراض بأنّ غاز السارين وأيّ من شقيقاته الكيميائيات لم يُستخدم في مجازر الساحل السوري، مطلع آذار (مارس) الماضي، سواء من فلول النظام التي دشنت التحرّك العسكري العنفي، أو من فصائل موالية للسلطة الانتقالية ردّت بانتهاكات وفظائع، قد ترقى إلى جرائم حرب على الطرفين معاً؛ ولا في معارك السويداء ومجازرها، حيث تماثلت الحال بمعدلات أقلّ أو أكثر، لدى القوى الموالية أو ميليشيات الشيخ حكمت الهجري. غير أنّ وتائر المأساة، ودماء الأبرياء التي أريقت، والجراح التي انقلبت سريعاً إلى شروخ عظمى في الجسد الوطني السوري لن تندمل بيسر أو في زمن قريب مرئي… كلها، وسواها، عناصرهيهات لها أن تحجب واقع، أو على الأقلّ الحقّ في، ربط الغوطتين 2013 بالساحل والسويداء 2025.
الأكثر تشاطراً، والأشدّ سطحية استطراداً، سوف يكون ذلك الرأي الذي يضع نظام «الحركة التصحيحية» وسلطات الشرع الانتقالية في خانة تشابه، أو حتى إعادة إنتاج ميكانيكية؛ ليس من وحي استخدام العنف وارتكاب المجازر (إذْ أنّ البراهين المتوفرة هنا لن تسعف القائل بهذه الخلاصة) بل اتكاء على أصعدة أخرى عمادها العقائد الجهادية والإسلاموية، أو السلوك الطائفي معلَناً أو مضمراً، أو التعطش للثأر من جماعات سبق لبعض أبنائها أن تورطوا في فظائع خلال خدمتهم في صفوف النظام الساقط؛ أو (ولعلها حالة مثلى!) الانفراد بالحكم، وارتكاب الأخطاء، والإعلان الدستوري القاصر، والتملّق للغرب، والتفاوض غير المباشر مع دولة الاحتلال، وما إلى ذلك كثير ومتشعب.
أكثر انحيازاً إلى معطيات ملموسة فعلية، ضمن منهجية في السياسية لا تستند على ما هو مستوهَم قبل، أو بعد، معطيات الأمر الواقع على أرض السورية فريدة التعقيد والتشاكل والتناقض والتقاطع؛ سوف يكون ذلك الرأي الذي لا يقرّ التماثل بين آل الأسد وآل الشرع، في الحكم كما في شبكات الولاء، وفي الآن ذاته لا يستعبد تسخير أدوات العنف على اختلاف ضروبها لتمكين السلطة وحراسة بيتها وتحصين قلاعها؛ حتى حين لا يكون السارين خياراً مطروحاً بالضرورة، أو على سلّم أولويات الردع والسيطرة. في عبارة أخرى، قد يصحّ وطنياً بادئ ذي بدء وضع مجازر الغوطتين 2013 نصب أعين السوريين، عند تحليل مجازر الساحل والسويداء 2025؛ ولكن ليس عبر نظرة خرقاء قوامها التمييز بين سيئ وأسوأ، بقدر التبصّر المعمّق في طبائع السلطة خلف الانتهاكات، وأنها ليست محض عربدة طائفية أو جهادية بقدر ما تبدأ من، وتنتهي أيضاً إلى، معمار سياسي واجتماعي وإيديولوجي محرِّك وناظم.
النظرة ذاتها يتوجب أن تقرأ سلسلة أنساق التناظر ودلالاتها، بين ردود أفعال قوى عظمى إقليمية أو دولية على مجزرة الغوطتين، مقابل التعاطي مع مجازر الساحل والسويداء؛ ليس لأغراض فضح الكيل بأكثر من مكيال تجاه الملفّين فحسب، بل كذلك لاستقراء السياسات الذرائعية التي كانت تحكم النظرة إلى نظام «الحركة التصحيحية» بالمقارنة مع السلطات الانتقالية الراهنة في سوريا الجديدة. وللمرء أن يدع دولة الاحتلال الإسرائيلي جانباً، إذْ أنَ إشفاق بنيامين نتنياهو على دروز السويداء ليست له سابقة، حتى رمزية، على امتداد مئات المجازر التي ارتكبها النظام السوري الساقط منذ انتفاضة 2011 ضدّ عشرات المدن والبلدات والقرى في سوريا. وبالتالي فإن معادلة نتنياهو مع الشرع لا تبدأ من الأقليات عموماً، ولا تنتهي عند ما تبقى في الترسانة العسكرية السورية من صواريخ ودبابات ومدافع.
الأجدر بالتأمل هو ما وقعت فيه إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما من تخبط إزاء قصف الغوطتين بالأسلحة الكيميائية، حيث بدأ الارتباك من زلّة لسان أوباما بصدد «خطّ أحمر» تجاوزه النظام السوري، ومرّ بالضجيج حول ضربة عسكرية عقابية، ثمّ سوء التخطيط لها، ورداءة إدارتها سياسياً وإعلامياً وعسكرياً، ومع الكونغرس والحليف البريطاني… إلى أن انتهت الحال بصفقة روسية تضع ترسانة النظام السوري من الأسلحة الكيميائية قيد الرقابة الدولية، والتخلص منها نهائياً… الأمر الذي لم يتحقق، بالطبع. السنوات التالية بعد 2013 شهدت فصولاً دراماتيكية من التعامل مع النظام السوري، سواء لجهة مغازلته والتمهيد لإعادة التطبيع معه، أو لجهة مسارعة كتّاب ومعلّقين في الغرب إلى تبرئته من الضربة الكيميائية ذاتها!
للمرء أن يتخيل ما ستكون عليه الحال اليوم لو أنّ أنصار الشرع اتُهموا باستخدام غاز السارين في بيت عانا ـ محافظة اللاذقية (مسقط رأس «النمر» مجرم الحرب سهيل الحسن) أو في السويداء (حيث «ضريح» حزار دير الزور عصام زهر الدين)؛ وهل كانت فرنسا ستكتفي باستقبال موفق طريف شيخ عقل الدروز في دولة الاحتلال، كي يفاوض باسم دروز سوريا؛ أو أن يذهب أتباع الشيخ الهجري إلى رفع صورة نتنياهو نفسه، وليس علم الاحتلال وحده؛ أو أن تُزال مفردة «المسلمين» عن توصيف الموحدين الدروز، في قلب السويداء؛ أو، أخيراً وليس آخراً، ألا يُكتفى بمنع مئذنة مسجد السويداء من التكبير في ذكرى قصف الغوطتين بالسارين، بل أن… تُقصف المئذنة ذاتها!
كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
القدس العربي
————————-
نبش في الذاكرة الجماعية للغوطة الشرقيّة.. مجزرة الكيماوي بلسان ناجيات/ حنين عمران
2025.08.21
لم يكن الغاز وحده الذي تسرّب إلى أحياء الغوطة الشرقية قبل اثني عشر عاماً، وتحديداً في الواحد والعشرين من شهر آب عام 2013، بل أيضاً أسئلة الصدمة والفَقد التي لم يترك لها شبح الموت مجالاً حتى تكتمل؛ أسئلةٌ تُعاد إلى الواجهة اليوم بعد سقوط نظام الأسد، لتصبح النساء الشاهدات على مجزرة الكيماوي في زملكا وعين ترما أحقَّ من يجيب عنها، والأجدر برواية القصة كاملة، ولكن هذه المرة بلسان الناجية لا الضحية.
أبت النساء في الغوطة الشرقية خلال سنوات الثورة السورية أن يكنّ متفرجات على الحدَث؛ سواء أكان قصفاً همجياً أم اجتياحاً بربرياً، أم غازاً كيميائياً يخنق المدنيين في جريمةٍ تامة الأركان ولكن بلا أثر، بلا دماء. فكانت المرأة “الغوطانية” شاهدةً على الألم، وموثّقةً لأرشيف من النضال في وجه محاولات الإنكار والطمس والنسيان، كما كانت مُسعفةً في الميدان وممرضةً في مستشفى مُصغّر أقيم على عجلٍ بين أنقاض الأبنية وتحت خيمة الموت المُرتقب في كل لحظة.
في هذا التقرير، يسلّط موقع تلفزيون سوريا الضوء على دور النساء في نقل ذكريات الفاجعة؛ خلال واحدة من أبشع المجازر الكيميائية في العصر الحديث، أو كما يسميها السوريون “مجزرة القرن”.
نومٌ لا صحوة بعده وغازٌ يخنق بلا استئذان
بملامح هادئة وبصوتٍ لا يرتجف، تروي فاطمة البدوي ذكرياتها عن مجزرة الكيماوي في عين ترما، في حين تحاول التقاط التفاصيل من ذاكرةٍ رفضت النسيان؛ فكيف تنسى الأم لوعة قلبها المكبوتة منذ سنوات في فراق أبنائها؟
وللمرة الأولى، وعلى عكس القصص التي لطالما رواها الناجون عن ذلك اليوم المشؤوم، تؤكد فاطمة أن ضربات الكيماوي على الغوطة الشرقية بدأت عقب صلاة العشاء يوم 20 آب 2013 واشتدت حتى خنقت الأنفاس فجر اليوم التالي. “لقد اختنقنا ونحن نائمون”، بهذه الجملة تصف نجاتها بعد أن حاول أخوها إسعافها هي وابنتها باستخدام “الكولا” والخل.
فقدت فاطمة ابنها الأصغر ـ محمد نعيم الحلبي ـ الذي كان يعمل في “طبية كوين”، وهي مستشفى ميداني في عين ترما أقيم في صالة أفراح واسعة. محمد الذي كان في الرابعة عشرة من عمره حينما قُتل، كان “مدلل قلب أمه” كما تذكره فاطمة، التي دفعت به إلى العمل كمسعف في المستشفى الميداني أملاً بأن يكسب الأجر ويتحلى بالشجاعة.
تقول فاطمة في حديثها لموقع تلفزيون سوريا: “كان محمد يغني: يا جنة افتحي أبوابك، نعيم من زوارك، وحينما أخبروني باستشهاده، قالوا لي: مدلل قلبك استضافه الرحمن”.
ولم يكتفِ نظام الأسد بخنق الناس، بل قرر في تلك الليلة أن ينفّذ إبادة يوقع فيها أكبر عدد من الضحايا في الغوطة الشرقية، فأمطر سماءها بالصواريخ والقذائف و”المنطاد” كما يسميه الأهالي، في حين يتسلل الغاز بين الأحياء وإلى البيوت ليقطف أرواح الصغار والكبار، حتى صارت الملاجئ والأقبية مُسمّمةً بالكامل، فلا نفع من الهروب إليها ولا مفرّ من الصواريخ.
“الناس كانوا في حالة صدمة”، تقول فاطمة ذلك وتصمت فجأةً في حين تعود بها الذاكرة إلى مكان إحضار جثث ضحايا الكيماوي، حيث كانوا يرشونها بالماء قبل الدفن. إذ وصل عدد الضحايا بحسب كلام الأهالي إلى ما يزيد على 1400، في حين وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان الرقم آنذاك بـ1127 ضحية. لا تزال فاطمة البدوي، كما كثير من أهالي الغوطة الشرقية، وتحديداً في عين ترما وزملكا، يصفون ما جرى بأنه كارثة أدخلتهم في حالة ذعر لم يستفيقوا من آثار صدمتها حتى يومنا هذا. تقول: “الأطفال اختنقوا وهم نائمون، ناموا في ليلتها نومتهم الأخيرة، وكانت فاجعة الأمهات لا توصف”.
النساء في الخطوط الأولى
أدركت النساء في الغوطة الشرقية أن حرب الثوار مع النظام ستطول وتطول الجميع من دون رحمة؛ فاتخذن مواقعهن واتكلن على ما تمنحهنّ إياه أمومتهنّ وقوتهنّ ورغبتهنّ في أن يكنّ شريكات الألم والمعاناة، وأخيراً: النصر.
وقد قتل النظام من النساء 29,046 امرأة منذ عام 2011 وحتى شهر تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2024، وذلك وفق تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان. وفي الغوطة الشرقية، تحديداً في “طبية كوين”، قُتلت ممرضتان يتذكرهما أبناء المنطقة جيداً: صفاء الفاعور وحياة العسلي.
وتذكر ردينة الحجي في حديثها لموقع تلفزيون سوريا عن حياة العسلي أنّها كانت بشوشة الوجه، لطيفة الطلّة، حتى أنّ عدداً من المصابين والجرحى كانوا “يطلبونها بالاسم” حتى يتفاءلوا بوجودها عندما تطبب جراحهم.
أما فاطمة البدوي، فقد التحقت بـ”طبية كوين” بعد فقدانها ابنها في هجمات الكيماوي؛ إذ أخذت على نفسها عهداً بإكمال طريقه في مداواة واستقبال الجرحى. تقول فاطمة لموقع تلفزيون سوريا: “بدأت بالنزول إلى المستشفى الميداني كبديل عن ابني، وكنت أقف أمام الطبيب من أجل التعلم منه كيف يقوم بإعطاء الإبر والدواء وحتى خياطة الجروح والإسعافات الأولية، واستمررت في ذلك حتى يوم تهجيرنا إلى الشمال السوري في عام 2018”.
وكان الأطباء يستعينون بالنساء آنذاك من أجل التدخل في حالات محرجة كمداواة نساء مصابات، كما تقول فاطمة، وكان منهم: الطبيب فايز عرابي، رضا الحرح، راتب غواصة، مأمون حمادة. وتذكر فاطمة عن صديقتها الممرضة (سونا دلال) ما قامت به من مخاطرة لإنقاذ حياة الجرحى في حين ينقلونهم في الأنفاق التي تصل بين المستشفى الميداني وجامع الدعوة. تقول: “مواقف كثيرة كادت تفقد فيها سونا حياتها، لكنها كانت مؤمنة بما تفعله، كما كنا جميعاً مؤمنين بأن الثورة لن تخذل أبناءها مهما خسروا من أجلها”.
كما أخذت النساء على عاتقهنّ مهمة طبخ الطعام ونقله إلى المقاتلين في فصائل المعارضة المسلحة آنذاك، والاعتناء بالأطفال الذين تيّتموا بعد فقدان أهلهم في هجمات الكيماوي. تقول ردينة الحجي لموقع تلفزيون سوريا: “كانت النسوة تجمع الأطفال في الجامع أو في أقبية الأبنية والملاجئ، ويحضّرن الأطعمة من المتاح من المواد، ولا سيما في أوقات الحصار والجوع، وبعد الكيماوي حيث صار لدينا عدد كبير من الأطفال من دون أهل”.
في حين يتحدث خالد إبراهيم فاخرجي عن نساء الغوطة الشرقية بأنهن “أخوات الرجال”، إذ تساوين في قوتهم ورباط جأشهن مع الرجال على الجبهات. خالد الذي فقد 4 من أبنائه خلال الثورة السورية، يقول: “لقد خسرت زوجتي أولادها الأربعة، ورغم ذلك لا تزال قوية تقف إلى جانبي كما كانت دائماً، النساء هنا صابرات، وما فعلنه وتحملنه خلال السنوات الماضية كان نضالاً حقيقياً”.
“امرأة بعشرة رجال”
لم تكن “الحجة أم يحيى عطايا” المنحدرة من حي جوبر والتي يذكرها أهالي عين ترما حتى الوقت الحالي، امرأة عادية، بل كانت المرأة الأولى في ريف دمشق كـ”مسعفة جبهات”. إذ بدأت قصّتها بعد أن أخبرها زوجها الملتحق بالثورة في بداياتها بأنها ستطبب حالة جريح من المتظاهرين لا تزال الرصاصة في جسده. لتأخذ ميادة عطايا أو أم يحيى على عاتقها منذ تلك الحادثة مهمة تطبيب الجرحى وإسعاف المصابين ومداواتهم؛ فحوّلت منزلها ومنزل أهلها في جوبر إلى نقطة طبية، قبل أن تنزح من جوبر إلى عين ترما وتحوّل “صالة المازن للأفراح” هناك إلى مستشفى “الحجّة” الميداني والذي حمل اسمها بين الأهالي.
اعتقلت الحجة أم يحيى من النظام المخلوع، وتحديداً الفرع 40، من داخل مستشفى ابن النفيس في عام 2012 وذلك خلال نقلها امرأة تكنّى بـ”الحرة” إلى داخل الشام من أجل عمل جراحي مستعجل، إذ كانت تهمة أم يحيى أنها جاءت مع “زوجة إرهابي”. وبقيت بعد ذلك في فرع الخطيب قرابة 6 أشهر لتخرج من المعتقل وتتابع عملها نفسه، ولكن على نطاق أوسع، إذ صار لديها 20 ممرضاً وممرضة تقوم بتدريبهم بنفسها، كما شاركت في الحالات الإسعافية على خط الجبهة الأولى في معركة القابون قبل انتقالها إلى الشمال السوري، حيث حولت بيتها هناك أيضاً إلى نقطة طبية.
تقول أم يحيى في حديثها لموقع تلفزيون سوريا: “لن ننسى ما مررنا به، هذه الذاكرة نحملها ونُحمّلها للأبناء، نحن ناجون شهدنا الألم وشاهدنا النصر، ولم يكن ما مررنا به إلا دليلاً على استحقاقنا الحرية”.
خسرت “أم يحيى” ابنها في معركة ردع العدوان، وعادت من الشمال السوري لتعيش في دمشق، وهي تروي ذكريات الألم وتوثق إبادة النظام لأبناء الغوطة الشرقية وأبناء إدلب أيضاً. وتظهر أم يحيى في روايات مَن يعرفها كوجه مزدوج للحكاية: إنها الضحية والناجية، والمرأة القوية الحانية.
تقول بتول عجوز عن أم يحيى: “لقد كانت أمّاً حقيقية في المستشفى الميداني، كانت تحمل جهاز لاسلكي وتتنقل به وهي تنتظر الحالات الإسعافية، وكان ذلك عملاً إنسانياً خالصاً، تحنو على المرضى وتداري أوجاعهم، كما أنها اعتقلت لدى النظام للسبب نفسه”.
أمومةٌ طارئة خلقتها الكارثة
كان أصعب ما واجهته الأمهات آنذاك هو الحالة النفسية العصيبة التي عايشها الأطفال عقب المجزرة المزدوجة، الكيماوي والقصف في الوقت نفسه، إذ عانى عدد كبير منهم من نوبات الهلع واضطراب الصدمة بعد الرضّ وعزلة اجتماعية، فضلاً عن العدائية الواضحة لدى بعض الأطفال الذين عايشوا تلك التجربة القاسية.
تذكر ردينة عن تجربتها في مركز تعليمي داخل مدينة عين ترما، وعن الأطفال الذين تعاملت معهم آنذاك، أنّ عدداً كبيراً من الأطفال كانوا يتعاملون بعدائية واضحة مع أقرانهم ومع المعلم. تقول: “هناك حالات واضحة من ضعف التركيز وصعوبات الإدراك للأطفال الذين شهدوا واقعة الكيماوي، ولا سيما بالنسبة للذين شاهدوا بأعينهم موت أصدقائهم، كما أن لدى عدد كبير منهم حالة من العدائية وكره المجتمع”.
وعن تجربة ابنها تقول: “ابني كما غيره من الأطفال الذين نشأوا في الحرب، عانى وعانيت معه من اضطرابات نفسية وسلوكية، فكان كلما سمع صوتاً عالياً يقف في مكانه ويبدأ بالدوران حول نفسه، في حين كان طفلاً آخر من الذين فقدوا عائلتهم في الكيماوي يأخذ زاوية لنفسه ويجلس فيها دون حراك أو كلام”.
وبذلك أخذت النساء دور المعالجات ضمن حدود معرفتهنّ واستطاعتهنّ الضيقة؛ ووفق كلام ردينة وفاطمة، عملت النساء على إخراج الأطفال من حالة الأذى النفسي باللعب والقفز والغناء، وأيضاً بالدروس الدينية وألعاب الذاكرة وحفظ القرآن. تقول: “الطامة الكبرى كانت بالعدد الكبير من اليتامى عقب هجمات الكيماوي، لكن النساء هنا احتوين الأمر وتعاملن معه؛ لقد صارت الشابات والنساء أمهات لهم، إنها أمومة طارئة خلقتها الكارثة”.
وتتحدث فاطمة البدوي ـ أم محمود ـ عن قصة طفل لم يتجاوز الأربعة أشهر حينما أحضروه إليها إلى النفق وقد توفي والداه اختناقاً بالكيماوي، فأخذته أم محمود واعتنت به لأيام، وطلبت من إحدى النساء المرضعات أن تمنحه شيئاً من حليبها ريثما يعود عمه لأخذه. تقول: “تمنيت في حينها لو أن حليباً في صدري فأبقيه عندي، لقد كُسرت قلوبنا مرات ومرات، وعلى الرغم من أننا أجبرنا على البقاء قويات في كل الظروف اللا إنسانية، لكن حاشَ لله أن تقسو قلوبنا”.
أما الدكتور راتب غواصة، وهو من الأطباء الذين عملوا خلال سنوات الثورة في المستشفى الميداني في عين ترما “طبية كوين”، وفي حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أوضح بأنّ الأطباء لم يكونوا مستعدين لهذا العدد الكبير من الضحايا في حينها، كما أن عدد الضحايا فاق التوقعات، ولا سيما مع العجز الكبير عن تأمين العلاجات من مشتقات الأتروبين والكورتيزون وعبوات الأوكسجين. يقول: “كانت نكبة حقيقية خلّفت أعداداً كبيرة من الأرامل واليتامى الذين بقيت لديهم أعطاب نفسية حتى الوقت الحالي من هول الصدمة ووقع الفاجعة”.
وعن الأطفال أوضح الدكتور غواصة أن عدداً كبيراً منهم كانوا متفهمين لحالة ذويهم، ولا سيما في أثناء الحصار والاختباء في الملاجئ تحت القصف والبراميل، لكن عدداً كبيراً منهم انهارت عقولهم تحت وطأة الفَقد وخسارة الأب أو الأم أو الإخوة.
بحثاً عن القبور.. النساء وتوثيق الذاكرة الجماعية
ما تزال سيدرا القطان تبحث عن قبر والدها ووالدتها وأخيها الصغير بعد مرور أكثر من 12 عاماً على فاجعة الكيماوي. سيدرا التي خسرت عائلتها مرة واحدة وللأبد في ليلةٍ قاهرة، لا تزال تُطالب بحفنة من تراب قبورهم. تقول: “يصير التراب في حالتي نعمة!”.
والدتها ـ منيرة أحمد بدران ـ أخذت رقم (111) في المقبرة الجماعية، في حين كتب على جبين والدها ـ أحمد فايز قطان ـ الرقم (61)، فيما لم يحمل أخوها الذي لم يتجاوز الثماني سنوات عندما اختنق بالغاز السام أي رقم. وتتضارب الأحاديث حول المقبرة الجماعية التي دفنوا فيها، حينما اختنقت هي أيضاً بالكيماوي لكن شاءت لها الأقدار أن تتلقى العلاج في مستشفى كفر بطنا وتعيش يتيمة منذ كانت في التاسعة من عمرها. تقول: “رأيتهم بعينيّ حينما استشهدوا، لكنني أنكرت.. لم أصدق أنني خسرتهم جميعاً للأبد”.
وحال عدد كبير من أبناء الغوطة الشرقية كحال سيدرا، لا يعرفون مكان قبور ذويهم على الرغم من امتلاك بعضهم لأرقام الجثث وصور الضحايا. إذ كان توثيق حالة الوفاة آنذاك يتم بطريقةٍ شفوية تقوم بها النساء على الأغلب، إذ تعرف إحداهنّ أن العدد الفلاني من هذه العائلة ماتوا بهجمات الكيماوي، في حين قتلت 3 عائلات بأكملها بقصف طال هذا البناء أو ذاك الحي. وهكذا يتم تناقل الخبر وتوثيقه.
تقول فاطمة البدوي: “لن أنسى ما حييت تلك المأساة، لقد كانت أصعب لحظة خلال سنوات الثورة هي مشهد الجثث المكومة في المحلات المفتوحة مقابل المستشفى الميداني”.
وقد قام الأهالي بتوثيق ضحايا الكيماوي بكتابة رقم على الجبين والتقاط صورة للضحية قبل دفنها في المقبرة الجماعية. لكن للأسف، وكما أوضحت سيدرا لموقع تلفزيون سوريا، فإن ذلك لم يكن كافياً، إذ ضاعت أماكن الجثث على الرغم من امتلاكهم الأرقام والصور، لكنهم غير قادرين على تحديد مكان المقبرة أو في أي منطقة بالضبط.
تقول سيدرا: “لقد أنزلوا أخي الثاني (محمد) إلى القبر ظنّاً منهم أنه مات اختناقاً بالغاز، لكنه تحرك فأخرجوه، وقاموا آنذاك بنشر صورته على التنسيقيات وصفحات الفيس بوك بعد أن قدموا له العلاج، أما قبور بقية أفراد عائلتي فكنت أنتظر عودة أهلنا في إدلب إلى الشام حتى يساعدوننا في تحديد مكانها، لكن لم أصل إلى نتيجة حتى الآن”.
وعن إثبات الوفاة في النفوس العامة خلال زمن النظام المخلوع، فأوضحت أن النظام كان يسجل ضحايا الكيماوي على أنهم قُتلوا لأسباب غامضة أو بقذيفة هاون أو حتى بحادث سير، مع المخاوف الكبيرة التي عاناها ذووهم في توثيق الوفاة أو حتى بالسؤال عنهم في بعض الحالات، خوفاً من أن ينتهي بهم الأمر في المعتقلات تحت مسمى “إرهاب”.
في حين وثقت أم يحيى عطايا قرابة 800 حالة بين مقتول بالغاز وخاضع للعلاج والإسعافات، وذلك قبل قيامها بإحضار “تركس” لحفر حفرة كبيرة في وادي عين ترما، تحوّلت إلى مقبرة جماعية لضحايا الكيماوي الذين وصلوا إلى مستشفاها الميداني آنذاك.
عيونٌ شاخصة وأنفاسٌ متقطعة ورائحة كريهة لموت يقطف الأرواح بلا هوادة؛ هذا ما بقي في ذاكرة أبناء الغوطة الشرقية، في حين تُصرّ النساء على رواية القصة مرة ومرتين وألف إن لزم الأمر حتى لا تجفّ الذاكرة ولا تُطوى التضحيات من أجل الحرية. وكما بقية من تحدثن إليهن، تؤكد سيدرا بأنها ستخبر طفليها بالقصة كاملة حينما يكبران، وتعبّر عن امتنانها، فهي المرة الأولى التي يُشارك فيها السوريون جميعاً بإحياء الذكرى وبإطلاق التكبيرات من الجوامع على أرواح الضحايا.
تقول: “سأخبر أبنائي بأننا بقينا رغم الإبادة الممنهجة والفقد والانكسار. إنها المرة الأولى التي يمكنني فيها الشعور بالانتماء، لقد سلبنا الأسد حتى شعورنا بالانتماء، واستعدناه بسقوطه. مشاعر مختلطة في داخلي الآن بين حزني على خسارة عائلتي وبيني فخري بهم، فهم الشهداء، ولا نريد أكثر من العثور على قبورهم الآن”.
تلفزيون سوريا
——————————
بدون الأسد.. السوريون يحيون الذكرى الـ12 لمجزرة الكيماوي في الغوطة/ عمر زقزوق
21/8/2025
توافق اليوم الذكرى الـ12 لأبشع مجازر القرن الـ21 مجزرة الكيماوي حين استهدفت قوات نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد المدنيين في الغوطة الشرقية ومعضمية الشام بريف دمشق بالسلاح الكيميائي فجر 21 أغسطس/آب 2013 مرتكبة جريمة ستظل محفورة في الذاكرة السورية.
في تلك الليلة الظلماء قُضي على أكثر من 1100 مدني -بينهم نساء وأطفال- اختنقوا بغاز السارين السام وهم نائمون، كما أصيب نحو 6 آلاف آخرين بأعراض التسمم الكيميائي، بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان.
فاستيقظ العالم حينها على واحدة من أبشع الجرائم التي ارتكبت بحق الإنسانية، في حين ظل المجتمع الدولي عاجزا أمام مأساة لم يحاسب مرتكبوها حتى اليوم.
ويحيى أهالي سوريا للمرة الأولى ذكرى المجزرة بدون حكم آل الأسد، والتي توافق اليوم الخميس، فكتب وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى “نتأمل في أحداث مأساوية تظل عالقة في الذاكرة التاريخية، حيث أُزهقت أرواح أكثر من ألف إنسان بلا ذنب، وامتلأت الأرض بأجساد الضحايا، في حين سُكبت المياه عليهم في محاولات يائسة للتخفيف من الألم”.
وأضاف المصطفى “في ظل هذا الدمار تصدح صرخة طفلة صغيرة “أنا عايشة يا بابا، أنا عايشة”، في وقت بقي فيه المجتمع الدولي غارقا في نقاشاته الباردة، لتظل الجريمة بلا عقاب بعد صفقات مخزية”.
بدوره، أشار الدفاع المدني السوري في تدوينة قائلا “تختنق الأنفاس وتعود الذكريات في كل عام مع الذكرى الـ12 لمجزرة الكيماوي في غوطتي دمشق، أكبر مجزرة بالسلاح الكيميائي في القرن الـ21 ارتكبها نظام الأسد، كانت ليلة مأساويةـ اختنقت الأنفاس بغاز السارين، وفقد أكثر من 1100 شخص أرواحهم دون دماء، وتعرّض الآلاف لإصابات خطيرة”.
وأضاف “تبقى أصوات المطالبين بالعدالة عالية، ونحمل الحقيقة راسخة في وجداننا حتى تتحقق العدالة المنشودة من أجل الضحايا والإنسانية جمعاء”.
وتفاعل سوريون على وسائل التواصل الاجتماعي مع الذكرى الأليمة، وكتب مغردون “مجزرة الكيماوي التي ارتكبها بشار الأسد وعصابته تظل عارا على جبين البشرية، فقد نجا القاتل من العقاب وقتل الأبرياء وهم نائمون بطريقة وحشية، رحمة للشهداء، وما زلنا ننتظر العدالة”.
وتساءل آخرون “كيف ننسى المجازر ومجزرة الكيماوي محفورة في ذاكرة الأرواح قبل ذاكرة الورق؟ كانت وصمة على جبين الإنسانية وسطرا أسود في كتاب الطغاة كتبته عصابات الأسد بالحقد وتجاهله العالم بصمت مخز”.
ومع حلول ذكرى مجزرة الكيماوي تداول نشطاء سوريون مقاطع فيديو مؤثرة أظهرت آباء يودعون أبناءهم الذين قضوا في المجزرة.
كما وثقت مقاطع أخرى مآذن دمشق وريفها وهي تصدح بالتكبيرات تخليدا للذكرى.
وكانت الشبكة السورية لحقوق الإنسان وثقت هذا الهجوم منذ دقائقه الأولى، وأصدرت أول تقرير حقوقي عن هذه الحادثة المروعة.
وأشارت الشبكة في تقريرها إلى أن نحو 80% من مجمل ضحايا الأسلحة الكيميائية في سوريا قضوا في يوم واحد.
وقالت في بيانها إنه في ليلة 21 أغسطس/آب 2013 شنت قوات نظام الأسد 4 هجمات كيميائية متزامنة على مناطق مأهولة في الغوطة الشرقية والغوطة الغربية، بما في ذلك بلدة معضمية الشام، مستخدمة ما لا يقل عن 10 صواريخ محمّلة بغاز السارين بكمية إجمالية تُقدر بنحو 200 لتر.
وأضافت الشبكة أن قوات الأسد أطلقت الصواريخ من منصات مخصصة بعد منتصف الليل، واستغلت الظروف الجوية التي أبقت الغازات السامة قريبة من سطح الأرض، مما أدى إلى سقوط أكبر عدد ممكن من الضحايا أثناء نومهم، في دلالة واضحة على نية مبيتة لاستهداف المدنيين المطالبين بالتغيير السياسي.
وترافق ذلك مع حصار خانق مفروض منذ نهاية عام 2012 منع دخول الوقود والدواء والمستلزمات الطبية اللازمة لعلاج المصابين، مما فاقم الكارثة الإنسانية.
وسجلت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في حينها مقتل 1144 شخصا اختناقا، أي ما يعادل قرابة 76 % من إجمالي ضحايا الهجمات الكيميائية التي نفذها النظام منذ ديسمبر/كانون الأول 2012 وحتى مايو/أيار 2019.
وتوزعت حصيلة هذا الهجوم على النحو الآتي: مقتل 1119 مدنيا، بينهم 99 طفلا و194 سيدة (أنثى بالغة)، مما يثبت الاستهداف المباشر للمدنيين، إضافة إلى مقتل 25 من مقاتلي المعارضة المسلحة.
كما أصيب نحو 5935 شخصا -أغلبيتهم من المدنيين- بأعراض تنفسية وحالات اختناق جراء التعرض للغازات السامة.
وقد وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان 222 هجوما كيميائيا في سوريا منذ أول استخدام للأسلحة الكيميائية في 23 ديسمبر/كانون الأول 2012 وحتى 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 نُفذ قرابة 98% منها على يد قوات نظام بشار الأسد، ونحو 2% على يد تنظيم الدولة الإسلامية.
المصدر: الجزيرة + مواقع التواصل الاجتماعي
—————————–
مجزرة الكيماوي.. جريمة الهواء/ مصطفى ديب
21 أغسطس 2025
في مثل هذا اليوم من آب/أغسطس 2013، سيطر غاز السارين على فضاء الغوطة، وتهاوت أجساد سكانها تباعًا، من أطفالٍ ونساءٍ ورجالٍ. يومها، كان الهواء هو أداة القتل، والاختناق بدا كأنه نومٌ جماعي حلّ على المكان، حيث اختبر السكان كيف يكون النَفَسُ سببًا للموت، وكيف يغدو الموت صامتًا إلى هذه الدرجة التي لا يكون معها ما حدث سوى شكلًا من أشكال القيامة!
لا دماء، لا جراح، لا كسور.. لكن أعداد الضحايا بلغت مستويات مخيفة، وأجساد الأطفال الممددة على الأرض بدت وكأنها نهاية العالم.
مثّلت المجزرة ذروة المأساة السورية، التي تواصلت في اليوم التالي في أماكن أخرى، وكأن الفظاعة والعيش فيها قدر هذا الشعب. ولم تأتِ عدالة. كل ما جرى كان منح القاتل إذنًا بمواصلة الجريمة بأسلحة أخف وصيتٍ أقل من السلاح الكيماوي، الذي جرى الاتفاق حينها على تسليم مخزونه، بينما بقي المجرمون أحرارًا والضحايا بلا إنصاف. بل وأكثر من ذلك، أعاد النظام استخدام السلاح نفسه في أماكن أخرى من البلاد!
كما في كل المجازر الكبرى، يصبح الحديث عن الرعب معركة ثانية. نواجه السؤال نفسه دائمًا، نحن السوريين على مدار أربعة عشر عامًا: كيف نكتب عن كل هذا الموت والألم، ونحن نعرف أن الكتابة لا تعبّر عنه؟
ومع ذلك، نعرف أنها الفعل الوحيد الممكن. فعلٌ للتذكير بما جرى، لا من باب الرثاء، بل من باب التأكيد أن ما حدث ليس عابرًا نستحضره يومًا وننساه عامًا. الكتابة هنا مقاومة للتطبيع مع غياب العدالة. عدالة لا يحتاج الضحايا أكثر منها، ولن تُطوى صفحة هذه المأساة إلا بها. العدالة من أجل الضحايا، ومن أجل ألّا يتكرر ما جرى.
واليوم، بعد اثني عشر عامًا، لا يزال أهالي الغوطة ينتظرون عدالة لم تقترب منهم، ويخشون ألّا تقترب أبدًا بعد أن رأوا مؤخرًا مجرمي حرب يسرحون ويمرحون تحت شعار “السلم الأهلي”. هذه مناسبة لا للبكاء ولا للرثاء، بل للتذكير بحق الضحايا في العدالة، وللتحذير من محاولات تمييعها واستبدالها بدعايات لا تداوي الجراح بل تعمقها بحجة الحفاظ على “السلم الأهلي”.
في كل عام تعود فيه الذكرى، نستعيد شهادات الناجين، وصور الأطفال الموتى، وصراخ من بقي على قيد الحياة. لكن هذا الاستذكار يبقى مكرورًا، فيما يكتفي المجتمع الدولي بالتوثيق والإدانة، من دون أي جهد لوضع المأساة في سياقها الطبيعي: العدالة.
فعلى الرغم من مرور 12 عامًا على المجزرة، لم يُفتح تحقيق جنائي دولي ملزم، ولم يُقدّم أي من قادة النظام السابق إلى محكمة علنية بسبب هذه الجريمة. وهكذا تحوّل الضحايا إلى أرقام في تقارير المنظمات، بدلًا من أن يكونوا دعاوى حيّة أمام قضاة مستقلين.
لم يعد من المجدي استعادة هذه اللحظة من دون ربطها بمسار واضح للعدالة الانتقالية: عدالة تُحاكم المسؤولين، وتكشف حقيقة ما جرى كاملة، وتخلد الضحايا في الذاكرة الوطنية، وتضمن حق الأهالي في الاعتراف والإنصاف. عدالة تجعل المصالحة في سوريا قائمة على مواجهة هذا الإرث الثقيل لا على النسيان. عدالة تتحقق لنذكر وقوعها، لا لنظل نكرّر المطالبة بها في كل عام.
تذكرنا هذه الذكرى بما علّمتنا إياه التجارب العالمية: المجازر الجماعية لا تُمحى بمرور الزمن، ولا تُطوى ملفاتها بالصفقات. إنها تظل جرحًا مفتوحًا يهدد أي مشروع وطني إذا لم تُعالج عبر مسار عدالة شاملة. ومجزرة الكيماوي في الغوطة ليست استثناءً، بل هي قلب هذه الذاكرة السورية المثقلة.
تكريم الضحايا لا يكون في استمرار النحيب ولا في إحصاء الأرقام، بل في جعل العدالة الانتقالية أولوية في الواقع السوري الراهن. فالعدالة ليست مجرد شعارات من قبيل “لن ننسى” و”العار للقتلة”، بل فعلٌ سياسي وقانوني ينقل الذاكرة من ندبة صامتة إلى قوة مؤسِّسة. لأن الهواء الذي تحوّل يومًا إلى أداة موت، لا يستعيد معناه إلا إذا صار تنفّس الأجيال القادمة حريةً لا خوفًا.
الترا سوريا
————————-
ليلة اختنقت الغوطة بالكيميائي.. كيف تملص الأسد وتعامى المجتمع الدولي؟
21/8/2025
في فجر 21 أغسطس/آب قبل 12 عاما، استيقظ السوريون من أهالي عدد من بلدات الغوطة الشرقية بريف دمشق على مشهد لمئات الجثث في الشوارع والمنازل لأشخاص قتلوا بغاز السارين السام، في واحدة من أسوأ المجازر التي ارتكبتها قوات نظام الأسد بحق المدنيين على مدار سنوات الحرب.
عند السادسة صباحا، بدأ المصابون الذين صارعوا الاختناق بالتوافد إلى المستشفيات في زملكا وعين ترما وعربين والمعضمية، منهم من تمكنت الفرق الطبية من إنقاذهم ومنهم من لفظوا أنفاسهم الأخيرة تحت نظر الأطباء، ليختتم المشهد بصور وثقت مئات الجثث المكفنة، ووجوه محتقنة جراء الاختناق بغاز الأعصاب الذي استهدفهم بقصف استمر طوال الليل.
منذ عام 2013 الذي وقعت فيه المجزرة، دأب النشطاء وذوو الضحايا والمعارضون السوريون على إحياء ذكرى المجزرة بغصة، لكن الذكرى تمر عليهم هذا العام بنكهة خاصة، فهي المرة الأولى بعد سقوط النظام المتهم بارتكابها، وانطلاق مسار للعدالة الانتقالية تقول السلطات الجديدة إنه يهدف لمحاسبة وملاحقة كبار المجرمين في نظام الأسد المتورطين في دماء السوريين.
عند الساعة الثانية بعد منتصف ليلة 21 أغسطس/آب 2025، شرعت مآذن المساجد في دمشق وريفها بإطلاق التكبيرات، كما قام بعض الأهالي بإطلاق المفرقعات النارية، في أولى مراسم إحياء الذكرى الثانية عشرة للمجزرة. ولاحقا، شهد نصب الجندي المجهول بدمشق وقفة لنشطاء وأبناء الغوطتين الشرقية والغربية وفاءً لضحايا مجزرة الكيميائي.
ماذا حدث خلال المجزرة؟
في عام 2013، كانت أجزاء واسعة من ريف دمشق، وتحديدا الغوطة الشرقية والغربية تحت سيطرة المعارضة وفصائل الجيش الحر، وكانت بلدات زملكا وعين ترما وجوبر والمعضمية تتلقى وابلا من القصف اليومي سواء بالمدفعية أو الطيران الحربي، إضافة إلى الاشتباكات المستمرة والتي كانت تهدد حكم الأسد وقبضته الأمنية في العاصمة دمشق.
لكن الغوطتين كانتا، ليلة 21 أغسطس/آب من ذلك العام، على موعد مع سلاح فتاك ومختلف عما سبق كما ونوعا، حيث استهدف اللواء 155 المتمركز في جبال القلمون شمال دمشق البلدات بمئات الصواريخ المحملة برؤوس ملئت بغاز السارين، والذي يعرف أيضا بغاز الأعصاب.
جرى ذلك بالتزامن مع وجود بعثة أممية في العاصمة السورية للتحقيق في هجمات سابقة اتهم النظام باستخدام السلاح الكيميائي خلالها على نطاق محدود.
الائتلاف الوطني السوري، الذي كان يقود المعارضة السياسة آنذاك، قال في تقريره عن المجزرة إن قوات النظام أطلقت ابتداء من الساعة 02:31 من فجر 21 أغسطس/آب مئات الصواريخ من نوع أرض أرض محملة بغازات سامة على الغوطة الشرقية والمعضمية واستمر إطلاق الصواريخ حتى الساعة 5:21 فجرا، وبدأت الحالات تصل المشفى عند الساعة 6:00 صباحا.
وقال الأمين العام للائتلاف السوري آنذاك بدر جاموس، في مؤتمر صحفي عقب يومين من المجزرة، إنه قبل ساعات من القصف، وبالتحديد قبل منتصف الليل بـ5 دقائق، وبعد 5 غارات جوية متتالية على هذه الأحياء، توقف القصف فجأة من قبل الطيران الحربي، واستمر الطيران المروحي بالتحليق، حتى تم القصف بالسلاح الكيميائي”.
وقال جاموس إن العملية تمت بإشراف من العميد في جيش النظام السوري غسان عباس. وتفاوتت التقديرات حول عدد ضحايا الهجوم، إلا أن فضل عبد الغني، رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان رجح أن يكون عدد القتلى قد بلغ 1127 قتيلا، 201 منهم من السيدات، و107 من الأطفال.
مراوغات النظام لصد الاتهامات الدولية
طلب المفتشون من بعثة الأمم المتحدة -الذين كانوا متواجدين في سوريا بالفعل للتحقيق في دعاوى هجوم كيميائي سابق- السماح لهم بالوصول إلى مواقع في الغوطة بعد يوم من الهجوم، ماطل النظام في الرد على طلبهم، وسمح لهم في 26 أغسطس/آب بزيارة معضمية الشام وحققوا فيها، ثم حققوا في زملكا وعين ترما في 28 و29 أكتوبر/تشرين الأول أي بعد أكثر من شهرين من المجزرة.
أكد فريق التحقيق الأممي وجود “أدلة واضحة ومقنعة” على استخدام غاز السارين، وكشف تقرير صادر عن مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة في 2014 أنّه “استُخدمت كميات كبيرة من غاز السارين في هجوم خُطّط له جيدًا لاستهداف مناطق مأهولة بالمدنيين، مما تسبب في خسائر بشرية كبيرة.
في ذلك الحين، أوردت تقارير إعلامية نقلا عن أجهزة مخابرات عدد من الدول الغربية اعتقادها بتحمل النظام السوري المسؤولية عن الهجوم بغاز السارين السام على المدنيين في منطقة الغوطة، ورجحت بعض التقارير الاستخباراتية استعمال جيش النظام للسلاح الكيميائي بدون علم بشار الأسد أو تفويضه.
نفت حكومة النظام السوري ليس فقط مسؤوليتها عن الهجوم، بل أي استخدام للسلاح الكيميائي في المعارك، واصفة الصور والفيديوهات التي وثقت الضحايا والمصابين بالمسرحية، لكنها تبنت لاحقا رواية مناقضة تحمل المسؤولية عن الهجوم والضحايا للمعارضة نفسها.
لكن رئيس بعثة الأمم المتحدة آكي سيلستروم وصف تفسيرات النظام السوري حول حصول الثوار على أسلحة كيميائية بغير المقنعة.
أما تقرير بعثة الأمم المتحدة -الذي صدر في 16 سبتمبر/أيلول 2013- فلم يحمل مسؤولية الهجوم لأي جهة أو طرف، واكتفى بوصفه بأنه جريمة خطيرة ويجب “تقديم المسؤولين عنها للعدالة في أقرب وقت ممكن”.
تبعات دولية وتهديدات دولية
في بداية تحول قمع النظام للمظاهرات السلمية إلى معارك استخدم فيها الأسلحة الثقيلة بما في ذلك الدبابات والطائرات الحربية، حذر الرئيس الأميركي حينذاك باراك أوباما من أن استخدام النظام أو أي طرف آخر للسلاح الكيميائي سيمثل تجاوزا لخط أحمر.
وبعد تعاضد التقارير والتحقيقات بشأن مسؤولية النظام عن هجوم الغوطة، أعلن أوباما عن دراسة إدارته توجيه ضربات عسكرية ضد أهداف في سوريا ردًا على تجاوز خطه الأحمر وقدم طلب تفويض لمجلس الشيوخ في هذا الصدد، وأقدم رئيس الوزراء البريطاني حينئذ ديفيد كاميرون على خطوات مماثلة، في حين أيد الرئيس الفرنسي آنذاك فرانسوا هولاند ذلك دون تحفظ.
من جهتها، أعلنت جامعة الدول العربية دعمها لأي تحرّك عسكري ضد سوريا إذا حظي بمساندة أممية، غير أنّ الجزائر ومصر والعراق ولبنان وتونس عارضت هذه الخطوة.
في أواخر أغسطس/آب، صوّت مجلس العموم البريطاني ضد التدخل العسكري في سوريا. وفي مطلع سبتمبر/أيلول، قدم مجلس الشيوخ الأميركي تفويضه للرئيس باستخدام القوة العسكرية ضد النظام السوري.
صفقة دولية على أشلاء الضحايا
ومع بدء مجلس النواب بدراسة التفويض، كان أوباما ونظيره الروسي فلاديمير بوتين قد توصلا في 10 سبتمبر/أيلول 2013 إلى صفقة تقضي بأن تعلن سوريا عن أسلحتها الكيميائية وتسلّمها ليتمّ تدميرها تحت إشراف دولي، مقابل تخلي واشنطن عن ضربها.
وبالفعل، انضمت سوريا إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية ووقعت على اتفاقيتها، وصدر القرار الدولي 2118 الذي طالب بسحب وتفكيك الترسانة الكيميائية السورية، وهدد بمعاقبة النظام بموجب الفصل السابع في حال استخدام الأسلحة الكيميائية مجددا.
وفي وقت لاحق أعلنت إدارة أوباما عن تفكيك كامل الأسلحة الكيميائية التي صرح النظام بامتلاكها (1300 طن).
في سنوات الحرب التالية، عاد النظام لاستهداف مناطق سورية بالسلاح الكيميائي، مرتكبا مجزرتين في خان شيخون عام 2017 ثم في دوما عام 2018، وذلك وفق ما خلص إليه تحقيق مشترك للأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
ورغم قيام إدارة الرئيس دونالد ترامب في ولايته الأولى بتوجيه ضربات عسكرية رمزية شاركت فيها بريطانيا وفرنسا استهدفت مطار الشعيرات الذي يشتبه بانطلاق الهجوم على خان شيخون منها، فإنه لم يتم اتخاذ أي إجراء عقابي بحق النظام السوري من قبل الأمم المتحدة أو مجلس الأمن.
وفي يونيو/حزيران 2018، أعربت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية عن قلقها من عدم إعلان حكومة النظام السوري عن تدمير جميع أسلحتها الكيميائية ومنشآت إنتاجها وأنها لم تقم بذلك حتى ذلك الوقت.
المصدر: الجزيرة
————————



